← Тафсир

Тафсир · id 1787

أيسر التفاسير لأسعد حومد

أسعد حومد

Полный текст (6 113 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (١٦) - وَمَنْ يُحَوَّلُ عَنْهُ العَذَابُ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ (يُصْرَفْ عَنْهُ) ، فَيَكُونُ اللهُ تَعَالَى قَدْ رَحِمَهُ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّةً، وَإِنَّ النَجَاةَ فِي ذلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ مِنَ العَذَابِ، ثُمَّ دُخُولَ الجَنَّةِ، هُمَا الفَوْزُ الذِي لاَ فَوزَ أَعْظَمُ مِنْهُ. صُرِفَ عَنْهُ - جُنِّبَهُ وأُبْعِدَ عَنْهُ.

стр. 807

(١٧) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ مَالِكُ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ، وَأَنَّهُ المُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، لا مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ، فَإِذا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُصِيبَكَ خَيرٌ فَهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أنْ يَرُدَّ مَا قَدَّرَهُ، فَعَلَى المُؤْمِنِ الصَّادِقِ أنْ لاَ يَسْأَلُ فِي الشَّدَائِدِ غَيْرِ اللهِ، لأنَّ مَنْ دُونَهُ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ، وَلا لِغَيْرِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً.

стр. 808

(١٨) - وَهُوَ الذِي خَضَعَتْ لَهُ رِقَابُ العِبَادِ، وَذَلَّتْ لَهُ الجَبَابِرَةُ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيءٍ، وَدَانَتْ لَهُ الخَلاِئِقُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، فَلاَ يَقَعُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلَلٌ، وَهُوَ الخَبِيرُ بِمَوَاضِعِ الأَشْيَاءِ وَمَحَالِّهَا، فَلاَ يُعْطِي إِلاَّ مَنْ يَسْتَحِقُّ، وَلاَ يَمْنَعُ إلاَّ عَمَّنْ يَسْتَحِقُ المَنْعَ عَنْهُ. القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ - المُسَيْطِرُ عَلَيْهِمْ.

стр. 809

﴿شَهَادةًْ﴾ ﴿القرآن﴾ ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ ﴿آلِهَةً﴾ ﴿وَاحِدٌ﴾ (١٩) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَسْأَلَ كُفَّارَ قٌرَيشٍ عَنْ أَيِّ شَهَادَةٍ هِيَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ، وَأَجْدَرُ بِأنْ تَكُونَ أَصَحَّ الشَّهَادَاتِ وَأَصْدَقَها؟ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَى هَذا السُّؤَالِ: بِأنَّ أَكْبَرَ الأَشْيَاءِ شَهَادَةً هُوَ مِنْ لاَ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ فِي شَهَادَتِهِ كَذِبٌ وَلاَ خَطَأٌ وَلاَ زُورٌ، وَهُوَ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ الشَّهِيدُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم، وَهُوَ الذِي أَوْحَى إليَّ هَذا القُرْآنَ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ عِقَابَهُ عَلَى تَكْذِيبِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ، مُؤَيَّداً بِشَهَادَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأُنْذِرَ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا القُرْآنُ، لأنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ فَهُوَ مَدْعُوٌ إلى اتِّبَاعِهِ حَتَّى تَقُومَ القِيَامَةُ. وَشَهَادَتُهُ تَعَالَى هِيَ شَهَادَةُ آيَاتِهِ فِي القُرْآنِ، وَآيَاتِهِ فِي الأنْفُسِ وَالأَكْوَانِ، وَآيَاتِهِ فِي العَقْلِ وَالوِجْدَانِ. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " بَلِّغُوا عَنِ اللهِ فَمَنْ بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَقَدْ بَلَغَهُ أَمْرُ اللهِ ") . ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ: إنْ كُنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَأَنَا لاَ أَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ إلهٌ وَاحِدٌ، خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَضَعَ لَهُ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ. مَنْ بَلَغَ - مَنْ بَلَغَهُ القُرْآنُ إلى قِيَامِ السَّاعَةِ.

стр. 810

﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾ (٢٠) - إنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعرِفُونَ أنَّ مُحَمَّداً خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلِ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبنَاءَهُمْ، بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الأَخْبَارِ وَالأَنْبَاءِ، عَنِ الأَنْبِيَاءِ المُتَقَدِّمِينَ، فَقَدْ بَشَّرَ الرُّسُلُ كُلُّهُمْ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ وَنَعْتِهِ، وَصِفَتِهِ وَمَكَانِ هِجْرَتِهِ، وَصِفَةِ أُمَّتِهِ. . . وَالذِينَ أَنْكَرُوا نُبوَّةَ مُحَمَّدٍ وَرِسَالَتَهُ مِنْ عُلَمَاءِ اليَهُودِ، عِلَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ كَعِلَّةِ مَنْ أَنْكَرُوهَا مِنْ زُعَمَاءِ المُشْرِكِينَ، وَهِيَ الخَوْفَ مِنْ فُقْدَانِ الزَّعَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ، لِذَلِكَ فَإنَّ هَؤُلاءِ يُعَدُّونَ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ لإيثَارِهِمِ الجَاهَ وَالرِّيَاسَةَ عَلَى الإيمَانِ بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ، الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً فِي كُتُبِهِمْ.

стр. 811

﴿بِآيَاتِهِ﴾ ﴿الظالمون﴾ (٢١) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً، كَمَنْ زَعَمَ أنَّ لَهُ وَلَداً أَوْ شَرِيكاً. . . أَوْ زَادَ فِي دِينِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، أَوْ كَذَّبِ بِآيَاتِهِ المُنَزَّلَةِ كَالقُرْآنِ، أَوْ آيَاتِهِ الكَوْنِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، أَوْ التِي يُؤَيِّدُ بِهَا رُسُلَهُ الكِرَامَ. . . وَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً، أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ يَكُونُ أَظْلَمَ الظَّالِمِينَ، وَلاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يَوْمَ الحِسَابِ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ فِي النَّارِ، وَلا يَفُوزُونَ بِنَعِيمِ اللهِ فِي الجَنَّةِ.

стр. 812

(٢٢) - وَاذْكُرْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ مَا يَحْصَلُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ هَؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلّذِينَ أَشْرَكُوا مِنْهُم - وَهُمْ أَشَدُّهُمْ ظُلْماً -: أَيْنَ الشُّرَكَاءَ الذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ فِي الدُّنْيا أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ تَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ شَرِكَةً فِي الألُوهِيَّةِ.

стр. 813

(٢٣) - وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِهَا إلى اللهِ تَعَالَى، عَنْ كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ وَسُوءِ عَمَلِهِمْ، إلاَّ أنْ أَقْسَمُوا بِاللهِ أنَّهُمْ مَا كَانُوا مُشْرِكِينَ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ يَرَوْنَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، أنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلاَّ أَهْلُ الإيمَانِ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍِ: (تَعَالُوْا نَجْحَدْ) ، فَيَقُولُونَ: (وَاللهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ، فَيَخْتِمُ اللهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَتَشْهَدُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) . (وَقِيلَ إنَّ المَعْنَى هُوَ: إنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ، مُتَهَالِكِينَ فِي حُبِّهِ، وَالقِتَالِ دُونَهُ، وَحِينَ يَرَوْنَ العَذَابَ تَكُونُ عَاقِبَةُ هَذَا الشِّرْكِ الجُحُودَ بِهِ، وَالتَّبَرُّؤ مِنْهُ) . فِتْنَتُهُمْ - مَعْذِرَتُهُمْ أَوْ عَاقِبَةُ شِرْكِهِمْ.

стр. 814

(٢٤) - وَيَتَعَجَّبُ اللهُ تَعَالَى مِنْ كَذِبِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بِإِنْكَارِهِمْ صُدُورَ الإِشْرَاكِ عَنْهُمْ فِي الدُّنيا، ثُمَّ يَقُولُ لِرَسُولِهِ ﷺ : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا، بِاليَمِينِ الفَاجِرَةِ التِي أَقْسَمُوهَا لِنَفْيِ شِرْكِهِمْ، وَكَيْفَ ذَهَبَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الإِشْرَاكِ، حَتَّى نَفُوا صُدُورَهُ عَنْهُمْ. ضَلَّ عَنْهُمْ - غَابَ عَنْهُمْ وَزَالَ.

стр. 815

﴿اآذَانِهِمْ﴾ ﴿آيَةٍ﴾ ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿أَسَاطِيرُ﴾ (٢٥) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبُو سُفْيَانَ، وَالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وَالنَّضْرُ بْنُ الحَارِثِ، وَالحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأبُو جَهْلٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَاسْتَمَعُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ القُرْآنَ. فَقَالُوا لِلْنَّضْرِ بْنِ الحَارِثِ: يَا أَبَا قُتَيْلَةَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ فَقَالَ وَالذِي جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْتَهُ مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ، إلاَّ أَنِّي أَرَاهُ يُحَرِكُ شَفَتَيهِ يَتَكَلَّمُ بِأَسَاطِيرِ الأَوَّلِينَ، مِثْلَ مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ بِهِ عَنْ القُرُونِ المَاضِيَةِ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنَّي لأرَى بَعْضَ مَا يَقُولُ حَقّاً. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَلاَّ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ أُولَئِكَ الكَافِرِينَ مِنْهُمْ فَرِيقٌ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وَأَنْتَ تَتْلُو القُرْآنَ دَاعِياً إلَى تَوْحِيدِ اللهِ، وَمُبَشِّراً وَمُنْذِراً، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَغْطِيَةُ، تَحُولُ دُونَ فَهْمِهِ، وَجَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَصَمَماً وَثِقَلاً يَحُولُ دُونَ سَمَاعِهِ إذَا أَرَادُوا تَدَبُّرَهُ، وَالوُصُولَ إلى مَا فِيهِ مِنَ الهِدَايَةِ وَالرُّشْدِ. وَهَؤُلاَءِ لا يُؤْمِنُونَ وَإِنْ رَأَوْا كُلَّ آيَةً مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ، وَصِدْقِ دَعْوَتِكَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَهَا وَلا يُدْرِكُونَ المُرَادَ مِنْهَا، وَإذَا جَاؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ فِي دَعْوَتِكَ قَالُوا: مَا هَذا الذِي تَتْلُوهُ إلاَّ قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ، تُسَطَّرُ وَتُكْتَبُ كَغَيْرِهَا مِنَ الأَنْبَاءِ فَلا عِلْمَ فِيهَا وَلاَ فَائِدَةَ. أَكِنَّةً - أَغْطِيةً. وَقْراً - صَمَماً، وَثِقْلاً فِي السَّمَعِ. أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ - قَصَصُ الأَوَّلِينَ وَخُرَافَاتُهُمْ المُسَطَّرَةُ فِي كُتُبِهِمْ.

стр. 816

﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ (٢٦) - وَهؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، المُعَانِدُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، الجَاحِدُونَ لِنُبُوَّتِهِ، يَتَبَاعَدُونَ عَنِ النَّبِيِّ، وَلاَ يَأْتُونَ إلَيِهِ (يَنْأَوْنَ عَنْهُ) كُرْهاً لَهُ، وَنُفُوراً مِنْهُ، وَاسْتِكْبَاراً عَلَى الحَقِّ. وَيَنْهَونَ النَّاسَ عَنْ أَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ مَخَافَةَ أنْ يُسْلِمُوا وَيَهْتَدُوا إلَى الإِيمَانِ (وَيَنْهَونُ عَنْهُ) ، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ لاَ يُهْلِكُونَ إلاَّ أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الضَّلاَلِ وَالإِضْلاَلِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. يَنْأَوْنَ عَنْهُ - يُبْعَدُونَ عَنِ الرَّسُولِ بِأَنْفُسِهِمْ. وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ - يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْ أَنْ يَأْتُوا إلى الرَّسُولِ.

стр. 817

﴿ياليتنا﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ (٢٧) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى حَالَ هَؤُلاَءِ الضَّالِّينَ المُضِلِّينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ تَقِفُهُمُ المَلائِكَةُ، وَيَحْتَبِسُونَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ (أَوْ لِكُلِّ مُؤْمِن يَسْمَعُ هَذا القُرْآنَ) : لَوْ تَرَى مَا يَحِلُّ بِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الفَزَعِ وَالهَوْلِ، وَالحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ، عَلَى مَا فَرَّطُوا فِي جَنْبِ اللهِ، لَرَأَيْتَ مَا لاَ يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ. وَيَتَمَنَّى هؤُلاَءِ أنْ يُرَدُّوا إلَى الدُّنْيا لِيُؤْمِنُوا، وَلِيَعمَلُوا عَمَلاً صَالِحاً يُرْضِى اللهُ، وَلَكِنْ لاَ سَبِيلَ إلى الرَّدِ إلَى الدُّنيا، لأنَّهُ مْنَ قَبِيلِ تَمَنِّي المُسْتَحِيلِ. وُقِفُوا عَلى النَّارِ - حُبِسُوا عِنْدَهَا أَوْ عَرَفُوهَا.

стр. 818

﴿لَكَاذِبُونَ﴾ (٢٨) - وَحِينَ تَقِفُهُمُ المَلائِكَةُ: وَتَحْتَبِسُهُمْ عِنْدَ النَّارِ، يَظْهَرُ لَهُمْ سُوءُ عَاقِبَةِ مَا كَانُوا يُخْفُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِنَ الكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهَا. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: وَظَهَرَ لَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ صِدْقِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ فِي الدُّنْيَا، وَإنْ كَانُوا يَكْتُمُونَهُ لأَتْبَاعِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ) . وَلَوُ أَنَّهُمْ أُعِيدُوا إلى الحَيَاةِ الدُّنْيا، لَعَادُوا إلى مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الكُفْرِ، وَالتَّكْذِيبِ وَالمُعَانَدَةِ. وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي تَمَنِّيهِمُ العَوْدَةَ إلى الدُّنْيَا لِيُؤْمِنُوا، وَلِيَعْمَلُوا صَالِحاً، وَلا يُكَذِّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ.

стр. 819

(٢٩) - وَلَوْ رُّدوا إلَى الدُّنْيا، لَعَادُوا إِلَى قَوْلِ مَا كَانُوا يَقُولُونَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي الدُّنْيا: إِنْ هِيَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيا، وَلاَ مَعَادَ بَعْدَهَا وَلاَ رَجْعَةَ إلَى اللهِ، وَلا حَشْرَ بَعْدُ، وَلاَ حِسَابَ.

стр. 820

(٣٠) - وَلَوْ تَرَى هؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ، حِينَ تَقِفُهُمُ المَلائِكَةُ فِي مَوْقِفِ الحِسَابِ، بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى، لَهَالَكَ أَمْرُهُمْ، وَلاَسْتَبْشَعْتَ مَنْظَرَهُمْ وَلَرَأَيْتَ مَا لاَ يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ فَيَسْأَلُهُمُ اللهُ تَعَالَى قَائِلاً: أَلَيْسَ هُوَ بِبَاطِلٍ كَمَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؟ فَيَرُدُّونَ مُقْسِمِينَ بِأَنَّهُ حَقٌّ لاَ شَكَّ فِيهِ. فَيَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ: مَا دَامَ الأَمْرُ كَمَا اعْتَرَفْتُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ الأَلِيمَ، الذِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ جَزَاءً لِلْكَافِرِينَ المُكَذِّبِينَ رُسُلَ رَبِّهِمْ. وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ - حُبِسُوا عَلَى حُكْمِ اللهِ تَعَالَى لِلسُّؤَالِ.

стр. 821

﴿ياحسرتنا﴾ (٣١) - لَقَدْ خَسِرَ هَؤُلاَءِ الكُفَّارُ، الذِينَ كَذَّبُوا بِالحَشْرِ، وَلِقَاءِ اللهِ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ، كُلَّ مَا رَبِحَهُ المُؤْمِنُونَ، وَفَازُوا بِهِ مِنْ ثَمَرَاتِ الإِيمَانِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَيَسْتَمِرُّ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ فِي ضَلاَلِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، وَبَاطِلِهِمْ حَتَّى تَأْتِيهِمُ السَّاعَةُ فَجْأَةً دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ، فَحِينَئِذٍ يُدْرِكُونَ أنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ. وَيَقُولُونَ: يَا حَسْرَتِنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا فَكَذَبْنَا وَاسْتَكْبَرْنَا، وَاسْتَسْلَمْنَا لِلْشَهَوَاتِ، وَنَحْنُ نَظُنُّ أنَّهُ لاَ حَيَاةَ أُخْرَى، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ وَيَأْتُونَ اللهَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ ذُنُوبَهُمْ وَخَطَايَاهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ وَكَأنَّهَا الأَحْمَالُ الثَّقِيلَةُ (أَوْزَارَهُمْ) ، وَمَا أَسْوَأَ مَا يَحْمِلُونَ. بَغْتَةً - فَجْأَةً. فَرَّطْنَا بِهَا - قَصَّرْنَا وَضَيَّعْنا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا. أَوْزَارَهُمْ - أَحْمَالَهُمْ - وَهِيَ هُنَا ذُنُوبُهُمْ وَخَطَايَاهُمْ.

стр. 822

﴿الحياة﴾ (٣٢) - لَيْسَتِ الحَيَاةُ الدُّنْيا، التِي قَالَ الكُفَّارُ إنَّهَا لاَ حَيَاةَ غَيْرَهَا، إلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ، فَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ عَمَلٍ لاَ عَاقِبَةَ لَهُ، وَلاَ فَائِدَةَ، وَبَيْنَ عَمَلٍ فَائِدَتُهُ عَاجِلَةٌ غَايَتُها دَفْعُ الهُمُومِ وَالآلامِ. وَمَتَاعُ هَذِهِ الدُّنْيا مَتَاعٌ قَصِيرُ الأَجَلِ، لاَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أنْ يَغْتَرَّ بِهِ. وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدَّارِ الدُّنْيا، لِمَنْ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ، وَيَتَّقُونَ عَوَاقِبَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، فَكَيْفَ يَفُوتُكُمْ ذلِكَ، وَلا تَعْقِلُونَهُ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ بِأَعْيُنِكُمْ مَا يحِلُّ بِالنَّاسِ مِنْ مَوْتٍ وَفَوَاجِعَ؟

стр. 823

﴿الظالمين﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ (٣٣) - يُسَلِّي اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَيَقُولُ لَهُ: إنَّنَا نَعْلَمُ تَكْذِيبَ قَوْمِكَ لَكَ، وَنَعْلَمُ حُزْنَكَ وَأَسَفَكَ لِمَا يَقُولُونَ. وَلَكِنَّ الظَالِمِينَ الكَافِرِينَ يُعَانِدُونَ الحَقَّ، وَيَدْفَعُونَهُ بِصُدُورِهِمْ، وَلَيْسَتْ غَايَتُهُمْ تَكْذِيبَكَ أَنْتَ، وَلَكِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللهِ. (كَمَا يَقُولُ أَبُو جَهْلٍ لِلْنَّبِيِّ ﵇: إنَّنَا لا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ مَا جِئْتَ بِهِ) . وَيَوْمَ بَدْرٍ جَاءَ الأَخْنَسُ بْنُ شُرَيقٍ إلى أَبْيِ جَهْلٍ وَاخْتَلَى بِهِ، وَقَالَ لَهُ: لَيْسَ بَيْنَنَا أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، أَخْبِرْنِي يَا أبَا الحَكَم ِعَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَيْحَكَ وَاللهُ إِنَّ مٌحَمَّداً لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلكِنْ إذَا ذَهَبَتْ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالحِجَابَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَبْقَى لِسَائِرِ قُرَيْشٍ؟

стр. 824

﴿أَتَاهُمْ﴾ ﴿لِكَلِمَاتِ﴾ ﴿نَّبَإِ﴾ (٣٤) - يَلْفِتُ اللهُ تَعَالَى نَظَرَ رَسُولِهِ إلى مَا لاَقَاهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ تَكْذِيبِ أَقْوَامِهِمْ لَهُمْ، فَصَبَرُوا عَلَى الإِيذَاءِ وَالتَّكْذِيبِ، حَتَّى جَاءَ نَصْرُ اللهِ. ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: فَعَلَيْكَ أيُّهَا الرَّسُولُ أنْ تَتَأَسَى بِهِمْ، وَتَصْبِرَ، فَكَمَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ مَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلِكَ سَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَى أَعْدَائِكَ الكَافِرِينَ، وَلاَ مُبَدِّلَ لَكَلِمَاتِ اللهِ التِي قَضَى فِيهَا أنَّ النَّصْرَ وَالعَاقِبَةَ سَتَكُونَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَلَقَدْ جَاءَكَ أيُّهَا الرَّسُولُ نَبَأُ نَصْرِ اللهِ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُمْ وَعَادَاهُمْ مِنْ أَقْوَامِهِمْ، فِيمَا قَصَّهُ عَلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ نَبَأِ المُرْسَلِينَ قَبْلَكَ، وَفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَكَ، وَتَثْبِيتٌ. (وَيُرْوَى أنَّ سُورَةَ الأَنْعَامِ نَزَلَتْ بَيْنَ سُورَةِ الشُّعَرَاءِ وَالنَّمْلِ وُهُودٍ وَالقَصَصِ وَالحِجْرِ، المُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنْبَاءِ المُرْسَلِينَ بِالتَّفْصِيلِ) . لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ - لا مُغَيِّرَ لِمَا وَعَدَ اللهُ بِهِ رُسُلَهَ مِنَ النَّصْرِ.

стр. 825

﴿بِآيَةٍ﴾ ﴿الجاهلين﴾ (٣٥) - كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يَقْتَرِحُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَآيَاتٍ لِيُؤْمِنُوا لَهُ، وَكَانَ النَّبِيِّ يَتَمَنَّى لَوْ آتَاهُ اللهُ بَعْضَ مَا طَلَبُوا، حِرْصاً مِنْهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَأَسَفاً وَحُزْناً مِنْهُ عَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى الكُفْرِ وَالاسْتِكْبَارِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الجَاحِدِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَإِنْ أتَاهُمُ الرَّسُولُ بِمَا يَطْلُبُونَ مِنَ الآيَاتِ. لِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى مُخَاطِباً رَسُولَهُ ﷺ : إِنْ كَانَ قَدْ شَقَّ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْكَ، فَإنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ نَفَقٍ فِي الأَرْضِ فَتَذْهَبَ فِيهِ فَتَأْتِيهِمْ بَآيَةٍ، أَوْ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ سُلَّماً تَرْتَقِي فِيهِ إلَى السَّمَاءِ لِتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أفْضَلَ مِمَّا أَتَيْتَهُمْ بِهِ فَافْعَلْ، فَالآيَاتِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَإنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتِي بِمُعْجِزَةٍ مِنْ عِنْدِكَ. وَلَوْ شَاءَ اللهُ هِدَايَتَهُمْ جَمِيعاً لَهَدَاهُمْ، وَلَجَمَعَهُمْ عَلَى الحَقِّ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ سُنَنَ اللهِ فِي خَلْقِهِ، فَتَتَمَنَّى مَا تَرَاهُ حَسَناً نَافِعاً، وَإِنْ كَانَ حُصُولُهُ مُمْتَنِعاً.

стр. 826

(٣٦) - الذِينَ يَسْتَجِيبُونَ، للهِ وَلِلْرَّسُولِ، هُمُ الذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ، وَيَعُونَهُ، وَيَتَدَبَّرُونَهُ، فَيَعْقِلُونَ الآَيَاتِ، وَيُذْعِنُونَ لِمَا عَرَفُوا بِهَا مِنَ الحَقِّ، لِسَلاَمَةِ فِطْرَتِهِمْ، وَصَفَاءِ نُفُوسِهِمْ، وَطَهَارَةِ قُلُوبِهِمْ. أمَّا الذِينَ لاَ تُرْجَى اسْتِجَابَتُهُمْ، لأنَّهُمْ كَالمَوْتَى، لَا يَسْمَعُونَ السَّمَاعَ النَّافِعَ، وَلاَ يَتَدَبَّرُونَ، فَيُتْرَكُ أَمْرُهُمْ إلَى اللهِ، فَهُوَ الذِي يَبْعَثُهُمْ، بَعْدَ مَوْتِهِمْ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَلاَ تُهْلِكْ نَفسَكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِكَ هِدَايَتُهُمْ، وَلاَ إِرْجَاعُهُمْ إلى جَادَّةِ الصَّوَابِ.

стр. 827

﴿آيَةٌ﴾ ﴿آيَةً﴾ (٣٧) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ وَالمَأْلُوفِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: إنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِّلَ آيةً، وَلَكِنَّ حِكْمَتَهُ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ ذَلِكَ، لأنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ آيَةً، وَفْقَ طَلَبِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا، لَعَاجَلَهُمْ بِالعُقُوبَةِ، كَمَا فَعَلَ بِالأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلاَءِ لا يَعْلَمُونَ حُكْمَ اللهِ، وَسُنَنَهُ فِي خَلْقِهِ.

стр. 828

﴿طَائِرٍ﴾ ﴿الكتاب﴾ (٣٨) - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ أنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنْزِلَ الآيَاتِ إذَا رَأَى مِنَ الحِكْمَةِ وَالمَصْلَحَةِ إْنْزَالَها، ذَكَرَ مَا يُعَدُّ مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى تِلْكَ القُدْرَةِ فَقَالَ: إنَّهُ لاَ يُوْجَدُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الأَحْيَاءِ، التِي تَدُبُ عَلَى الأَرْضِ، وَلاَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطُّيُورِ التِي تَطِيرُ فِي الهَوَاءِ، إلاَّ وَهِيَ أُمَمٌ مُمَاثِلَةٌ لَكُمْ، أيُّهَا النَّاسِ، لَهَا نِظَامُهَا، وَخَصَائِصُها، وَطَرِيقَةُ حَيَاتِها، وَمَعاشُها. وَجَميعُ المَخْلُوقَاتِ عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا عِنْدَهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ، لاَ يَنْسَى وَاحِداً مِنْهَا مِنْ رِزْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَجَمِيعِ الخَلاَئِقِ تُحْشَرُ إلَى رَبِّها يَوْمَ القِيَامَةِ. أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ - فِي خَلْقِنَا لَهَا وَتَدْبِيرِنَا أُمُورَها. مَا فَرَّطْنا - مَا أَغْفَلْنَا وَمَا تَرَكْنَا.

стр. 829

﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾ (٣٩) - وَالذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ مَثَلُهُمْ، فِي جَهْلِهِمْ، كَمَثَلِ الصُّمِّ الذِينَ لاَ يَسْمَعُونَ، البُكْمِ الذِينَ لاَ يَنْطِقُونَ، وَهُمْ فَوقَ ذَلِكَ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ، فَكَيْفَ يَهْتَدِي أَمْثَالُ هَؤُلاَءِ إلَى طَرِيقِ الهُدَى، وَيَخْرُجُونَ مِمَّا هُمْ فِيهِ؟ وَاللهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ فِي خَلقِهِ فَإِنْ أَرَادَ إِضْلاَلَ إِنْسَانٍ، لفَسَادٍ قَصْدِهِ، تَرَكَهُ وَشَأنَهُ، وَإذَا أَرَادَ هِدَايَتَهُ، لِسَلامَةِ قَصْدِهِ، يَسَّرَ لَهُ السَّيْرَ فِي طَريقِ الإِيمَانِ الوَاضِحِ المُسْتَقِيمِ. فِي الظُّلُمَاتِ - ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالعِنَادِ وَالكُفْرِ.

стр. 830

﴿أَرَأَيْتُكُم﴾ ﴿أَتَاكُمْ﴾ ﴿أَتَتْكُمْ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾ (٤٠) - قُلْ أيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ: أَخْبِرُونِي إنْ أَتَاكُمْ عَذَابٌ مِنَ اللهِ، كَالذِي نَزَلَ بِمَنْ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ الذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ، أوْ جَاءَتْكُمُ السَّاعَةُ بِأَهْوَالِهَا وَخِزْيِها وَنَكَالِها، وَبُعِثْتُمْ لِمَوْقِفِ الحِسَابِ، مَنْ تَدْعُونَ غَيْرَ اللهِ، فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ، لِيَكْشِفَ عَنْكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ مِنَ البَلاَءِ؟ وَهَلْ تَفْزَعُونَ إلَى الآلِهَةِ التِي تَزْعُمُونَ شِرْكَتَهَا مَعَ اللهِ لِكَشْفِ البَلاءِ النَّازِلِ بِكُمْ، هذا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ ألُوهِيَّةَ هَؤُلاَءِ الشُّرَكَاءِ؟ أَرَأَيْتَكُمْ - أَخْبِرُونِي عَنْ عَجِيب أَمْرِكُمْ.

стр. 831

(٤١) - إنَّكُمْ أَيُّهَا المُشْرِكُونَ لاَ تَدْعُونَ فِي سَاعَةِ الهَوْلِ وَالشِّدَّةِ صَنَماً وَلا وَثَناً، وَإنَّمَا تَدْعُونَ اللهَ وَحْدَهُ، لِعِلْمِكُمْ أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى كَشْفِ مَا نَزَلَ بِكُمْ مِنْ بَلاَءٍ وَعَذَابٍ، وَتَنْسَوْنَ غَيْرَهُ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَالأَنْدَادِ. وَإذَا شَاءَ اللهُ أنْ يَكْشِفَ مَا بِكُمْ مِنْ ضُرٍ وَبَلاَءٍ كَشَفَهُ عَنْكُمْ.

стр. 832

﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ (٤٢) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ أَرْسَلَ إلى الأُمَمِ السَّالِفَةِ رُسُلاً يَدْعُونَهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ، فَابْتَلاَهُمُ اللهُ بِالفَقْرِ، وَالضِّيقٍ، فِي العَيْشِ (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالبَأْسَاءِ) ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِم الأَمْرَاضَ وَالأَسْقَامَ وَالآلاَمَ (وَالضَّرَّاءِ) ، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ إلى اللهِ، وَيَخْشَعُونَ إلَيْهِ، وَيَدْعُونَهُ لِيَكْشِفَ عَنْهُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ أَوْدَعَ اللهُ تَعَالَى فِي فِطْرَةِ البَشَرِ أَنْ يَضْرَعُوا إلى اللهِ وَحْدَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. البَأْسَاءِ - البُؤْسِ وَالفَقْرِ. الضَّرَّاءِ - المَرَضِ وَالسَّقَمِ وَالزَّمَانَةِ. يَتَضَرَّعُونَ - يَتَذَلَّلُونَ وَيَتَخَشَّعُونَ وَيَتُوبُونَ.

стр. 833

﴿الشيطان﴾ (٤٣) - فَهَلاّ، إِذ ابْتَلاَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ البَلاءِ، تَضَرَّعُوا إلَيْهِ وَتَوَسَّلُوا، حِينَ جَاءَتْهُم مُقَدِّمَاتُ العَذَابِ، لِيَكْشِفَهُ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ قَسَتْ فَلَمْ تَرِقَّ وَلَمْ تَخْشَعْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَعَاصِي وَالمُعاَنَدَةِ، وَحَسَّنَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَثْبُتُوا عَلَى مَا وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَيْهِ. جَاءَهُمْ بَأْسُنا - أَتَاهُمْ عَذَابُنَا.

стр. 834

﴿أَبْوَابَ﴾ ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ (٤٤) - فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَمَّا أَنْذَرَهُمْ بِهِ رُسُلُهُمْ، وَتَرَكُوا الاهْتِدَاءَ بِهِ، وَتَنَاسُوْهُ وَجَعَلُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، اسْتَدْرَجَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الرِّزْقِ، وَأَعْطَاهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُحِبُّونَ وَيَخْتَارُونَ، وَزَادَهُمْ سِعَةً فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، فَلَمْ تُرَبِّهِم النِّعْمَةُ، وَلا شَكَرُوا اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وَآلاَئِهِ، بَلْ دَفَعَتْهُمْ تِلْكَ النِّعْمَةُ إلى البَطَرِ وَالأَشَرِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَسُرُّوا، إذْ ظَنُّوا أنَّ الذِي أُوتُوا إِنَّمَا هُوَ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ، وَحِينَئِذٍ أَخَذَهُمُ اللهُ بِالعَذَابِ بَغْتَةً، وَعَلَى حِينِ غِرَّةٍ مِنْهُمْ، فَإذَا هُمْ يَائِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ. (وَقَالَ قُتَادَةُ: مَا أَخَذَ اللهُ قَوْماً قَطُّ إلاَّ عِنْدَ سَكْرَتِهِمْ، وَغِرَّتِهِمْ، وَنِعْمَتِهِمْ فَلا تَغْتَرُّوا) . مُبْلِسُونَ - يَائِسُونَ مِنَ الرَّحْمَةِ - أَوْ مُكَتَئِبُونَ. أَبْوابَ كُلِّ شَيءٍ - أَغْدَقْنَا عَلَيْهِمْ النِّعَمَ الكَثِيرَةَ اسْتِدرَاجاً لَهُمْ.

стр. 835

﴿العالمين﴾ (٤٥) - فَدَمَّرَ اللهُ تَعَالَى القَوْمَ الكَافِرِينَ جَمِيعاً، أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ، وَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَداً. وَإِذَا قَطَعَ اللهُ دَابِرَ القَوْمِ (آخِرَهُمْ) فَقَدْ قَطَعَ أَوَّلَهُمْ، وَالحَمْدُ للهِ فِي الأُولى وَالآخِرَةِ عَلَى مَا أَنْعَمَهُ عَلى رُسُلِهِ، وَأَهْلِ طَاعَتِهِ، بِإِظْهَارِ حُجَجِهِمْ عَلى مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ. دَابِرُ القَوْمِ - آخِرُهُمْ.

стр. 836

﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ ﴿الآيات﴾ (٤٦) - قُلْ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ سَلَبَكُمُ اللهُ قُدْرَتَكُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالإِبْصَارِ، كَمَا مَنَحَكمُوهَا، وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ، فَلَمْ يَعُدْ يَصِلُ إلَيْهَا شَيءٌ، وَلَمْ تَعُدْ تَعِي شَيْئاً، فَهَلْ هُنَاكَ أَحَدٌ غَيْرُ اللهِ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ إِلَيْكُم، إذَا سَلَبَكُمُ اللهُ إيَّاهُ؟ بِلاَ شَكٍّ لاَ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ غَيْرُهُ. فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ الآيَاتِ وَالحُجَجَ لِهؤلاءِ عَلَى أنَّ اللهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ لاَ مَعْبُودَ غَيْرُهُ، وَأَنَّ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ ضَلالٌ وَبَاطِلٌ، ثُمَّ إنَّهُمْ، مَعْ هَذا البَيَانِ، يُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وَيَصْرِفُونَ وُجُوهَهُمْ عَنِ الآيَاتِ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ اتِّبَاعِهَا. أَرَأَيْتُمْ - أَخْبِرُونِي مَا يَكُونُ حَالُكُمْ. نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُ الآيَاتِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. يَصْدِفُونَ - يُعْرِضُونَ عَنِ الآيَاتِ وَيَعْدِلُونَ.

стр. 837

﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ ﴿أَتَاكُمْ﴾ ﴿الظالمون﴾ (٤٧) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ: أَخْبِرُونِي عَنْ حَالِكُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ - الذِي قَضَتْ بِهِ سُنَّتُهُ فِي الأَوَّلِينَ أَنْ يُنْزِلَهُ بِالكُفَّارِ وَالمُكَذِّبِينَ - مُبَاغِتاً، وَمُفَاجِئاً لَكُمْ، فَأَخَذَكُمْ عَلَى غِرَّةٍ مِنْكُمْ، وَلَمْ تَسْبِقْهُ مُقَدِّمَاتٌ، وَلاَ أَمَارَاتٌ تُشْعِرُكُمْ بِقُرْبِ نُزُولِهِ بِكُمْ، أَوْ أَتَاكُمْ وَأَنْتُمْ تُعَايِنُونَهُ وَتَنْظُرونَ إلَيْهِ، فَهَلْ يُهْلِكُ اللهُ إلاَّ القَوْمَ الظَّالِمِينَ الذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الشِّرْكِ وَالجُحُودِ؟ وَلَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُهُ تَعَالَى، فِي مِثْلِ هَذَا العَذَابِ، أَنْ يُنْجِيَ مِنْهُ رُسُلَهُ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ. بَغْتَةً - فَجْأَةً أَوْ لَيْلاً. جَهْرَةً - مُعَايَنَةً - أَوْ نَهَاراً.

стр. 838

﴿آمَنَ﴾ (٤٨) - إنَّ اللهَ تَعَالَى يُرْسِلُ الرُّسُلَ لِيُبَشِّرُوا، مَنْ آمَنَ، بِالجَنَّةِ، وَحُسْنِ الثَّوَابِ، وَلِيُنْذِرُوا، مَنْ كَفَرَ وَعَتَا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، بِالعُقُوبَةِ وَالعَذَابِ، فَالذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فَهَؤُلاَءِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، مِمَّا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَلاَ يَحْزَنُونَ عَلى مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيا.

стр. 839

﴿بِآيَاتِنَا﴾ (٤٩) - أمَّا الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمِ، فَإنَّهُمْ سَيُصِيبَهُمُ العَذَابُ، بِمَا كَفَرُوا بِمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ، وَخَرَجُوا عَنْ أَوَامِرِ رَبِّهِمْ، وَلَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ.

стр. 840

﴿خَزَآئِنُ﴾ (٥٠) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ الآيَاتِ تَعْجِيزاً لِجَهْلِهْم بِحَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ، وَلِظَنِّهِمْ أنَّ النَّبِيَّ لاَ يَكُونُ نَبِيّاً إلاّ إذَا أَصْبَحَ قَادِراً عَلَى مَا لاَ يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ: إنِّي لاَ أَقُولُ لَكُمْ إنِّي أَمْلِكُ خَزَائِنَ اللهِ، وَلاَ أَتَصَرَّفُ بِهَا، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ اللهِ، فَعِلْمُ الغَيْبِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ وَلا أَطَّلِعُ مِنْهُ إلاَّ عَلَى مَا أَطْلَعَنِي عَلَيْهِ رَبِّي، ، وَلاَ أَدَّعِي أنِّي مَلَكٌ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوحِي إِليهِ اللهُ، وَقَدْ شَرَّفَنِي سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ، وَإِنَّنِي أَتَّبِعُ مَا يُوحِيهِ اللهُ إلَيَّ، وَلاَ أَخْرُجُ عَنْهُ مُطْلَقاً. قُلْ لَهُمْ: هَلْ يَسْتَوِي مَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ وَهُدِيَ إلَيهِ، مَعَ مَنْ ضَلَّ عَنْهُ، فَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ إِلَيهِ؟ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ فِي أنَّهُمَا لاَ يَسْتَوِيَانِ؟ خَزَائِنُ اللهِ - مَرْزُوقَاتُ اللهِ وَمَقْدُورَاتُهُ.

стр. 841

(٥١) - وَأَنْذِر بِهذا القُرْآنِ المُؤْمِنِينَ، الذِينَ يَخَافُونَ أَهْوَالَ الحَشْرِ، وَشِدَّةَ الحِسَابِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيُحْشَرونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ شَفِيعَ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَلاَ وَلِيَّ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَذكِّرْهُمْ بِذلِكَ اليَوْمِ الذِي لاَ حَاكِمَ فِيهِ إِلاّ اللهُ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، وَيَعْلَمُونَ فِي هذِهِ الدَّارِ عَمَلاً يُنْجِيهِمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ.

стр. 842

﴿بالغداة﴾ ﴿الظالمين﴾ (٥٢) - وَلا تُبعِدُ يَا أيُّهَا الرَّسُولُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبًّهُمْ، وَيُصَلُّونَ إلَيْهِ صَبَاحَ مَسَاءَ، وَيَدْعُونَهُ لاَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ رِضَا رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَتِهِ، فَلَيْسَ عَلَيكَ أَنْتَ مِنَ حَسَابِهِمْ مِنْ شَيءٍ، إنَّمَا حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، فَإذَا أَبْعَدْتَهُمْ وَطَرَدْتَهُم مِنْ مَجْلِسِكَ كُنْتَ مِنَ الظَّالِمِينَ. (وَرُوِيَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ نَفَراً مِنْ كِبَارِ قُرَيْشٍ مَرُّوا بِِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدُوهُ قَاعِداً مَعَ أُنَاسٍ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ وَضُعَفَائِهِمْ: صُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَبِلاَلٍ وَخَبَّابٍ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: أَرَضِيتَ بِهَؤُلاَءِ مِنْ قَوْمِكَ؟ أَهَؤُلاَءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا؟ أَنَحْنُ نَصِيرُ تَبَعاً لِهَؤُلاَءِ؟ اطْرُدْهُمْ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهُمْ نَتْبَعْكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ. الغَدَاةُ - أوَّلُ النَّهَارِ. العَشِيِّ - آخِرِهِ (أَيْ ادْعُ رَبَّكَ بِصُورَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ) .

стр. 843

﴿بالشاكرين﴾ (٥٣) - وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا المُتَكَبِّرِينَ بِسَبْقِ الضُّعَفَاءِ إلَى الإِسْلاَمِ، لِيَقُولَ الكُبَرَاءُ عَنِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَاخِرِينَ: أَهَؤُلاَءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالهِدَايَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَاتِّبَاعِ الحَقِّ؟ (وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ مَا كَانَ لِيَهْدِيَ هَؤُلاَءِ المُسْتَضْعَفِينَ إلى الخَيْرِ وَيَدَعَ كُبَرَاءَ قُرَيْشٍ) . وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُسْتَنْكِراً هَذا القَوْلَ وَهَذا الاعْتِقَادَ: أَلَيْسَ اللهُ هُوَ الأَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ لَهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ فَيُوَفِّقُهُمْ، وَيَهْدِيهِمْ سَبِيلَ السَّلاَمِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟ فَتَنّا - ابْتَلَيْنَا وَامْتَحَنَّا، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهِمْ.

стр. 844

﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿سَلاَمٌ﴾ ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ (٥٤) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يُكْرِمَ الذِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَبِأَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَيْهِمْ، وَبِأَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِرَحْمَةِ اللهِ الوَاسِعَةِ، الشَّامِلَةِ لَهُمْ، التِي أَوْجَبَهَا اللهُ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ تَفَضّلاً وَإِحْسَاناًُ وَامْتِنَاناً وَأنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ سُوْءاً وَهُوَ جَاهِلٌ (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الدُّنيا كُلُّهَا جَهاِلَةٌ) ، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَقْلَعَ عَنِ المَعَاصِي، وَعَزَمَ عَلَى أنْ لاَ يَعُودَ إِليها، وَأَصْلَحَ العَمَلَ فِي المُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ اللهَ يَعِدُهُ بِالمَغْفِرَةِ. (وَلَعَلَّ أَقْرَبَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ - هُوَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الذِي يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُوَ الذِي يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ أَوِ الانْفِعَالِ، أَوِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ، أَوِ الهَوَى الجَامِحِ أَو ثَوْرَةِ الغَضَبَ. . . وَمَا مَاثَلَ تِلْكَ الأَحْوَالِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنَّمَا يَرْتَكِبُ إِثْماً وَذَنْباً، وَيُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يَسْتَشْعِرُ فِي نَفْسِهِ النَّدَامَةَ، ثُمَّ حِينَمَا يَثُوبُ إلى نَفْسِهِ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيَتُوبُ إلَى رَبِّهِ، وَيَسْتَغْفِرَهُ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ عَلَى نَفْسِهِ. وَهَذا غَيْرُ حَالِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى اقْتِرَافِ الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ وَبِحُرُمَاتِ اللهِ، غَيْرُ عَابِىءٍ بِهَا وَغَيْرُ مُسْتَشْعِرٍ نَدَماً عَلَى فِعْلِهِ) . كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ - قَضَى رَبُّكُمْ وَأَوْجَبَ الرَّحْمَةَ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً. بِجَهَالَةٍ - بِسَفَاهَةٍ - وَكُلّ عَاصٍ مُسِيءٍ جَاهِلٌ.

стр. 845

﴿الآيات﴾ (٥٥) - وَبِمِثْلِ ذَلِكَ البَيَانِ الوَاضِحِ نُوَضِّحُ الدَلائِلَ المُتَنَوِّعَةَ لِيَظْهَرَ طَريقُ الحَقِّ الذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ، وَيُبَيِنَ طَرِيقَ الضَّلالِ الذِي يَسْلُكُهُ الكَافِرُونَ.
следующие страницы →