Полный текст (6 113 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿لاَ تَسْأَلُواْ﴾ ﴿القرآن﴾
(١٠١) - يُؤَدِّبُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أشْيَاءَ لاَ فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُؤَالِ عَنْهَا، وَعَنِ التَّنْقِيبِ عَنْ خَفَايَاهَا، لأَنَّها إنْ ظَهَرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الأشْيَاءُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا.
(وَرُوِيَ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ " أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ غَضْبَانَ، مَحْمَرَّ الوَجْةِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَامَ إلَيهِ رَجُلٌ فَقَالَ: أيْن أَبِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّارِ. فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أبي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: أَبُوكَ حُذَافَةُ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) . (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا سَألْتُمْ عَنْ هَذِهِ الأشْيَاءِ التِي نُهِيتُمْ عَنِ السُّؤَالِ عَنْها، حِينَ يَنْزِلُ القُرآنُ فِي شَأنِهَا أوْ حُكْمِهَا، أوْ لأجْلِ فَهْمِ مَا نَزَلَ إلَيكُمْ، فَإنَّ اللهَ يُبْدِيهِ لَكُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا أهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةَ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ ") . (رَوَاهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) .
وَقِيلَ إنَّ المَقْصُودَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ هُوَ لاَ تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ تَسْتَأنِفُونَ السُّؤَالَ عَنْها، فَلَعَلَّهُ يَنْزِلُ بِسَبَبِ سُؤَالِكُمْ تَشْدِيدٌ أَوْ تَضْيِيقٌ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " أعْظَمُ المُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَألَ عَنْ شَيءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أجْلِ مَسْألَتِهِ ") .
إنْ تُبْدَ لَكُمْ - تَسُؤْكُمْ - إنْ ظَهَرَتْ لَكُمْ سَاءَتْكُمْ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ سَمَاعُهَا.
стр. 772
﴿كَافِرِينَ﴾
(١٠٢) - لَقَدْ سَألَ هَذِهِ المَسَائِلَ المَنْهِيَّ عَنْها قَوْمٌ مِنْ قَبِلِكُمْ فَأُجِيبُوا عَنْهَا، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا فَأصْبَحُوا بِسَبَبِهَا كَافِرِينَ، لأنَّهَا بُيِّنَتْ لَهُمْ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا، وَلَمْ يَتَّبِعُوهَا.
стр. 773
﴿سَآئِبَةٍ﴾
(١٠٣) - البَحِيرَةُ هِيَ الوَاحِدَةُ مِنَ الأنْعَامِ التِي يَبْحَرُونَ أذْنَهَا، أيْ يَشُقُّونَهَا شَقّاً وَاسِعاً، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا انْتَجَتْ خَمْسَةَ أبِطُنٍ وَكَانَ الخَامِسُ أنْثَى. وَكَانُوا يَجْعَلُونَ دَرَّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلاَ يَحْلِبُهَا أحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَيُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ.
السَّائِبَةُ - وَهِيَ التِي تُسَيَّبُ بِأنْ يَنْذُرُهَا لىلِهَتِهِمْ، فَتَرْعَى حَيْثُ تَشَاءُ، وَلا يُحْمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ، وَلا يُجَزُّ صُوفُها، وَلا يُحْلَبُ لَبَنُها إلاَّ لِضَيْفٍ.
الوَصِيلَةُ - هِيَ النَّاقَةُ البكْرُ، تُبْكِرُ فِي أوَّلِ نَتَاجِ الإِبْلِ، ثُمَّ تُثنِّي بِأنْثَى، وَكَانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وَصَلَتْ إِحْداهما بِالأخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ.
الحَامِي - هُوَ فَحْلُ الإِبِلِ يُولدُ مِنْ ظَهْرِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ، فَيَقُولُونَ حَمَى ظَهْرَهُ، فَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْنَعُ مَاءً وَلا مَرْعَى.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِهَؤُلاءِ بِأنْ يُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَلَمْ يَشُرَعْ مَا شَرَعَهُ البُغَاةُ لأنْفُسِهِمْ، وَلكنَّ الذِينَ كَفَروا يَفْتَرُونَ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، ثُمَّ يَجْعَلُونَهُ شَرْعاً وَقُرْبةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إليهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَاصِلٍ، بَلْ هُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِمْ، وَأكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ.
стр. 774
﴿آبَاءَنَآ﴾ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾
(١٠٤) - وَإذا دُعُوا إلَى مَا شَرَعَهُ اللهُ وَأَوْجَبَهُ، فِي القُرْآنِ، مِنَ الأَحْكَامِ المُؤَيَّدَةِ بِالحُجَجِ وَالأَدِلَّةِ، وَإلَى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ لِمُجْمَلِ هَذِهِ الأحْكَامِ، وَإلَى تَرْكِ مَا حَرَّمَهُ اللهُ قَالُوا: يَكْفِينَا أنْ نَتَّبِعَ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ الآبَاءَ وَالأجْدَادَ مِنَ الطَّرَائِقِ وَالمَسَالِكِ وَالمُعْتَقَدَاتِ. فَإذا كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ شَيْئاً، وَلا يَعْرِفُونَ حَقّاً، وَلاَ يَهْتَدُونَ إليه، فَكَيْفَ يَتْبِعُونَهُمْ وَالحَالَةُ هَذِهِ؟ إنَّهُمْ إنِ اتَّبَعُوهُمْ كَانُوا بِلاَ شَكٍّ أكْثَرَ جَهْلاً مِنْ آبَائِهِمْ وَأضَلَّ سَبيلاً.
حَسْبُنا - كَافِينَا.
стр. 775
﴿ياأيها﴾ ﴿آمَنُواْ﴾
(١٠٥) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المٌُؤْمِنينَ بِأنْ يُصْلِحُوا أنْفُسَهُمْ، وَأنْ يَفْعَلُوا الخَيْرَ جَهْدَ طَاقَتِهِمْ، لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى اللهِ. وَيُخْبِرُهُمْ تَعَالَى أنَّهُ مَنْ أصْلَحَ نَفْسَهُ وَأَمْرَهُ مِنْهُمْ، فَلاَ يَضُرُّهُ فَسَادُ مَنْ فَسَدَ مِنَ النَّاسِ، سَوَاءٌ اكَانَ قَرِيباً أوْ بَعِيداً، " وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ: بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وَتَنَاهُوا عَنِ المُنْكَرِ، حَتَّى إذا رَأَيْتُمْ شُحّاً مُطَاعاً، وَهَوىً مَتَّبَعاً، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأيٍ بِرَأيِهِ، فًَعَلَيكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فَإنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أيَّاماً الصَّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَابِضِ عَلَىة الجَمْرِ، لِلَعَامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ كَعَمَلِكُمْ " (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
فَالمُؤْمِنُ لاَ يَكُونُ مُهْتَدِياً إذَا أصْلَحَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَهْتَمَّ بإِصْلاَحِ غَيْرِهِ، بِأنْ يَأمُرَهُ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، فَهَذا فَرْضٌ لاَ هَوَادَةَ فِيهِ، وَلَكِنَّ هذِهِ الفَرِيضَةُ تَسْقُطُ إذا فَسَدَ النَّاسُ فَسَاداً لاَ يُرْجَى مَعَهُ تَأثِيرُ الوَعْظِ وَالإِرْشَادِ.
عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ - الزَمُوهَا وَاحْفَظُوهَا مِنَ المَعَاصِي.
стр. 776
﴿يِا أَيُّهَا﴾ ﴿آمَنُواْ﴾ ﴿شَهَادَةُ﴾ ﴿آخَرَانِ﴾ ﴿فَأَصَابَتْكُم﴾ ﴿الصلاة﴾ ﴿شَهَادَةَ﴾
(١٠٦) - قِيلَ إنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنْسُوخٌ. وَلَكِنَّ الأَكْثَرِيَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أنَّهُ مُحْكَمٌ. وَهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ حُكْمَ مَنْ تُوُفْيَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوْلِ الإِسْلاَمِ، وَالنَّاسُ كُفْارٌ، وَالأَرْضُ أَرْضَ حَرْبٍ - وَكَانَ النَّاسُ يَتَوَارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ، وَفُرِضَتِ الفَرَائِضُ، وَعَمِلَ النَّاسُ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَا يَلِي:
(خَرَجَ بَدْيِلٌ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ، مَعَ تَاجِرَينِ نَصْرَانِيَّينِ هُمَا تَمِيمٌ الدَّارِيُّ وَعُدِيُّ بْنُ بَدَاءَ، فِي تِجَارَةٍ إلَى الشَّامِ، وَفِي الطَّرِيقِ اشْتَكَى بَدِيلٌ فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ دَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ، وَأَوْصَى إلَيْهِما. فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ فَأَخَذا مِنْهُ شَيْئاً ثُمَّ حَجَرَاهُ كَمَا كَانَ. وَقَدِمَا عَلَى أهْلِهِ فِي المَدِينَةِ فَدَفَعا مَتَاعَهُ، فَفَتَحَ أهْلُهُ المَتَاعَ فَوَجَدَا كِتَابَهُ وَعَهْدَهُ، وَمَا خَرَجَ بِهِ، وَفَقَدُوا جَاماً مِنْ فِضَّةٍ مُطَعَّمَةٍ بِالذَّهَبِ، فَسَألْوهُمْا عَنْهُ فَقَالا: هَذا الذِي قَبَضْنَا لَهُ، وَدَفَعَ إلينا. فَقَالُوا هذا كِتَابُهُ بِيَدِهِ. قَالاَ: مَا كَتَمْنَا لَهُ شَيْئاً. فَتَرَافَعُوا إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه كوسلم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأمَرَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَحْلِفُوهُمَا، دُبُرَ صَلاةِ العَصْرِ، بِاللهِ الذِي لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ مَا قَبَضْنَا غَيْرَ هَذا وَلاَ كَتَمْنَاهُ. فَحَلَفَا. ثُمَّ وَجَدَ أَهْلُهُ الجَامَ فِي مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُمْ مَنْ وَجَدُوهُ عِنْدَهُ: إنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَدِيٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ. فَقَالَ هَذانِ: نَعْمْ، وَلَكِنَّا اشْتَرَينَاهُ مِنْهُ، وَنَسِينا أنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنَا، فَكَرِهْنَا أنْ نَكْذِبَ فِي نُفُوسِنا. فَتَرَافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ الآيَةُ التَّالِيَةُ ﴿فَإِنْ عُثِرَ على أَنَّهُمَا استحقآ﴾ فَأَمَرَ النَّبِيُّ رَجُلَينِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ المَيِّتِ أن يَحْلِفَا عَلَى مَا كَتَمَ تِمِيمٌ وَعَدِيٌّ وَغَيَّبَاهُ وَيَسْتَحِقَّانه.
ثُمَّ إنَّ تَمِيماً الدَّارِيَّ أسْلَمَ، وَبَايَعَ النَّبِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللهِ، أنَا أخَذْتُ الإِنَاءَ.
(وَيَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ أنْ يَحْلِفَ الشَّاهِدانِ، إنْ كَانَا غَيْرَ مُسْلِمَينِ، بَعْدَ صَلاَةِ أهْلِ يِينِهِمَا، لأَنَّهُ لاَ مَعْنَى لِتَحْلِفِهِمَا بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ، لأنَّهُما لا يُبَالِيَانِ بِصَلاَةِ ظُهْرٍ وَلاَ عَصْرٍ، وَلا يُؤْمِنَانِ بِهَا) .
وَقَدْ أضَافَ اللهُ تَعَالَى الشَّهَادَةَ لِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ تَكْرِيماً لَهَا وَتَعْظِيماً.
الشَّهَادَةُ - قَوْلُ مَنْ أبْصَرَ وَشَاهَدَ بِمَا شَاهَدَ.
ارْتَبْتُمْ - تُمْسِكُونَهُمَا وَتَمْنَعُونَهُمَا مِنَ الهَرَبِ.
ارْتَبْتُمْ - شَكَكْتُمْ.
ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ - سَافَرْتُمْ فِيهَا.
لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً - لاَ نَأخُذُ بِقَسَمِنَا كَذِباً عَرَضاً دُنْيَوِيّاً.
стр. 777
﴿فَآخَرَانِ﴾ ﴿الأوليان﴾ ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ ﴿شَهَادَتِهِمَا﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٠٧) - فَإِذَا ظَهَرَ أنَّ الشَّاهِدَينِ قَدْ خَانَا الأَمَانَةَ، أَوْ غَلاَّ شَيْئاً مِنَ المَالِ المُوصَى بِهِ إلَيْهِمَا، فَلْيَقُمِ اثْنَانِ مِنَ الوَرَثَةِ المُسْتَحِقِّينَ لِلْتَّرِكَةِ، وَلْيَكُونَا مِنْ أَوْلَى مَنْ يَرِثُ ذَلِكَ المَالِ، فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ بِالقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ مِنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الآخَرَيْنِ، وَإنَّ قَوْلَنَا إنَّهُمَا خَانَا أحَقُّ بِالقُبُولِ، وَأَصَحُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا المُتَقَدِّمَةِ، وَمَا اعْتَدَيْنَا فِيمَا قُلْنَا فِيهِمَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَإنْ كُنَّا كَذَبْنَا عَلَيْهِما وَافْتَرَيْنَا إذَاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
عُثِرَ - وُجِدَ.
أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً - تَعْبِيرٌ يُرَادُ بِهِ خِيَانَةُ الأَمَانَةِ وَالكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ.
الأَوْلَيَانِ - الأَقْرَبَانِ إلى المَيِّتِ الوَارِثَانِ لَهُ.
стр. 778
﴿بالشهادة﴾ ﴿أَيْمَانٌ﴾ ﴿أَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿الفاسقين﴾
(١٠٨) - وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ رَجُلاً تُوُفِّي وَأوْصَى بِتَرْكَتِهِ إلَى ذِمِّيَّيْنِ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ، وَلَمَّا سَلَّمَا المَالَ إلَى أَهْلِ المَيِّتِ أنْكَرَ أهْلُ المَيِّتِ، وَرَفَعُوا أمْرَهُمْ إلى أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، فَأرَادَ أبُو مُوسَى أنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّهُمَا لاَ يُبَالِيَانِ صَلاَةَ العَصْرِ، وَلَكِنِ اسْتَحْلَفْهُمَا بَعْدَ صَلاَتِهِمَا المُقَرَّرَةٍ فِي دِينِهِمَا.
وَيَقُولُ الإِمَامُ قَبْلَ أنْ يُحَلِّفَهُمَا: (إنْ كَتَمْتُمَا أوْ حَنَثْتُمَا فَضَحْتُكُمَا فِي قَوْمِكُمَا، وَلَمْ نُجِزْ لَكُمَا شَهَادَةً، وَعَاقَبْتُكُمَا) ثُمَّ يُحَلِّفُهُمَا. فَإذَا قَالَ الإِمَامُ لَهُمَا ذَلِكَ، وَحَمَلَهُمَا عَلَى الحَلْفِ أمَامَ النَّاسِ بِالأَيْمَانِ المُغْلَّظَةِ، كَانَ ذَلِكَ أقْرَبَ السُّبُلِ إلى أنْ يُؤَدِّيا الشَّهَادَةَ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ (أدْنَى أنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) .
كَمَا أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الحَامِلَ لَهُمَا عَلَى الإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ، هُوَ تَعْظِيمُ الحَلْفِ بِاللهِ، وَمُرَاعَاةُ جَانِبِهِ وَإِجْلاَلُهُ، وَالخَوْفُ مِنَ الفَضِيحَةِ بَيْنَ النَّاسِ، إنْ رُدَّتِ اليَمِينُ عَلَى الوَرَثَةِ، فَيَحْلِفُونَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا يَدَّعُونَ. (أَوْ يَخَافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمَانٌ بَعْدَ أيْمَانِهِمْ) .
ثُمَّ يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ أمُورِهِمْ، وَيَأمُرُهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَبِأنْ لاَ يَحْلِفُوا أيْمَاناً كَاذِبَةً.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ الخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ.
أدْنَى أنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا - أقْرَبُ إلَى قَوْلِ الحَقِّ وَالصِّدْقِ فِي الشَّهَادَةِ.
الفَاسِقِينَ - الخَارِجِينَ عَنِ الطًّاعَةِ.
стр. 779
﴿عَلاَّمُ﴾
(١٠٩) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ سَيَسْألُ المُرْسَلِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَمَّا أجَابَتْهُمْ بِهِ الأمَمُ التِي أرْسَلَهُمُ اللهُ إِلَيْهَا فَيَقُولُونَ: لاَ عِلْمَ لَنَا يَارَبَّنا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِكَ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيءٍ، وَأنْتَ تَعْلَمُ ظَاهِرَ النَّاسِ وَبَاطِنَهُمْ، وَأنْتَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ.
الغَيْبِ - مَا غَابَ عَنِ الحِسِّ.
стр. 780
﴿ياعيسى ا﴾ ﴿وَالِدَتِكَ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿والتوراة﴾ ﴿اإِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بالبينات﴾
(١١٠) - وَفِي ذَلِكَ المَوْقِفِ يُنَادِي اللهُ تَعَالَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ، فَيُذَكِّرُهُ تَعَالَى بِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيهِ، مِمَّا أجْرَاهُ عَلَى بَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَاتِ، وَيَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ بِخَلْقِي إيَّاكَ مِنْ أمٍّ بِدُونِ أبٍ، وَجَعْلِي إيَّاكَ آيةً وَبُرْهَاناً عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِي عَلَى خَلْقِ الأَشْيَاء. وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَى الجَاهِلُونَ إلَيها مِنَ الفَاحِشَةِ، إذْ أيَّدْتُكَ بِجِبْرِيلَ، ﵇، (رُوحِ القُدُسِ) ، وَجَعَلْتُكَ نَبِيّاً دَاعِياً إلَى اللهِ فِي صِغَرِكَ وَفِي كِبَرِكَ، فَأنْطَقْتُكَ وَأنْتَ فِي المَهْدِ صَغِيرٌ، فَشَهِدْتَ بِبَرَاءًةِ أمِّكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَاعْتَرَفْتَ بِالعُبُودِيَّةِ لِي، وَأَخْبَرْتَ عَنْ رِسَالَتِي إليكَ، وَدَعَوْتَ إلى عِبَادَتِي، وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتَابَةَ، وَالعِلْمَ النَّافِعَ، وَالتَّوْرَاةَ المُنَزَّلَةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ الإِنْجِيلَ، وَإِذْ تُصَوِّرُ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ فَتَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً ذَا رُوحٍ بِإذْنِي، وَتَشْفِي بِإذْنِي الأَكْمَهَ (وَهُوَ الأَعْمَى مُنْذُ الوِلاَدَةِ) وَالأَبْرَصَ (وَهُوَ المُصَابُ بِدَاءِ البَرَصِ غَيْرَ القَابِلِ لِلشِّفَاءِ) ، وَإِذْ تَدْعُو المَوْتَى فَيَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ بِإِذْنِي وَقُدْرَتِي.
وَاذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ إذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ حِينَمَا جِئْتَهُمْ بِالبَرَاهِينِ وَالحِجَجِ الفَاصِلَةِ، عَلَى نُبُوَّتِكَ وَرِسَالَتِكَ مِنَ اللهِ، فَكَذَّبُوكَ وَاتَّهَمُوكَ بِأنَّكَ سَاحِرٌ، وَسَعَوا فِي قَتْلِكَ وَصَلْبِكَ، فَنَجَّيْتُكَ مِنْهُمْ، وَرَفَعْتُكَ إليَّ، وَطَهَّرْتُكَ مِنْ دَنَسِهِمْ، وَكَفْيتُكَ شَرَّهُمْ.
السِّحْرُ - تَمْويهٌ وَتَخْيِيلٌ يَرَى فِيهِ الإِنْسَانُ الشَّيءَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ.
الأَكْمَهَ - الأَعْمَى مُنْذُ خِلْقَتِهِ.
كَفَفْتُ - مَنَعْتُ مِنَ الوُصُولِ إلَيْكَ - وَمِنْهُ كَفَّ الثَّوْبِ ثَنَاهُ.
رُوحُ القُدُسِ - جِبْرِيلُ.
стр. 781
﴿الحواريين﴾ ﴿آمِنُواْ﴾ ﴿اآمَنَّا﴾
(١١١) - وَاذْكُرْ يَا عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ نِعْمَتِي عَلَيْكَ حِيْنَ أَلْهَمْتَ الحَوَارِيِّينَ الإيمَانَ بِرَبِّهِمْ، وَالتَّصْدِيقَ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، حِينَما كَذَّبَكَ جُمْهُورُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْتُ الحَوَارِيِّينَ أَنْصَاراً لَكَ يُؤَيِّدُونَكَ، وَيُؤَيِّدُونَ دَعْوَتَكَ، وَيَنْشُرُونَ شَرِيعَتَكَ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى، وَأشْهَدُوا اللهَ عَلَى أَنْفُسَهُمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، مُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، مُذْعِنُونَ لأوَامِرِهِ، تَارِكُونَ لِنَواهِيهِ.
الحَوَارِيُّونَ - الأَنْصَارُ وَأُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَى أَنْصَارِ المَسِيحِ، ﵇.
стр. 782
﴿ياعيسى ا﴾ ﴿مَآئِدَةً﴾
(١١٢) - وَمِمّا امْتَنَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى عَبْدِهِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ اسْتِجَابَتُهُ لِدَعْوَتِهِ فِي إِنْزَالِ مَائِدَةٍ عَلَيْهِم مِنَ السَّمَاءِ، فَقَدْ سَأَلَ الحَوَارِيُّونَ عِيسَى قَائِلِينَ: هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ رَبُّكَ إنْ سَأَلْتَهُ أَنْ يُنَزِلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: اتَّقُوا اللهَ أنْ تَقْتَرِحُوا عَلَيهِ أَمْثَالَ هَذِهِ الاقْتِرَاحَاتِ، التِي كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَقْتَرِحُونَهَا عَلَى مُوسَى لِلْتَّعْجِيزِ، لِئَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةً لَكُمْ، فَمِنْ شَأْنِ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ إلاَّ يُجَرِّبَ رَبَّهُ، بِاقْتِرَاحِ الآيَاتِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ صَادِقِينَ فِي إِيمَانِكُمْ بِاللهِ.
المَائِدَةُ - الخِوَانُ عَلَيْهِ طَعَامٌ.
стр. 783
﴿تَطْمَئِنَّ﴾ ﴿الشاهدين﴾
(١١٣) - فَقَالَ الحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى: إنَّنَا جَائِعُونَ وَمُحْتَاجُونَ لِلأَكْلِ مِنْهَا، ثُمَّ إنَّنَا إذَا شَاهَدْنَاهَا وَهِيَ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، تَطْمَئِنُ قُلُوبُنَا، وَنَزْدَادُ بِكَ إيمَاناً، وَعِلْماً بِصِدْقِ رِسَالَتِكَ، وَنَشْهَدُ عَلَيْهَا عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ لَمْ يَحْضُرُوهَا.
стр. 784
﴿مَآئِدَةً﴾ ﴿آخِرِنَا﴾ ﴿وَآيَةً﴾ ﴿الرازقين﴾
(١١٤) - وَلَمَّا عَلِمَ عِيسَى ﵇ صِدْقَ نِيَّتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لاَ يُرِيدُونَ تَعْجِيزَهُ، وَلا اقْتِراحَ الآيَاتِ عَلَيْهِ، دَعَا اللهُ تَعَالَى بِهَذَا الدُّعَاءِ الكَرِيمِ: فَقَالَ: يَا اللهُ، يَا مَالِكَ أَمْرِنَا وَمُتَوَلِّي تَرْبِيَتِنَا، أَنْزَلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ يَرَاهَا هَؤُلاَءِ المُقْتَرِحُونَ بِأَبْصَارِهِمْ، وَتَتَغَذَّى بَهَا أَبْدَانُهُمْ، وَتَكُونُ عِيداً خَاصاً بِنَا، مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا، وَاجْعَلْهَا عَلاَمَةً مِنْ لَدُنْكَ تُرْشِدْ بِهَا القَوْمَ إلى صِحَّةِ دَعْوَتِي، وَصِدْقِ نُبُوَّتِي، وَارْزُقْنَا رِزْقاً هَنِيئاً بِلاَ كُلْفَةٍ، وَلاَ تَعَبٍ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْ رَزَقَ.
عِيداً - فَرَحاً وَسُرُوراً أَوْ يَوْماً نُعَظِّمُهُ.
стр. 785
﴿العالمين﴾
(١١٥) - فَقَالَ اللهُ لِعِيسَى: إنَّهُ اسْتَجَابَ لِدُعَائِهِ، وَإنَّهُ سَيُنْزِلُ المَائِدَةَ التِي سَأَلَهَا، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَهُ إلَى أنَّهُ سَيُعَاقِبُ مَنْ يَكْفُرُ بَعْدَ إِنْزَالِ هَذِهِ الآيَةِ الكُبْرَى (المَائِدَةِ) عَذَاباً لاَ يُعَذِّبُهُ أحَداً مِنَ العَالَمِينَ.
стр. 786
﴿ياعيسى ا﴾ ﴿أَأَنتَ﴾ ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ﴿عَلاَّمُ﴾
(١١٦) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ مَا يَقُولُهُ رَبُّكَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ، ثُمَّ يُذكِّر عِيسَى بِأَفْضَالِهِ عَلَيْهِ وَعَلَى وَالِدَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ بِحُضُورِ مَنِ اتَّخَذُوهُ وَأُمَّهُ إلهِيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ: هَلْ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إلهِيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ؟ - أَيْ مُتَجَاوِزَيْنِ بِذَلِكَ تَوْحِيدِ اللهِ وَإِفْرَادِهِ بِالعُبُودِيَّةِ؟ فَيُنْكِرُ عِيسَى أنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ للهِ تَعَالَى: سُبْحَانَكَ! وَتَنَزَّهَ اسْمُكَ، لَيْسَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي حَقٌّ بِقَوْلِهِ، فَإِذَا كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ أَنْتَ، لأَنَّكَ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، وَتَعْلَمُ مَا تُخْفِي العِبَادُ وَمَا تُعْلِنُ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، لأنَّكَ رَبِّي وَخَالِقِي، وَأَنَا عَبْدُكَ لاَ أَعْرِفُ مَا فِي نَفْسِكَ.
سُبْحَانَكَ - تَنْزِيهاً لَكَ مِنْ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ.
стр. 787
(١١٧) - إِنَّنِي لَمْ أَقُلْ لَهُمْ فِي أَمْرِ الإِيْمَانِ، وَأَسَاسِ الدِّينِ إلاَّ الذِي أَرْسَلْتَنِي بِهِ، وَأَمَرْتَنِي بِإِبْلاَغِهِ، وَهُوَ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ، وَكُنْتُ شَهِيداً عَلَى أَعْمَالِهِمْ حِينَ كُنْتُ حَيّاً بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الشَّاهِدَ الرقِيبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ.
تَوَفَّيْتَنِي - أَخَذْتَنِي إلَيْكَ وَافِياً.
стр. 788
(١١٨) - يَرُدُّ عِيسَى، ﵇، الأمْرَ وَالمَشِيئَةَ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُريدُ، لاَ يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَيَقُولُ: إنَّ أَمْرَ العِبَادِ مَوْكُولٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَذَّبَهُمْ فَبِذُنُوبِهِمْ، فَهُوَ رَبُّهُمْ وَهُمْ عِبَادُهُ، وَإِنْ يَغْفِرْ لَهُمْ فَإنَّهُ تَعَالَى الغَفَّارُ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَحُكْمِهِ.
стр. 789
﴿الصادقين﴾ ﴿جَنَّاتٌ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١١٩) - وَحِينَ تَبَرَّأَ عِيسَى، ﵇، مِنْ عِباَدَةِ مَنْ عَبَدُوهُ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِصِدْقِهِ، قَالَ تَعَالَى: هَذَا هُوَ اليَوْمُ الذِي يَنْفَعُ فِيهِ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وَالمُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهُمْ، وَسَتَكُونُ للصَّادِقِينَ جَنَّاتٌ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا، جَزَاءً وَفَاقاً لَهُمْ، وَسَيَكُونُونَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً، وَلَقَدْ فَازُوا بِرِضَا رَبِّهِمْ وَرِضَوَانِهِ، وَرَضُوا عَمَّا أَكْرَمَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ الذِي لاَ أَعْظَمَ مِنْهُ.
стр. 790
﴿السماوات﴾
(١٢٠) - اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ المَالِكُ المُتَصَرِّفُ بِجَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُنَّ، وَالقَادِرُ عَلَيْهِ، وَالجَمِيعُ مُلْكُهُ وَتَحْتَ قَهْرِهِ، وَالمَسِيحُ وَأمُّهُ اللَّذَانِ عَبَدَهُمَا الكَافِرُونَ، مِنْ دُونِ اللهِ، دَاخِلاَنِ تَحْتَ قَبْضَتِهِ، فَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أنْ يَتَّكِلَ عَلَى شَفَاعَتِهَا فِيهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى.
стр. 791
﴿السماوات﴾ ﴿الظلمات﴾
(١) - الحَمْدُ وَالشُّكْرُ للهِ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَنْ فِيِهِنَّ، وَجَعَلَ الأَرْضَ قَراراً للنَّاسِ، فَهُوَ المُسْتَوْجِبُ لِلْحَمْدِ عَلَى أَنْعُمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَهُوَ الذِي خَلَقَ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وَنُورَ النَّهَارِ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: المُرادُ بِالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ هُنَا الكُفْرُ والإِيْمَانُ) ، وَمَعَ وُضُوحِ ذلِكَ لِكُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ فَإنَّ الذِينَ كَفَرُوا يَعْدِلُونَ باللهِ سِوَاهُ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالكَوَاكِبِ وَالمَخْلُوقَاتِ الأُخْرَى، وَيُسَوُّونَهُمْ بِهِ في العِبَادَةِ، مَعَ أنَّ هؤُلاءِ الأَرْبَابَ والشُّرَكَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً.
جَعَلَ - أَنْشَأَ وَأَبْدَعَ وَخَلَقَ.
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ - يُسَوُّونَ غَيْرَهُ بِهِ فِي العِبَادَةِ.
стр. 792
(٢) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ مِنْ طِينٍ (أَيْ مِنْ تُرَابٍ خَالَطَهُ مَاءٌ) ، وَانْتَشَرَ مِنْهُ أَبْنَاؤُهُ فَهُمْ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ قَضَى بِأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الخَلْقِ أَجَلٌ مَحْدُودٌ، تَنْتَهِي بِهِ حَيَاتُهُ، وَجَعَلَ لِلخَلائِقِ جَمعياً أَجَلاً تَنْتَهِي بِهِ الحَيَاةُ بِتَمَامِها عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَبْعَثُهُمُ اللهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَيَجْمَعُهُمْ لِلْحِسَابِ، وَقَدِ اختْصَّ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ بِعِلْمِ مَوْعِدِ قِيَامِ السَّاعَةِ (أَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ) ، فَلاَ يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَمَعَ ذلِكَ فَهُنَاكَ أُنَاسٌ يَشُكُّونَ فِي أَمْرِ السَّاعَةِ.
قَضَى أَجَلاً - قَدَّرَ زَمَاناً مُعَيَّناً لِلمَوتِ.
أَجَلٌ مُسَمَّى عِنْدَهُ - زَمَنٌ مُعَيَّنٌ لِلْبَعْثِ اسْتَأْثَرَ تَعَالَى بِعِلْمِهِ.
تَمْتَرُونَ - تَشُكُّونَ فِي البَعْثِ أَوْ تُنْكِرُونَهُ.
стр. 793
﴿السماوات﴾
(٣) - وَهُوَ اللهُ الذِي يَعْبُدُهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَدِينُونَ لَهُ الالُوهِيَّةِ، رَغَباً وَرَهَباً، وَلا يَشُذُّ عَنْ ذلِكَ إِلاَّ مَنْ كَفَرَ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يُسِرُّ الخَلْقُ وَمَا يُعْلِنُونَ، وَيَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يَعْمَلُهُ الخَلْقُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍ، وَهُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيهِ يَوْمَ الحِسَابِ.
стр. 794
﴿آيَةٍ﴾ ﴿آيَاتِ﴾
(٤) - وَمَا تَنْزِلُ عَلَى المُشْرِكِينَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ القُرْآنِ تَلْفِتُ أَنْظَارَهُمْ إلى مَا أَبْدَعَهُ الخَالِقُ مِنْ صُنْعٍ فِي خَلْقِهِ هذا الكَوْنَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى وَحدَانِيَّتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَعَلى صِدْقِ مَا أَرْسَلَ بِهِ الأَنْبِياءَ، إلاَّ أَعْرَضَ عَنْهَا هؤُلاءِ الكَفَرَةُ المُكَذِّبُونَ، اسْتِهزاءً غَيْرَ مُتَدَبِّرِينَ مَعْنَأها، وَلا مُتَفَكِّرِينَ فِي دَلاَلَتِها.
стр. 795
﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾
(٥) - وَبِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِي الآيَاتِ، وَالتَّفْكُرِ فِيهَا، فَقَدْ كَذَّبُوا بِدِينِ اللهِ الحَقِّ، لَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَلَمْ يَتَرَيَّثُوا، وَلَمْ يَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَهُدًى، وَسَيَرَوْنَ عَاقِبَةَ التَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزاءِ، حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ العُقُوبَاتُ العَاجِلَةُ، التِي أَشَارَتْ إِلَيْهَا الآيَاتُ: مَنْ نَصْرِ الرَّسُولِ، وَإِظْهَارِ دِينِ اللهِ، وَإِعْزَازِ الإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ. . .
أَنْبَاءُ - أَخْبَارُ - وَهِيَ هُنَا مَا يَنَالُهُمْ مِنَ العُقُوبَةِ.
стр. 796
﴿مَّكَّنَّاهُمْ﴾ ﴿الأنهار﴾ ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ﴿آخَرِينَ﴾
(٦) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى أَنْظَارَ الكُفَّارِ مِنْ قُرَيْشَ، المُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَرُسُلِهِ، إِلَى الأُمَمِ العَدِيدَةِ التِي كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ رُسُلَهَا، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ، وَكَانَ تَعَالَى قَدْ مَكَّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ أَكْثَرَ مِمَّا مَكَّنَ لِهَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، وَأَمَدَّهُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَجَعَلَهُمْ أَ: ْثَرَ قُوَّةً وَعِمَارَةً فِي الأَرْضِ مِنْ هؤُلاءِ، وَجَعَلَ السَّمَاءَ تُمْطِرُهُمْ بِصُورَةٍ مُتَتَالِيةٍ، مَطَراً غَزِيراً (مِدْرَاراً) ، وَفَجَّرَ لَهُمْ مِنَ الأَرْضِ يَنَابِيعَ وَأَنْهَاراً، اسْتِدْرَاجاً لَهُمْ وَإِمْلاءً، ثُمَّ أَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ، وَجَعَلَهُمْ كَأَمْسِ الدَّابِرِ. وَجَعَلَ، مِنْ بَعْدِ هؤُلاءِ الهَالِكِينَ، أَجْيَالاً أُخْرَى (قَرْناً آخَرِينَ) لِيَخْتَبِرَهُمْ، فَعَمِلُوا مِثْلَ أَعْمَالِ مَنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ، فَاحذَرُوا أَيُّهَا المُخَاطِبُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُمَا أَصَابَهُمْ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَعَزَّ عَلَى اللهِ مِنْهُمْ، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالعَذّابِ وَمُعَاجَلَةِ العُقُوبَةِ مِنْهُمْ، لَوْلا لُطْفُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ.
كَمْ أَهْلَكْنَا - كَثِيراً مَا أَهْلَكْنَا.
قَرْنٍ - أُمَّةٍ أَوْ جِيلٍ مِنَ النَّاسِ.
مَكَّنَّاهُمْ - أَعْطَيْنَاهُمْ مِنَ المُكْنَةِ وَالقُوَّةِ.
مِدْراراً - غَزِيراً كَثِيرَ الصَّبِّ أَوْ مَتَتَابِعاً.
стр. 797
﴿كِتَاباً﴾
(٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ عِنَادِ المُشْرِكِينَ وَتَعَنُّتِهِمْ وَمُكَابَرَتِهِمْ لِلْحَقِّ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ كِتَاباً مَسْطُوراً فِي وَرَقٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ (قِرْطَاسٍ) ، وَعَايَنُوهُ وَرَأَوْا نُزُولَهُ بِأَعْيُنِهِمْ، وَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ، لَقَالَ الكَافِرُونَ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ وَاضِحٌ.
كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ - كِتَاباً مَكْتُوباً فِي وَرَقٍ أَوْ رَقٍّ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ.
стр. 798
(٨) - وَقَالُوا: هَلاَّ أَنْزَلَ اللهُ مَلِكاً عَلَى مُحَمَّدٍ، لِيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، لِيَقْتَنِعُوا بِأنَّ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى الرَّسُولِ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ حَقّاً وَصِدْقاً.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاءِ القَائِلِينَ قَائِلاً: إنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ مَلَكاً، كَمَا اقْتَرَحُوا، وَلَمْ يُؤْمِنُوا لَقُضِيَ الأَمْرُ بِإِهْلاَكِهِمْ، ثُمَّ لاَ يُؤَخَّرُونَ وَلاَ يُمْهَلُونَ لِيُؤْمِنُوا، بَلْ يَأْخُذُهُمُ العَذَابُ عَاجِلاً، كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ اللهِ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ.
هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ رَدّاً عَلَى عَدَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ وَعَظَ النَّاسَ وَأَبْلَغَهُمْ مَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِإِبْلاَغِهِ إلَيْهِمْ: (لَوْ جَعَلَ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ، وَيُرى مَعَكَ) .
لاَ يُنظَرُونَ - لا يُمْهَلُونَ لَحْظَةً بَعْدَ إِنْزَالِهِ.
стр. 799
﴿جَعَلْنَاهُ﴾ ﴿لَّجَعَلْنَاهُ﴾
(٩) - وَلَوْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الرَّسُولَ مَلَكاً، لَجَعَلَهُ مُتَمَثِّلاً بِصُورَةِ رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ، لِيَتَمَكَّنُوا هُمْ مِنْ رُؤْيَتِهِ، وَلِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ مُخَاطَبَتِهِمْ وَالحَدِيثِ مَعَهُمْ، لِيُبَلِّغُهُمْ رِسَالاَتِ رَبِّهِ. وَلَوْ جَعَلَ اللهُ المَلَكَ الرَّسُولَ فِي صُورَةِ البَشَرِ لالْتَبَسَ الأَمْرُ عَلَيْهِم لاعْتِقَادِهِمْ أنَّهُ بَشَرٌ، لأنَّهُمْ لاَ يُدْرِكُونَ مِنْهُ إلاَّ صُورَتَهُ وَصِفَاتِهِ البَشَرِيَّةَ التِي يَتَمَثَّلُ لَهُمْ بِهَا، كَمَا يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَيهِم الآنَ فِي قَبُولِ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ.
لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ - لَخَلَطْنَا عَلَيْهِمْ وَأَشْكَلْنَا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ مَا يَخْلِطُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم اليَوْمَ.
стр. 800
﴿يَسْتَهْزِءُونَ﴾
(١٠) - ويُسَلِّي اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ عَمَّا يُلاقِيهِ مِنْ عِنَادِ الكُفَّارِ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَإِصْرَارِهِمْ عَلَى البَاطِلِ، فَيَقُولُ لَهُ: لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ جَاؤُوا قَبْلَكَ، وَسَخِرَ مِنْهُمُ الكَافِرُونَ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَمِنَ العِقَابِ الذِي أَنْذَرُوهُمْ بِهِ، فَعَاقَبَ اللهُ الذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ فَدَمَّرَهُم، وَنَصَرَ رُسُلَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتِ العَاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدَّنْيا وَالآخِرَةِ.
حَاقَ - أَحَاطَ أَوْ نَزَلَ.
стр. 801
﴿عَاقِبَةُ﴾
(١١) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ الجَاحِدِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ: سِيرُوا فِي الأَرْضِ، وَتَتَبَّعُوا أَخْبَارَ الأُمَمِ التِي عَاشَتْ فِيهَا، ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَتْ نِهَايَةُ المُكَذِبِينَ، وَعَاقِبَةُ بَغْيِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، فَاعْتَبَرُوا بِذَلِكَ المَصِيرِ.
стр. 802
﴿السماوات﴾ ﴿القيامة﴾
(١٢) - قُلَ يَا أَيُّها الرَّسُولُ لِقَوْمِكَ المُكَذِبِينَ الجَاحِدِينَ لِرِسَالَتِكَ، المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَتِكَ: لِمَنْ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضُ، وَمَنْ خَلَقَها؟ وَبِمَا أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَأنَّه مَالِكُهَا المُتَفَرِّدُ، وَأَنَّ الخَلْقَ كُلَّهُمْ عَبيدُهُ، فَسَيَقُولُونَ: إنَّهُ اللهُ، وَهَذَا لاَ خِلاَفُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ فِيهِ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ الذِي تُقِرُّونَ بِمُلْكِهِ لِلْكَوْنِ قَدْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ بِخَلْقِهِ، إذ أَفَاضَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَهَا وَبَاطِنَهَا، وَمِنْ مُقْتَضَى هَذِهِ الرَّحْمَةِ أنْ لا يُعَجِّلَ العُقُوبَةَ لِلْنَّاسِ، وَأَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، إذَا تَابُوا وَعَمِلُوا أَعْمَالاً صَالِحَةً، وَأَنَّهُ سَيَجْمَعُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ- وَهُوَ يَوْمٌ آتٍ قَرِيبٌ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ رَيْبَ - لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، لِيَنَالَ كُلَّ وَاحِدٍ الجَزَاءَ العَادِلَ عَنْ عَمَلِهِ، إنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإنْ شَرّاًُ فَشَرّاً.
وَمِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أنْ بَيَّنَ لِعِبَادِهِ هَذَا، لِيَحْذَرُوا، وَليُحْسِنُوا العَمَلَ، فَلَوْلاَ خَوْفُ النَّاسِ مِنَ العِقَابِ وَالحِسَابِ لَسَادَ الفَسَادُ فِي الأَرْضِ، وَلانْتَشَرَ الظُّلْمُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أنَّ الذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيا بِالكُفْرِ، وَالتَّقْلِيدِ وَالتَّرَدُّدِ. . لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، لأنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ فِيمَا خَلَقَهَا اللهُ لَهُ مْنَ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَالاتِّعَاظِ.
كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ - قَضَى وَأَوْجَبَ، تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً، الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ.
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ - أَهْلَكُوهَا وَغَبَنُوهَا بِالكُفْرِ.
стр. 803
﴿الليل﴾
(١٣) - واللهُ تَعَالَى هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي الخَلْقِ كُلِّهٍ دَقِيقِهِ وجَلِيلِهِ، كَمَا يَشَاءُ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةُ الكَامِلَةِ، وَجَمِيعِ مَا فِي الوُجُودِ عِبَادٌ للهِ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهُمْ تَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْكَانِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيءٍ مِنْ حَرَكَاتِ العِبَادِ، وَمِمَّا يُسِرُّونَ فِي ضَمَائِرِهِمْ.
مَا سَكَنَ - مَا اسْتَقَرَّ وَحَلَّ.
стр. 804
﴿السماوات﴾
(١٤) - قُلْ لَهُمْ: إنَّنِي لاَ أَطْلُبُ مِنْ غَيْرِ اللهِ نَفْعاً وَلاَ ضَراً، وَلاَ فِعْلاً وَلاَ مَنْعاً، وَلاَ أتَّخَذَ غَيْرَهُ تَعَالَى وَلَيّاً لِي، فَهُوَ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَخَالِقُهُما وَمُبْدِعُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ.
وَهُوَ الذِي يَرْزُقُ العِبَادَ الطَّعَامَ، وَلَيْسَ هُوَ بِحَاجَةٍ إلَى مَنْ يَرْزُقُهُ وَيُطْعِمُهُ، لأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَاجَةِ إلى كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَقُلْ لَهُمْ بَعْدَ أَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُمُ الأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِ عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ: لَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي، جَلَّ شَأْنُهُ وَعَلاَ، أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ، وَانْقَادَ لأَمْرِهِ، مِنْ تِلْكَ الأُمَّةِ التِي بُعِثْتُ فِيهَا، فَلاَ أَدْعُو إلَى شَيءٍ إلاَّ كُنْتُ أَنَا أَوْلَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي بِألاَّ أَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ الذِينَ اتَّخَذُوا أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ لِيُقَرِّبُوهُمْ إِلَيْهِ زُلْفَى.
وَلِيّاً - مَعْبُوداً وَنَاصِراً وَمُعِيناً.
فَاطِرِ - خَالِقِ وَمُبْدِعِ.
هُوَ يُطْعِمُ - هُوَ يَزْرُقُ عِبَادَهُ.
مَنْ أَسْلَمَ - مَنْ خَضَعَ للهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَانْقَادَ لَهُ.
стр. 805
(١٥) - وَقُلْ لَهُمْ: إنِّي لاَ أَعْصِي رَبِّي لأَنَّنِي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ أَوَامِرَهُ أَنْ يَمَسَّنِيَ العَذَابُ الأَلِيمُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ.
стр. 806
﴿يَوْمَئِذٍ﴾
(١٦) - وَمَنْ يُحَوَّلُ عَنْهُ العَذَابُ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ (يُصْرَفْ عَنْهُ) ، فَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى قَدْ رَحِمَهُ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةً، وَإِنَّ النَجَاةَ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مِنَ العَذَابِ، ثُمَّ دُخُولَ الجَنَّةِ، هُمَا الفَوْزُ الذِي لاَ فَوزَ أَعْظَمُ مِنْهُ.
صُرِفَ عَنْهُ - جُنِّبَهُ وأُبْعِدَ عَنْهُ.
стр. 807
(١٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ مَالِكُ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ، وَأَنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، لا مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ، فَإِذا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ خَيرٌ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أنْ يَرُدَّ مَا قَدَّرَهُ، فَعَلَى المُؤْمِنِ الصَّادِقِ أنْ لاَ يَسْأَلُ فِي الشَّدَائِدِ غَيْرِ اللهِ، لأنَّ مَنْ دُونَهُ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ، وَلا لِغَيْرِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً.
стр. 808
(١٨) - وَهُوَ الذِي خَضَعَتْ لَهُ رِقَابُ العِبَادِ، وَذَلَّتْ لَهُ الجَبَابِرَةُ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الخَلاِئِقُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، فَلاَ يَقَعُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ، وَهُوَ الخَبِيرُ بِمَوَاضِعِ الأَشْيَاءِ وَمَحَالِّهَا، فَلاَ يُعْطِي إِلاَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ، وَلاَ يَمْنَعُ إلاَّ عَمَّنْ يَسْتَحِقُ المَنْعَ عَنْهُ.
القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ - المُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ.
стр. 809
﴿شَهَادةًْ﴾ ﴿القرآن﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ ﴿آلِهَةً﴾ ﴿وَاحِدٌ﴾
(١٩) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَسْأَلَ كُفَّارَ قٌرَيشٍ عَنْ أَيِّ شَهَادَةٍ هِيَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، وَأَجْدَرُ بِأنْ تَكُونَ أَصَحَّ الشَّهَادَاتِ وَأَصْدَقَها؟ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَى هَذا السُّؤَالِ: بِأنَّ أَكْبَرَ الأَشْيَاءِ شَهَادَةً هُوَ مِنْ لاَ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ فِي شَهَادَتِهِ كَذِبٌ وَلاَ خَطَأٌ وَلاَ زُورٌ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ الشَّهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم، وَهُوَ الذِي أَوْحَى إليَّ هَذا القُرْآنَ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ عِقَابَهُ عَلَى تَكْذِيبِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، مُؤَيَّداً بِشَهَادَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأُنْذِرَ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا القُرْآنُ، لأنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ فَهُوَ مَدْعُوٌ إلى اتِّبَاعِهِ حَتَّى تَقُومَ القِيَامَةُ. وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى هِيَ شَهَادَةُ آيَاتِهِ فِي القُرْآنِ، وَآيَاتِهِ فِي الأنْفُسِ وَالأَكْوَانِ، وَآيَاتِهِ فِي العَقْلِ وَالوِجْدَانِ.
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَلِّغُوا عَنِ اللهِ فَمَنْ بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ بَلَغَهُ أَمْرُ اللهِ ") .
ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: إنْ كُنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَأَنَا لاَ أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ إلهٌ وَاحِدٌ، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَضَعَ لَهُ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ.
مَنْ بَلَغَ - مَنْ بَلَغَهُ القُرْآنُ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ.
стр. 810
﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾
(٢٠) - إنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعرِفُونَ أنَّ مُحَمَّداً خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلِ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ، بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الأَخْبَارِ وَالأَنْبَاءِ، عَنِ الأَنْبِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ بَشَّرَ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ وَنَعْتِهِ، وَصِفَتِهِ وَمَكَانِ هِجْرَتِهِ، وَصِفَةِ أُمَّتِهِ. . . وَالذِينَ أَنْكَرُوا نُبوَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ، عِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ كَعِلَّةِ مَنْ أَنْكَرُوهَا مِنْ زُعَمَاءِ المُشْرِكِينَ، وَهِيَ الخَوْفَ مِنْ فُقْدَانِ الزَّعَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ، لِذَلِكَ فَإنَّ هَؤُلاءِ يُعَدُّونَ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لإيثَارِهِمِ الجَاهَ وَالرِّيَاسَةَ عَلَى الإيمَانِ بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ، الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً فِي كُتُبِهِمْ.
следующие страницы →