Полный текст (6 113 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ ﴿الصالحين﴾
(١٠) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي طَاعَتِهِ مِنَ المَالِ الذِي جَعَلَهُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ أَجَلُهُمْ فَيَقُولُ هَؤُلاَءِ الذِينَ قَصَّرُوا فِي الطَّاعَةِ، وَفِي الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ: يَا رَبِّ لَوْ أَنَّكَ أَخَّرْتَنِي مُدَّةً يَسِيرَةً، فَأْنْفِقَ فِي طَاعَتِكَ، وأَسْتَجِيبَ لأَمْرِكَ، وأَكُونَ مِنْ عِبَادِكَ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ، الذِينَ تَرْضَى عَنْهُمْ.
لَوْلاَ أخَّرْتَنِي - هلاَّ أَمْهَلْتَنِي وَأَخَّرْتَنِي.
стр. 5077
(١١) - وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ: إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفْعَلُوا الطَّاعَاتِ، وَيُنْفِقُوا فِي أَوْجُهِ الخَيْرِ وَالبِرِّ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ أَجَلُهُمْ، لأَنَّهُمْ إِذَا حَانَ أَجَلُهُمْ فَلاَ مَجَالَ لِلتَّأْخِيرِ وَالإِمْهَالِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُهُ العِبَادُ.
стр. 5078
﴿السماوات﴾
(١) - جَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ مَخْلُوقَاتِ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللهِ، وَتُنَزِّهُهُ عَنْ صِفَاتِ النٌَّقْصِ التِي لا تَلِيقُ بِجَلاَلَهِ وَكَمَالِهِ، فَهُوَ تَعَالَى المالِكُ المُتَصَرِّفُ فِي جَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الجَمِيلُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَخْلُقُهُ وَيُقَدّرُهُ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلاَ رَادَّ لأَمْرِهِ وَلاَ مَانِعَ.
لَهُ المُلْكُ - لَهُ التَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِي كُلِّ شَيءٍ.
стр. 5079
(٢) - هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَوْجَدَكُمْ مِنْ عَدَمٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَبَعْضُكُمْ يَخْتَارُ الكُفْرَ، وَيَعْمَلُ لَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَتَفَكَّرُ وَيُمْعِنُ النَّظَرَ فِي الأَدِلَّةِ التِي أَقَامَهَا اللهُ تَعَالَى في الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، فَيُؤْمِنُ بِاللهِ وَيَعْمَلُ صَالِحاً، وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الضَّلاَلَةَ، وَهُوَ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ.
стр. 5080
﴿السماوات﴾
(٣) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ البَالِغَةِ، المُتَضَمِّنَةِ لِمَنَافِعِ الدِّين والدُّنْيَا، وَلَمْ يَخْلُقْهَا عَبَثاً وَبَاطِلاً، وَصَوَّرَكُمْ يَاَيُّهُا النَّاسُ، حِينَ خَلَقَكُمْ، فَجَعَلَكُمْ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَأَكْمَلِ مَظْهَرٍ، وَإِلَيهِ تَصِيرُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِيُحَاسِبَكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، وَيُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا عَمِلَتْ، وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ.
بِالحَقِّ - بِالحِكْمَةِ البَالِغَةِ.
أَحْسَنَ صُورَكُمْ - أَتْقَنَهَا وَأَحْكَمَهَا.
стр. 5081
﴿السماوات﴾
(٤) - وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ مِنْ كَائِنَاتٍ وَمَخْلُوقَاتٍ، فَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا خَافِيَةٌ، وَهُوَ يُدَبِّرُهَا وَيُدِيرُهَا، وَيَعْلَمُ مَا يُعْلِنُهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَهُ، وَيَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَهُ وَيُبْطِنُونَهُ، وَمَا تُوَسْوِسُ بِهِ، نُفُوسُهُمْ، وَيَعْلَمُ مَا يُضْمِرُونَ في صُدُورِهِمْ وَمَا يُبَيِّتُونَ فِي سَرَائِرِهِمْ فَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 5082
﴿نَبَأُ﴾
(٥) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ مِنْ كُفَّارِ مَكَّةَ مِنْ مَغَبَّةِ تَمَادِيِهِمْ فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، وَتَكْذِيبِ رَسُولِ اللهِ، وَيَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إِلَى مَا أَنْزَلَهُ مِنْ عِقَاب بِالكُفَّارِ، وَتَكْذِيبِ رَسُولِ اللهِ، وَيَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إِلَى مَا أَنْزَلَهُ مِنْ عِقَابٍ بِالكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ السَّالِفَةِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَلَمْ تَأْتِكُمْ أَخْبَارُ الكَافِرِينَ السَّالِفِينَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ رُسُلُ رَبِّهِمْ، كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ عِقَابَهُ الأَلِيمَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقَهُ بِالطُّوفَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكَتْهُ الرِّيحُ العَقِيمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ صَيْحَةُ العَذَابِ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ عِقَاباً أَلِيماً لَهُمْ، فِي الدُّنْيَا عَلَى كُفْرِهِمْ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَسَيَكُونُ لَهُمْ عَذَابٌ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ فِي الآخِرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
وَبَالَ أَمْرِهِمْ - سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا.
стр. 5083
﴿بالبينات﴾
(٦) - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ العَذَابِ وَالدَّمَارِ لأَنَّهُمْ كَانَتْ رُسُلُهُمْ تَأْتِيهِمْ بِالحُجَجِ والدَّلاَلاَتِ الوَاضِحَةِ المُبيِّنَةِ، وَبِالمُعْجِزَاتِ البَاهِرَةِ، فَكَانُوا يَعْجَبُونَ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رِسَالَتَهُ إِلَى النَّاسِ فِي أُنَاسٍ مِنَ البَشَرِ، لاَ مِيزَةَ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلاَ فَضْلَ. وَقَدْ حَمَلَهُمْ هَذَا الاعْتِقَادُ عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَأَعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ وَتَوَلَّوْا عَنْ طَرِيقِ الهُدَى فأَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعاً، وَقَطَعَ دَابِرَهُمْ، وَاسْتَغْنَى عَنْ إِيْمَانِهِمْ، وَهُوَ الغَنِيُّ عَنِ المَخْلُوقَاتِ جَمِيعاً، وَهُوَ الحَقِيقُ بِالحَمْدِ عَلَى مَا أنْعَمَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الوَفِيرَةِ التِي لاَ تُحْصَى.
تَوَلَّوا - أَعْرَضُوا عَنِ الإِيْمَانِ بِالرُّسُلِ.
стр. 5084
(٧) - ادَّعَى المُشْرِكُونَ وَالكُفَّارُ أَنَّهُ لاَ بَعْثَ وَلاَ حَشْرَ وَلاَ حِسَابَ، وَلاَ جَزَاءَ فِي الآخِرَةِ، وَاسْتَبْعَدُوا وَقُوعَ ذَلِكَ بِعْدَ أَنْ تَتَفَرَّقَ الأَجْسَادُ فِي الأَرْضِ، وَتُصْبِحَ رَمِيماً مُتَنَاثِراً. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مُقْسِماً بِرَبِّكَ الكَرِيمِ عَلَى صِدْقِ مَا تَقُولُ: إِنَّ البَعْثَ لَكَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ، وَإِنَّكُمْ سَتحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ جَمِيعِهَا. وَبَعْثُ البَشَرِ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَإِطْلاَعُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم التِي عَملُوهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَحسَابُهُمْ وَجَزَاؤُهُمْ، كُلُّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ فِي غَايَةِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، فَهُوَ تَعَالَى القَادِرُ القَاهِرُ.
стр. 5085
﴿فَآمِنُواْ﴾
(٨) - فآمِنُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَبالكِتَابِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ لِيَهْدِيكُمْ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلِيُنْقِذَكُمْ مِنَ الضَّلاَلَةِ والشُّكُوكِ وَالشُّبُهَاتِ، وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَسَيُحَاسِبُكُمْ عَلَيْهَا فاتَّعِظُوا وَآمِنُوا، عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ وَالعِنَادِ.
النُّورِ - القُرْآنِ.
стр. 5086
﴿صَالِحاً﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(٩) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَبْعَثُكُم اللهُ مِنْ قُبُورِكُمْ، وَيَحْشُرُكُمْ إِلَيهِ لِلحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَذَلِكَ اليَوْمُ هُوَ يَوْمُ التَّغَابُنِ، إِذْ يَكُونُ النَّاسُ فَرِيقَينَ: كَافِرِينَ اشْتَرَوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ، فَخِسِرَتْ صَفقَتُهُمْ، وَصَارُوا إِلَى عَذَابِ النَّارِ، وَمُؤْمِنِينَ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ، فَرَبِحَتْ صَفقَتُهُمْ، وَصَارُوا إِلَى نَعِيمِ الجَنَّةِ، فَلاَ غبْنَ أَعْظَمِ مِنَ الغبْنِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، حَينَمَا يَجِدُ الكَافُرُونَ المُقَصِّرُونَ أَنَّهُمْ بَاعُوا النَّعِيمَ الخَالِدَ الدَّائِمَ، بِلَذَّةٍ قَلِيلَةٍ زَائِلَةٍ. وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ بِطَاعَتِهِ. يُكَفِّرِ اللهُ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ، وَيَغْفِرْ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَيُدْخِلْهُ جَنَّةً تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، وَيَبْقَى خَالِداً فِي نَعِيمِهَا أَبَداً، وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ الَّذِي لاَ فَوْزَ بَعْدَهُ.
يَوْمُ التَّغَابُنِ - يَظْهَرُ فِيهِ غَبْنُ الكَافِرِ بِتَرْكِهِ الإِيْمَانَ.
стр. 5087
﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٠) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَجَحَدُوا بِوحْدَانِيَّتِهِ، وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ، وَالكِتَابَ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيهِ، فَهَؤُلاَءِ يُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ لِيَبْقُوا فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، وَبِئْسَ النَّارُ مَنْزِلاً وَمَصِيراً.
стр. 5088
(١١) - مَا أَصَابَ أَحَداً شَيءٌ مِنْ رَزَايَا الدُّنْيَا وَمَصَائِبِهَا، إِلاَّ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَالمَرْءُ يَعْمَلُ وَيَتَّخِذُ مِنَ الأَسْبَابِ مَا هُوَ في طَوقِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ، لَجَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَكِنَّ النَّتَائِجَ بِيَدِ اللهِ وَوفْقَ قَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا مَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَعَلَيْهِ أَلاَّ يَغْتَمَّ وَلاَ يَحْزَنَ، وَعَلَيهِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّما كَانَ ذَلِكَ بإِرَادَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ. وَمَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ وَآمَنَ أَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ بِقَضَاءِ اللهِ، وَقَدَرِهِ، فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، عَوَّضَهُ اللهُ عَنْ إِصَابَتِهِ فِي الدُّنْيَا، هُدًى فِي قَلْبِهِ، وَيَقِينا صَادِقاً بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالأَشْيَاءِ كُلِّهَا. فَالمُؤْمِنُ عَلَيهِ وَاجبَانِ:
- السَّعْيُ وَبَذْلُ الجُهْدِ واتِّخَاذُ الأَسْبَابِ لِجَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ مَا اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً.
- ثُمَّ التَّوكُّلُ عَلَى اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ اليَقِينَ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَحْدُثُ هُوَ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَلاَ يَغْتَمُّ وَلاَ يَحْزَنُ لِمَا يَقَعُ.
بِإِذْنِ اللهِ - بِإِرَادَتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.
يَهْدِ قَلْبَهُ - يُوَفِّقْهُ لِلْيَقِينِ وَالصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ.
стр. 5089
﴿البلاغ﴾
(١٢) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ تَعَالَى فِيمَا شَرَعَ، وَبِطَاعَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ فِيمَا بَلَّغَ، وَبِأَنْ يَفْعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَبِتَرْكِ مَا نُهُوا عَنْهُ، فَإِنْ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّسُولَ مَهَمَّتُهُ أَدَاءُ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ فَعَلَ، وَلاَ يُسْأَلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَعْمَالِ العِبَادِ.
стр. 5090
(١٣) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ، وَأَنَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، وَيَتَوكَّلُوا عَلَيهِ، وَيُخْلِصُوا العَمَلَ لَهُ، وَيَتَقَووا بِهِ فِي أُمُورِهِمْ حَتَّى يَنْصُرَهُمُ اللهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ.
стр. 5091
﴿ياأيها﴾ ﴿آمنوا﴾ ﴿أَزْوَاجِكُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾
(١٤) - يُحَذِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ فَقَدْ يَكُونُ مِنَ بَينِ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ أَعْدَاءٌ لِلإِنْسَانِ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلِ الطَّاعَاتِ التِي تُقَرِّبُ إِلَى اللهِ، وَرُبَمَا حَمَلُوهُمْ عَلَى السَّعْيِ فِي اكْتِسَابِ الحَرَامِ، واجْتِرَاحِ الآثَامِ، لِمَنْفَعَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ يُؤَدِّي البُغْضُ إِلَى ارْتِكَابِ الجَرَائِمِ بِحَقِّ الأَزْوَاجِ وَالآبَاءِ، فَتَكُونُ عَدَاوَةٌ حَقِيقِيَّةٌ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْتِي زَمَانٌ عَلَى أُمَّتِي يَكُونُ فِيهِ هَلاَكُ الرَّجُلِ عَلَى يَدِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ، يُعَيِّرَانِهِ بِالفَقْرِ فَيْرْتَكِبُ مَرَاكِبَ السُّوءِ فَيَهْلِكُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ حُبُّهُ لَهُمْ، وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَحِرْصُهُ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَمَاتِهِ فَيَرْتَكِبُ المَحْظُورَاتِ لِتَحْصِيلِ مَا يَكُونُ سَبَباً لِذَلِكَ فَيَهْلِكُ.
ثُمَّ يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى العَفْوِ والصِّفْحِ فَقَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ الخَيْرُ لِلإِنْسَانِ، فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِمْ وَبِهِ، وَيُعَامِلُهُ بِمِثْلِ مَا عَامَلَهُمْ، وَيَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ تَكَرُّماً مِنْهُ.
стр. 5092
﴿أَمْوَالُكُمْ﴾ ﴿أَوْلاَدُكُمْ﴾
(١٥) - الأَمْوَالُ وَالأَوْلاَدُ اخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ وَابْتِلاَءٌ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، إِذْ كَثِيراً مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ ارْتِكَابُ المَحْظُورَاتِ، وَاجْتِرَاحُ الآثَامِ، وَقَدْ قَدَّمَ اللهُ الأَمْوَالَ عَلَى الأَوْلاَدِ لأَنَّهَا أَعْظَمُ فِتْنَةً.
" وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي المَالُ "
ثُمَّ يُنَبِّهُ تَعَالَى النَّاسَ إِلَى مَا أَعَدَّهُ مِنْ عَظِيمِ الأَجْرِ فِي الآخِرَةِ لِمَنْ آثَرَ مَحَبَّةَ اللهِ وَطَاعَتَهُ، عَلَى مَحَبَّةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ.
فِتْنَةٌ - بَلاَءٌ وَاخْتِبَارٌ.
стр. 5093
﴿فأولئك﴾
(١٦) - فَابْذُلُوا فِي تَقْوَى اللهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنَ الجَهْدِ وَالطَّاقَةِ.
" وَقَدْ قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهِيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) واسْمعُوا وَأَطِيعُوا مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَاعْمَلُوا بِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ عَلَى الأَقَارِبِ وَالفُقَرَاءِ وَالمُحْتَاجِينَ، وَأَحْسِنُوا إِلَى عِبَادِ اللهِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيكُمْ يَكْنْ ذَلِكَ خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَمَنْ يَبْتَعِدْ عَنِ البُخْلِ وَالحِرْصِ عَلَى المَالِ، يَكُنْ مِنَ الفَائِزِينَ.
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ - يُكْفَى بُخَلَها الشَّدِيدَ مَعَ حِرْصهَا.
стр. 5094
﴿يُضَاعِفْهُ﴾
(١٧) - مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ مَالٍ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَتَقَرُّباً إِليهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعُدُّ ذَلِكَ الإِنْفَاقَ مُقَدَّماً إِلَيه تَعَالَى، وَهُوَ يُخْلفُهُ وَيَرُدُّهُ إِلَى المُنْفقِينَ - أَضْعَافاً كَثِيرَةً - الحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِها إِلَى سَبْعِمِئَةِ ضِعْفٍ - وَيَمْحُو عَنْكُمْ بِها سَيِّئَاتِكُمْ، وَيَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ، وَاللهُ شكُورٌ يَجْزِي عَلَى القَلِيل بِالكَثِيرِ، وَهُوَ كَثِيرُ الحِلْمِ وَالمَغْفِرَةِ، يَغْفِرُ وَيَسْتُرُ، وَلاَ يُعَاجِلُ بِالعُقُوبَةِ عِبَادَهُ عَلَى الذُّنُوبِ وَالأَخْطَاءِ لَعَلَّهُمْ يَتُوبُونَ وَيَرْجِعُونَ مُسْتَغْفِرْينَ.
قَرْضاً حَسَناً - احْتِسَاباً طَيِّبَةً بِهِ النَّفْسُ.
стр. 5095
﴿عَالِمُ﴾ ﴿الشهادة﴾
(١٨) - وَهُوَ تَعَالَى العَلِيمُ بِأَحْوَالِ خَلْقِهِ لاَ يَغِيبُ عَنْهُ شَيءٌ مِمَّا غَابَ عَنْهُمْ وَمِمَّا شَاهَدُوهُ، فَكُلُّهُ فِي عِلْمِ اللهِ وَحِفْظِهِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ شَيءٌ، وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَسَيَثُيبُ العِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيهَا إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً، فَأَنْفِقُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ، وَلاَ تَخْشَوا أَنْ يَضِيعَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فَهُوَ مَحْفُوظٌ مَعْرُوفٌ فِي عِلْمِ اللهِ، وَاللهُ هُوَ النَّافِذُ الإِرَادَةِ الذِي عَزَّ كُلَّ شَيءٍ وَقَهَرَهُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
стр. 5096
﴿بِفَاحِشَةٍ﴾ ﴿ياأيها﴾
(١) - (طَلَّقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَتَغَيَّظَ الرَّسُولُ، وَقَالَ لَهُ: لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكُهَا حَتَّى تَطْهرَ، ثُمَّ تَحِيضُ فَتَطْهرُ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ هِيَ العِدَّةُ التِي أَمََرَ تَعَالَى أَنْ يُطَلِّقَ النِّسَاءُ لَهَا) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لاَ يُطَلِقُهَا وَهِيَ حَائِضٌ، وَلاَ في طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ، وَلَكِنْ يَتْرُكُها حَتَّى إِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلّقَهَا تَطْلِيقَةَ.
وَهَذَا الطَّلاَقُ يَتَعَلقُ بِالنِّسَاءِ المَدْخُولِ بِهِنَّ، ذَوَاتِ الحَيْضِ، أَمَّا غَيْرُ المَدْخُولِ بِهِنَّ فَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهِنَّ. وَالنِّسَاءُ المَدْخُولُ بِهِنَّ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الحَيْضِ كَالآيِسَاتِ، وَغَيْرِ البَالِغَاتِ فَلَهُنَّ حُكْمٌ خَاصٌّ.
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِإِحْصَاءِ العِدَّةِ، وَمَعْرِفَةِ ابْتِدَائِهَا وَانْتِهَائِهَا لِئَلاً تَطُولَ عَلَى المَرْأَةِ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِحِفْظِ الأَحْكَامِ وَالحُقُوقِ التِي تَجِبُ فِيهَا.
وَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِالنِّدَاءِ لأَنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ، وَقُدْوَتُهَا. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنيِنَ بِخَشْيَةِ اللهِ وَخَوْفِهِ وَتَقْوَاهُ، وَأَمَرَهُمْ بِأَلاَّ يَعْصوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ مِنْ طَلاَقِ النِّسَاءِ لِعِدَّتِهِنَّ، وَفِي القِيَامِ بِحُقُوقِ المُعْتَدَّاتِ، وَأَنْ لاَ يُخْرِجُوا النِّسَاءَ المُعْتَدَّاتِ مِنَ المَسَاكِنِ، التِي كَانَ الأَزْوَاجُ يُسَاكِنُونَهُنَّ فِيهَا قَبْلَ الطَّلاَقِ، فَهَذِهِ السُّكْنَى حَقٌّ وَاجِبٌ أَوْجَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلزَّوْجَاتِ، فَلاَ يَجُوزُ تَعَدِّي هَذَا الحَقِّ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَانْهِدَامِ المَنْزِلِ أَوِ الحَرِيقِ.
وَلاَ تَخْرُجُ المُعْتَدَّاتُ إِلاَّ لِضَرُورَةٍ، أَوِ بِسَبَبِ الإِتْيَانِ بِفَاحِشَةٍ مَبَيِّنَةٍ تُوجِبُ حَدّاً مِنْ زِنىً أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ لِبَذَاءَةِ لِسَانٍ، أَوْ لِسُوءِ خُلُقٍ.
وَهَذِهِ الأَحْكَامُ التِي يُبَيِّنُهَا اللهُ تَعَالَى مِنَ الطَّلاَقِ لِلعِدَّةِ، وَمِنْ إِحْصَاءِ العِدَّةِ، وَالأَمْرِ بِاتِّقَاءِ اللهِ، وَعَدَمِ إِخْرَاجِ المُطَلِّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا إِلاَّ لِسَبَبِ وَجِيهٍ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ حُدُودِ اللهِ التِي حَدَّهَا لِلمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيْهِمْ أَلاَّ يَتَعْدَّوْهَا، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَأَضَرَّ بِهَا، وَلاَ يَعْلَمُ الزَّوْجُ فَقَدْ يُحَوِّلُ اللهُ قَلْبَهُ مِنَ البُغْضِ لِلْمُطَلَّقَةِ، إِلَى المَحَبَّةِ فَيَنْدَمُ عَلَى فِرَاقِهَا، إِذَا كَانَ قَدْ أَخْرَجَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ مُرَاجَعَتَهَا.
فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ - مُسْتَقْبِلاَتٍ لِعِدَّتِهِنَّ - الطهْرِ.
أَحْصُوا العِدَّةَ - اضْبِطُوهَا واسْتَكْمِلُوا ثَلاَثَةَ قرُوءٍ.
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ - بِمَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ.
стр. 5097
﴿الشهادة﴾
(٢) فإِذَا بَلَغَتِ المُعْتَدَّاتُ أَجَلَهُنَّ وَشَارَفَتْ عِدَّتُهُنَّ عَلَى الانْقِضَاءِ (وَلَكِنْ لَمْ تَنْتَهِ العِدَّةُ تَمَاماً) ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَعْزِمَ إِمَّا عَلَى إِمْسَاكِهَا، وَإِعَادَتِهَا إِلَى عَصْمَتِهِ، وَمُعَامَلَتِهَا بِالمَعْرُوفِ، أَيْ مُحْسِناً صُحْبَتَهَا، وَإِمَّا أَنْ يَعْزِمَ عَلَى مُفَارَقَتِهَا بِمَعْرُوفٍ، دُونَ مُشَاتَمَةٍ وَلاَ تَعْنِيفٍ، بَلْ يُطَلِّقُهَا عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَيُؤَدِّي إِلَيهَا حُقُوقَهَا كَامِلَةً مِنْ مَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَمُتْعَةٍ حَسَنَةٍ، وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بإِشْهَادِ رَجُلَينِ مِنْ ذَوِي العَدْلِ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي حَالَتي الطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ، حَسْماً لِلنِّزَاعِ، فَقَدْ يَمُوتُ الزَّوْجُ فَيَدَّعِي الوَرَثَةُ أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْهَا، فَيَحْرِمُوهَا مِيرَاثَهَا، وَمَخَافَةَ أَنْ تُنْكِرَ المَرْأَةُ عِدَّتَهَا فَتَقْضِي عِدَّتَهَا وَتَنْكِحَ زَوْجاً آخَرَ. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الحَقِّ إِذَا اسْتَشْهِدُوا، وَبِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ إِذَا دُعُوا لأَدَائِهَا.
وَهَذَا الذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ هوَ عِظَةٌ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليومِ الآخَرِ لِيَعْمَلَ بِهَا، وَيَسيرَ عَلى نَهْجِها.
وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمنينَ أَنَّهُ مَنِ اتَّقَى مِنْهُمُ اللهَ بِمُراعاةِ ما فُرِضَ عَليهِ في أَمْرِ المُطلَّقَاتِ والمُعْتَدَّاتِ، جَعَلَ لَهُ مَخْرَجاً مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ مِنَ الغَمِّ، وَيُفَرِّجُ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الهَمِّ والكَرْبِ.
بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ - قَارَبَتْ عِدَّتُهُنَّ عَلَى الانْقِضَاءِ.
مَخرجاً - مِنْ كُلِّ شِدةٍ وَضِيقٍ.
стр. 5098
﴿بَالِغُ﴾
(٣) - وَمَنِ اتَّقَى اللهَ جَعَلَ اللهُ لَهُ منْ أَمْرِهِ مَخْرَجاً وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ، وَلاَ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بالٍ، وَمَنْ يَكل أَمْرَهُ إِلَى اللهِ، وَيُفوّضْهُ إِلَيهِ كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ وَأَغَمَّهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَاللهُ مُنْفِذُ أَمْرِهِ وَأَحْكَامِهِ فِي خَلْقِهِ وَقَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيءٍ مِقْدَاراً وَوَقْتاً، فَلاَ تَحْزَنْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُ إِذَا فَاتَكَ شَيءٌ مِمّا كُنْتَ تَرْجُو وَتُؤمَلُ، فَالأُمُورُ مُقَدَّرَةٌ بِمَقَادِيرَ خَاصَّةٍ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ .
فَهُوَ حَسْبُهُ - فَهُوَ كَافِيهِ مَا أَهَمَّهُ وَأَغَمَّهُ.
قَدْراً - أَجَلاً يَنْتَهِي إِليهِ، أَوْ تَقْديراً أَزَلاً.
لاَ يَحْتَسِبُ - لاَ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ وَلاَ فِي حِسَابٍ.
стр. 5099
﴿اللائي﴾ ﴿يَئِسْنَ﴾ ﴿نِّسَآئِكُمْ﴾ ﴿ثَلاَثَةُ﴾ ﴿أُوْلاَتُ﴾
(٤) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ عِدَّةَ الآيِسَةِ التِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا لِكِبَرِ سِنِّهَا، وَالصَّغِيرَةِ التِي لَمْ تَحِضْ بَعْدُ، فَقَالَ إِنَّهَا ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، إِنْ شَكَكْتُمْ، وَجَهلْتُمْ كَيْفَ تَكُونُ عِدَّتُهُنَّ، وَمِقْدَارُهَا؛ وِعِدَّةُ الحَوامِلِ هِيَ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، طَالَتِ المُدَّةُ أَوْ قَصُرَتْ، سَوَاءٌ كُنَّ مُطَلَّقَاتٍ أَوْ مُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ.
وَمَنْ يَخَفِ اللهَ، وَيَرْهَبْهُ، يُسَهِّلِ اللهُ عَلَيهِ أُمُورَهُ، وَيَجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ فَرَجاً، وَيَجْعَلْ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَهْدِيهِ لِحَلِّ عُوَيْصَاتِ الأُمُورِ وَمُشْكِلاَتِهَا.
يَئِسْنَ - انْقَطَعَ رَجَاؤهُنَّ لِكِبَرِ سِنهنَّ.
اللائِي لَمْ يَحِضْنَ - لِصِغَرِ سِنِّهِنَّ.
يُسْراً - تَيْسِيراً وَفَرَجاً.
стр. 5100
(٥) - وَهَذَا هُوَ حُكْمُ اللهِ وَشَرْعُهُ، أَنْزَلَهُ إِليكُمْ بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ لِتَأْخُذُوا بِهِ، وَتَعْمَلُوا وَفقَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ وَيَلْتَزِمْ بِمَا أَمَر، وَيَتْرُكْ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، يَغْفِرْ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَيَمْحُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُجْزِلْ لَهُ ثَوَابَ أَعْمَالِهِ.
стр. 5101
﴿أُوْلاَتِ﴾ ﴿فَآتُوهُنَّ﴾
(٦) - وَأَسْكِنُوا النِّسَاءَ المُطَلَّقَاتِ فِي المَوْضِعِ الذِي تَسْكُنُونَ فِيهِ، عَلَى مِقْدَارِ حَالِكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا إِلاَّ حُجْرَةً بِجَانِبِ حُجرَتِكُمْ فَأَسْكِنُوهُنَّ فِيها. . (لأَنَّ السُّكْنَى نَوْعٌ مِنَ النَّفَقَةِ وَهِي وَاجِبَةٌ عَلَى الأَزْوَاجِ) . وَلاَ تُضَاجِرُوهُنَّ، وَلاَ تُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ فِي السُّكْنَى، بِشَغْلِ المَكانِ، أَوْ بِإِسْكَانِ غَيرِهِنَّ مَعَهُنَّ مِمَّنْ لاَ يُحْبِبْنَ السُّكْنَى مَعَهُ، لِتُلْجِئُوهُنَّ إِلَى الخُرُوجِ مِنْ مَسَاكِنِهِنَّ. وَإِذَا كَانَتِ المُطَلَّقَةُ ذَاتَ حَمْلٍ فَعَلَى الزَوْجِ، أَوْ وَلِيِّهِ، أَنْ يُنْفِقَ عَلَيهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
فإِذا وأَرْضَعَتِ المُطَلَّقَةُ وَلِيدها الذِي وَضَعَتْهُ، وَهِيَ طَالِقٌ، قَدْ بَانَتْ بِانْقضَاءِ عَدَتِهَا، فَلَهَا أَنْ تُرَضِعَ الوَلَدَ لَها عَلَى الزَّوْجِ أَجْرُ إِرْضَاعِهِ (أَجْرُ مِثْلِهَا) . وَتَتَّفِقُ المُطَلَّقَةُ مَعَ وَالِدِ الطِّفْلِ أَوْ وَلِيِّهِ عَلَى مِقْدَارِهِ. وَلَهَا أَنْ لاَ تُرْضِعَهُ فَيَقُومُ الوَالِدُ بِتَكْلِيفِ أُخْرَى بِإِرْضَاعِهِ. وَيَحْثُّ اللهُ تَعَالَى الآبَاءَ والأَمَّهَاتِ عَلىَ التَّشَاوُرِ والتَّفَاهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ الأَوْلاَدِ، وَفِيمَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُمْ. كَمَا يَحْثُّهُمْ عَلَى أَلاَّ يَجْعَلُوا المَالَ عَقَبَةً فِي سَبِيلِ تَحْقِيقِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلوَلَدِ، فَلاَ يَكُونُ مِنَ الأَزْوَاجِ مُمَاكَسَةٌ، وَلاَ يَكُونُ مِنَ الأُمَّهَاتِ مُعَاسَرَةٌ وَإِحْرَاجٌ لِلآبَاءِ.
أَمَّا إِذَا ضَيَّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ فَإِنَّ لِلأَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعَ امْرَأَةً أُخْرَى، فإِنْ رَضِيتِ الأُمُّ بِمِثْلِ مَا اسْتُؤْجِرَتْ بِهِ الأَجْنَبِيَّةُ كَانَتْ أَحَقَّ بِإِرْضَاعِ طِفْلِهَا مِنَ الأَجْنَبِيَّةِ.
وُجْدِكُم - وُسْعِكُمْ وَطَاقَتكُمْ.
ائْتَمِرُوا بَيْنَكُم - تَشَاوَرُوا فِي الأَمْرِ وَالإِرْضَاعِ وَالأُجْرَةِ.
تَعَاسَرْتُمْ - تَشَاحَنْتُمْ - وَضِيّقَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ.
стр. 5102
﴿آتَاهُ﴾ ﴿آتَاهَا﴾
(٧) - وَعَلَى الوَالِدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الأُمِّ المُرْضِعِ التِي طَلَّقَهَا بِقَدْرِ سَعَتِهِ وَغِنَاهِ. وَمَنْ كَانَ رِزْقُهُ بِمِقْدَارِ القُوتِ فَحَسبُ فَلْيُنْفِقْ عَلَى مِقْدَارِ ذَلِكَ، لاَ يُكَلِّفُ اللهُ أَحَداً، مِنَ النَّفقَةِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا آتَاهُ، اللهُ مِنَ الرِّزْقِ. وَسَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ الشِّدَّةِ رَخَاءَ، وَبَعْدَ الضِّيقِ فَرَجاً، فَالدُّنْيَا لاَ تَدُومُ عَلَى حَالٍ.
ذُو سَعَةٍ - ذُو غِنىً وَيَسَارٍ.
قُدِرَ عَليهِ رِزْقُهُ - ضُيِّقَ عَلَيهِ رِزْقُهُ.
стр. 5103
﴿وَكَأِيِّن﴾ ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ ﴿عَذَّبْنَاهَا﴾
(٨) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَسَلَكَ غَيرَ مَا شَرَعَهُ اللهُ، وَيُخْبِرُ عَمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ السَّالِفَةِ، فَيَقُولُ تَعَالَى. إِنَّ كَثِيراً مِنْ أَهْلِ القُرَى خَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ الذِينَ أُرْسِلُوا إِليهِمْ، وَتَمَادَوا فِي طُغْيَانِهِمْ، وَسَيُحَاسِبُهُمْ اللهُ حِسَاباً عَسِيراً عَلَى أَعْمَالِهِم كُلِّهَا، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً مُنْكَراً فِي الآخِرَةِ.
وَكَأَيِّنْ - كَثِيرٌ مِنَ القُرَى.
عتَتْ - تَجَبَّرَتْ وَتَكَبَّرَتْ وَأَعْرَضَتْ.
نُكْراً - مُنْكَراً شَنِيعاً.
стр. 5104
﴿عَاقِبَةُ﴾
(٩) - فَجَنَتْ ثِمَارَ مَا غَرَسَتْ أَيْدِيهَا مِنْ أَعْمَالِ السُّوءِ فَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا الخُسرَانَ والنَّكَالَ.
وَبَالَ أَمْرِهَا - عَاقِبَةَ عُتُوِّهَا وَتَكَبُّرِهَا.
خُسْراً - خُسْراناً وَهَلاَكاً.
стр. 5105
﴿ياأولي﴾ ﴿الألباب﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(١٠) - وَقَدْ هَيَّأَ اللهُ تَعَالَى لَهُمُ العَذَابَ الشَّدِيدَ فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَتَمَادِيهِمْ فِي طُغْيَانِهِمْ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الرُّسُلِ.
ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُؤْمِنِينَ ذَوِي الأَلْبَابِ وَالأَفْهَامِ بِوُجُوبِ تَقْوَى رَبِّهِمْ، وَإِطَاعَةِ أَمْرِهِ، وَالخَشْيَةِ مِنْ مُخَالَفةِ أَمْرِهِ، لِكَيْلاَ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ السَّالِفَةَ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى إليهِمْ قرآناً يُذَكِّرُهُمْ بِرَبِّهِمْ وَخَالِقهِمْ لِيَعْمَلُوا بِمَا يُرْضِيهِ تَعَالَى.
ذِكْراً - قُرْآناً يُذَكِّرُهُمْ.
стр. 5106
﴿يَتْلُواْ﴾ ﴿آيَاتِ﴾ ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿صَالِحاً﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١١) - وَأَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى إِليكُمْ، يَا ذَوِي الأَلْبَابِ وَالبَصَائِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ القُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَهِيَ آيَاتٌ وَاضِحَاتٌ لِمَنْ يَتَدَبَّرُهَا وَيَعْقِلُهَا، لِيُخْرِجَ مَنْ لَدِيهِ اسْتِعْدَادٌ لِلْهُدَى مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ، إِلَى نُورِ الإِيْمَانِ، وَمَنْ يَهْتَدِ إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ فَإِنَّ اللهَ يُدْخِلُهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا وَيَبْقَى خَالداً فِيهَا، وَيُوسِّعُ لَهُ فِيهَا فِي الرِّزْقِ الحَسَنِ مِنْ جَمِيعِ مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ.
رَسُولاً - وَأَرْسَلَ رَسُولاً.
стр. 5107
﴿سَمَاوَاتٍ﴾
(١٢) - اللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَخَلَقَ مِثْلَهُنَّ فِي العَدَدِ مِنَ الأَرْضِ، وَيَجْرِي قَضَاءُ اللهِ وَقَدَرُهُ بَيْنَهُنَّ، وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِنَّ، فَهُوَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فِيهِنَّ وَفْقَ عِلْمِهِ الوَاسِعِ وَحِكْمَتِهِ.
وَاللهُ تَعَالَى يُنْزِلُ قَضَاءَهُ وَأَمْرَهُ بَيْنَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّهُ لاَ يَسْتَعِصِي عَلَى اللهِ شَيءٌ وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ.
يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ - يَجْرِي قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ أَوْ تَدْبِيرُهُ.
стр. 5108
يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ - يَجْرِي قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ أَوْ
﴿ياأيها﴾ ﴿مَرْضَاةَ﴾ ﴿أَزْوَاجِكَ﴾
(١) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ إِثْرَ حَادِثٍ بَسِيطٍ وَقَعَ، وَكَانَ مِنْ نَتِيجَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَلَفَ عَلَى أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ العَسَلَ (وَقِيلَ بَلْ حَلَفَ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَمَتَهُ مَارِيَةَ القِبْطِيَّةَ) .
فَوَفْقاً لِلْرِوَايَةِ الأُولَى - كَمَا رَوَتْهَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهَا: كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُحِبُّ شُرْبَ العَسَلِ، وَكَانَ إِذَا انْصِرَفَ مِنَ العَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ، وَكَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وفَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسََلاً، فَتَوَاطَأَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَلَى أَنْ يَقُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهنَّ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. (والمَغَافِيرُ نَوْعٌ مِنْ صِمْغِ بَعْضِ الشَّجَرِ) أَكَلْتَ مَغَافِيرَ. وَكَانَتْ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ مُتَصَافِيتَيْنَ، مُتَظَاهِرَتِينِ عَلَى سَائِرِ أَزْواجِ النَّبِيِّ. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: أَكَلْتَ مَغَافِيرَ. فَقَالَ النَّبِيُّ لاَ، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِري أَحَداً بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ حَفْصَةَ أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا تَمَّ.
وَوَفْقاً لِلرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصَابَ جَارِيتَ مَارِيَةَ (أُمَّ ابنِهِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: أَيْ رَسُولَ اللهِ فِي بَيْتِي وَعَلَى فِرَاشِي؟ فَجَعَلَهَا النَّبِيُّ عَليهِ حَرَاماً.
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ يُعَاتِبُهُ فِيهَا عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ، وَأَمَرَهُ بِالتَّكْفِيرِ عَنْ يَمِينِهِ فَفَعَلَ.
وَمَعْنَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِكَ شَيْئاً أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ بِتَحْرِيمِهِ مرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ؟ وَاللهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ التَّائِبينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَدْ غَفَرَ لَكَ امْتِناعَكَ عَمَّا أَحَلَّهُ اللهُ لَكَ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ لاَ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ أَنْ غَفَرَهُ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ.
стр. 5109
﴿أَيْمَانِكُمْ﴾ ﴿مَوْلاَكُمْ﴾
(٢) - لَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَكُم التَحَلُّلَ مِنَ الأَيْمَانِ التي حَلَفْتُمُوهَا بالتَّكْفِير عَنْهَا، فَعَلَيْكَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ أَنْ تُكَفِّرَ عَنِ اليَمِين التِي حَلَفْتَهَا فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ، وَاللهُ هُوَ مُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، وَهُوَ العَلِيمُ بِمَا يُصْلِحُ أُمُورَكُمْ فَيَشْرَعُهُ لَكُمْ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ.
وَقَدْ كَفَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ.
تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ - تَحْلِيلَهَا بِالكَفَّارَةِ.
اللهُ مَوْلاَكُمْ - نَاصِرُكُمْ وَمُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ.
стр. 5110
﴿أَزْوَاجِهِ﴾
(٣) - وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى زَوْجِهِ حَفْصَةَ حَدِيثاً فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ العَسَلَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ زَيْنَبَ، وَقَالَ لَنْ أَعُودَ إِلَى شُرْبِهِ وَقَدْ حَلَفْتُ، فَلاَ تُخْبِرِي بِذَلِكَ أَحَداً. فَلَمَّا أَخْبَرَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ بِالحَدِيثِ الذِي اسْتَكْتَمَهَا النَّبِيُّ عَلَيهِ. وَأَطْلَعَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَا فَعَلَتْهُ حَفْصَةُ مِنْ إِفْشَائِهَا مَا اسْتَكْتَمَهَا النَّبِيُّ عَليْهِ أَخْبَرَ حَفْصَةَ بِبَعْضِ الحَدِيثِ الذِي أَفْشَتْهُ (وَهُوَ كُنْتُ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ) ، وَأَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ بَعْضِ الحَدِيثِ الذِي أَفْشَتْهُ (وَهُوَ قَوْلُهُ وَقَدْ حَلَفْتُ فَلاَ تُخْبِرِي أَحَداً) ، فَلَمْ يُخْبِرْهَا بِهِ تَكَرُّماً مِنْهُ لِكَيْلا يَزِيدَ فِي خَجَلِهَا مِنْهُ.
فَلَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ حَفصَةَ بِمَا دَارَ بَيْنَهَا وَبَينَ عَائِشَةَ قَالَتْ مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ فَضَحَتْهَا وَنَقَلَتِ الحَدِيثَ إِلَى الرَّسُولِ. فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ: أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي العِلِيمُ بِالسِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَالخَبِيرُ بِكُلِّ مَا فِي الوُجُودِ.
نَبَّأَتْ بِهِ - أَخْبَرَتْ بِهِ غَيْرَهَا.
أَظْهَرَهُ اللهَ عَلَيهِ - أَطْلَعَهُ اللهُ عَلَى إِفْشَائِهِ.
стр. 5111
﴿تَظَاهَرَا﴾ ﴿مَوْلاَهُ﴾ ﴿صَالِحُ﴾ ﴿الْمَلاَئِكَةُ﴾
(٤) - وَجَّهَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ خِطَابَهُ الكَرِيمَ إِلَى زَوْجَتي النَّبِيِّ اللَّتينِ تَظَاهَرَتَا عَلَيهِ (وَهُمَا حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ) فَقَالَ لَهُمَا: إِنْ تَتُوبَا مِنْ ذَنْبِكُمَا، وَتُقْلِعَا عَنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، تَكُنْ قُلُوبُكُمَا قَدْ مَالَتْ إِلَى الخَيْرِ، وَتَكُونَا قَدْ أَدَّيْتُمَا مَا يَجِبُ عَلَيْكُمَا نَحْوَ رَسُولِ اللهِ مِنْ إِجْلاَلٍ واحْتِرَامٍ، وَتَكْرِيمٍ لِمَقَامِهِ الكَرِيمِ.
صَغَتْ قُلُوبُكُمَا - مَالَتْ إِلَى الخَيْرِ.
تَظَاهَرَا - تَتَعَاوَنَا عَلَيْهِ بِمَا يَسُوؤُهُ.
ظَهِيرٌ - مُعِينٌ وَمُظَاهِرٌ.
مَوْلاَهُ - نَاصِرُهُ وَوَلِيُّهُ.
стр. 5112
﴿أَزْوَاجاً﴾ ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ ﴿مُّؤْمِنَاتٍ﴾ ﴿قَانِتَاتٍ﴾ ﴿تَائِبَاتٍ﴾ ﴿عَابِدَاتٍ﴾ ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾
(٥) - ثُمَّ حَذَّرَهُمَا اللهُ تَعَالَى مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ إِذَا طَلَّقَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ قَدْ يُبْدِلُهُ خَيْراً مِنْهُنَّ إِسْلاَماً وَإِيمَاناً وَمُوَاظَبَةً عَلَى العِبَادَةِ، وَإِقْلاَعاً عَنِ الذُّنْوبِ، وَسَمْعاً لأَوَامِرِ الرَّسُولِ، بَعْضُهُنَّ ثَيِّبَاتٌ سَبَقَ لَهُنَّ الزَّوَاجُ، وَبَعْضُهُنَّ أَبْكَارٌ لَمْ يَسْبِقْ لأَحَدٍ الزَّوَاجُ مِنْهُنَّ.
قَانِتَاتٍ - مُطِيعَاتٍ خَاضِعَاتٍ للهِ.
سَائِحَاتٍ - صَائِمَاتٍ أَوْ مُهَاجِرَاتٍ.
стр. 5113
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿مَلاَئِكَةٌ﴾
(٦) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَاتَّقُوا مَعْصَيَتَهُ، وَأمُرُوا أَهْلَكُمْ بِالذّكْرِ والتَّقْوَى، وَعَلِّمُوهُمْ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيهِمْ، وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأمُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللهِ لِتُنقِذُوهُمْ وَأَنْفُسَكُمْ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، التِي يَكُونُ وَقُودُهَا النَّاسُ مِنَ الكَفَرَةِ، وَالحِجَارَةُ، وَتَقُومُ عَلَيهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، أَشِدَّاءُ َعَلَيهِمْ، لاَ يُخَالِفُونَ رَبَّهُمْ فِي أَمْرٍ بِهِ، وَيُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ.
قوا أَنْفُسَكُمْ - جَنِّبُوا أَنْفُسَكُم النَّارَ بِطَاعَةِ اللهِ.
غِلاَظٌ شِدَادٌ - قُسَاةٌ أَقْوِيَاءُ - وَهُمُ الزَّبَانِيَةُ.
стр. 5114
﴿ياأيها﴾
(٧) - وَيُقَالُ لِلْكَافِرِينَ حِينَمَا يُقْذَفُونَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ: لاَ تَعْتَذِرُوا عَنْ كُفْرِكُمْ، وَعَمَلِكُمْ السَّيِّئِ، فَقَدْ فَاتَ أَوَانُ الإعْتَذَارِ، وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ، إِنَّكُمْ إِنَّمَا تُلاَقُونَ الجَزَاءَ الأَوْفَى عَلَى أَعْمَالِكُم التِي عَمِلْتُمُوهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا.
стр. 5115
﴿ياأيها﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بِأَيْمَانِهِمْ﴾
(٨) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأَنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً صَادِقَةً جَازِمَةً تَمْحُو مَا سَبَقَهَا مِنَ السَّيِّئَاتِ.
" وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ فَقَالَ: هُوَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ حِينَ يَفْرُطُ مِنْكَ، فَتَسْتَغْفِرُ الله بِنَدَامَتِكَ مِنْهُ عِنْدَ الحَاضِرِ، ثُمَّ لاَ تَعُودُ إِليهِ أَبداً " (أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ) .
ثُمَّ يُبَيِّنُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ إِنْ تَابُوا تَوْبَةً نَصُوحاً تَابَ اللهُ عَليهِمْ، وَغَفَرَ لَهُمْ، وَأَدخَلَهُمْ بِرَحْمَتِهِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا فِي يَوْمِ القِيَامَةِ. وَهُوَ اليومُ الذِي يَرْفَعُ الله فِيهِ قَدْرَ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، وَقَدْرَ المُؤْمِنينَ مَعَهُ. وَيَجْعَلُ نُورَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَومِ يَسْعَى بَينَ أَيْدِيهِمْ، حِينَ يَمْشُونَ وَكُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيَسْأَلُونَ رَبَّهُمْ أَنْ يُبْقِي لَهُمْ نُورَهُمْ، فَلا يَطْفِئُهُ حَتَّى يجُوزُوا الصِّرَاطَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ رَبَّهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِم السَّالِفَةِ، وََيَقُولُونَ: رَبَّنَا العَظِيمَ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَلاَ يُعْجِزُكَ شَيءٌ.
تَوْبَةً نَصُوحاً - تَوْبَةً خَالِصَةً صَادِقَةً - أَوْ مَقْبُولَةً.
لاَ يُخْزِي اللهُ - لاَ يُذِلُّ، بَلْ يُعِزُّ رَسُولَهُ وَيَكْرِمُهُ.
следующие страницы →