← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

﴿التوراة﴾ (٦٦) - وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي الكِتَابِ الذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، كَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، دُونَ تَحْرِيفٍ وَلا تَبْدِيلٍ، لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إلى اتِّبَاعِ الحَقِّ، وَالعَمَلِ بِمُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، لأنَّ كُلاً مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ بَشَّرَ بِنَبِيٍّ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَلَوْ أَنَّهُمُ اتَّبَعُوا الحَقَّ، وَآمَنُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ الذِي بَشَّرَ بِهِ كِتَابُهُمْ، لَوَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُمْ، وَلأَغْدَقتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مَطَرَها وَبَرَكَاتِهَا، وَلأخْرَجَتْ لَهُمْ خَيْرَاتِهَا. وَلَكِنَّ قِلَّةً مِنْهُمْ مُؤْمِنَةٌ مُلْتَزِمَةٌ بِأَحْكَامِ مَا شَرَعَ اللهُ لَهُمْ، وَأكْثَرُهُمْ طُغَاةٌ مُجَاوِزُونَ لأَوَامِرِ اللهِ، وَسَاءَ عَمَلُهُمْ. مُقْتَصِدَةٌ - مُعْتَدِلَةٌ وَهُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ. أَقَامُوا التَّوْرَاةَ - عَمِلُوا بِأَحْكَامِهَا تَمَاماً كَمَا أُنْزِلَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ.

стр. 737

﴿ياأيها﴾ ﴿الكافرين﴾ (٦٧) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّداً ﷺ بِأَنْ يُبَلِّغَ النَّاسَ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ لَيُبَلِّغَهُمْ إيَّاهُ، وَقَدِ امْتَثَلَ ﵇ لأَمْرِ رَبِّهِ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ : فَإِذَا لَمْ تَقُمْ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ لاَ تَكُونُ قَدْ بَلْغَتَ رِسَالَةَ رَبِّكَ. ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِرَسُولِهِ: لاَ تَخَفْ مِنْ أنْ يَصِلَ إلَيْكَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَذًى، فَأَنْتَ فِي حِفْظِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ، وَهُوَ يَمْنَعُكَ مِنْهُمْ، وَيَحْفَظُكَ وَيُؤَيِّدُكَ بِنَصْرِهِ. وَاللهُ هُوَ الذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ إلَى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ. (وَعَنْ عَائِشَةَ رِضْوَانَ اللهِ عَلَيْهَا أنَّهَا قَالَتْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِماً شَيْئاً مِنَ القًُرْآنِ لَكَتَمَ الأيَةَ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ ) . يَعْصِمُكَ - يَمْنَعُكَ وَيَحْمِيكَ.

стр. 738

﴿ياأهل الكتاب﴾ ﴿التوراة﴾ ﴿طُغْيَاناً﴾ ﴿الكافرين﴾ (٦٨) - قُلْ لأَهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا تُبَلِّغُهُمْ إيَّاهُ عَنْ رَبِّهِمْ: لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالهُدَى حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الكُتُبِ المُنْزَلَةِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، وَمِنْهَا الإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ، وَالأَمْرُ بِاتِّبَاعِهِ، وَالإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ، وَالاقْتِدَاءِ بِشَرِيعَتِهِ، وَسَيُثِيرُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، مِنَ القُرْآنِ وَالهُدَى، كَثِيراً مِنَ الحَسَدِ وَالحِقْدِ وَالطُّغْيَانِ وَالكُفْرِ فِي نُفُوسِ الكَثِيرِينَ مِنْ هَؤُلاَءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَهْتَمَّ بِذَلِكَ، أَوْ تَحْزَنَ لَهُ. لاَ تَأْسَ - لاَ تَحْزَنْ وَلاَ تَأْسَفْ. يَزِيدُهُمْ طُغْيَاناً - يَزِيدُهُمْ إِمْعَاناً فِي الحَسَدِ.

стр. 739

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿والصابئون﴾ ﴿والنصارى﴾ ﴿آمَنَ﴾ ﴿صَالِحاً﴾ (٦٩) - الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ (المُسْلِمُونَ) ، وَالذِينَ هَادُوا (أَهْلَ التَّوْرَاةِ) ، وَالصَّابِئُونَ (وَهُمْ طَائِفَةٌ يَعْبِدُونَ النُّجُومَ، وَقَيلِ بَلْ إنَّهُمْ يَعْبُدُونَ المَلاَئِكَةَ وَيَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ) ، وَالنَّصَارَى (أَهْلُ الإِنْجِيلِ) ، مَنْ أَخْلَصَ مِنْهُمُ الإِيمَانَ للهِ، وَمَنْ آمَنَ بِاليَومِ الآخِرِ، وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً يَرْضَاهُ اللهُ، فَلاَ خَوْفَ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَهْوَالِ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيا وَعَيْشِهَا، بَعْدَ أنْ يُعَايِنوا مَا أكْرَمَهُمُ اللهُ بِهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ. الصَّابِئُونَ - عُبَّادُ الكَوَاكِبِ أَوْ عُبَّادُ المَلاَئِكَةِ.

стр. 740

﴿مِيثَاقَ﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ (٧٠) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ أَخَذَ العَهْدَ وَالمِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي التَّوْرَاةِ، عَلَى تَوْحِيدِهِ تَعَالَى، وَعَلَى اتِّبَاعِ الأَحْكَامِ التِي شَرَعَهَا لِهَدْيِ خَلْقِهِ، وَعَلَى تَحَلِّيهِمْ بِالفَضَائِلِ وَمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ، وَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ للهِ وَرَسُولِهِ، وَأنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النًّبِيِّينَ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، وَيُؤَكِّدُوا عَهْدَ اللهِ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، وَاتَّبَعُوا آرَاءَهُمْ، وَقَدَّمُوهَا عَلَى الشَرَائِعِ، فًَمَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ مِنَ الشَرَائِعِ قَبَلُوهُ، وَمَا خَالَفَهَا رَدُّوهُ، وَرَفَضُوهُ، وَكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَاهُ أَنْفُسَهُمْ، وَلاَ يَتَّفِقُ مَعَ رَغَبَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، كَذَّبُوهُ أَوْ قَتَلُوهُ. المِيثَاقُ - العَهْدُ المُوَثَّقُ بِالإِيمَانِ. بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ - بِمَا لا يُحِبُّونَ وَلاَ يُوافِقُ مِزَاجَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ.

стр. 741

(٧١) - وَظَنُّوا أنَّ اللهَ لَنْ يَخْتَبِرَهُمْ بِشَدَائِدِ الأُمُورِ، كَتَسْلِيطِ الأُمَمِ القَوِيَّةِ عَلَيْهِم بِالقَتْلِ وَالتَّخْرِيبِ وَالاضْطِهَادِ، لِمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَلِمَا كَانُوا يَظُنُّونَهُ مِنْ أنَّ نُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِمْ سَتَدْفَعُ عَنْهُمُ العِقَابَ الذِي يَسْتَحِقُونَهُ بِسَبَبِ قَتْلِ الأَنْبِيَاءِ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَعَمُّوا عَنْ آيَاتِ اللهِ التِي أَنْزَلَها فِي كُتُبِهِ عَنْ عِقَابِ المُفْسِدِينَ، فَلَمْ يُبْصِرُوهَا، وَصَمُّوا أَسْمَاعَهُمْ عَنْ سَمَاعِ المَوَاعِظِ فَلَمْ يَهْتَدُوا بِهَا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِم مَنْ أَذَاقَهُمُ الذُّلَّ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى اللهِ تَائِبِينَ فَتَقَّبلَ مِنْهُم تَوْبَتَهُمْ، وَأَعَادَ إِلَيْهِمْ عَزْمَهُمْ، ثُمَّ عَادَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلِ، وَصَارُوا كَالعُمْيِ الصُّمِّ، بِسَبَبِ دَعْوَتِهِمْ إلَى ظُلْمِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمْ السَّيِّئَةِ، وَاللهُ مُطَّلِعٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا. الفِتْنَةُ - الاخْتِبَارُ وَالابْتِلاَءُ.

стр. 742

﴿يابني إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَمَأْوَاهُ﴾ ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ (٧٢) - حَكَمَ اللهُ تَعَالَى بِتَكْفِيرِ الذِينَ أدَّعُوا أنَّ اللهَ هُوَ المَسِيحُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى إنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيداً، إذْ أَنَّهُمْ فِي إِطْرَائِهِمْ إيَّاهُ، وَمَدْحِهِ غَلَوا غُلُوّاً كَبِيراً، يَفُوقُ غُلُوَّ اليَهُودِ فِي تَكْذِيبِهِ وَالافْتِرَاءِ عَلَيهِ وَعَلَى أُمِّهِ، وَقَوْلِهِمْ عَلَيْهَا بُهْتَاناً عَظِيماً، مَعْ أنَّ المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ غَيْرَ مَا يَقُولُونَ، فَقَدْ أمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، مُعْتَرِفاً بِأنَّهُ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ، وَأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَأَوَّلُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِهَا المَسِيحُ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي المَهْدِ قَوْلُهُ: (إنِّي عَبْدُ اللهِ) . وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ المَسِيحَ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ أَحَداً فِي أُلُوهِيَّتِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَلَنْ يَجِدَ الظَّالِمُونَ نَصِيراً لَهُمْ وَلاَ مُعِيناً، وَلاَ مُنْقِذاً مِنْ عَذَابِ اللهِ الذِي سَيَصِيرُونَ إِلَيْهِ.

стр. 743

﴿ثَلاَثَةٍ﴾ ﴿وَاحِدٌ﴾ (٧٣) - يُؤَكِّدُ اللهُ تَعَالَى أنَّ الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ هُمْ كُفَّارٌ، وَأنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ إلاَّ إلَه وَاحِدٌ، وَهُوَ رَبُّ جَمِيعِ الكَائِنَاتِ وَإلهُهَا. وَيَتَوعَدُ اللهُ القَائِلِينَ (إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ مِنَ الأَقَانِيمِ) ، وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَهُ مِنَ الكَذِبِ وَالافْتِرَاءِ، لَيَمَسَّنَّ الذِينَ كَفُرُوا مِنْهُمْ، عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدَّارِ الآخِرَةِ. (وَتَقُولُ فِئَةٌ مِنَ النَّصَارَى بِالأَقَانِيمِ الثَّلاَثَةِ، أقْنُومِ الأَبِ، وَأقْنُومِ الابْنِ، وَأقْنُومِ الكَلِمَةِ المُنْبَثِقَةِ مِنَ الأبِ إلى الابْنِ) .

стр. 744

(٧٤) - يَقُولُ تَعَالَى كَيْفَ يَسْمَعُ هَؤُلاَءِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّفْنِيدِ لأَقْوَالِهِمْ، وَالوَعِيدِ عَلَيْهَا، ثُمَّ لاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى التَّوْحِيدِ، وَعَلَى اسْتِغْفَارِ اللهِ عَمَّا فَرَّطَ مِنْهُمْ؟ ثُمَّ يَحُثُهُمْ تَعَالَى عَلَى طَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ لِيَتُوبَ عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الجَوَادُ الكَرِيمُ.

стр. 745

﴿الآيات﴾ (٧٥) - المَسيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ، أنْعَمَ اللهُ عَلَيهِ بِالرِّسَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُ رُسُلٌ مِنَ اللهِ، وَلَهُ أسْوَةٌ بِهِمْ. وَأمُّهُ مُؤْمِنَةٌ مٌصَدِّقَةٌ لَهُ (صِدِّيقَةٌ - وَهَذا أعْلَى مَقَامَاتِهَا فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أنَّها لَيْسَتْ نَبِيّةً) ، وَكَانَ المَسِيحُ وَأمُّهُ يَحْتَاجَانِ إلى الطَّعَامِ وَالغِذاءِ، وَمَا يَسْتَتْبِعُ الطَّعَامَ وَالغِذَاءَ، فَهُمَا مَخْلُوقَانِ مِنَ البَشَرِ، وَلاَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلهاً خَالِقاً، وَلاَ رَبّاً مَعْبُوداً. فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدٌ كَيْفَ نُوَضِّحُ لَهُمُ الآيَاتِ وَنُظْهِرُهَا، ثُمَّ انْظُرْ، بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْضِيحِ، أيْنَ يَذْهَبُونَ، وَبأيِّ قَوْلٍ يَتَمَسَّكُونَ، وَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ؟ نُبَيِّنُ - نُفَسِّرُ وَنُوَضِّحُ. يُؤْفَكُونَ - يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ. خَلَتْ - مَضَتْ.

стр. 746

(٧٦) - يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الذِينَ يَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَالأنْدَادَ وَالأوْثَانَ وَالمَخْلُوقَاتِ، ضَلاَلَهُمْ وَكُفْرَهُمْ وَعِبَادَتَهُمْ مَا لاَ يَضُرُّ وَلاَ يَنْفَعُ، فَيَقُولُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : قُلْ لِهَؤُلاَءِ النَّصَارَى وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ: أَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ، وَهُوَ القَوِيُّ القَادِرُ، الخَالِقُ السَّمِيعُ العَلِيمُ، وَتَعْبدُونَ مَا لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلاَ لِغَيْرِهِ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً؟ وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوزاً، مِنْ بَشَرٍ وَصَنَمٍ وَأنْدَادٍ؟

стр. 747

﴿ياأهل الكتاب﴾ (٧٧) قُلْ يَا أيُّها الرَّسُولُ لأهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارى: إنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أنْ تَتَجَاوَزُوا فِي مُعْتَقَدَاتِكُمْ حُدُودَ الحَقِّ إلى البَاطِلِ، فَتَجْعَلُوا بَعْضَ خَلْقِ اللهِ آلِهَةً، وَتَنْكِرُوا رِسَالَةَ بَعْضِ الرُّسُلِ، وَيَنْهَاكُمْ أنْ تَسِيرُوا وَرَاءَ شَهَوَاتِ أنَاسٍ سَبَقُوكُمْ، قَدْ تَجَنَّبُوا طَرِيقَ الهُدَى، وَمَنَعُوا كَثيراً مِنَ النَّاسِ أنْ يَسْلُكُوهَا، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى مُجَافَاتِهِمْ طَرِيقَ الحَقِّ الوَاضِحِ. الغُلُوُّ وَالمُغَالاَةُ: تَجَاوُزُ الاعْتِدَالِ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ.

стр. 748

﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ (٧٨) - لَعَنَ اللهُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الزَّبُورِ وَالإِنْجِيلِ، فَقَدْ لَعَنَ دَاوُدُ، ﵇، مِنْ اعْتَدَى مِنْهُمْ فِي السَّبْتِ، أَوْ لَعَنَ العَاصِينَ المُعْتَدِينَ مِنْهُمْ عَامَّةً، وَكَذَلِكَ لَعَنَهُمْ عِيسَى بِنِ مَرْيَمَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ اللَّعْنِ هُوَ تَمَادِيهِمْ فِي العِصْيَانِ، وَتَمَرُّدُهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَتَمَادِيهِمْ فِي الظُّلْمِ وَالفَسَادِ (بِمَا كَانُوا يَعْتَدُونَ) .

стр. 749

(٧٩) فَقَدْ كَانُوا لاَ يَنْهَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَداً عَنِ مُنْكَرٍ يَقْتَرِفُهُ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ القُبْحِ وَالضَّرَرِ. وَالنَّهِيُ عَنِ المُنْكَرِ هُوَ حِفَاظُ الدِّينِ، وَسِيَاجُ الفَضَائِلِ وَالآدَابِ، فَإذَا تَجَرّأ المُسْتَهْتِرُونَ عَلى إِظْهَارِ فِسْقِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، وَرَآهُمُ الغَوْغَاءَ مِنَ النَّاسِ قَلَّدُوهُمْ فِيهِ، وَزَالَ قُبْحُهُ مِنْ نُفُوسِهِمْ، وَصَارَ عَادَةً لَهُمْ، وَزَالَ سُلْطَانُ الدِّينِ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَتُرِكَتْ أَحْكَامُهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إلى فَشْوِ المُنْكَرَاتِ فِيهِمْ. وَيُقَبِّحُ اللهُ تَعَالَى سُوءَ فِعْلِهِمْ، وَيَذُمُّهُمْ عَلَى اقْتِرَافِ المُنْكَرَاتِ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَيْهَا وَسُكُوتِ الآخَرِينَ عَنْهَا، وَرِضَاهُمْ بِهَا. (وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: " إنَّ أَوْلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أنْ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللهِ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ. ثُمْ يَلْقَاهُ مِنَ الغَدِّ وَهُوَ عَلَى حَالِهِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللهِ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ") . (رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ) . يَتَنَاهَوْنَ - يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً.

стр. 750

﴿خَالِدُونَ﴾ (٨٠) - وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ كَثِيراً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَتَوَلَّوْنَ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ وَيُحَالِفُونَهُمْ عَلَيْكَ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى قِتَالِكَ، وَأَنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ، وَبِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَتَشْهَدُ لَهُمْ بِصِدْقِ الرِّسَالَةِ، وَأُولَئِكَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِكِتَابٍ وَلاَ رَسُولٍ، وَلاَ يَعْبُدُونَ اللهَ وَحْدَهُ، وَلَولا اتِّبَاعُ الهَوَى، وَتَزْيينُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، مَا فَعَلُوا ذَلِكَ، فَبِئْسَ مَا قَدَّمُوهُ لأَنْفُسِهِمْ فِي آخِرَتِهِمْ مِنَ الأَعْمَالِ التِي اسْتَوْجَبَتْ سَخَطَ اللهِ، وَعَظِيمَ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وَسَيُجْزَوْنَ عَلَى ذَلِكَ شَرَّ الجَزَاءِ، وَسَيُحِيطَ بِهُمُ العَذَابُ، وَلا يَجِدُونَ عَنْهُ مَصْرِفاً، وَيَخْلُدُونَ فِي النَّارِ أَبَداً. السَّخَطُ - أَشَدُّ الغَضَبِ. يَتَوَلَّوْنَ - يُحَالِفُونَ وَيُنَاصِرُونَ.

стр. 751

﴿فَاسِقُونَ﴾ (٨١) - وَلَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ اليَهُودُ، الذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الكَافِرِينَ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ، يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ الذِي يَدَّعُونَ اتِّبَاعَهُ (وَهُوَ مُوسَى ﵇ ، وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الهُدَى وَالبَيِّنَاتِ، لَمَا اتَّخَذُوا أُولَئِكَ الكَافِرِينَ مِنْ عَابِدِي الأَوْثَانِ، أَوْلِياءً وَأَنْصَاراً، وَلَكَانَتْ عَقِيدَتُهُمْ الدِّينِيَّةُ صَدَّتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مُتَمَرِّدُونَ فِي النِّفَاقِ، خَارِجُونَ عَنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ، وَلاَ يُرِيدُونَ إلاَّ الجَاهَ وَالرِّيَاسَةَ، وَيَسْعَوْنَ إلى تَحْصِيلِهِمَا بِأيَّةِ طَرِيقَةٍ كَانَتْ، وَبِأيَّةِ وَسِيلَةٍ قَدَرُوا عَلَيْها.

стр. 752

﴿عَدَاوَةً﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿نصارى﴾ (٨٢) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّ أَكْثَر النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (الذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَاتَّبَعُوهُ) ، هُمُ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ. وَإِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ هُمُ النَّصَارَى، الذِينَ قَالُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ إنَّهُمْ يُتَابِعُونَ المَسِيحَ عَلَى دِينِهِ، لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرِّقَّةِ وَالرَّأْفَةِ، وَلأَنَّ بَيْنَهُمْ قِسِّيسِينَ يَتَوَلَّوْنَ تَعْلِيمَهُمْ أَحْكَامَ الدِّينِ، وَيُبَصِّرُونَهُمْ بِمَا فِي دِينِهِمْ مِنْ سُمُوٍّ وَآدَابٍ وَفَضَائِلَ، وَلأَنَّ بَيْنَهُمْ رُهْبَاناً يَضْرِبُونَ لَهُمُ المَثَلَ فِي الزُّهْدِ وَالتَقَشُّفِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَزُخْرُفِهَا وَفِتْنَتِهَا، وَيُنَمُّونَ فِي نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ اللهِ، وَالانْقِطَاعَ لِلْعِبَادَةِ، وَإنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الإِذْعَانِ لِلْحَقِّ، حِينَمَا يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أنَّهُ حَقٌّ. (كَانَ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ يَشْتَرِكُونَ فِي بَعْضِ الصِفَاتِ التِي اقْتَضَتْ عَدَاوَتَهُمُ الشَّدِيدَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ: كَالكِبْرِ وَالعُتُوِّ وَالبَغْيِّ وَالأَثَرَةِ وَالقَسْوَةِ، وَضَعْفِ العَاطِفَةِ الإِنْسَانِيَّةِ (مِنْ حَنَانٍ وَرَحْمَةٍ) وَالعَصَبِيَّةِ القَوْمِيَّةِ. وَكَانَ مُشْرِكُو العَرَبِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ أَرَقَّ مِنَ اليَهُودِ قُلُوباً، وَأَعْظَمَ سَخَاءً وَإِيثَاراً، وَأَكْثَرَ حُرِّيَّةً فِي الفِكْرِ وَاسْتِقْلالاً فِي الرَّأْيِ) . العَدَاوَةُ - البَغْضَاءُ. المَوَدَّةُ - المَحَبَّةُ. القِسِّيسُ - رَجُلُ الدِّينِ عِنْدَ النَّصَارَى. الرَّاهِبُ - رَجُلُ الدِّينِ مِنَ النَّصَارَى الزَّاهِدِ فِي الدُّنْيا.

стр. 753

﴿آمَنَّا﴾ ﴿الشاهدين﴾ (٨٣) - وَإذَا سَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ القُرْآنِ، وَتُلِيَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، تُفيِضُ عُيُونُهُمْ بِالدَّمْعِ (أَيْ يَبْكُونَ حَتَّى يَسيلَ الدَّمعُ مِنْ عُيُونِهِمْ) ، لأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ مَا بَيْنَهُ القُرْآنُ هُوَ الحَقُّ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ عُتُوٌّ وَلاَ اسْتِكْبَارٌ وَلا تَعَصُّبٌ كَمَا يَمْنَعُ غَيرَهُمْ. وَحِينَ يَسْمَعُونَ الحَقَّ الذِي جَاءَ بِهِ القُرْآنُ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ، يَتَضَرَّعُونَ إلى اللهِ بِأنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمْ إيمَانَهُمْ وَأنْ يَكْتُبَهُمْ مَعْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، لأنَّهُمْ يَعْلمُونَ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَمِمَّا يَتَنَاقََلُونَهُ عَنْ أَسْلاَفِهِمْ، أنَّ النَّبِيَّ الأَخِيرَ الذِي يَكْمُلُ بِهِ الدِّيْنُ، وَيَتمُّ التَّشْرِيعُ، يَكُونُ مُتَّبِعُوهُ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونُونَ حُجَّةً عَلَى المُشْرِكِينَ وَالمُبْطِلِينَ. تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ - يَبْكُونَ حَتَّى يَسِيل الدَّمْعُ مِنْ عُيُونِهِمْ. مَعَ الشَّاهِدِينَ - مَعَ الذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ رِسَالَةَ مُحَمَدٍّ حَقٌّ.

стр. 754

﴿الصالحين﴾ (٨٤) - وَيَقُولُ هَؤُلاَءِ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّصَارَى: وَمَا الذِي يَمْنَعُنَا مِنْ أنْ نُؤْمِنَ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَمَا الذِي يَصُدُّنَا عَنِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَنَا مِنَ الحَقِّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ، بَعْدَ أنْ ظَهَرَ أنَّهُ رُوُحُ الحَقِّ الذِي بَشَّرَ بِهِ المَسِيحُ وَإِنَّنَا لَنَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القَوْمِ الذِينَ صَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ بِالعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ. وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ - وَمَا الذِي يَمْنَعُنَا مِنْ أَنْ نُؤْمِنَ.

стр. 755

﴿فَأَثَابَهُمُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ (٨٥) - فَجَازَاهُمُ اللهُ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِرُسُلُهِ، وَعَلَى تَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، وَاعْتِرَافِهِمْ بِهِ بِإدْخَالِهِمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَإسْكَانِهِمْ فِي جَنَّاتٍ تَجْرِي فِي جَنَبَاتِهَا الأَنْهَارُ، وَسَيَكُونُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أبَداً وَذَلِكَ هُوَ الجَزَاءُ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِمَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً.

стр. 756

﴿بِآيَاتِنَآ﴾ ﴿أولئك﴾ ﴿أَصْحَابُ﴾ (٨٦) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، وَجَحَدُوا آيَاتِهِ وَخَالَفُوهَا، فَأُولَئِكَ سَيَكُونُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَسَيَبْقُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبداً. الجَحِيمُ - النَّارُ التِي اشْتَدَّ حَرُّهَا.

стр. 757

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿طَيِّبَاتِ﴾ (٨٧) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَالُوا: نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا، وَنَتْرُكُ شَهَوَاتِ الدُّنْيا، وَنَسيحُ فِي الأَرْضِ كَمَا يَفْعَلُ الرُهْبَانُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ قَوْلُهُمْ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ: وَلَكِنَّنِي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَنْكِحُ النِّسَاءَ، فَمْنَ أَخَذَ بِسُنَّتِي فَهُوَ مِنِّي، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذَ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الأيَة يَأمُرُ فِيهَا المُؤْمِنِينَ بِألاّ يُحَرِّمُوا الطَّيِّبَاتِ التِي أَحَلَّهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، لأنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أنْ يَسْتَعْمِلَ عِبَادُهُ نِعَمَهُ فِيمَا خُلِقَتْ لأجْلِهِ، وَأنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكْرَهُ أنْ يَجْنُوا عَلَى الشَّرِيعَةِ التِي شُرِعَتْ لَهُمْ فَيَغْلُوا فِيهَا بِإبَاحَةِ مَا حَرَّمَ، أَوْ تَرْكِ مَا أحَلَّ وَفَرَضَ. لا تَعْتَدُوا - لاَ تُجَاوِزُوا حُدُودَ اللهِ، فَتُحَرِّمُوا مَا أحَلَّ، أَو تُحِلُّوا مَا حَرَّمَ.

стр. 758

﴿حَلاَلاً﴾ (٨٨) - وَيُبِيحُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالحَلاَلِ الطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ الذِي رَزَقَهُمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ أمُورِهِمْ، وَبِاتِّبَاعِ طَاعَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَتَرْكِ مُخَالَفتِهِ وَعِصْيَانِهِ، بِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ، أَوْ بِتَحْرِيمِ مَا أحَلَّ.

стр. 759

﴿اأَيْمَانِكُمْ﴾ ﴿الأيمان﴾ ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ ﴿مَسَاكِينَ﴾ ﴿ثَلاَثَةِ﴾ ﴿كَفَّارَةُ﴾ ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾ (٨٩) - هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى الآيَةَ السَّابِقَةَ ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ. . .﴾ . فَقَالَ الجَمَاعَةُ الذِينَ كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِم النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ. . .: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا التِي حَلَفْنَاهَا، فَأْنَزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَاللَّغْوُ فِي اليَمِينِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ: لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ (وَقِيلَ: إِنَّها اليَمِينُ عِنْدَ الهَزْلِ، وَقِيلَ إنَّها فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقِيلَ إنَّهَا اليَمِينُ عِنْدَ الغَضَبِ) . فَاللهُ تَعَالَى لاَ يُؤَاخِذُكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، بِاللَّغْوِ فِي أيْمَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا صَمَّمْتُمْ عَلَيْهِ وَقَصَدْتُمُوهُ، فَإِذَا حَنِثَ المُؤْمِنُ بِيَمِينِهِ التِي قَصَدَهَا وَعَقَدَهَا، فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ مُحَتْاجِينَ مِنَ الفُقَرَاءِ الذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ، أكْلَةً وَاحِدَةً، أَوْ يَوْماً وَاحِداً. ثُمَّ يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى نَوْعُ الطَّعَامِ الذِي يُقَدِّمُ لِهَؤُلاءِ المَسَاكِينِ، فَقَالَ إنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ عِيَالَكُمْ فِي القِلَّةِ وَالكَثْرَةِ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ (عَلَى خِلاَفٍ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ الكُسْوَةِ) ، أَوْ إعتَاقُ رَقَبَةٍ مِنَ الرِّقِّ. وَإذَا لَمْ يَقْدِرُ المُكَلَّفُ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الخَيَارَاتِ الثَّلاَثَةِ كَفَّرَ عَنْ حَنْثِهِ بِيَمِينِهِ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيْامٍ مُتَتَابِعَاتٍ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَهَذِهِ هِيَ كَفَّارَةُ اليَمِينِ التِي يَحْلِفُهَا المُؤْمِنُ بِاللهِ أوْ بِأحَدِ أسْمَائِهِ، إنْ حَنَثَ بِهَا، أَوْ أَرَادَ أنْ يَحْنُثَ بِهَا. يَقُولُ تَعَالَى: لاَ تَتْرُكُوا أَيْمَانَكُمْ المَحْنُوثَ بِهَا دُونَ كَفَّارَةٍ. وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - وَقِيلَ إنَّ مَعْنَى وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - هُوَ لاَ تَبْذُلُوهَا فِي أتْفَهِ الأُمُورِ وَأحْقَرِهَا، وَلاَ تُكْثِرُوا مِنَ الأَيْمَانِ الصَّادِقَةِ) ، كَذَلِكَ يُوَضِّحُ اللهُ آيَاتِهِ وَيُبَيِّنُهَا لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذَا اتَّقَيْتُمْ وَأطَعْتُمُ اللهَ. (وَيَجُوزُ الحَنَثُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَعَ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحَنَثِ. وَفِي الحَدِيثِ: " إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأيتَ غَيْرَها خَيْراً مِنْهَا، فَأتِ الذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ") . احْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ - كَفِّرُوا عَنْهَا وَلاَ تَتْرُكُوهَا دُونَ كَفَّارَةٍ. تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ - إعْتَاقُهَا. الحِنْثُ فِي اليَمِين - عَدَمُ التَّمَسُّكِ بِمُوجِبَاتِ اليَمِينِ. اللَّغْوُ فِي الأَيْمَانِ - هُوَ الحَلِفُ عَلَى مَا اعْتَقَدْتُمْ صِدْقَهُ أَوْ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَغْواً. عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ - وَثَّقْتُمُوهَا بِالقَصْدِ.

стр. 760

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الأزلام﴾ ﴿الشيطان﴾ (٩٠) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الخَمْرِ وَلَعْبِ القِمَارِ (المَيْسِر) ، وَعَنْ ذَبْحِ القَرَابِينِ عِنْدَ الأَنْصَابِ، (وَهِيَ حِجَارَةٌ كَانَتْ تُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ) ، كَمَا يَنْهَاهُمْ عَنِ الاسْتِقْسَامِ بِالأَزْلاَمِ (وَالأَزْلاَمِ ثَلاَثَةُ قِدَاحٍ أَوْ سِهَامٍ يُجِيلُونَهَا ثُمَّ يُلْقُونَهَا، وَقَدْ كُتِبَ عَلَى أَحَدِهَا (افْعَلْ) ، وَعَلى الأخَرِ (لاَ تَفْعَلْ) ، وَالثَّالِثُ غُفْلٌ مِنَ الكِتَابَةِ. فَإِذَا خَرَجَ السَّهْمُ الذِي كُتِبَ عَلَيْهِ (افْعَلْ) فَعَلَ. وَإذَا خَرَجَ السَّهْمُ الذِي كُتِبَ عَلَيْهِ (لاَ تَفْعَلْ) لَمْ يَفْعَلْ. وَإذا خَرَجَ السَّهْمُ الغُفْلُ مِنَ الكِتَابَةِ أَعَادَ الاسْتِقْسَامَ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ إنَّ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ: الخَمْرَ وَالمَيْسِرَ. . إنَّمَا هِيَ شَرٌّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (رِجْسٌ) فَاجْتَنِبُوا هَذَا الرِّجْسَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَتَفُوزُونَ بِرِضْوَانِ اللهِ. الرِّجْسُ - لُغَةً هُوَ المُسْتَقْذَرُ حِسّاً أَوْ مَعْنىً. الخَمْرُ - هِيَ مَا تَخَمَّرَ مِنْ عَصِيرِ الفَوَاكِهِ عَامَّةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهَا مَا تَخَمَّرَ مِنْ عَصِيرِ العِنَبِ أَوْ التِّمْرِ، وَقَالَ الشَّافِعيُّ إنَّهَا كُلُّ مَا أسْكَرَ. المَيْسِرُ - القِمَارُ. الأَنْصَابُ - حِجَارَةٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ كَانُوا يُعَظِّمُونَها.

стр. 761

﴿الشيطان﴾ ﴿العداوة﴾ ﴿الصلاة﴾ (٩١) - إنَّ الشَّيْطَانَ يُرِيدُ لَكُمْ شُرْبَ الخَمْرِ، وَلَعِبَ المَيْسِرِ، لِيُعَادِيَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَيَبْغُضَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، فِيِتَشَتَّتَ أمْرُكُمْ بَعْدَ أنْ ألَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِالإيمَانِ، وَجَمَعَ بِأخُوَّةِ الإسْلاَمِ، ويُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يَصْرِفَكُمْ بِالسُّكْرِ وَالاشْتِغَالِ بِالمَيْسِرِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ الذِي بِهِ صَلاَحُ أمْرِكُمْ، فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَاتِكُمْ، وَعَنِ الصَّلاَةِ التِي فَرَضَهَا اللهُ عَلَيْكُمْ، تَزْكِيَةً لِنُفُوسِكُمْ، وَتَطْهِيراً لِقُلُوبِكُمْ. وَالخَمْرُ تٌفْقِدُ الإِنْسَانَ عَقْلَهُ الذِي يَمْنَعُهُ عَنْ إتْيَانِ الأفْعَالِ القَبِيحَةِ، وَعَنْ تَوْجِيهِ الأقْوَالِ الشَّائِنَةِ إلى النَّاسِ، فَإِذَا شَرِبَهاَ الإِنْسَانُ أقْدَمَ عَلَى مَا لاَ يُقْدِمُ عَلَيهِ وَهُوَ صَاحٍ مَتَمَالِكٌ قِواهُ فَيُسِيءُ إلى أصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ، وَيُؤذِيهِمْ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى الشَّحْنَاءِ وَالبَغْضَاءِ. وَالمَيْسِرُ يُثِيرُ البَغْضَاءَ وَالشَحْنَاءَ بَيْنَ اللاعِبِينَ وَالحَاضِرِينَ، وَكَثِيراً مَا يُفرِّطُ المُقَامِرُ فِي حُقُوقِ الوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجِ وَالأوْلاَدِ، حَتَّى يُوشِكُ أنْ يَمْقُتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ. ثُمَّ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ ليُفَوِّتُوا عَلَى إبْلِيسَ غَرَضَهُ.

стр. 762

﴿البلاغ﴾ (٩٢) - يَأمُرُ ناللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أمَرَ بِهِ مِنِ اجْتِنَابِ الخَمْرِ وَالمَيسِرِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ المُحَرَّمَاتِ، وَبِطَاعَةِ رَسُولِهِ فِيمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ مِنْ شَرْعِ اللهِ، وَفِيمَا يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمْ، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنَ العِصْيَانِ وَالمُخَالَفَةِ وَالعِنَادِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ إنْ تَوَلَّوْا عَنِ الإِيمَانِ، وَأصَرُّوا عَلَى المُخَالَفَةِ، وَالاعْتِدَاءِ عَلَى حُرُماتِ اللهِ، وَعَلَى تَجَاوُزِ شَرْعِهِ الكَرِيمِ، فَإنَّ الحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَيهِمْ، وَالرَّسُولُ قَامَ بِمَا أمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ مِنَ الإِبْلاغِ وَالإِنْذَارِ وَالدَّعْوَةِ، وَإنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى اللهِ فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى أعْمَالِهِمْ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِها. البَلاغُ - تَبْلِيغُ الدَّعْوَةِ.

стр. 763

﴿آمَنُواْ﴾ ﴿الصالحات﴾ ﴿وَآمَنُواْ (٩٣) - حِينَمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الخَمْرِ تَسَاءَلَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ عَنْ حَالِ مَنْ شَرِبُوا الخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وَبُيَيِّنُ لَهُمْ تَعَالَى أنَّ الذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ إثْمَ، فِيمَا أَكَلُوا أوْ شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، أوْ أكَلُوا وَشَرِبُوا، مِمَّا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّماً ثُمَّ حُرِّمَ، إذَا مَا اتَّقَوا اللهَ، وَآمَنُوا بِمَا كَانَ قَدْ نَزَلَ مِنَ الأحْكَامِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ التِي كَانَتْ قَدْ شُرِعَتْ، كَالصَّلاَةِ وَالصَّومِ، ثُمَّ اتَّقَوا مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ العِلْمِ بِهِ، وَآمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّقْوَى، وَأحْسَنُوا أعْمَالَهُمْ، فَأَتَوْا بِهَا عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ، وَتَمَّمُوا نَقْصَ فَرِائِضِهَا بِنَوَافِلِ الطَّاعَاتِ، وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، فَلا يُبِقِي فِي قُلُوبِهِمْ أثَراً مِنَ الآثَارِ السَّيِّئَةِ، التِي وَصَفَ بِهَا الخَمْرَ وَالمَيْسِرَ، مِنَ الإِيقَاعِ فِي العَدَاوَةِ وَالبَغْضَاءِ. الجُنَاحُ - الحَرَجُ وَالإِثْمُ. طَعِمُوا - أكَلُوا أوْ شَرِبُوا.

стр. 764

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (٩٤) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى: بِأنَّهُ يَخْتَبِرُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ (يَبْلُوهُمْ) فِي حَالَةِ إحْرَامِهِمْ، بِأنْ يَجْعَلَ صِغَارَ حَيَوَانَاتِ الصَّيْدِ وَضِعَافِهَا فِي مُتَنَاوَلِ أيْدِيهِمْ، لَوْ شَاؤُوا لَتَنَاوَلُوهَا بِأيْدِيهِمْ، كَمَا أنَّهُ سَيَخْتَبِرُهُمْ بِجَعْلِ كِبَارِ الحَيَواناتِ فِي مُتَنَاوَلِ رِمَاحِهِمْ، تَعْرِضُ لَهُمْ، أوْ تَغْشَاهُمْ فِي رَحِالِهِمْ، لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُ اللهَ مِنْهُمْ فِي سِرِّهِ وَجَهْرِهِ، وَيَمْتَنِعُ عَنِ الصَّيْدِ مَا دَامَ مُحْرِماًز فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ هذا التَّحذِيرِ مِنَ اللهِ، وَقَتَل الصَّيْدَ أوْ أكَلَ لَحْمَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَهُ عَذَابٌ أليمٌ فِي الآخِرَةِ لِمُخَالَفَتِهِ شَرْعَ اللهِ. يَبْلُوكُمْ - يَخْتَبِرُكُمْ. تَنَالُهُ أيْدِيكُمْ - يَكُونُ فِي مُتَنَاوَلِ أيْدِيكُمْ.

стр. 765

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿بَالِغَ﴾ ﴿كَفَّارَةٌ﴾ ﴿مَسَاكِينَ﴾ (٩٥) حَرَّمَ اللهُ صَيْدَ البَرِّ فِي حَالِ الإِحْرَامِ، وَنَهَى المُؤْمِنُ عَنْ تَنَاولِهِ فِيهِ، وَمَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّداً، وَهُوَ مُحْرِمٌ، يَجِبُ عَليهِ جَزَاءٌ مِنْ مِثْلِ الحَيَوانِ الذِي قَتَلَهُ (إنْ كَانَ لِلْحَيَوانِ مِثْلٌ فِي الحَيَوانَاتِ الألِيفَةِ) ، يَحْكُمُ بِهِ رَجُلانِ عَادِلاَنِ مِنْ المُسْلِمِينَ (وَقَدْ حَكَمَ بَعْضُهُمْ بِنَحْرِ تَيْسٍ فِي جَزَاءٍ عَنْ قَتْلِ ظَبْيٍ) ، وَعَلَى مَنْ وَقَعَ عَليهِ الجَزَاءُ انْ يَأتِيَ بِالمِثْلِ الذِي سَيَذْبَحُهُ إلى الكَعْبَةِ، لِيَكُونَ هَدْياً لَهَا، فَيُذْبَحُ هُنَاكَ، وَيُوَزَّعُ لَحْمُهُ عَلَى فُقَرَاءِ أهْلِ الحَرَمِ. فَإذَا لَمْ يَجِدِ المُحْرِمُ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أوْ لَمْ يَكنِ الصَّيْدُ المَقْتُولُ مِنْ ذَوَاتِ الأمْثَالِ فَيُخَيَّرُ المُحْرِمُ بَيْنَ أمُورٍ: أ - أنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ المَقْتُولُ، وَيُقَوَّمَ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ، لَوْ كَانَ مَوْجُوداً، فِي المَكَانِ الذِي تَمَّ فِيهِ الصَّيْدُ، أَوْ فِي أَقْرَبِ مَكَانٍ إلَيْهِ، ثُمَّ يَشْتَرِي المُحْرِمُ المُخَالِفُ بِثَمَنِهِ طَعَاماً فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الحَرَمِ. ب- أَوْ يُطْعِمَ مَسَاكِينَ. وَيَخْتِلِفُ عَدَدُهُمْ بِحَسَبِ أهْمِّيَّةِ الصَّيْدِ المَقْتُولِ: فَقِيلَ إنَّ مَنْ قَتَلَ ظَبْياً فَعَلَيهِ ذَبْحُ شَاةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ. وَإذَا قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حِمَارَ وَحْشٍ، فَعَلَيْهِ ذَبْحُ بَدَنَةٍ (نَاقَةٍ أَوْ بَعيرٍ) ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ ثَلاَثِينَ مِسْكِيناً. ج- وَإذا لَمْ يَجِدْ مَا يَطْعِمُ بِهِ المَسَاكينَ صَامَ أيَّاماً عَنْ ذَلِكَ. وَتَتَرَاوَحُ مُدَّةُ الصَّوْمِ مِنْ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ، فِي قَتْلِ ظَبْيٍ، إلى ثَلاثِينَ يَوْماً، فِي قَتْلِ نَعَامَةٍ أوْ حِمَارِ وَحْشٍ. (يَصُومُ يَوْماً عَنْ إِطْعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ) . وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أنَّهُ أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ لِيَذُوقَ المُتَجَاوِزُ العُقُوبَةَ عَنِ الفِعْلِ الذِي ارْتَكَبَ فِيهِ المَخَالَفَةَ (وَبَالَ أمْرِهِ) . وَقَدْ ألْحِقَتِ السُّنَّةُ قَتْلَ الصَّيْدِ خَطَأً بِقَتْلِهِ عَمْداً، فِي وُجُوبِ الكَفَّارَةِ. وَلَكِنْ دُونَ أنْ يَكُونَ عَلَى المُخْطِىءِ إِثْمٌ. وَقَدْ عَفَا اللهُ تَعَالَى عَمَّا سَلَفَ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي حَالَةِ الإحْرَامِ، الذِي تَمَّ قَبْلَ هذا التَّحْرِيمِ، وَقَبْلَ بُلُوغِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلنَّاسِ. وَمَنْ عَادَ فِي الإِسْلاَمِ إلى فِعْلِ ذَلِكَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ، واللهُ عَزيزٌ مَنيعُ الجَانِبِ. قَادِرٌ عَلَى أنْ يَنْتَقِمَ مِمَّنْ عَصَاهُ. وَأنْتُمْ حُرُمٌ - وَأنْتُمْ مُحْرِمُونَ لِلَحَجِّ أوِ العُمْرَةِ. النَّعَمِ - الحَيَوانَاتِ الألِيفَةِ (الإِبْلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ) . ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ - رَجُلانِ عَدْلاَنِ مَشْهُودٌ لَهُمَا بِالإنْصَافِ، عَلَى أنْ يَكُونَا مِنَ المُسْلِمِينَ. عَدْلُ ذَلِكَ - عَدْلُ الطَّعَامِ وَمُقَابِلُهُ.

стр. 766

﴿مَتَاعاً﴾ (٩٦) - أحَلَّ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ صَيْدَ البَحْرِ (وَهُوَ مَا يُصَادُ طَرِيّاً) ؛ كَمَا أحَلَّ لَكُمْ طَعَامَهُ (وَهُوَ مَا يُتَزَوَّدُ مِنْهُ مُمَلَّحاً أوْ يَابِساً - وَرُوِيَ أنَّ كَلِمَةَ طَعَامِهِ تَعْنِي مَا قَذَفَهُ البَحْرُ عَلَى شُطْآنِهِ فَمَاتَ، أَوْ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ البَحْرُ مَيِّتاً مِنَ حَيَوَانَاتِهِ) . وَقَدْ جَعَلَ اللهُ صَيْدَ البَحْرِ وَطَعَامَهُ مَتَاعاً يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَسْتَمْتِعُ مَنْ كَانَ مُقيماً بِحَاضِرَةِ البَحْرِ، أوْ مُجَتَازاً بِهِ فِي سَفَرٍ (لِلسَّيَارَةِ) . وَكَرَّرَ تَعَالَى التَّأكِيدَ عَلَى حُرْمَةِ صَيْدِ البَرِّ فِي حَالَةِ الإِحْرَامِ. وَكَرَّرَ اللهُ تَعَالَى الأمْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَى رَبِّهِم الذِي سَيُحْشَرُونَ إلَيهِ فَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُلِّ أفْعَالِهِمْ. (وَيُحرِّمُ اللهُ أكلْ لَحْمِ صَيدِ البَرِّ عَلَى المُحْرِمِ، إذَا كَانَ الصَّيْدُ قَدْ وَقَعَ لأجْلِهِ، أمَّا إذا لَمْ يُقْصَدُ هُوَ بِالصَّيْدِ، وَلَمْ يُشِرِ هُوَ بِهِ، وَلَمْ يُعِنْ عَلَيهِ، جَازَ لَهُ أكْلُهُ) . لِلسَّيَارَةِ - لِلْمُسَافِرِينَ.

стр. 767

﴿قِيَاماً﴾ ﴿والقلائد﴾ ﴿السماوات﴾ (٩٧) - جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ بَيْتاً حَرَاماً لِلنَّاسِ، وَيَقُومُ بِهِ أمْرُ دِينِهِمْ بِالحَجِّ إليهِ، وَأمْرُ دُنْيَاهُمْ إذْ يَأمَنُ الدَّاخِلُ إليهِ مِنَ التَّعرُّضِ لَهُ، وَتُجْبَى إليهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شيءٍ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأشْهُرَ الحُرُمَ سَبَباً لِقِيَامِ أمْنِ النَّاسِ مِنَ القِتَالِ فِيهَا، فَكَانَ النَّاسُ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ، زَالَ خَوْفُهُمْ مِنَ القِتَالِ، وَأمِنُوا فِي تِجَارَتِهِمْ وَأسْفَارِهِمْ. وَكَذَلِكَ جَعَلَ اللهُ الهَدْيَ المُقَلَّدَ (القَلائِدَ - هُوَ الهَدْيُ الذِي طَوَّقَهُ أصْحَابُه بِطَوْقٍ خَاصٍّ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ) آمناً وَلَوْ سَارَ فِي غَيْرِ الشَّهْرِ الحَرَامِ (لأنَّ النَّاسَ يَعْرِفُونَ مِنَ القَلائِدِ أنَّهُ مُوَجَّهٌ إلى الحَرَمِ، فَلاَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُ بِسُوءٍ، احْتراماًَ لِلْحَرَمِ) ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ هذا التَّدبِيرَ اللَطِيفَ لأجْلِ أنْ تَتَفَكَّرُوا فِي أنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، وَأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ، وَقَدْ أوْقَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ تَعْظِيمَ البَيْتِ الحَرَامِ، وَالشَّهْرَ الحَرَامِ، لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمِهِ بِخَفَايَا الأُمورِ، وَالشَّهْرَ الحَرَامِ، لِحِكْمَةٍ بَالِغَةِ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمِهِ بِخَفَايَا الأمُورِ، لِتَأمِينِ الرِّزْقِ وَالأمْنِ لِسُكَّانِ البَلَدِ الحَرَامِ. قِيَاماً لِلنَّاسِ - قَواماً لِمَصَالِحِهِمْ دُنْيا وَدِيناً. الكَعْبَةَ - هِيَ البَيْتَ الحَرَامُ الذِي أمَرَ اللهُ إبْرَاهِيمَ بِبِنَائِهِ عَلَى أرْضِ مَكَّةَ، وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لأنَّهَا مُكَّعَبةُ الشَّكْلِ. الهَدْيَ - مَا يُهْدَى إلى الحَرَمِ مِنَ الذَّبَائِحِ تَقَرُّباً إلى اللهِ. القَلائِدَ - الذَّبَائِحَ المُوَجَّهَةَ إلى البَيْتِ الحَرَامِ وَهِيَ مُقَلَّدَةٌ بِطَوقٍ مِنْ لِحَاءِ الشَّجَرِ.

стр. 768

(٩٨) - وَاعْلَمُوا، يَا أيُّهَا المُخَالِفُونَ لأمْرِ اللهِ، أنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلاَنِيَتَكُمْْ، وَأنَّهُ سَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ، صَغِيراً كَانَ أوْ كَبِيراً، وَأنَّهُ تَعَالَى شَدِيدَ العِقَابِ لِمَنْ عَصَاهُ، وَاسْتَمَرَّ فِي عِنَادِهِ، وَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ تَابَ إليهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَرَجَعَ إلَى اللهِ.

стр. 769

﴿البلاغ﴾ (٩٩) - الرَّسُولُ مُكَلَّفٌ مِنْ رَبِّهِ بِإبْلاغِ النَّاسِ أوَامِرَ رَبِّهِ وَرِسَالاتِهِ، وَحِسَابُ النَّاسِ عَلَى اللهِ، وَهُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ السَّرَائِرَ وَالعَلَنَ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَمَا يُبَيِّتُهُ الإِنْسَانُ فِي سِرِّهِ، وَسَيُحَاسَبُ كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى جَميعِ أعْمَالِهِ فِي الدُّنْيا.

стр. 770

﴿ياأولي﴾ ﴿الألباب﴾ (١٠٠) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ تُخَاطِبُهُمْ: لاَ يَسْتَوي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، وَلَوْ أَعْجَبَكَ، يَا أيُّهَا الإِنْسَانُ، كَثْرَةُ الخَبِيثِ؛ وَقَلِيلٌ مِنَ الحَلاَلِ خَيْرٌ مِنْ كَثيرٍ مِنَ الحَرَامِ الضَّارِّ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى ") فَاتَّقُوا اللهَ يَا ذَوي العُقُولِ الصَّحِيحَةِ المُسْتَقِيمَةِ، وَتَجَنَّبُوا الحَرَامَ، وَاقْنَعُوا بِالحَلاَلِ، وَاكْتَفُوا بِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. وَكَمَا لاَ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ، كَذَلِكَ لاَ يَسْتَوِي البَرُّ وَالفَاجِرُ، وَلاَ المُصْلِحُ وَالمُسْدُ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الجَزَاءِ الحَقِّ العَادِلِ. الطَّيِّبُ - هُوَ مَا طَابَ لِلنَّفْسِ أكْلُهُ، وَيُقْصَدُ بِهِ هُنا مَا أَحْلَّ اللهُ. الخَبِيثُ - ضشدَّ الطَّيِّبِ.

стр. 771

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿لاَ تَسْأَلُواْ﴾ ﴿القرآن﴾ (١٠١) - يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أشْيَاءَ لاَ فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُؤَالِ عَنْهَا، وَعَنِ التَّنْقِيبِ عَنْ خَفَايَاهَا، لأَنَّها إنْ ظَهَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الأشْيَاءُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا. (وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ غَضْبَانَ، مَحْمَرَّ الوَجْةِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَامَ إلَيهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أيْن أَبِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أبي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: أَبُوكَ حُذَافَةُ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) . (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) . وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا سَألْتُمْ عَنْ هَذِهِ الأشْيَاءِ التِي نُهِيتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْها، حِينَ يَنْزِلُ القُرآنُ فِي شَأنِهَا أوْ حُكْمِهَا، أوْ لأجْلِ فَهْمِ مَا نَزَلَ إلَيكُمْ، فَإنَّ اللهَ يُبْدِيهِ لَكُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةَ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ ") . (رَوَاهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) . وَقِيلَ إنَّ المَقْصُودَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ هُوَ لاَ تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْها، فَلَعَلَّهُ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " أعْظَمُ المُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَألَ عَنْ شَيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أجْلِ مَسْألَتِهِ ") . إنْ تُبْدَ لَكُمْ - تَسُؤْكُمْ - إنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ سَاءَتْكُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ سَمَاعُهَا.

стр. 772

﴿كَافِرِينَ﴾ (١٠٢) - لَقَدْ سَألَ هَذِهِ المَسَائِلَ المَنْهِيَّ عَنْها قَوْمٌ مِنْ قَبِلِكُمْ فَأُجِيبُوا عَنْهَا، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا فَأصْبَحُوا بِسَبَبِهَا كَافِرِينَ، لأنَّهَا بُيِّنَتْ لَهُمْ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا، وَلَمْ يَتَّبِعُوهَا.

стр. 773

﴿سَآئِبَةٍ﴾ (١٠٣) - البَحِيرَةُ هِيَ الوَاحِدَةُ مِنَ الأنْعَامِ التِي يَبْحَرُونَ أذْنَهَا، أيْ يَشُقُّونَهَا شَقّاً وَاسِعاً، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا انْتَجَتْ خَمْسَةَ أبِطُنٍ وَكَانَ الخَامِسُ أنْثَى. وَكَانُوا يَجْعَلُونَ دَرَّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلاَ يَحْلِبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَيُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ. السَّائِبَةُ - وَهِيَ التِي تُسَيَّبُ بِأنْ يَنْذُرُهَا لىلِهَتِهِمْ، فَتَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ، وَلا يُحْمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ، وَلا يُجَزُّ صُوفُها، وَلا يُحْلَبُ لَبَنُها إلاَّ لِضَيْفٍ. الوَصِيلَةُ - هِيَ النَّاقَةُ البكْرُ، تُبْكِرُ فِي أوَّلِ نَتَاجِ الإِبْلِ، ثُمَّ تُثنِّي بِأنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إِحْداهما بِالأخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ. الحَامِي - هُوَ فَحْلُ الإِبِلِ يُولدُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ حَمَى ظَهْرَهُ، فَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْنَعُ مَاءً وَلا مَرْعَى. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِهَؤُلاءِ بِأنْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَلَمْ يَشُرَعْ مَا شَرَعَهُ البُغَاةُ لأنْفُسِهِمْ، وَلكنَّ الذِينَ كَفَروا يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ شَرْعاً وَقُرْبةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إليهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ.

стр. 774

﴿آبَاءَنَآ﴾ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾ (١٠٤) - وَإذا دُعُوا إلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ وَأَوْجَبَهُ، فِي القُرْآنِ، مِنَ الأَحْكَامِ المُؤَيَّدَةِ بِالحُجَجِ وَالأَدِلَّةِ، وَإلَى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ لِمُجْمَلِ هَذِهِ الأحْكَامِ، وَإلَى تَرْكِ مَا حَرَّمَهُ اللهُ قَالُوا: يَكْفِينَا أنْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ الآبَاءَ وَالأجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالمَسَالِكِ وَالمُعْتَقَدَاتِ. فَإذا كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ شَيْئاً، وَلا يَعْرِفُونَ حَقّاً، وَلاَ يَهْتَدُونَ إليه، فَكَيْفَ يَتْبِعُونَهُمْ وَالحَالَةُ هَذِهِ؟ إنَّهُمْ إنِ اتَّبَعُوهُمْ كَانُوا بِلاَ شَكٍّ أكْثَرَ جَهْلاً مِنْ آبَائِهِمْ وَأضَلَّ سَبيلاً. حَسْبُنا - كَافِينَا.

стр. 775

﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ (١٠٥) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المٌُؤْمِنينَ بِأنْ يُصْلِحُوا أنْفُسَهُمْ، وَأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ جَهْدَ طَاقَتِهِمْ، لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى اللهِ. وَيُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أنَّهُ مَنْ أصْلَحَ نَفْسَهُ وَأَمْرَهُ مِنْهُمْ، فَلاَ يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ اكَانَ قَرِيباً أوْ بَعِيداً، " وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهُوا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إذا رَأَيْتُمْ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مَتَّبَعاً، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فًَعَلَيكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فَإنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّاماً الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَىة الجَمْرِ، لِلَعَامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . فَالمُؤْمِنُ لاَ يَكُونُ مُهْتَدِياً إذَا أصْلَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتَمَّ بإِصْلاَحِ غَيْرِهِ، بِأنْ يَأمُرَهُ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، فَهَذا فَرْضٌ لاَ هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هذِهِ الفَرِيضَةُ تَسْقُطُ إذا فَسَدَ النَّاسُ فَسَاداً لاَ يُرْجَى مَعَهُ تَأثِيرُ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ. عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ - الزَمُوهَا وَاحْفَظُوهَا مِنَ المَعَاصِي.
следующие страницы →