Полный текст (6 113 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.
стр. 5041
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿يَئِسُواْ﴾ ﴿أَصْحَابِ﴾ ﴿يَئِسَ﴾
(١٣) - وَبَعْدَ أَنْ نَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَادَّةِ المُشْرِكِينَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، عَادَ تَعَالَى فَكَرَّرَ هَذَا النَّهْيَ فِي آخِرِهَا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لاَ تُوَالُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالمُشْرِكِينَ مِمَّنْ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَحَقُّوا الطَّرْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلاَ تَتَّخِذُوهُمْ أَصْدِقَاءَ لَكُمْ تُسِرُّونَ إِليْهِمْ بِمَا يَضُرُّ الإِسْلاَمَ وَالمُسْلِمِينَ، وَهَؤُلاَءِ الكُفَّارُ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الخَيْرِ والنَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ لِعِنَادِهِمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى الكُفْرِ، وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللهِ. . كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ بَعْثِ مَوْتَاهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ بِبَعْثِ وَلاَ حَشْرٍ وَلاَ حِسَابٍ.
لاَ تَتَوَلَّوْا - لاَ تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاءَ.
قَوْماً - هُمُ الَيُهودُ أَوِ الكُفَّارُ عَامَّةً.
стр. 5042
﴿السماوات﴾
(١) - نَزَّهَ اللهَ تَعَالَى عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالرّبُوبِيَّةِ وَالوَحْدَانِيَّةِ وَالقُدْرَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ، جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ تَعَالَى القَوِيُّ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَخَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
سَبَّحَ - نَزَّهَ وَمَجَّدَ وَدَلَّ عَلَيهِ تَعَالَى.
стр. 5043
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(٢) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَن يَعِدُ وَعْداً، أَوْ يَقُولُ قَوْلاً لاَ يَفِي بِهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: لأَيِّ شَيءٍ تَقُولُونَ لَوَدِدْنَا أَنْ نَفْعَلَ كََذَا وَكَذَا مِنْ أَفْعَالِ الخَيْرِ، حَتَّى إِذَا طُلِبَ مِنْكُمْ فِعْلُ ذَلِكَ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ وَلَمْ تَفْعَلُوهُ؟ . .
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: " أيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا ائْتمنَ خَانَ ") .
(وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزََلَتْ حِينَمَا تَمَنَّى المُؤُمِنُونَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيهِم الجِهَادُ، فَلَمَّا فَرَضَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ) .
стр. 5044
(٣) - وَأَكَّدَ اللهُ تَعَالَى إِنْكَارَهُ هَذَا عَلَى هَؤُلاَءِ القَائِلِينَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَكْرَهُ كُرْهاً شَدِيداً أَنْ تَقُولُوا شَيئاً لاَ تَفْعَلُونَهُ لأَنَّ الوََفَاءَ بِالعَهْدِ وَالوَعْدِ يُنَمِّي الثِّقَةَ بَينَ أَفْرَادِ الجِمَاعَةِ، كَمَا أَنَّ فُشُوَّ الخُلْفِ بِالوَعْدِ يُضْعِفُهَا.
كَبُرَ مَقْتاً - عَظُمَ بُغْضاً بَالِغَ الغَايَةِ.
стр. 5045
﴿يُقَاتِلُونَ﴾ ﴿بُنْيَانٌ﴾
(٤) - قَالَ المُؤْمِنُونَ لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ لَعَمِلْنَاهُ، فَدَلَّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ إِلَى أَحَبِّ الأَعْمَالِ إِليهِ، فَبَيَنَّ لَهُمْ: أَنَّهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الذِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ إِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ أَنْ يَقِفُوا أَثْنَاءَ القِتَالِ صَفّاً، لاَ فُرْجَةَ بَيْنَهُمْ، وَكَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَشْدُودٌ مَرْصُوصٌ، مُتَلاَحِمُ الأَجْزَاءِ، لأَنَّ هَذَا التَّرَاصَّ أَثْنَاءَ القِتَالِ يُقَوِّي مَعْنَوِيّاتِ الجُنْدِ، وَلاَ يَتْرُكُ لِلْعَدُوِّ فُرْجَةً بَيْنَ صُفُوفِهِمْ يَنْفُذُ مِنْهَا.
صَفّاً - صَافِّينَ أَنْفُسَهُمْ أَوْ مَصْفُوفِينَ.
بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ - مُتَلاَحِمٌ مُحْكَمٌ لاَ فُرْجَةَ فِيه.
стр. 5046
﴿ياقوم﴾ ﴿الفاسقين﴾
(٥) - وَيُسَلِّي اللهُ تَعَالَى عَبْدَهُ مُحَمَّداً عَمَّا يُلاَقِيهِ مِنْ تَكذِيبِ قَوْمِهِ وَإِيذَائِهِمْ، فَذَكَّرَهُ رَبُّهُ بِمَا لاَقَاهُ مُوسَى، ﵇، مِنْ قَوْمِهِ، إِذْ قَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُؤْذُونَنِي وَتُخَالِفُونَ أَمْرِي، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقِي، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّي، فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ، وَأَصَرُّوا عَلَى ذَلِكَ، صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ.
زَاغُوا - تَنَكَّبُوا طَرِيقَ الحَقِّ عَمْداً.
أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ - صَرَفَهُمْ عَنِ التَّوفِيقِ لاتِّبَاعِ الحَقِّ.
стр. 5047
﴿يابني﴾ ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿بالبينات﴾
(٦) - وَاذْكُرْ لِقَوْمِكَ إِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ إِليْهِمْ، وَإِنَّهُ مُصَدِّقٌ بِالتَّوْرَاةِ وَبِكُتُبِ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ جَمِيعاً، وَإِنَّهُ جَاءَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي بَعْدهُ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَدَاعِياً إِلَى التَّصْدِيقِ بِهَذَا الرَّسُولِ. فَلَمَّا جَاءَهُمْ أَحْمَدُ المُبَشَّرُ بِهِ بِالأَدْلةِ الوَاضِحَةِ، وَالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَةِ كَذَّبُوهُ، وَقَالُوا عَمَّا جَاءَهُمْ: إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ.
(وَقَدْ جَاءَ فِي الفَصْلِ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنَ السَّفْرِ الخَامِسِ مِنَ التَّورَاةِ البِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﵇ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي: (يَا مُوسَى إِنِّي سَأُقِيمُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيّاًَ مِنَ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ أَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ مَا آمُرُهُ بِهِ، وَالذِي لاَ يَقْبَلُ ذَلِكَ النَّبِيَّ الذِي يَتَكَلَّمُ بِاسْمِي، أَنَا أَنْتَقِمُ مِنْهُ وَمِنْ سِبْطِهِ) .
وَجَاءَ فِي الإِصْحَاحِ ٢١ مِنْ سِفَرِ أَشْعِيا بِشَارَةٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي:
" وَحْيٌ مِنْ جِهَةَ بِلاَدِ العَرَبِ: فِي الوَعْرِ مِنْ بِلاَدِ العَرَبِ تَبَيتينَ يَا قَوَافِلَ الدَّدَانِيِّينَ. هَاتُوا مَاءً لِمُلاَقَاةِ العَطْشَانِ يَا سَكَّانَ أَرْضِ تِيمَاءَ وَافُوا الهَارِبَ بِخُبْزِهِ. فإِنَّهُمْ مِنْ أَمَامِ السُّيُوفِ قَدْ هَرَبُوا، مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ المَسْلُولِ وَمِنْ أَمَامِ القَوْسِ المَشْدُودَةِ وَمِنْ أَمَامِ شِدَّةِ الحَرْبِ. فَإِنَّهُ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ فِي مُدَّةِ سَنَةٍ كَسَنَةِ الأَجِيرِ يَفْنَى كُلُّ مَجْدِ قِيدَارٍ وَبَقِيَّةُ عَدَدِ قِسيِّ أَبْطَالِ بَنِي قِيدَارٍ تَقِلُّ لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَكَلَّمَ ".
" وَهَذِهِ النُّبُوءَةُ إِشَارَةٌ وَاضِحَةٌ إِلَى هِجْرَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى يَثْرِبَ، بَعْدَ أَنْ تَزَايَدَ إِيذَاءُ قُرَيشٍ لَهُ وَلِلمُسْلِمِينَ. ثُمَّ إِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى نَصْرِ رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ عَلَى قُرَيشٍ أَحْفَادِ عَدْنَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (وَعَدْنَانُ هُوَ قِيدَارُ) وَتَحْطِيمِ جَبُرُوتِ قُرَيشٍ وَسُلْطَانِهَا بِقْتَلِ كُبَرَائِهَا، وَأَسْرِ أَعْدَادٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ جَرَتْ مَعْرَكَةُ بَدْرٍ بَعْدَ عَامٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ إِلَى يَثْرِبَ ".
وَجَاءَتِ البِشَارَةُ بِمُحَمَّدٍ فِي الإِنْجِيلِ عَلَى الشَّكْلِ التَّالِي:
(قَالَ يَسُوعُ: إِنَّ الفَارْقَليط رُوحَ الحَقِّ الذِي يُرْسِلُهُ أَبِي يَعْلِّمُكُمْ كُلَّ شَيءٍ) (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا - الفَصْلُ ١٥ - وَالفَارْقَلِيط لَفْظٌ يَعْنِي الحَمْدَ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالحَامِدِ وَالحَمَّادِ) .
стр. 5048
﴿الإسلام﴾ ﴿الظالمين﴾
(٧) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ يَفْتَري عَلَى اللهِ الكَذِبِ، وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَاداً وَشُرَكَاءَ، أَوْ أَبْنَاءَ وَصَاحِبَةً. . وَهُوَ يُدْعَى إِلَى التَّوْحِيدِ وَالإِخْلاَصِ، وَالإِسْلاَمِ للهِ، وَاللهُ لاَ يُرْشِدُ القَوْمَ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمْ وَصَلاَحُهُمْ، لأَنَّهُمْ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ، وارْتَكَبُوا المُوبِقَاتِ، فَخَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، فَلَمْ يَعُودُوا يَعْرِفُونَ سَبِيلَ الهُدَى.
стр. 5049
﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿الكافرون﴾
(٨) - وَمَثَلُ هَؤُلاَءِ فِي مُقَاوَمَتِهِمْ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وَسَعْيِهِمْ فِي إِخْمَادِ نُورِ الدِّينِ، مَثَلُ مَنْ يَنْفُخُ بِفِيهِ لِيُطْفِئ نُورَ الشَّمْسِ، وَيُزِيلَ ضِيَاءَهَا، وَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ، وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَأَمْرِهِ، وَمُظْهِرُ دِينِهِ، وَنَاصِرُ رَسُولِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الكُفَّارُ ذَلِكَ.
نُورُ اللهِ - الحَقُّ الذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ.
стр. 5050
(٩) - اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَ مُحَمَّداً بِالقُرْآنِ وَفِيهِ هُدًى لِلنَّاسِ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينِ الحَقِّ لِيُعْلِيَهُ وَيُظْهِرَهُ عَلَى الأَدْيَانِ جَمِيعاً، وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ذَلِكَ.
стр. 5051
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿تِجَارَةٍ﴾
(١٠) - يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَالمُصَدِّقُونَ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ وَآيَاتِهِ، أَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ أَدُلِّكُمْ عَلَى صَفَقَةٍ رَابِحَةٍ، وَتِجَارَةٍ نَافِعَةٍ، تَفُوزُونَ فِيهَا بِالرِّبْحِ العَظِيمِ، وَتْنْقِذُكُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ الأَلِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟
стр. 5052
﴿تُجَاهِدُونَ﴾ ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾
(١١) - وَهِذِهِ الصَّفَقَةُ هِيَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَتَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَتَصَدِّقُوا بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَمَا أَنْزَلَهَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وَتُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ رَفْعِ كَلِمَةِ اللهِ، وَعِزَّةِ دِينِهِ، بِأَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ خَيْراً لَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ فِي الدُّنْيَا: مِنَ النَّفْسِ وَالمَالِ وَالزَّوْجِ وَالوَلَدِ، هَذَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّهُ اللهَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُجَاهِدِينَ فِي الآخِرَةِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
стр. 5053
﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿وَمَسَاكِنَ﴾ ﴿جَنَّاتِ﴾
(١٢) - وَإِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ سَتَرَ اللهُ ذُنُوبِكُمْ وَمَحَاهَا، وَأَدْخَلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَأَسْكَنَكُمْ مَسَاكِنَ طَيِبةً تَقَرُّ بِهَا العُيُونَ، وَهَذا هُوَ مُنْتَهَى ما تَصْبُوا إِليهِ النُّفُوسُ، وَهُوَ الفَوْزُ الذِي لاَ فَوْزَ أَعْظَمَ مِنْهُ.
стр. 5054
(١٣) - وَلَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، مَعَ الفَوْزِ فِي الآخِرَةِ، الذِي وَعَدَكُمْ اللهُ بِهِ، نِعْمَةٌ أُخْرَى تُحِبُّونَها، وَهِيَ نَصْرٌ مِنَ اللهِ، وَفَتْحٌ قَرِيبٌ، تَجْنُونَ مَغَانِمَهُ، وَبَشِّرْ يَا مُحَمَّدُ المُؤْمِنينَ بِهَذَا الجَزَاءِ.
وَأُخْرَى - وَلَكُمْ مِنَ النِّعَمِ نِعْمَةٌ أُخْرَى.
стр. 5055
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ ﴿فَآمَنَت﴾ ﴿طَّآئِفَةٌ﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿ظَاهِرِينَ﴾
(١٤) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَكُونُوا أَنْصَاراً للهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ: بِأَقْوالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَنْ يَسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ، كَمَا اسْتَجَابَ الحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى حِينَمَا سَأَلَهُمْ: مَنْ يُعِينُني فِي الدُّعْوَةِ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ لَهُ الحُوَارِيُّونَ: إِنَّهُمْ أَنْصَارُ اللهِ، وَإِنَّهُمْ سَيُعِينُونَهُ وَسَيُؤَازِرُونَهُ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مِنْ إِبْلاَغِ رِسَالَةِ رَبِّهِ، فآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِرِسَالَةِ عِيسَى، وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَجَحَدَتْ نُبُوَّتَهُ، وَرَمَتْهُ وَأَمَّهُ بالبُهْتَانِ، وَغَلَتْ فِرَقٌ مِنْهُمْ فِي عِيسَى، فَقَالُوا: إِنَّهُ اللهُ، أَوْ إِنَّهُ ابْنُ اللهِ، أَوْ إِنَّهُ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ، وَرَفَعُوهُ مَرْتَبةِ النُّبُوَّةِ. فَأَيَّدَ اللهُ المُؤْمِنينَ المُخْلِصِينَ بِرِسَالَةِ عِيسَى بِنَصْرِهِ، وَأَظْهََرَهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللهِ فِي خَلْقِهِ.
الحَوَارِيُونَ - أَصْفِيَاءُ عِيسَى وَخَوَاصُّهُ.
فَأَيَّدْنَا - فَقَوَّيْنَا المُخْلِصِينَ بِالإِيْمَانِ.
ظَاهِرِينَ - غَالِبينَ بِالحُجُجِ وَالبَيِّنَاتِ.
стр. 5056
﴿السماوات﴾
(١) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ أَنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتٍ، وَهُوَ تَعَالَى المَالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ المُنَزَّهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ التِي لاَ تَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَهُوَ العَزِيزُ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
سَبَّحَ - نَزَّهَ وَمَجَّدَ.
المَلِكِ - مَالكِ الأَشْيَاءِ كُلّهَا.
العَزِيزِ - القَادِرِ الذِي لاَ يُغَالَبُ.
стр. 5057
﴿الأميين﴾ ﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿ضَلاَلٍ﴾
(٢) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولاً فِي العَرَبِ الأُميِّينَ هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَهُوَ أُميٌّ مِنْهُمْ. لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ، وَقَدْ بَعَثَهُ اللهُ إِليْهِمْ لِيَتْلُوَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ القُرآنِ التِي أَنْزَلَهَا اللهُ تَعَالَى، لِيُطهرَهُمْ مِنْ خَبَائِث العَقَائِِدِ وَلِيعَلِّمَهُم الشَّرَائِعَ والأَحْكَامَ، وَحِكْمَتَهَا وَأَسْرَارَهَا، وَقَدْ كَانَ هَؤُلاَءِ الأُمِّيونَ، قَبْلَ إِرْسَالِ النَّبِيِّ إِليهِمْ، فِي ضَلاَلٍ بَيِّنٍ عَنْ جَادَّةِ الهُدَى، إِذْ إِنَّ العَرَبَ كَانُوا قَبْلاً عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ ابْتَعَدُوا عَنِ التَّوْحِيدِ، وَتَسَرَّبَتِ الضَّلاَلاَتُ إِلَى عَقِيدَتِهِمْ، فأَصْبَحُوا مُشْرِكِينَ.
الأُميِّينَ - العَرَبِ - وَالأُمِّيُّ هُوَ مَنْ لاَ يَقْرأُ وَلاَ يَكْتُبُ.
يُزَكِّيهِمْ - يُطَهِّرُهُمْ مِنْ أَدْنَاسِ الجَاهِلِيَّةِ.
стр. 5058
﴿آخَرِينَ﴾
(٣) - وَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّداً إِلَى أُمَمٍ أُخْرَى غَيْرِ العَرَبِ لَمْ يَجِيئُوا بَعْدُ، وَسَيَجِيئُونَ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ العَزِيزُ ذُو السُّلْطَانِ، القَادِرُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ أُمَّةِ العَرَبِ التِي كَانَتْ مُسْتَضْعَفَةً أُمَّةً قَوِيَّةً قَادِرَةً عَلَى نَشْرِ دِينِ اللهِ فِي أَرْجَاءِ الأَرْضِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ - لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ، وَلكِنْ سَيَلْحَقُونَ.
آخرِينَ مِنْهُمْ - منَ العَرَبِ.
стр. 5059
(٤) - وَإِنَّ إِرْسَالَ الرَّسُولِ إِلَى البَشَرِ لِيُطَهِّرَهُمْ وَيُزَكِّيَهُمْ وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى الخَيْرِ، هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَإِحْسَانٌ مِنْهُ إِلَى عِبَادِهِ، يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ يَصْطَفِيهِمْ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ تَعَالَى عَظِيمُ الفَضْلِ عَلَيهِمْ.
стр. 5060
﴿التوراة﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿الظالمين﴾
(٥) - لَمَّا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمَّداً، ﵇، رَسُولاً قَالَ اليَهُودُ: إِنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ إليهِمْ، فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُبَيِّناً: لَوْ أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّوْرَاةَ حَقَّ الفَهْمِ، وَعَمِلُوا بِمَا فِيهَا، لَرَأَوْا فِيهَا نَعْتَ مُحَمَّدٍ وَالبِشَارَةَ بِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ، وَمَا مَثَلُهُمْ فِي حَمْلِهِمْ التَّوْرَاةَ، وَتَرْكِهِمْ العَمَلَ بِمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَام، إِلاَّ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ الكُتُبَ وَهُوَ لاَ يَدْرِي مَا فِيهَا. وَكَذَلِكَ حَالُ اليَهُودِ فِي حَمْلِهِمْ التَّوْرَاةَ، فَقَدْ حَفِظُوهَا لَفْظاً، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَهَّمُوهَا، فَهُمْ أَسْوأَ حَالاً مِنَ الحِمَارِ، وَمَا أَقْبَحَ هَذَا المَثَلَ مَثَلاً لَهُمْ لِتَكْذِيبِهِمْ بآيَاتِ اللهِ التِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، لَوْ كَانُوا يَتَفَكَّرُونَ وَيَتَدَبَّرُونَ. وَاللهُ لاَ يُوفِّقُ إِلَى الهُدَى القَوْمَ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ.
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ - كُلِّفُوا العَمَلَ بِمَا فِيهَا.
يَحْمِلُ أَسْفَارَاً - يَحْمِلُ كُتُباً عِظَاماً وَلاَ يَنْتَفِعُ بِهَا.
стр. 5061
﴿ياأيها﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾
(٦) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ اليَهُودِ: إِنَّكُمْ إِذَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ عَلَى حَقٍّ وَهُدًى، وَأَنَّ مُحَمَّداً وَأَصْحَابَهُ عَلَى ضَلاَلَةٍ، فادْعُوا بِالمَوْتِ عَلَى الضَّالِ مِنَ الفِئَتَين، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما تَزَعُمُونَ مِنْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءَ اللهِ وأحِبَّاؤهُ.
هَادُوا - دَانُوا باليَهُودِيَّةِ.
стр. 5062
﴿بالظالمين﴾
(٧) - وَلاَ يَتَمَنَّى هَؤُلاَءِ اليَهُودُ المَوْتَ أَبداً لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ مَا يَعْمَلُونَ مِنَ الكُفْرِ وَالظُلْمِ وَالفُجُورِ، ولأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ لَوْ أَنَّهُمْ تَمَنَّوا المَوْتَ لَمَاتُوا لساعَتِهِمْ. وَلأَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ عَذَابَهُ الشَّدِيدَ - كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِالكُفْرِ وَالفُسُوقِ وَسُوءِ العَمَلِ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.
стр. 5063
﴿مُلاَقِيكُمْ﴾ ﴿عَالِمِ﴾ ﴿الشهادة﴾
(٨) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ الفِرَارَ مِنَ المَوْتِ لاَ يُجْدِيهِمْ نَفْعاً، وَإِنَّهُ سَيُلاقِيهِمْ حِينَمَا يَحِينَ أَجَلُهُمْ، لاَ يَصْرِفُهُ عَنْهُمْ صَارِفٌ، وَأَيَّامُ الحَيَاةِ مَعْدُودَةٌ، وَهِيَ سَتْنَقَضِي مَهْمَا طَالَ أَمَدُهَا، ثُمَّ تَرْجِعُونَ بَعْدَ المَوْتِ إِلَى عَالِمِ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ، وَعَالِمِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِيهَا، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
стр. 5064
﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿لِلصَّلاَةِ﴾
(٩) - يَحُثَّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَلَى تَرْكِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعَلَى السَّعْيِ بِسَكِينَةٍ وَوِقَارٍ إِلَى المَسَاجِدِ، حِينَما يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمْعَةِ، لِلاسْتِمَاعِ إِلَى مَوَاعِظِ الخُطَبَاءِ، وَلأَداءِ الصِّلاَةِ مَعَ الجَمَاعَةِ. وَذِلكَ السَّعْيُ إِلَى الصَّلاَةِ خَيْرٌ لِلمُؤْمِنِينَ وَأَبْقَى مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ، هَذَا إِنْ كَانَ المُخَاطَبُونَ مِنْ ذَوِي العِلْمِ الصَّحِيحِ بِمَا يَذِرُّ وَيْنْفُعُ.
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ (أَيْ تُسْرِعُونَ) وَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيكُمُ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ") . (رَوَاهُ الشّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) .
(وَالسَّعْيُ هُنَا مَعْنَاهُ الاهْتَمَامُ بِالصَّلاَةِ وَلَيْسَ السُّرْعَةَ) .
ذَرُوا - اتْرُكُوا البَيْعَ وَتَفَرُّغُوا لِلْعِبَادَةِ.
стр. 5065
﴿الصلاة﴾
(١٠) - فَإِذَا أَدَّيْتُمُ الصَّلاَةَ فَتَفَرَّقُوا لِمُبَاشَرَةِ مَصَالِحِكُمْ الذُّنْيَوِيَّةِ، وَاسْأَلُوا اللهَ الرِّزْقَ الحَلاَلَ، واذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً أَثْنَاءَ بَيْعِكُمْ وَشِرَائِكُمْ، وَلاَ تَتْركُوا الدُّنْيَا تَشْغَلُكُمْ عَمَّا يَنْفَعُكُمْ فِي الآخِرَةِ، لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تُفْلِحُونَ، وَتَفُوزُونَ بِرِضَا اللهِ، وَحُسْنِ ثَوَابِهِ.
انْتَشِرُوا - تَفَرَّقُوا طَلَباً لِحَوَائِجِكُمْ.
стр. 5066
﴿تِجَارَةً﴾ ﴿قَآئِماً﴾ ﴿التجارة﴾ ﴿الرازقين﴾
(١١) - قَدِمَتْ عِيرٌ بِتَجَارَةٍ إِلَى المَدِينَةِ فِي إِحْدَى المَرَّاتِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاقِفٌ عَلَى المِنْبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبِقِيَ
اثْنا عَشَرَ رَجُلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُعَاتِبُ فِيهَا عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَلَى انْصِرَافِهِمْ عَنِ الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمْعَةِ إِلى التِّجَارَةِ.
وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّ بَعْضَ المُؤْمِنينَ إِذَا رَأَوْا عِيرَ تِجَارَةٍ، أَوْ لَهْواً أَسْرَعُوا إِليهِ، وَتَرَكُو الرَّسُولَ قَائماً يَخْطُبُ فِي النَّاسِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ: مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الخَيْرِ وَالثَّوَابِ، خَيْرٌ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فَاسْعَوا إِليهِ، وَاطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْهُ، فَلَنْ يَفُوتَكُمْ رِزْقٌ إِذَا تَأْخَّرْتُمْ لِسَمَاعِ الخُطْبَةِ.
انْفَضُّوا إِليهَا - تَفَرَّقُوا عَنْكَ قَاصِدِينَ إِليهَا.
стр. 5067
﴿المنافقون﴾ ﴿المنافقين﴾ ﴿لَكَاذِبُونَ﴾
(١) - إِذَا جَاءَ المُنَافِقُونَ إِلَى مَجْلِسِكَ يَا مُحَمَّدُ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رُسُولُ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً، وَقَدْ أَرْسَلَكَ اللهُ تَعَالَى إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ وَحْيَهُ وَقُرْآنَهُ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ إِلَى النَّاسِ لِتُبَلِّغَهُمْ مَا أَوْحَاهُ إِليكَ رَبُّكَ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ الذِينَ قَالُوا مَا قَالُوا لَكَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ صِدَقَ مَا يَقُولُونَ.
المُنَافِقُ - هُوَ الذِي يُظْهِرُ الإِيْمَانَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ وَهُوَ بِصُوَرةٍ عَامَّةٍ مِنْ يَقُولُ غَيْرَ مَا يَعْتَقِدُ.
стр. 5068
﴿أَيْمَانَهُمْ﴾
(٢) - جَعَلَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ أَيْمَانَهُم الكَاذِبَةَ وِقَايَةً لَهُمْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ فَيِحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ، وَيَقُولُونَ نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ لِيَغْتَرَّ بِهِمْ مَنْ لاَ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ، وَيَعْتَقدَ بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَيَطْمَئِنَّ إِلَيهِمْ، وَليَسْتَغِلُّوا هَذَا الاطْمئْنَانَ إِليهِمْ لِيَنْصِرفُوا إِلَى العَمَلِ عَلَى صَرْفِ النَّاسِ عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، فَسَاءَ عَمَلُهُمْ وَقَبُحَ إِذْ آثرُوا الكُفْرِ عَلَى الإِيْمَانِ، وَأَظْهَرُوا خلاَفَ مَا يَعْتَقِدُونَ، وَسَيَلْقَوْنَ عِقَابَ ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ فِي الآخِرَةِ.
جُنَّةً - وِقَايَةً لأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
стр. 5069
﴿آمَنُواّ﴾
(٣) - وَذَلِكَ الذِي فَعَلُوهُ إِنَّمَا أَقْدَمُوا عََلَيْهِ لِسُوءِ سَرِيرَتِهِمْ، وَقُبْحِ طَوّيتِهِمْ، فَاسْتَهَانُوا بِمَا يَفْعَلُونَ، وَكُلُّ هَمِّهِم المُحَافَظَةُ عَلَى دِمَائِهِم وَأَمْوَالِهِمْ، لِذَلِكَ أَظْهَرُوا للنَّاسِ الإِيْمَانَ وأَبْطَنُوا الكُفْرَ، وَقَدْ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِليهَا الإِيمْانُ الحَقُّ، فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَفْقَهُونَ.
آمَنُوا - بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ.
فَطَيَعَ - فَخَتَمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
لاَ يَفْقَهُونَ - لاَ يَعْرِفُونَ حَقِيقَةََ الإِيْمَانِ.
стр. 5070
﴿قَاتَلَهُمُ﴾
(٤) - وَإِذَا رَأَيْتَ هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تُعْجِبُكَ صُوَرُهُمْ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا تُعْجِبُكَ أَقْوَالَهُمْ لأَنَّهُمْ ذَوُو صُورٍ مُتَنَاسِقَةٍ، وَذَوُو لَسَنٍ وَفَصَاحَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ فِي الحَقِيقَةِ أَشْبَاحٌ بِلاَ أَرْوَاحٍ، وَقُلُوبُهُمْ فَارِغَةٌ مِنَ الإِيْمَانِ فَكَأَنَّهُمْ خُشُبٌ جَوْفَاءُ قَدْ نَخَرَ السُّوسُ دَاخِلَهَا، وَهُمْ فِي غَايةِ الهَلَعِ وَالجَزَعِ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَوْتٍ يَقَعُ أَنَّ البَلاَءَ قَدْ جَاءَهُمْ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ قَدِ افْتَضَحَ، وَأَنَّهُمْ هَالِكُونَ لاَ مَحَالَةَ.
وَهَؤُلاَءِ هُمُ الأَعْدَاءُ الحَقِيقِيًُّونَ لِلاِسْلاَم وَالمُسْلِمِينَ فَلاَ تَأْمَنْهُمْ عَلَى سِرٍّ، لأَنَّ قُلُوبَهُمْ مُتَحَرِّقَةٌ حَسَداً وَبُغْضاً، لَعَنَهُمُ اللهُ وَطَرَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَمَا أَقْبَحَ حَالَهُمْ، وَمَا أَشَدَّ غَفْلَتَهُمْ، فَكَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنِ الحَقِّ إِلَى البَاطِلِ، وَعَنِ الإِيْمَانِ إِلَى الكُفْرِ؟
خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ - أَخْشَابٌ مُسَنَّدَةٌ إِلَى الحَائِطِ.
هُمُ العَدُوُّ - هُمُ الرَّاسِخُونَ فِي العَدَاوَةِ.
أَنَّى يُؤْفَكُونَ - كَيْفَ يُصْرِفُونَ عَنِ الحَقِ إِلى البَاطِلِ.
стр. 5071
(٥) - وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ تَعَالَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ لِيَسْتَغْفِرَ لَكُمْ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَنِفَاقٍ أَمَالُوا رُؤُسَهُمْ، وَأَعْرَضُوا اسْتِكْبَاراًَ وَأَنَفَةً أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
(رُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وَالَّلوَاتِي تَلِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَزَا بَنِي المُصْطَلِقِ، فَازْدَحَمَ عَلَى المَاءِ أَجِيرٌ لِعُمَرَ بِنِ الخَطَّّّابِ وَرَجُلٌ مِنْ حُلَفَاءِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَاقْتَتَلاَ فَنَادَى أَجِيرُ عُمَرَ يَا لِلمْهَاجِرِينَ. وَصَاحَ الآخَرُ يَا لِلأَنْصَارِ، فَتَصَايِحَ القَوْمُ، وَقَالَ عَبْدُ اللهُ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولِ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُ المُهَاجِرِينَ إِلاَّ كَمَا قَالَ القَائِلُ: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، إِنَّا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعْزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ. وَقَالَ لأَصْحَابِهِ هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُ بِلاَدَكُمْ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ، أَمَّا وَاللهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ لَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ مِنْ بِلاَدِكُمْ إِلَى غَيْرِهَا.
وَنَقَلَ الحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ غَلاَمٌ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَاقْتَرَحَ عَمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِضَرْبِ عُنُقِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَرَفَضَ الرَّسُولُ ذَلِكَ الاقْتِرَاحَ. واسْتَدْعَى الرَّسُولُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ وَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَ، فَأَنْكَرَ وَحَلَفَ إِنَّ الغُلاَمَ لَكَاذِبٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: يَا غُلاَمُ صَدَّقَكَ اللهُ، وَكَذَّبَ المُنَافِقِينَ.
وَلَمَّا بَانَ كَذِبُ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، قِيلَ لَهُ نَزَلَتْ فِيكَ آيٌ شِدَادٌ فَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَلَوَى رَأْسَهُ وَقَالَ: أَمَرْتُمُونِي أَنْ أُوْمِنَ فآمَنْتُ، وَأَمْرَتُمُونِي أَنْ أُزَكِّي فَزَكَّيْتُ، وَمَا بَقِيَ إِلاَّ أَنْ أَسْجُدَ لِمُحَمَّدٍ، وَبَعْدَ أَيَّامِ قَلِيلَةٍ اشْتَكَي هَذَا المُنَافِقُ مَرَضاً وَمَاتْ) .
لَوَّوْا رُؤُوسَهمْ - عَطَفُوهَا إِعْرَاضاً وَاسْتِهْزَاءً.
стр. 5072
﴿الفاسقين﴾
(٦) - وَسَوَاءٌ اسْتَغْفَرْتَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ وَآثَامَهُمْ، لأَنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمِ الشَّقَاءَ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الفِسْقِ، وَمَا رَانَ عَلَى قٌلقوبِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ.
стр. 5073
﴿خَزَآئِنُ﴾ ﴿السماوات﴾ ﴿المنافقين﴾
(٧) - وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ هُمُ الذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ: لاَ تُنْفِقُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ فَيَتَحوَّلُوا عَنْكُمْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَيَنْفَضَّ عَنْ مُحَمَّدٍ مَنْ حَوْلَهُ إِذَا عَضَّهُمْ الجُوعُ. وَهَؤُلاَءِ المُنَافِقُونَ جَاهِلُونَ لاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَبِيدِهِ مَفَاتِيحُ أَرْزَاقِ العِبَادِ فَلاَ يَصِلُ شَيءٌ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا هَذَا القَوْلَ.
حَتَّى يَنْفَضُّوا - حَتَّى يَتَفَرَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ.
стр. 5074
﴿لَئِن﴾ ﴿المنافقين﴾
(٨) - وَيَقَولُ هَؤُلاَءِ المَنَافِقُونَ: إِذَا رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ فَإِنَّنَا سَنُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِنْهَا، لأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنْفُسَهُمْ هُم الأَقْوِيَاءَ الأَعِزَّاءَ فِيهَا لَكَثْرَةِ جَمْعِهِمْ، وَوَفْرَةِ مَالِهِمْ، وَأَنَّ المُؤْمِنِينَ ضِعَافٌ قَلِيلُو العَدَدِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ المُنَافِقِينَ قَائِلاً: إِنَّ العِزَّةَ للهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ ذُو الجَلاَلِ والعِزَّةِ، ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ مِنْ بِعْدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ ﷺ ، ثُمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَسْتَغِزُّونَ بِعِزِّ اللهِ، وَبِنَصْرِهِ، فَهُمْ أَعِزَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ العِزَّةَ بِوَفْرَةِ المَالِ وَكَثْرَةِ النَّاصِرِ.
(وَروِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ - وَكَانَ مُؤْمِناً مُخْلِصاً فِي إِيْمَانِهِ - لَمَّا سَمِعَ مَقَالَةَ أَبِيهِ هَذِهِ اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَوَقَفَ بِبَابِ المَدِينَةِ، وَلَمْ يَسْمَحْ لأَبِيهِ أَنْ يَدْخُلَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ بِالدُّخُولِ، ثُمَّ قَالَ لأَبِيهِ: عَلَيَّ لله أَلاَّ أُغْمِدَ سَيْفِي حَتَّى تَقُولَ: مُحَمَّدٌ الأَعَزُّ، وَأَنَّا الأَذَلُّ.
فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى قَالَ: ثُمَّ أَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ بالدُّخُولِ إِلَى المَدِينَةِ فَدَخَلَ) .
رَجَعْنَا - عُدْنَا مِنْ غَزْوتنَا.
ليُخْرجَنَّ الأَعَزُّ - الأَشَدُّ قُوَّةً وَغَلَبَةً - يَعْنُونَ أَنْفُسَهُمْ.
الأَذَلُّ - الأَضْعَفُ وَالأَهْوَنُ - وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ المُسْلِمِينَ المُهَاجِرِينَ.
стр. 5075
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُكُمْ﴾ ﴿فأولئك﴾ ﴿الخاسرون﴾
(٩) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ وَبِأَلاَّ يَشْغَلَهُمْ مَا لَهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِهَّمْ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّ مَنِ التَهَى عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ بِمَتَاعِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينتِهَا، فَإِنَّهُ مِنَ الخَاسِرِينَ الذِينَ يَخْسَرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ.
لاَ تُلِهِكُمْ - لاَ تَشْغَلْكُمْ وَتَصْرِفْكُمْ.
ذِكَرِ اللهِ - عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَمُرَاقَبَتِهِ.
стр. 5076
﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿الصالحين﴾
(١٠) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي طَاعَتِهِ مِنَ المَالِ الذِي جَعَلَهُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ أَجَلُهُمْ فَيَقُولُ هَؤُلاَءِ الذِينَ قَصَّرُوا فِي الطَّاعَةِ، وَفِي الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ: يَا رَبِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَّرْتَنِي مُدَّةً يَسِيرَةً، فَأْنْفِقَ فِي طَاعَتِكَ، وأَسْتَجِيبَ لأَمْرِكَ، وأَكُونَ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ، الذِينَ تَرْضَى عَنْهُمْ.
لَوْلاَ أخَّرْتَنِي - هلاَّ أَمْهَلْتَنِي وَأَخَّرْتَنِي.
стр. 5077
(١١) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ: إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا الطَّاعَاتِ، وَيُنْفِقُوا فِي أَوْجُهِ الخَيْرِ وَالبِرِّ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ أَجَلُهُمْ، لأَنَّهُمْ إِذَا حَانَ أَجَلُهُمْ فَلاَ مَجَالَ لِلتَّأْخِيرِ وَالإِمْهَالِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ.
стр. 5078
﴿السماوات﴾
(١) - جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتِ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللهِ، وَتُنَزِّهُهُ عَنْ صِفَاتِ النٌَّقْصِ التِي لا تَلِيقُ بِجَلاَلَهِ وَكَمَالِهِ، فَهُوَ تَعَالَى المالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الجَمِيلُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَخْلُقُهُ وَيُقَدّرُهُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ رَادَّ لأَمْرِهِ وَلاَ مَانِعَ.
لَهُ المُلْكُ - لَهُ التَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِي كُلِّ شَيءٍ.
стр. 5079
(٢) - هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَوْجَدَكُمْ مِنْ عَدَمٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَعْضُكُمْ يَخْتَارُ الكُفْرَ، وَيَعْمَلُ لَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَتَفَكَّرُ وَيُمْعِنُ النَّظَرَ فِي الأَدِلَّةِ التِي أَقَامَهَا اللهُ تَعَالَى في الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، فَيُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَعْمَلُ صَالِحاً، وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلاَلَةَ، وَهُوَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ.
стр. 5080
﴿السماوات﴾
(٣) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ البَالِغَةِ، المُتَضَمِّنَةِ لِمَنَافِعِ الدِّين والدُّنْيَا، وَلَمْ يَخْلُقْهَا عَبَثاً وَبَاطِلاً، وَصَوَّرَكُمْ يَاَيُّهُا النَّاسُ، حِينَ خَلَقَكُمْ، فَجَعَلَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ مَظْهَرٍ، وَإِلَيهِ تَصِيرُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ.
بِالحَقِّ - بِالحِكْمَةِ البَالِغَةِ.
أَحْسَنَ صُورَكُمْ - أَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا.
следующие страницы →