← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

﴿الكتاب﴾ ﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ ﴿ياأولي﴾ ﴿الأبصار﴾ (٢) - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَالَحَ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ فِي المَدْينَةِ عَلَى أَنْ لاَ يَكُونُوا عَلَيهِ وَلاَ لَهُ. فَلَمَّا أُصِيبَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، أَخَذَ اليَهُودُ فِي الدَّسِّ وَالوَقِيعَةِ، وَالتَّأَلِيب عَلَى المُسْلِمِينَ، وَذَهَبَ زَعِيمُهُمْ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ إِلَى مَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشاً واسْتَحَثّهَا عَلَى حَرْبِ الرَّسولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، واسْتِئْصَالِ شَأفَتِهِم، وَحَاوَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ قَتْلَ الرَّسُولِ بِطَرْحِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مِنْ سَطْحِ أَحَدِ المَنَازِلِ، بَيْنَمَا كَانَ الرَّسُولُ يَجْلِسُ فِي ظِلّهِ. فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنْ كَيْدِهِمْ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ كَعْبِ بْن الأَشْرَفِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - عِيْلَةً. وَتَأَهَّبَ المُسْلِمُونَ وَسَارُوا لِقِتَالِ بَنِي النَّضِير. فَتَحَصَّنَ بَنُو النَّضيرِ فِي مَوَاقِعِهِمْ، وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ. وَدَسَّ المُنَافِقُونَ - وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُّولٍ - إِلَى بَنِي النَّضِيرِ - وَكَانَ حَلِيفاً لَهُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ - أَنْ لاَ يَخْرَجُوا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَإِنْ قَاتَلَهُم المُسْلِمُونَ فَإِنَّ المُنَافِقِينَ سَيَنْضَمُّونَ إِلَيهِمْ فِي قِتالِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُم المُسْلِمُونَ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ سَيَخْرُجُونَ مَعَهُمْ. وَجَاءَ المُسْلِمُونَ فَحَاصَرُوا بَنِي النَّضِيرِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَقَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَئِسُوا مِنْ نَصْرِ المُنَافِقِينَ، فَطَلُبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى الرَّسُولُ إِلاَّ جَلاَءَهُمْ عَنِ المَدِينَةِ، عَلَى أَنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاَثَةِ أَبْيَاتٍ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ مَا شَاؤُوا مِنْ مَتَاعِهِمْ فَجَلا أَكْثَرُهُمْ إِلَى الشَّامِ وَالحِيرَةِ. وَعَمَدَ اليَهُودُ إِلَى بُيُوتِهِمْ فَخَرَّبُوهَا لِكَيْلا يَنْتَفِعَ المُسْلِمُونَ بِهَا، وَعَمَدُوا إِلَى مَا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَقْلَهُ مِنْ أَثَاثِهِمْ فَدَمَّرُوهُ. وَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ وَخَصَّهُ بِهِ. وَيَقُصُّ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ قِصَّةَ بَنِي النَّضِيرِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ هُوَ الذِي أَجْلَي بَنِي النَّضِيرِ عَنْ دِيَارِهِمْ، بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ حُشِرُوا فِيهَا وَأُخْرِجُوا مِنَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، لَمْ يُصبْهُمُ الذُّلُّ قَبْلَهَا، وَكَانَ آخِرُ حَشْرٍ لَهُمْ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حِينَ أَجْلاَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ المُسْلِمُونَ لاَ يَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلاَءِ اليَهُودَ يُمْكِنُ أَنْ يُجْلَوا عَنِ المَدِينَةِ لِقُوَّتِهِمْ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَمَنَعَةِ حُصُونِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَكَانُوا هُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ حُصُونَهُمْ سَتَمْنَعُهُمْ وَسَتَحْمِيهِمْ مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ سُوءٌ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، فاطْمَأَنُّوا إِلَى تِلْكَ القُوَّةِ، وَشَرَعُوا فِي الدَّسِّ وَالكَيْدِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلِلمُسْلِمِينَ، فَجَاءَهُمْ بَأْسُ اللهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّعُوا، وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُمْ عَلَى بَالٍ. وَبَأسُ اللهِ لاَ يُدْفَعُ وَلاَ يُردُّ إِذَا جَاءَ. وَقَدْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قَلُوبِهِمْ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الخَوْفُ وَالهَلَعُ حِينَ جَاءَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا المُقَاوَمَةَ بَعْدَ قَتْلِ رَئيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، وَبَعْدَ أَنْ نَكَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ المُنَافِقينَ عَنْ إِنْجَادِهِمْ، وَمَدِّ يَدِ العَوْنِ إِلَيْهِمْ، كَمَا وَعَدَهُمْ، وَأَخَذُوا، مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ هَلَعٍ وَرُعْبٍ، يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ، وَيُدَمِّرُونَ أَثَاثَهُمْ، لِكَيْلاَ يَنْتَفِعَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يُدَمِّرُونَ بُيُوتَهُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ خَارِجِهَا لِيَدْخُلُوهَا عَلَيْهِمْ، فَيَصِلُوا إِلَيهِمْ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قِتَالِهِمْ، فَاتَّعِظُوا يَا أَوْلِي الأَلْبَابِ وَالبَصَائِرِ بِمَا جَرَى عَلَى هَؤُلاَءِِ، وَالعَاقِلُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ. الحَشْرُ - إِخْرَاجُ جَمْعٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ. قَذَفَ - أَلْقَى وَأَنْزَلَ إِنْزَالاً شَدِيداً. الذِينَ كَفَرُوا - هُمْ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِِ. لأَوَّلِ الحَشْرِ - فِي أَوَّلِ إِخْرَاجٍ مِنَ الأَرْضِ.

стр. 5007

(٣) - وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدَّرَ جَلاَءَهُمْ مِنَ المَدِينَةِ، وَخُرُوجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ عَلَى هَذَا الوَجْهِ المُهِينِ، لَعَذَّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا هُوَ أَفْظَعُ مِنْهُ كَالقَتْلِ وَالأَسْرِ وَالسَّبْيِ، لأَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ العَذَابِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. الجَلاَءُ - الخُرُوجُ مِنَ الدَِّيَارِ بِالأَهْلِ وَالوَلَدِ.

стр. 5008

(٤) - وَقَدْ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم الجَلاَءِ فِي الدُّنْيَا، وَالعَذَابَ فِي الآخِرَةِ، لأَنَّهُمْ عَادَوا رَسُولَ اللهِ، وَكَادُوا لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَلَّبُوا عَلَيْهِم المُشْرِكِينَ، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌ. وَمَنْ يُعَادِ اللهَ وَيُحَارِبْهُ فَإِنَّ اللهَ يُعَاقِبُهُ أَشَدَّ العِقَابِ، وَيُنْزِلُ بِهِ الخِزْيَ وَالذِّلَّةَ وَالهَوَانَ فِي الدُّنْيَا، وَيُنْزِلُ بِهِ العَذَابَ الأَلِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي الآخِرَةِ. شَاقُّوا - عَادَوا وَعَصَوا وَخَالَفُوا.

стр. 5009

﴿قَآئِمَةً﴾ ﴿الفاسقين﴾ (٥) - لَمَّا حَاصَرَ الرَّسُولُ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ فِي حُصُونِهِمْ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ إِرْعَاباً لَهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَنْهَى عَنِ الفَسَادِ، فَمَا بَالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الأَشْجَارِ؟ فَأْنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيهَا يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينَ: إِنَّ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ أَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَمَا تَرَكْتُمُوهُ دُونَ قَطْعٍ فَالجَمِيعُ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلاَ حَرَجَ، وَفِيهِ نِكَايَةٌ وَخِزْيٌ وَنكَالٌ لِلفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ. لِينَةٍ - نَخْلَةٍ. عَلَى أُصُولِهَا - عَلَى سُوقِهَا بِدُونِ قَطْعٍ.

стр. 5010

(٦) - نَزَلَ يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَفَرَضَ عَلَيْهِم الجَلاَءَ، وَتَرْكَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مَا اسْتَطَاعُوا حَمْلَهُ، فَجَعَلَ اللهُ أَمْوَالَهُمْ فَيئاً لِرَسُولِ اللهِ، وَمَغْنَماً خَالِصاً لَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى عِيَالِهِ، ثُمَّ يُنْفِقُ البَاقِي فِي الوُجُوهِ المُقَرَّرَةِ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلمَالِ الذِي يَغْنَمُهُ المُسْلِمُونَ مِنْ غَيرِ قِتَالٍ، وَلاَ مُصَاوَلَةٍ، وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ، نِظَاماً خَاصَّاً، وَلاَ يُقْسَمُ فِي الجَيْشِ كَمَا تُقْسَمُ الغَنَائِمُ، وَفْقاً لِمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اللهَ أَفَاءَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى رَسُولِهِ دُونَ قِتَالٍ إِذْ قَذَفَ اللهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ فَقَضَى بِجَلاَئِهِم عَنْ أَرْضِهِمْ. وَاللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَيَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَسْتَسْلِمُونَ لَهُمْ بِدُونِ قِتَالٍ، وَاللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. الفَيءُ - مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ. أَوْجَفَ - حَمَلَ الفَارِسُ أَوْ رَاكِبُ البَعِيرِ رَاحِلَتَهُ عَلَى الإِسْرَاعِ. الرِّكَابُ - مَا يُرْكَبُ مِنَ الإِبلِ - رَاحِلَةٌ.

стр. 5011

﴿اليتامى﴾ ﴿المساكين﴾ ﴿آتَاكُمُ﴾ ﴿نَهَاكُمْ﴾ (٧) - مَا جَعَلَهُ اللهُ فَيئاً لِرَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ الكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ القُرَى - كَبَنِي النَّضِيرِ وَخَيْبَرَوَقُرَيْظَةَ - فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ البِرِّ، وَلاَ يُقْسَمُ فِي الجَيْشِ كَالمَغْنَمِ، فَيُعْطَى لِلرَّسُولِ لِيُعْطَيِ مِنْهُ ذَوِي قُرْبَاهُ (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِي مِنْهُ بَنِي المُطَّلِبِ وَبَنِي هَاشِمِ) . وَلِلْيَتَامَى وَالفُقَرَاءِ وَلِلْمَسَاكِينِ مِنْ ذَوِي الحَاجَاتِ، وَلابْنِ السَّبِيلِ (وَهُوَ المُسَافِرُ الذِي نَفَدَتْ نَفَقَتُهُ) ، وَقَدْ قَضَى اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ لِكَيْلاَ يَأْخُذَهُ الأُغْنِيَاءُ، وَيَتَدَاوَلُوهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَيَتَكَاثَرُوا بِهِ، فَلاَ يَصْلُ شَيءٌ مِنْهُ إِلَى الفُقَرَاءِ. وَمَا جَاءَكُم بِهِ الرَّسُولُ مِنْ أَحْكَامٍ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَمَا أَعْطَاكُمُ الرَّسُولُ مِنَ الفَيءِ فَخُذُوهُ، فَهُوَ حَلاَلٌ لَكُمْ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَلاَ تَقْرَبُوهُ، واتَّقُوا اللهَ فامْتَثِلُوا لأَمْرِهِ، وَاتْرُكُوا مَا نَهَاكُمْ عِنْهُ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالى شَدِيدُ العِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " لا أَلْفَينَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئاً عَلَى أَرِيكَتِهِ يأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَا أَمْرَتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتبَعْنَاهُ ") . دُوْلَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ - مُلْكاً مُتَدَاوَلاً بَيْنَهُمْ خَاصَّةً.

стр. 5012

﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ ﴿دِيَارِهِمْ﴾ ﴿أَمْوَالِهِمْ﴾ ﴿رِضْوَاناً﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الصادقون﴾ (٨) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حَالَةَ الفُقَرَاءِ المُسْتَحِقِّينَ لِمَالِ الفَيْءِ فَيَذْكُرُ أَنَّهُم الذِينَ اضْطَرَّهُم كُفَّارُ مَكَّةَ إِلَى الخُرُوجِ مِنْ دِيَارِهِمْ، وَتَرْكِ أَمْوَالِهِمْ، وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ طَلَباً لِمَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى، وابْتِغَاءَ ثَوَابِهِ، وَنُصْرَةً للهِ وَرَسُولِهِ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي إِيْمَانِهِمْ، الذِينَ وَفَّقُوا قَوْلَهُمْ مَعَ فِعْلِهِمْ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُهَاجِرُونَ.

стр. 5013

﴿تَبَوَّءُوا﴾ ﴿الإيمان﴾ ﴿فأولئك﴾ (٩) - ثُمَّ أَثْنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ مُبِيِّناً فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَكَرَمَهُمْ، حِينَ جَعَلَ اللهُ الفَيءَ لإِخْوَانِهِم المُهَاجِرِينَ دُونَهُمْ، فَقَالَ تَعَالَى: والذِينَ سَكَنُوا دَارَ الهِجْرَةِ قَبْلَ المُهَاجِرِينَ، وَآمَنُوا قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، يُحِبُّونَ المُهَاجِرِينَ، وَيَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ الخَيْرَ، كَمَا يَتَمَنَّوْنَهُ لأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَسْكَنُوا المُهَاجِرِينَ فِي دُورِهِمْ، وَأَشْرَكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضِ نِسَائِهِ لِلْمُهَاجِرِينَ. وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ وَنُفُوسُهُمْ طَيِّيَةٌ، وَأَعْيُنُهُمْ قَرِيرَةٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، لاَ يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَداً لِلْمُهَاجِرِينَ. وَلاَ ضِيقاً بِهِمْ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ المَنْزِلَةِ والشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ والرُّتْبَةِ، وَلِمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ مَغْنَمِ بَنِي النَّضِيرِ دُونَهُمْ. (رُوِيَ أَنَّ المُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قَوْمٍ قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ حُسْنَ مُوَاسَاةٍ فِي قَليلٍ، وَلاَ حُسْنَ بَذْلٍ فِي كَثِيرٍ، لَقَدْ كَفَوْنَا المَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي المَهْنَأ، حَتَّى لَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ. قَالَ: لاَ. مَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ، وَدَعَوْتُمْ لَهُمُ اللهَ) . وَهُمْ يُقَدِّمُونَ أَهْلَ الحَاجَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيَبْدَؤُونَ بِالنَّاسِ قَبْلَ أَنْفُسِهِمْ فِي حَالِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَى ذَلِكَ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ المُقِلِّ ") . (البُخَارِيُّ) . وَمَنْ سَلِمَ مِنْ آفَةِ الحِرْصِ عَلَى المَالِ وَالبُخْلِ، فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّ الظُلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُحَّ قَدْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَطُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ ") . التَّبَوُّؤُ - النُّزُولُ فِي المَكَانِ - أَيْ الذِينَ نَزَلُوا المَدِينَةَ. يُؤَثِرُونَ - يُقَدِّمُونَ وَيُفَضِّلُونَ. حَاجَةً - حَسَداً أَوْ شُعُوراً بِالضِّيقِ. خَصَاصَةٌ - فَقْرٌ أَوْ حَاجَةٌ. الشُّحُّ - حِرْصُ النَّفْس عَلَى المَنْعِ. أُوتُوا - أَيْ مَا أُعْطِيَ المُهَاجِرُونَ مِنْ دُونِهِمْ.

стр. 5014

﴿جَآءُوا﴾ ﴿لإِخْوَانِنَا﴾ ﴿بالإيمان﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿رَءُوفٌ﴾ (١٠) - وَهَؤُلاَءِ القِسْمُ الثَّالِثُ الذِينَ يَسْتَحِقُّ فُقَرَاءُهُمْ مِنْ مَالِ الفَيءِ، بَعْدَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، وُهُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاغْفِرْ لإِخْوَانِنَا فِي الدِّينِ الذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ، وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا حَسَداً لِلمُؤْمِنينَ جَمِيعاً، وَلاَ حِقْداً عَلَيْهِمْ، وَأًَنْتَ يَا رَبِّ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. الغِلُّ - الحِقْدُ والحَسَدُ.

стр. 5015

﴿لإِخْوَانِهِمُ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿لَئِنْ﴾ ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ (١١) - أَرْسَلَ رَئِيسُ المُنَافِقِينَ عَبدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَعَدَدٌ مِنَ المُنَافِقِينَ مَعَهُ إِلَى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَعِدُونَهُمُ النُّصْرَةَ إِنْ قَاتَلهُم المُسْلِمُونَ، والخُرُوجَ مَعَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ إِنْ أُخْرِجُوا، وَعَدَّ اللهُ المُنَافِقِينَ كَفَرَةً، وَإِخْوَاناً لِلكَافِرِينَ مِنَ اليَهُودِ. . ثُمَّ يُؤْكِّدُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَعِدُونَ بِهِ اليَهُودَ. المُنَافِقُ - هُوَ الذِي يُظْهِرُ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ، وَالذِي يُبَالِغُ فِي إِخْفَاءِ مُعْتَقَدِةِ.

стр. 5016

﴿لَئِنْ﴾ ﴿الأدبار﴾ (١٢) - وَهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ، وَفِيمَا يَعِدُونَ بِهِ اليَهُودَ مِنَ النُّصْرَةِ، وَالخُرُوجِ مَعَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَ اليَهُودِ إِذَا أَرَادَ المُسْلِمُونَ إِخْرَاجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَلاَ يَقَاتِلُونَ مَعَهُمْ، إِنْ قَاتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ إِذَا قَاتَلُوا مَعَ اليَهُودِ سَيَنْهَزِمُونَ مُتَخَلِّينَ عَنْ بَنِي النَّضيرِ، ثُمَّ لاَ يَنْصُرُ اللهُ بَنِي النَّضِيرِ.

стр. 5017

(١٣) - وَيُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى السَّبَبَ فِي عَدَمِ جُرْأَةِ المُنَافِقِينَ عَلَى الانْضِمَامِ إِلَى اليَهُودِ، فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَيُخْبِرُ تَعَالَى: أَنَّ المُسْلِمِينَ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ مِنَ اللهِ، فَهُمْ يَخَافُونَ بَأْسَ المُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِمَّا يَخَافُونَ اللهَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ مِقْدَارَ عَظَمَةِ اللهِ، فَهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَخِفُّونَ بِمَعَاصِيهِ، وَلاَ يَرْهَبُونَ عِقَابَهُ، قَدْرَ رَهْبَتِهِم المُسْلِمِينَ وَسَطْوَتِهِمْ.

стр. 5018

﴿يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (١٤) - وَيُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى جُبْنَ اليَهُودِ وَالمُنَافِقِينَ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَلْقَى فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَلاَ يُوَاجِهُونَ المُسْلِمِينَ بِقِتَالٍ مُجْتَمِعِينَ، بَلْ يُقَاتِلونَهُمْ فِي قُرًى حَصِينةٍ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدْرَانٍ وَهُمْ مُحَاصَرُونَ، وَعَدَاوَتُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ شَدِيدَةٌ. وَإِذَا رَآهُمُ الرَّائِي حَسِبَهُمْ مُتَّفِقِينَ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ مُخْتَلِفُونَ إِلَى أَبْعَدِ حُدُودِ الاخْتِلاَفِ لِمَا بَيْنَهُم مِنْ أَحْقَادٍ وَعَدَاوَاتٍ، فَهُمْ لاَ يَتَعَاضَدُونَ، وَلاَ يَتَسَانَدُونَ، وَلاَ يُخْلِصُونَ فِي القِتَالِ، وَقَدْ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا لأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ الوَحْدَةَ وَالتَّسَانُدَ المُخْلِصَ هُمَا سِرُّ النَّصْرِ وَالنَّجَاحِ. بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ - قِتَالُهُمْ بَيْنَهُمْ. قُلُوبَهُمْ شَتَّى - مُتَفَرِّقَةٌ لِتَعَادِيهِمْ.

стр. 5019

(١٥) - وَمَثَلُ بَنِي النَّضِيرِ، مَثَلُ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، الذِينَ كَانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللهِ، وَأَجْلاَهُمْ إِلَى أَذْرِعَاتِ الشَّامِ، فَذَاقُوا سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ وَطُغَيَانِهِمْ. (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَنِي النَّضِيرِ التِي كَانَتْ فِي العَامِ الرَّابعِ لِلْهِجْرَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ وَقْعَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ فِي الشَّهْرِ العِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ) . وَبَالَ أَمْرِهِمْ - سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ.

стр. 5020

﴿الشيطان﴾ ﴿لِلإِنسَانِ﴾ ﴿العالمين﴾ (١٦) - وَمَثَلُ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ الذِينَ وَعَدُوا اليَهُودَ بِالنُّصْرَةِ إِنْ قُوتِلُوا وَبِالخُرُوجِ مَعَهُمْ إِنْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ الذِي غَرَّ الإِنْسَانَ، وَوَعَدَهُ بِالنَّصْرِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيهِ، إِذَا أَطَاعَهُ وَكَفَرَ بِاللهِ، فَلَمَّا احْتَاجَ الإِنْسَانُ إِليهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ النُّصْرَةَ، تَبَرَّأَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ، وَخَذَلَهُ وَتَرَكَهُ لِمَصْيرِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ إِنْ نَصْرْتُكَ أَنْ يُشْرِكَنِي رَبُّ العَالَمِينَ مَعَكَ فِي العَذَابِ.

стр. 5021

﴿عَاقِبَتَهُمَآ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿جَزَآءُ﴾ ﴿الظالمين﴾ (١٧) - فَكَانَ عَاقِبَةَ الأَمْرِ بِالكُفْرِ أَنْ صَارَ الشَّيْطَانُ وَمَنْ أَغْرَاهُ بِالكُفْرِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، جَزَاءُ كُلِّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ وَالفُسُوقِ وَالعِصْيَانِ.

стр. 5022

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَنْ يَتْرُكُوا مَا نَهَاهُم عَنْهُ، وَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمْ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَل صَالِحٍ يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ يَوْمَ الحِسَابِ، ثُمَّ يُؤْكِّدُ تَعَالى الأَمْرَ بِتَقْوَاهُ، مُبَيِّناً أَنَّهُ عَلِيمٌ بِأْحْوالِ العِبَادِ، جَمِيعِهَا، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهَا.

стр. 5023

﴿فَأَنسَاهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿الفاسقون﴾ (١٩) - وَلاَ يَكُنْ حَالُكُمْ كَحَالِ قَوْمٍ نَسُوا ذِكْرَ اللهِ فَأَنْسَاهُمُ اللهُ العَمَلَ الصَّالِحَ الذِي يَنْفَعُهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ، وَيُنْقِذُ أَنْفُسَهُمْ يَوْمَ الحِسَابِ مِنَ العَذَابِ. وَهَؤُلاَءِ الذِينَ نَسُوا اللهَ ذَكْرَهُ، وَفِعْلَ الخَيْرِ، هُمُ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. نَسُوا اللهَ - لَمْ يُرَاعُوا أَوَامِرَ اللهِ وَنَوَاهِيَه. فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ - فَلَمْ يُقَدِّمُوا لَهَا مَا يَنْفَعُهَا.

стр. 5024

﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿الفآئزون﴾ (٢٠) - وَلاَ يَسْتوِي فِي حُكْمِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَهْلُ النَّارِ وَأَهْلُ الجَنَّةِ، وَأَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ.

стр. 5025

﴿القرآن﴾ ﴿خَاشِعاً﴾ ﴿الأمثال﴾ (٢١) - إِنَّ الجَبَلَ لَوْ فَهِمَ هَذَا القُرْآنَ، وَتَدَبَّرَهُ، لَخَشَعَ وَتَصَدَّعَ مِنْ خَوْفِ اللهِ ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالبَشَرِ أَنْ لاَ تَلِينَ قُلُوبُهُمْ، وَلاَ تَخْشَعَ وَتَتَصَدَّعَ مِنْ خَشيَةِ اللهِ وَقَدْ فَهِمُوا مَعَانِيَهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ؟ وَيَضْرِبُ اللهُ تَعَالَى الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لِيُقَرِّبَ مَعَانِيَ القُرْآنِ إِلَى أَفْهَامِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا وَيَعْتَبِرُونَ. خَاشِعاً - ذَلِيلاً مُسْتَكِيناً خَاضِعاً. مُتَصِّدعاً - مُتَشَقِّقاً.

стр. 5026

﴿عَالِمُ﴾ ﴿الشهادة﴾ (٢٢) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ أَنَّهُ هُوَ اللهُ الذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، فَلاَ رَبَّ غيرُهُ في الوُجُودِ، وَلاَ مَعْبُودَ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ المُشَاهِدَاتِ لَنَا، وَالغَائِبَاتِ عَنَّا، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ الوَاسِعَةِ الشَّامِلَةِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فَهُوَ رَحْمنُ الدُّنْيَا والآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا. الغَيْبُ - مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ. الشَّهَادَة - مَا حَضَرَ مِنَ الأَشْيَاءِ المُشَاهَدَةِ.

стр. 5027

﴿السلام﴾ ﴿سُبْحَانَ﴾ (٢٣) - هُوَ اللهُ المَالِكُ لِجَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، المُتَصَرِّفُ فِيهِ تَصَرُّفاً مُطْلَقاً، وَالمُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، الذِي أَمَّنَ خَلْقَهُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَهُمْ، وَهُوَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِم الذِي قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَغََلَبَهُ لِعَظَمَتِهِ وَجَبَرُوتِهِ، فَلاَ تَلِيقُ الكِبْرِيَاءُ إِلاَّ لَهُ، تَنَزَّهَ اسْمُهُ عَمَّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الصَّاحِبَةِ وَالوَلَدِ وَالشَّرِيكِ فَهُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ. المَلِكُ - المَالِكُ لِكُلِّ شَيءٍ. القُدُّوسُ - المُنَزَّهُ عَنٍ النُّقْصَانِ. المُؤْمِنُ - الوَاهِبُ الأَمْنَ - أَوِ المُصَدِّقُ لِرُسُلِهِ بِالمُعْجِزَاتِ. المُتَكَبِّرُ - البَلِيغُ الكِبْرَيَاءِ وَالعَظَمَةِ. المُهَيْمِنُ - الرَّقِيبُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. العَزٍيزُ - القَوِيُّ الغَالِبُ. الجَبَّارُ - القَهَّارُ أَوِ العَظِيمُ.

стр. 5028

﴿الخالق﴾ ﴿السماوات﴾ (٢٤) - وَهُوَ تَعَالَى خَالِقُ جَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، وَمُصَوِّرُهَا، وَمُبرْزُهَا فِي الصُّورَةِ التِي هِيَ عَلَيْهَا، وَيُنَزِّهُ اسْمَ اللهِ جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُقْهَرُ وَقَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيءٍ وَغَلَبَهُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَضَائِهِ وَتَدْبِيرِهِ. الأَسْمَاءُ الحُسْنَى - الدَّالَّةُ عَلَى مَحَاسِنِ المَعَانِي. المُصَوّْرُ - خَالِقُ الصُّوَرِ.

стр. 5029

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿جِهَاداً﴾ (١) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَكَانَ حَاطِبٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، هَاجَرَ مِنْ مَِكَّةَ، وَتَرَكَ فِيهَا مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ قُرَيِشٍ. فَلَمَا أَرَادَ الرَّسُولُ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ دَعَا رَبَّهُ اللهَ أَنْ يُعْمِيَ الأَخْبَارَ عَنْ قُرَيشٍ، حَتَّى يَأْخْذَهُمْ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ، فَكَتَبَ حَاطِبٌ كِتَاباً إِلَى قُرَيشٍ يُعَرِّفُهُمْ بِعَزْمِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى غَزْوِهِمْ، وَأَرْسَلَهُ مَعَ امْرَأَةٍ لِيَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَداً. وَأَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِالكِتَابِ، فَأَرْسَلَ الرَّسُولُ عَلِيّاً وَالزُّبَيْرَ، وَأَمَرَهُمَا بِالذَّهَابِ إِلَى رَوْضَةِ خَاخٍ لِيَأَتِيَاهُ بِالكِتَابِ مِنَ المَرْأَةِ، فَلَمَّا جَاءَاهَا طَلَبا مِنْهَا الكِتَابَ فأَنْكَرَتْهُ، فَهَدَّدَاهَا بِتَجْرِيدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا لِتَفْتِيشِهَا، فَأَخْرَجَتِ الكِتَابَ مِنْ ضَفَائِرِ شَعْرِهَا. وَسَأَلَ الرَّسُولُ حَاطِباً عَنِ الكِتَابِ فَاعْتَرَفَ وَقَالَ لِلرَّسُولُ إِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كُفْراً، وَلاَ ارْتِدَاداً عَنِ الإِسْلاَمِ، وإِنَّمَا لِيَتَّخِذَ بِهِ يَداً عِنْدَ قُرَيشٍ يَحْمِي بِهَا أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَالَهُ. فَقَالَ الرَّسُولُ للصَّحَابَةِ إِنَّهُ صَدَقَكُمْ. وَقَالَ عُمْرُ بِنُ الخَطَّابِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنْقَ هَذَا المُنَافِقِ. فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ فِي هَذِهِ الآيَةِ بِأَنْ لاَ يَتَّخِذَوا الكُفَّارَ أَعْواناً وَأَنْصَاراً لَهُمْ يُبَلِّغُونَهُمْ أَخْبَارَ الرَّسُولِ التِي لاَ ينْبَغِي لأَعْدَائِهِ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيهَا، وَقَدْ كَفَرَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ، فَكَيْفَ بِكُمْ بَعْدَ هَذَا تَتَّخِذُونَهُمْ أَنْصَاراً تُسِرُّونَ إِليهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَيُضُرُّ الرَّسُولَ والمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ بَينِ أَظْهَرِهِمْ كُرْهاً بِالتَّوْحِيدِ، وَإِخْلاَصِ العِبَادَةِ للهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ يُؤَاخَذُونَ عَلَيهِ غَيْرُ ذَلِكَ. فَإِنْ كُنْتُمْ، يَا أَيَّهُا المُؤْمِنُونَ، قَدْ خَرَجْتُمْ مُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِي، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي، فَلاَ تُوَلُوا أَعْدَائِي، وَمَنْ يَفْعَلْ هَذِهِ المُوَالاَةَ، وَيُفْشِ سِرَّ الرَّسُول لأَعْدَائِهِ، فَقَدْ حَادَ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلَةِ إِلَى الجَنَّةِ. أَوْلِيَاءَ - أَعْواناً تَوَادُّونَهُمْ وَتُنَاصِحُونَهُمْ. أَنْ تُؤْمِنُوا - لإِيْمَانِكُمْ أَوْ كَرَاهَةً لإِيْمَانِكُمْ.

стр. 5030

(٢) - إِنْ ظَفِرَ بِكُمْ هَؤُلاَءِ الكَافِرُونَ، الذِينَ تُلْقَونَ إِليهِم بِالمَوَدَّةِ، يُظْهِرُوا لَكُمْ عَدَاوَتَهُمْ، وَيَمُدُّوا إِليكُمْ أَيدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُمْ بِمَا يَسُوؤُكُمْ: يُقَاتِلُونَكُمْ وَيَشْتَمُونَكُمْ وَيَتَمَنَّونَ لَو تَكْفرُونَ بِرَبِّكُمْ فَتَكُونُوا عَلَى مِثْلِ دِينِهِمْ، فَكَيْفَ تُسِرُّونَ إِلَى هَؤُلاَءِ بِالمَوَدَّةِ وَهَذِهِ هِيَ حَالُهُمْ؟ . . يَثْقَفُوكُمْ - يَظْفَرُوا بِكُمْ - أَوْ يُصَادِفُوكُمْ. يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ - يَمُدَّوا إِلَيكُمْ أَيْدِيهُمْ بِالضَّرْبِ وَأَلْسِنَتهُمْ بِالشَّتْمِ وَالإِيْذَاءِ.

стр. 5031

﴿أَوْلاَدُكُمْ﴾ ﴿القيامة﴾ (٣) - وََيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ الذِي اعْتَذَرَ بِرَغْبَتِهِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى أَوْلاَدِهِ وَأَمْوَالِهِ فِي مَكَّةَ، بِأَنَّ الأَقَارِبَ وَالأَوْلاَدَ، الذِينَ تُوَالُونَ الكُفَّارَ مِنْ أَجْلِهِمْ، لَنْ يَنْفَعُوكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَنْ يَدْفَعُوا عَنْكُمْ شَيئاً مِنْ عَذَابِ اللهِ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُ فِي الدُّنْيَا، لأَنَّهُ سَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَقَارِبِهِمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ. وَيَذْهَلُ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَأْنٌ يُغَنِيهِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ.

стр. 5032

﴿اإِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿بُرَءآؤاْ﴾ ﴿العداوة﴾ (٤) - أَفَلاَ تَأَسَّى هَؤُلاَءِ الذِينَ يُوَادُّونَ الكَافِرِينَ بِأَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَصْحَابِهِ المُؤْمِنينَ، حِينَ قَالُوا لِقَوْمِهِم الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ: إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الآلِهَةِ وَالأَنْدَادِ، وَجََحَدْنَا ما أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ، وَأَنْكَرْنَا عِبَادَتَكُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ حِجَارَةٍ وَأَوْثَانٍ وَأَصْنَامٍ، وَقَدْ أَعْلَنَّا الحَرْبَ عَلَيْكُمْ، فَلاَ هَوَادَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَسَنَبْقَى عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُؤمِنُوا بِاللهِ وَتُوَحِّدُوهُ، وَتَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ صَاحِبَةَ وَلاَ وَلَدَ، وَتَتَخَلَّصُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ. وَلَكُمْ فِي أَبْيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تَتَأَسَّوْنَ بِهَا، وَتَعْتَبِرُونَ بِهَا فِي مَسْلَكِكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ، وَلاَ تَسْتَثْنُوا مِنْ تَصَرُّفَاتِ إِبْرَاهِيمَ التِي تَقْتَدُونَ بِهَا إِلاَّ اسْتْغْفَارَهُ لأَبِيهِ الذِي بَقِيَ مُقِيماً عَلَى الكُفْرِ، فَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ: إِنَّهُ سَيَسْتَغْفِرُ لَهُ اللهَ، وَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفَعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَالأَمْرُ مَرْدُودٌ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَ. وَلَكِنَّ هَذَا القَوْلَ صَدَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمِ حِينَمَا وَعَدَهُ أَبُوهُ بِأَنَّهُ سَيُؤْمِنُ بِاللهِ، وَيَتْبَعُهُ فِيمَا يَعْبُدُ. فَلَمَّا تَبَيَّنَ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ عَدُوٌ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. وَحِينَمَا فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ وَالمُؤْمِنُونُ مَعَهُ قَوْمَهُمْ لَجَؤُوا إِلَى اللهِ مُتَضَرِّعِينَ قَائِلِينَ: رَبَّنَا إِنَّنَا اعْتَمَدْنَا عَلَيْكَ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (تَوَكَّلْنَا) ، وَرَجَعْنَا إِلَيكَ بِالتَّوْبَةِ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَإِلَيكَ مَصِيرُنَا حِينَ تَبْعَثُنَا مِنْ قُبُورِنَا لِلْعََرْضِ وَالحِسَابِ. فَاقْتَدُوا بِهِمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَقُولُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ. أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ - قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي التَّبَرُّؤ مِنَ الضَّالِينَ. براءُ مِنْكُمْ - أَبْرِيَاءُ مِنْكُمْ. إِليكَ أَنَبْنا - إِليكَ رَجَعْنَا تَائِبِينَ.

стр. 5033

(٥) - رَبَّنَا وَلاَ تُسَلِّطْ قَوْمَنَا الكَافِرِينَ عَلَينَا، وَلاَ تَجْعَلْهُمْ يَظْهَرُونَ عَلَينَا، فَيَعْمَلُوا عَلَى فِتْنَتِنَا عَنْ دِينِنَا بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ. وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا ظَهَرُوا عَلَيْنَا لأَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ فِيمَا يَقُولُونَ، وَفِيمَا يَعْبُدُونَ، رَبَّنَا واسْتُرْ ذُنُوبَنَا عَنْ غَيرِكَ، وَاعْفُ عَنَّا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَينَكَ، إِنَّكَ يَا رَبِّ أَنْتَ القَوِيُّ العَزِيزُ الذِي لاَ يُضَامُ، الحَكِيمُ فِيمَا تَشْرَعُ، وَفِيمَا تَقْضِي. لا تجْعَلْنَا فِتْنَةً - مَفْتُونِينَ بِهِمْ، مُعَذَّبِينَ بِأْيِدِيهِمْ.

стр. 5034

﴿يَرْجُو﴾ (٦) - لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَأُسْوَةٌ تَتَأَسَّوْنَ بِهَا، لِمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَطْمَعُ فِي الأَجْرِ والثَّوَابِ مِنَ اللهِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ العَذَابِ وَالنِّكَالِ. وَمَنْ يُعْرِضْ عَمَّا دَعَاهُ اللهُ إِليهِ مِنَ الإِيْمَانِ بِهِ وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبْهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ، وَيَسْتَكْبِرْ وَيُوَالِ أَعْدَاءَ اللهِ فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ بِذَلِكَ إِلاَّ نَفْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ إِيمَانِهِ وَعَنْ طَاعَتِهِ، مَحْمُودٌ بأنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَى خَلْقِهِ.

стр. 5035

(٧) - ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ تَطْيِباً لِقُلُوبِهِمْ، إِنَّهُ قَدْ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِهِمْ وَمِنْ أَقْرْبَائِهِمْ مَحَّبَةَ الإِسْلاَمِ، فَيَتِمُّ التَّوادُّ، وَيَتِمُّ التَّصَافِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلاَءِ الذِينَ كَانُوا يُعَادُونَهُمْ، وَيُقَاطِعُونَهُمْ فِي الدِينِ، وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ، غَفُورٌ لِخَطِيئَةِ الَّذِينَ أَلْقَوا إِلَيهِمْ بِالمَوَدَّةِ إِذَا تَابُوا مِنْهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ، فَلاَ يُعَذِّبُهُمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَنْبِهِمْ.

стр. 5036

﴿يَنْهَاكُمُ﴾ ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿دِيَارِكُمْ﴾ (٨) - إِنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يَنْهَاكُمْ عَنِ الإِحْسَانِ إِلَى الكُفَّارِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، وَلَمْ يُعَاوِنُوا فِي إِخْرَاجِكُمْ مِنْهَا، وَلاَ يَمْنَعُكُمْ مِنْ إِكْرَامِهِمْ، وَمَنْحِهِمْ صِلَتَكُمْ، لأَنَّ اللهَ يُحِبُّ أَهْلَ البِرِّ والتَّوَاصُل. (وَرَوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنّ قُتَيْلَةَ أُمَّ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ قَدِمَتْ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ عَلَى ابْنَتِهَا أسْمَاءَ بِهَدَايَا فَرَفَضَتْ أَسْمَاءُ أَنْ تَقْبَلَ الهَدَايَا مِنْهَا، وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا، فَجَاءَتْ إِلَى أَخْتِهَا عَائِشَةَ أَمِّ المُؤْمِنينَ تَسْأَلُهَا فِي ذَلِكَ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، فَأَمَرَهَا الرَّسُولُ بإِدْخَالِهَا بَيْتَهَا، وَبِأَنْ تَقْبَلَ مِنْهَا هَدِيتَها. تَبَرُّوهُمْ - تُحْسِنُوا إِليهِمْ وَتُكْرِمُوهُمْ. وَتُقْسِطُوا إِليهِمْ - تَقْضُوا إِليهِمْ بِالقِسْطِ وَالعَدْلِ.

стр. 5037

﴿يَنْهَاكُمُ﴾ ﴿قَاتَلُوكُمْ﴾ ﴿دِيَارِكُمْ﴾ ﴿ظَاهَرُواْ﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿الظالمون﴾ (٩) - إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ مُوَالاَةِ الكُفَّارِ الذِينَ نَاصَبُوكُمُ العِدَاءَ فِي الدِّينِ فَقَاتَلُوكُمْ، وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ وَدِيَارِكُمْ، وَأَعَانُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ، فَهَؤُلاَءِ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنْ مُوَالاَتِهِمْ، وَعَنْ اتَّخَاذِهِمْ أَنْصَاراً، وَيَأْمُرُكُمْ بِمُعَادَاتِهِمْ. وَيُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى الوَعِيدَ عَلَى مُوَالاَتِهِمْ فِيُبَيِّنُ: أَنَّ الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارَ المُؤْذِينَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأَنَّهُمْ خَالُفوا أَمْرَ اللهِ فَوَالَوْا أَعْدَاءَهُ وَأَعْدَاءَهُمْ. ظَاهَرُوا - عَاوَنُوا. أَنْ تَوَلَّوْهُمْ - أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ.

стр. 5038

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿المؤمنات﴾ ﴿مُهَاجِرَاتٍ﴾ ﴿بِإِيمَانِهِنَّ﴾ ﴿وَآتُوهُم﴾ ﴿وَاسْأَلُواْ﴾ ﴿وَلْيَسْأَلُواْ﴾ (١٠) - كَانَ مِنْ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَقُرَيشٍ أَنَّ الرَّسُولَ لاَ يَأْتِيهِ أَحَدٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلاَّ رَدَّهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً عَلَى دِينِ الإِسْلاَمِ. وَخِلاَلَ فَتْرَةِ الصُّلْحِ جَاءَتِ الرَّسُولَ فِي المَدْينَةِ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعيطٍ مُسْلِمَةً فَجَاءَ أَخَوَاهَا إِلَى الرَّسُولِ يَسْأَلاَنِهِ رَدَّهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ، يَنْقُضُ بِهَا عَهْدَ الحُدَيْبِيَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّسَاءِ خَاصَّةً، فَمَنَعَ اللهُ المُؤْمِنينَ مِنْ أَنْ يَرُدُّوا المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ الامْتِحَانِ. وَيُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ أَنَّهُ إِذَا جَاءَكُمْ، يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، النِّسَاءُ مُؤْمِنَاتٍ مُهَاجِرَاتٍ مِنْ بَيْنِ الكُفَّارِ، فاخْتَبِرُوا حَالَهُنَّ، لِتَعْلَمُوا صِدْقَ إِيمَانِهِنَّ، لأنَّ الكُفَّارَ لاَ يَحِلُّونَ لِلْمُؤْمِنَاتِ، وَالمُؤْمِنَاتُ لاَ يَحْلِلْنَ لِلكُفَّارِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِلْمُهَاجِرَاتِ: " بِاللهِ الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ مَا خَرَجْتُ مِنْ بُغْضِ زَوْجٍ، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ رَغْبَةً بِأَرْضٍ عَنْ أَرْضٍ، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ التِمَاساً لِدُنْيَا، بِاللهِ مَا خَرَجْتُ إِلاَّ حُبّاً بِاللهِ وَرَسُولِهِ ") . ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِ المُهَاجِرَاتِ مِنْكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الحُكْمَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ: فَقَالَ: أَعطُوا أَزْوَاجَ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ مِنَ الكُفَّارِ مِثْلَ مَا دَفَعُوا مِنَ المُهُورِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الرِّجَالِ المُؤْمِنينَ فِي أَنْ يَنْكِحُوا هَؤُلاَءِ المُهَاجِرَاتِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَهَّدُوا بِأَنْ يُؤَدُّوا إِليهِنَّ مُهُورَهُنَّ، وَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا المُشْرِكَاتِ، وَلاَ أَنْ يَتَمَسَّكُوا بِعَقْدِ زَوْجِيَّةِ الكَافِرَاتِ البَاقِيَاتِ فِي دَارِ الشِّرْكِ، وَإِذَا لَحِقَتْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ بِالكُفَّارِ - بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ - فَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْأَلُوا الكُفَّارَ مَهْرَهَا الذِي دَفَعَةُ زَوْجُهَا المُسْلِمُ، وَلْيَسْأَلْكُمُ الكُفَّارُ دَفْعَ مُهُورِ نِسَائِهِمْ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ. وَذَلِكَ الذِي ذُكِرَ هُوَ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فَاتَّبِعُوهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ فَلاَ يَشْرَعُ إِلاَّ مَا فِيهِ الحِكْمَةُ. فامْتَحِنُوهُنَّ - فَاخْتَبُروهُنَّ - وَكَانَ النَّبِيُّ يَخْتَبِرُهُنَّ بِالتَّحْلِيفِ. أُجُورَهُنَّ - مُهُورَهُنَّ. بِعِصَمِ الكَوَافِرِ - بِعُقُودِ نِكَاحِ المُشْرِكَاتِ.

стр. 5039

﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾ ﴿فَآتُواْ﴾ ﴿أَزْوَاجُهُمْ﴾ (١١) - وَإِذَا ذَهَبَتْ زَوْجَاتُكُمْ الكَافِرَاتُ إِلَى المُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَدْفَعُوا إِليكُمْ المهُورَ التِي سَبَقَ أَنْ دَفَعْتُمُوهَا لَهُنَّ، ثُمَّ ظَفِرْتُمْ بِالمُشْرِكِينَ، وَانْتَصَرْتُمْ عَلَيهِمْ، فَأَعْطُوا الذِينَ ذَهَبَتْ زَوْجَاتُهُمْ المُشْرِكَاتُ مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ مَا دَفَعُوا إِليهِنَّ مِنْ صِدَاقٍ، وَخَافُوا اللهَ الذِي تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَأَدُّوا فَرَائِضَهُ، وَالتَزِمُوا بِأَوَامِرِهِ. (وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا فَرَّتْ مُشْرِكَةٌ هِيَ زَوْجَةٌ لِمُسْلِمٍ إِلَى الكُفَّارِ الذِينَ لَيْسَ لَهُمْ عَهْدٌ، وَلَمْ يَدْفَعُوا إِلَى زَوْجِهَا شَيئاً، فَإِذَا جَاءَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةً فَلاَ يُدْفَعُ إِلَى زَوْجِهَا شَيءٌ حَتَّى يَدْفَعُوا إِلَى المُسْلِمِ زَوْجِ الذَّاهِبَةِ إِليْهِمْ مِثْلَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُؤَدّى إِليْهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ تُخَمَّسَ) .

стр. 5040

﴿ياأيها﴾ ﴿المؤمنات﴾ ﴿أَوْلاَدَهُنَّ﴾ ﴿ببهتان﴾ (١٢) - يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ النِّسَاءُ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيئاً، مِنْ صَنَمٍ أَوْ حَجَرٍ، وَلاَ يَسْرِقْنَ مِنْ مَالِ النَّاسِ شَيئاً، وَلاَ يَزْنِينَ، وَلاَ يَئِدْنَ بَنَاتِهِنَّ، كَمَا يَفْعَلْنَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَلاَ يُلْصِقْنَ أولاَدَ الأَجَانِب بأزواجهِنَّ (بِبُهْتَانِ يَفْتَرِينَه) وَيدَّعِين بأَنَّهُنَّ حَمَلْنَ بِهِمُ في بُطونِهِنّ (بين أيديهن) وولدَنهم من أرحَامهن (بين أرجُلِهِنَّ) وَلاَ يُخَالِفْنَكَ فِيَما أمَرْتَهُنَّ به، أو فِيمَا تَنْهَاهُنَّ عَنْهُ مِنْ مَعْرُوفٍ، كَالامْتِنَاعِ عَنِ النَّوْحِ وَشَقِّ الجُيُوبِ، وَعَلَى أَلاَّ تَخْلُو المَرأَةُ بِغَيْرِ ذِي رَحِمٍ مُحْرَمٍ، فَبَايِعْهُنَّ عَلَى ذَلِكَ، وَالتَزِمْ لَهُنَّ بِالوَفَاءِ بِالثَّوَابِ إِنْ هُنَّ وَفَيْنَ فِيمَا بَايَعْنَكَ عَلَيهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ عَمَّا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِنَّ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. بِبُهْتَانٍ - بِإِلْصَاقِ اللُقَطَاءِ بِالأَزْوَاجِ.

стр. 5041

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿يَئِسُواْ﴾ ﴿أَصْحَابِ﴾ ﴿يَئِسَ﴾ (١٣) - وَبَعْدَ أَنْ نَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَادَّةِ المُشْرِكِينَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، عَادَ تَعَالَى فَكَرَّرَ هَذَا النَّهْيَ فِي آخِرِهَا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لاَ تُوَالُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالمُشْرِكِينَ مِمَّنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَحَقُّوا الطَّرْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ تَتَّخِذُوهُمْ أَصْدِقَاءَ لَكُمْ تُسِرُّونَ إِليْهِمْ بِمَا يَضُرُّ الإِسْلاَمَ وَالمُسْلِمِينَ، وَهَؤُلاَءِ الكُفَّارُ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الخَيْرِ والنَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ لِعِنَادِهِمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الكُفْرِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللهِ. . كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ بَعْثِ مَوْتَاهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ بِبَعْثِ وَلاَ حَشْرٍ وَلاَ حِسَابٍ. لاَ تَتَوَلَّوْا - لاَ تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاءَ. قَوْماً - هُمُ الَيُهودُ أَوِ الكُفَّارُ عَامَّةً.

стр. 5042

﴿السماوات﴾ (١) - نَزَّهَ اللهَ تَعَالَى عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالرّبُوبِيَّةِ وَالوَحْدَانِيَّةِ وَالقُدْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ، جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ تَعَالَى القَوِيُّ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. سَبَّحَ - نَزَّهَ وَمَجَّدَ وَدَلَّ عَلَيهِ تَعَالَى.

стр. 5043

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٢) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَن يَعِدُ وَعْداً، أَوْ يَقُولُ قَوْلاً لاَ يَفِي بِهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: لأَيِّ شَيءٍ تَقُولُونَ لَوَدِدْنَا أَنْ نَفْعَلَ كََذَا وَكَذَا مِنْ أَفْعَالِ الخَيْرِ، حَتَّى إِذَا طُلِبَ مِنْكُمْ فِعْلُ ذَلِكَ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ وَلَمْ تَفْعَلُوهُ؟ . . (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " أيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتمنَ خَانَ ") . (وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزََلَتْ حِينَمَا تَمَنَّى المُؤُمِنُونَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيهِم الجِهَادُ، فَلَمَّا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ) .

стр. 5044

(٣) - وَأَكَّدَ اللهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُ هَذَا عَلَى هَؤُلاَءِ القَائِلِينَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَكْرَهُ كُرْهاً شَدِيداً أَنْ تَقُولُوا شَيئاً لاَ تَفْعَلُونَهُ لأَنَّ الوََفَاءَ بِالعَهْدِ وَالوَعْدِ يُنَمِّي الثِّقَةَ بَينَ أَفْرَادِ الجِمَاعَةِ، كَمَا أَنَّ فُشُوَّ الخُلْفِ بِالوَعْدِ يُضْعِفُهَا. كَبُرَ مَقْتاً - عَظُمَ بُغْضاً بَالِغَ الغَايَةِ.

стр. 5045

﴿يُقَاتِلُونَ﴾ ﴿بُنْيَانٌ﴾ (٤) - قَالَ المُؤْمِنُونَ لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ لَعَمِلْنَاهُ، فَدَلَّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ إِلَى أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِليهِ، فَبَيَنَّ لَهُمْ: أَنَّهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ أَنْ يَقِفُوا أَثْنَاءَ القِتَالِ صَفّاً، لاَ فُرْجَةَ بَيْنَهُمْ، وَكَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَشْدُودٌ مَرْصُوصٌ، مُتَلاَحِمُ الأَجْزَاءِ، لأَنَّ هَذَا التَّرَاصَّ أَثْنَاءَ القِتَالِ يُقَوِّي مَعْنَوِيّاتِ الجُنْدِ، وَلاَ يَتْرُكُ لِلْعَدُوِّ فُرْجَةً بَيْنَ صُفُوفِهِمْ يَنْفُذُ مِنْهَا. صَفّاً - صَافِّينَ أَنْفُسَهُمْ أَوْ مَصْفُوفِينَ. بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ - مُتَلاَحِمٌ مُحْكَمٌ لاَ فُرْجَةَ فِيه.
следующие страницы →