Полный текст (6 113 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
(٥١) - وَأَنْذِر بِهذا القُرْآنِ المُؤْمِنِينَ، الذِينَ يَخَافُونَ أَهْوَالَ الحَشْرِ، وَشِدَّةَ الحِسَابِ، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ سَيُحْشَرونَ إِلَى رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ شَفِيعَ لَهُمْ عِنْدَهُ، وَلاَ وَلِيَّ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، وَذكِّرْهُمْ بِذلِكَ اليَوْمِ الذِي لاَ حَاكِمَ فِيهِ إِلاّ اللهُ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اللهَ، وَيَعْلَمُونَ فِي هذِهِ الدَّارِ عَمَلاً يُنْجِيهِمْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القِيَامَةِ.
стр. 842
﴿بالغداة﴾ ﴿الظالمين﴾
(٥٢) - وَلا تُبعِدُ يَا أيُّهَا الرَّسُولُ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبًّهُمْ، وَيُصَلُّونَ إلَيْهِ صَبَاحَ مَسَاءَ، وَيَدْعُونَهُ لاَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ غَيْرَ رِضَا رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَتِهِ، فَلَيْسَ عَلَيكَ أَنْتَ مِنَ حَسَابِهِمْ مِنْ شَيءٍ، إنَّمَا حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ، فَإذَا أَبْعَدْتَهُمْ وَطَرَدْتَهُم مِنْ مَجْلِسِكَ كُنْتَ مِنَ الظَّالِمِينَ.
(وَرُوِيَ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ نَفَراً مِنْ كِبَارِ قُرَيْشٍ مَرُّوا بِِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَوَجَدُوهُ قَاعِداً مَعَ أُنَاسٍ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ وَضُعَفَائِهِمْ: صُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَبِلاَلٍ وَخَبَّابٍ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: أَرَضِيتَ بِهَؤُلاَءِ مِنْ قَوْمِكَ؟ أَهَؤُلاَءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا؟ أَنَحْنُ نَصِيرُ تَبَعاً لِهَؤُلاَءِ؟ اطْرُدْهُمْ فَلَعَلَّكَ إنْ طَرَدْتَهُمْ نَتْبَعْكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةِ.
الغَدَاةُ - أوَّلُ النَّهَارِ.
العَشِيِّ - آخِرِهِ (أَيْ ادْعُ رَبَّكَ بِصُورَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ) .
стр. 843
﴿بالشاكرين﴾
(٥٣) - وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا المُتَكَبِّرِينَ بِسَبْقِ الضُّعَفَاءِ إلَى الإِسْلاَمِ، لِيَقُولَ الكُبَرَاءُ عَنِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَاخِرِينَ: أَهَؤُلاَءِ الذِينَ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالهِدَايَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَاتِّبَاعِ الحَقِّ؟ (وَهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ مَا كَانَ لِيَهْدِيَ هَؤُلاَءِ المُسْتَضْعَفِينَ إلى الخَيْرِ وَيَدَعَ كُبَرَاءَ قُرَيْشٍ) . وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُسْتَنْكِراً هَذا القَوْلَ وَهَذا الاعْتِقَادَ: أَلَيْسَ اللهُ هُوَ الأَعْلَمُ بِالشَّاكِرِينَ لَهُ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَضَمَائِرِهِمْ فَيُوَفِّقُهُمْ، وَيَهْدِيهِمْ سَبِيلَ السَّلاَمِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟
فَتَنّا - ابْتَلَيْنَا وَامْتَحَنَّا، وَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهِمْ.
стр. 844
﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿سَلاَمٌ﴾ ﴿بِجَهَالَةٍ﴾
(٥٤) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يُكْرِمَ الذِينَ يَأْتُونَ إلَيْهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَبِأَنْ يَرُدَّ السَّلاَمَ عَلَيْهِمْ، وَبِأَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِرَحْمَةِ اللهِ الوَاسِعَةِ، الشَّامِلَةِ لَهُمْ، التِي أَوْجَبَهَا اللهُ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ تَفَضّلاً وَإِحْسَاناًُ وَامْتِنَاناً وَأنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ سُوْءاً وَهُوَ جَاهِلٌ (وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ كُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الدُّنيا كُلُّهَا جَهاِلَةٌ) ، ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَقْلَعَ عَنِ المَعَاصِي، وَعَزَمَ عَلَى أنْ لاَ يَعُودَ إِليها، وَأَصْلَحَ العَمَلَ فِي المُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ اللهَ يَعِدُهُ بِالمَغْفِرَةِ.
(وَلَعَلَّ أَقْرَبَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ - هُوَ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الذِي يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُوَ الذِي يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ أَوِ الانْفِعَالِ، أَوِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ، أَوِ الهَوَى الجَامِحِ أَو ثَوْرَةِ الغَضَبَ. . . وَمَا مَاثَلَ تِلْكَ الأَحْوَالِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنَّمَا يَرْتَكِبُ إِثْماً وَذَنْباً، وَيُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يَسْتَشْعِرُ فِي نَفْسِهِ النَّدَامَةَ، ثُمَّ حِينَمَا يَثُوبُ إلى نَفْسِهِ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيَتُوبُ إلَى رَبِّهِ، وَيَسْتَغْفِرَهُ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ عَلَى نَفْسِهِ. وَهَذا غَيْرُ حَالِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى اقْتِرَافِ الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ وَبِحُرُمَاتِ اللهِ، غَيْرُ عَابِىءٍ بِهَا وَغَيْرُ مُسْتَشْعِرٍ نَدَماً عَلَى فِعْلِهِ) .
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ - قَضَى رَبُّكُمْ وَأَوْجَبَ الرَّحْمَةَ تَفَضُّلاً مِنْهُ وَإِحْسَاناً.
بِجَهَالَةٍ - بِسَفَاهَةٍ - وَكُلّ عَاصٍ مُسِيءٍ جَاهِلٌ.
стр. 845
﴿الآيات﴾
(٥٥) - وَبِمِثْلِ ذَلِكَ البَيَانِ الوَاضِحِ نُوَضِّحُ الدَلائِلَ المُتَنَوِّعَةَ لِيَظْهَرَ طَريقُ الحَقِّ الذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ، وَيُبَيِنَ طَرِيقَ الضَّلالِ الذِي يَسْلُكُهُ الكَافِرُونَ.
стр. 846
(٥٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَرُدَّ عَلَى المُشْرِكِينَ، بِأنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَمَا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، وَأنَّهُ لَنْ يَتَّبِعَ مَا يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنْ عِبَادَاتٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الهَوَى، وَلَيْسَتْ عَلَى شَيءٍ مْنَ الحَقِّ وَالهُدَى، وَأنَّهُ سَيَكُونُ مِنَ الضَّالِينَ غَيْرَ المُهْتَدِينَ إنِ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُمْ.
стр. 847
﴿الفاصلين﴾
(٥٧) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي، فِيمَا أُخَالِفُكُمْ فِيهِ، عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ شَرِيعَةِ رَبِّي، التِي أَوْحَاهَا إِلَيَّ، وَقَدْ كَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ بِالقُرْآنِ، وَهُوَ بَيِّنَتِي عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِي، وَعَلى صِدْقِ مَا دَعَوْتُكُمْ إلَيهِ، ثُمَّ إِنَّكُمْ تَطمَعُونَ فِي أنْ أَتَّبِعَكُمْ عَلى ضَلالٍ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَليهِ، وَلا بَيِّنَةَ لَكُمْ عَلَيْهِ غَيرُ التَّقْلِيدِ لِلآبَاءِ، وَالأَجْدَادِ، وَالخُضُوعِ لِهَوى النَّفْسِ، وَإِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذّابِ الِي أَنْذَرَكُمْ بِهِ اللهُ، إنْ أَصْرَرْتُمْ أَنْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَأَنَأ لاَ أَمْلِكُ أنْ آتِيْكُمْ بِالعَذَابِ الذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، فَالحُكْمُ فِي هَذا، وَفِي غَيْرِهِ للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيكُمْ بِهِ إنْ شَاءَ. وَهُوَ تَعَالَى يَقُصُّ الحَقَّ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَجَمِيعِ أَخْبَارِهِ، وَهُوَ خَيرُ الحَاكِمِينَ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَلاَ يَقَعُ فِي قَضَائِهِ حَيْفٌ وَلاَ جَوْرٌ.
يَقُصُّ الحّقَّ - يَتْبَعُهُ فِيمَا حَكَمَ، أَوْ يُبَيِّنُهُ بَياناً شَامِلاً.
خَيْرُ الفَاصِلِينَ - خَيْرُ الحَاكِمِينَ حُكْماً فَصْلاً بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ.
стр. 848
﴿بالظالمين﴾
(٥٨) - قُلْ لَهُمْ: لَوْ كَانَ مَرْجِعُ الأَمْرِ إِلَيَّ لاسْتَجَبْتُ لِطَلَبِكُمْ، وَلأَوْقَعْتُ عَلَيْكُمْ مَا تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذَابِ، وَلانْتَهَى الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمينَ الذِينِ يَسْتَحِقُّونَ العَذَابَ وَالعُقُوبَةَ، وَقَدْ جَعَلَ لِعَذَابِهِمْ مَوْعِداً حَدَّدَهُ لا يَعْلَمُهُ إلاّ هُوَ.
стр. 849
﴿ظُلُمَاتِ﴾ ﴿كِتَابٍ﴾
(٥٩) - قَالَ البُخَارِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ مَفَاتِحَ الغَيْبِ (أَيْ خَزَاِئِنهُ) خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاّ اللهُ وَهُوَ المُتَصَرِّفُ فِيهِنَّ وَحْدَهُ:
١ - إنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ.
٢ - وَيُنْزِلُ الغَيْثَ.
٣ - وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غداً.
٤ - وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ.
٥ - وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
وَاللهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِّ مِنْ جَمِيعِ المَوْجُودَاتِ، لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَيَعْلَمُ كُلَّ حَرَكَةٍ فًلاَ تَسْقُطُ وَرَقَةٌ، وَلاَ تُوْجَدُ حَبَّةٌ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ إلاَّ يَعْلَمُهَا اللهُ، وَمَا مِنْ شَجَرَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا، وَيَعْلَمُ رُطُوبَتَها وَيُبُوسَتَهَا.
وَقَدْ أَحْصَى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يُهْمِلُ شَيْئاً مِنْ عَمَلِ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَحَالاَتِهِمْ.
كِتَابٍ مُبِينٍ - اللَّوحِ المَحْفُوظِ أَوْ أُمِّ الكِتَابِ.
مَفْتَحُ - بِفَتْحِ المِيمِ - هُوَ المَخْزَنُ.
وَمِفْتَحُ - بِكَسْرِ المِيمِ - هُوَ المُفْتَاحُ الذِي يَفْتَحُ القِفْل.
стр. 850
﴿يَتَوَفَّاكُم﴾ ﴿بالليل﴾
(٦٠) - يَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ يَتَوَفَّى أَنْفُسَ العِبَادِ فِي حَالِ نَوْمِهِمْ فِي اللَّيلِ، فَيُزِيلُ إِحْسَاسَهَا، وَيَمْنَعُها مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الأَبْدَانِ (وَهُوَ التَّوَفِّي الأَصْغَرُ) ، وَيَعْلَمُ مَا يَكْسِبُهُ العِبَادٌ مِنَ الأَعْمَالِ فِي النَّهَارِ، وَهَذا دَلِيْلٌ عَلَى عِلْمِهِ تَعَالَى بِكُلِّ شَيءٍ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ فِي النَّهَارِ لِكَسْبِ أقْوَاتِهِمْ، وَتَأْمِينِ مَعَاشِهِمْ، وَلِيَسْتَوفِيَ كُلُّ إِنْسَانٍ أَجَلَهُ كَامِلاً، (لِيَقْضِيَ أَجَلٌ مُسَمَّى) ، ثُمَّ يَرْجِعُ الخَلْقُ إلى اللهِ حِينَمَا تَنْتَهِي آجَالُهُمْ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَجْزِيهِمْ عَنْ أَعْمَالِهِم الجَزَاءَ الذِي يَسْتَحِقُونَهُ.
الجَرْح - هُوَ الكَسْبُ وَالعَمَلُ بِالجَوارِحِ - أَيِ الحَوَاسِّ.
стр. 851
(٦١) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الغَالِبُ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ حَفَظَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلَى العِبَادِ، يَتَعَاقَبُونَ عَلَيْهِمْ لَيْلاً وَنَهَاراً، يَحْفَظُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَيُحْصُونَهَا، مَا دَامُوا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، وَلاَ يُفَرِّطُونَ فِي شَيءٍ مِنْهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ أَجَلُهُ، تَوَفَّتْهُ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ المُوكَلُونَ بِذَلِكَ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لاَ يُقَصِّرُونَ فِيمَا يُوَكَّلُ إِلَيْهِمْ.
لاَ يُفَرِّطُونَ - لاَ يَتَوَانَوْنَ وَلاَ يُقَصِّرُونَ.
стр. 852
﴿مَوْلاَهُمُ﴾ ﴿الحاسبين﴾
(٦٢) - ثُمَّ يُرَدُّ العِبَادُ، الذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ، إلى اللهِ جَمِيعاً، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُوَ تَعَالَى مَوْلاَهُمُ الحَقُّ، فَيَحْكُمُ فِيهِمْ بِعَدْلِهِ، وَهُوَ يَومْئَذٍ صَاحِبُ الحُكْمِ وَالقَوْلِ الفَصْلِ، وَهُوَ تَعَالَى أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ.
стр. 853
﴿ظُلُمَاتِ﴾ ﴿لَّئِنْ﴾ ﴿أَنجَانَا﴾ ﴿الشاكرين﴾
(٦٣) - قُلْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ الغَافِلِينَ عَنْ آيَاتِ اللهِ، التِي نَصَبَهَا فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ: مِنْ غَيْرِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْجِيكُمْ مِنَ ظُلُمَاتِ البَرِّ إذَا ضَلَلْتُمْ فَتَحَيَّرْتُمْ، وَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمُ الطُّرُقُ؟ وَمَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ البَحْرِ، إذَا رَكِبْتُمُوهُ فَأَظْلَمَتْ عَلَيْكُمْ فِيهِ السُّبُلُ فَلَمْ تَهْتَدُوا؟ وَهَلْ هُنَاكَ غَيْرَ اللهِ مَنْ تَضْرَعُونَ إلَيْهِ، وَتَفْزَعُونَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَتَقْولًونَ لَئْن أَنْجَانَا مِنْ هذِهِ المَخَاطِرِ الشَّدِيدَةِ التِي نَحْنُ فِيهَا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ المُخْلِصِينَ فِي العِبَادَةِ.
تَضَرُّعاً - مُعْلِنينَ الضَّرَاعَةَ وَالتَّذَلُّلَ.
خُفْيَةً - مُسِرِّينَ بِالدُّعَاءِ.
стр. 854
(٦٤) - قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ هُوَ وَحْدَهُ الذِي يُنْجِيكُمْ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ يَعْرِضُ لَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَدْعُوهُ، وَلَكِنَّكُمْ بَعْدَ أَنْ يُنْجيكُمْ إذَا بِكُمْ تَعُودُونَ إلَى الشِّرْكِ بِهِ، وَتَدْعُونَ مَعَهُ فِي حَالاتِ الرَّخَاءِ آلِهَةً أُخْرَى.
стр. 855
﴿الآيات﴾
(٦٥) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ، الذِينَ يُشْرِكُونَ مَعَ اللهِ سِوَاهُ، وَلاَ يَشْكُرُونَهُ عَلَى النِّعَمِ الوَفِيرَةِ التِي أَسْدَاهَا إِلَيْهِمْ: إنَّ اللهَ هُوَ القِادِرُ عَلَى أنْ يَصُبَّ عَلَيْكُمُ العَذَابَ مِنْ فَوْقِكُمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمُ العَذَابَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ، فَيَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ، أَوْ يُزَلْزِلَهَا تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، أَوْ يَخْلِطَ الأَمْرَ عَلَيْكُمْ مِنَ الالْتِبَاسِ، وَيَجْعَلَكُمْ مُلْتَبِسِينَ شِيَعاً وَفِرَقاً، مُتَخَالِفِينَ فِي الأَهْوَاءِ وَالمَشَارِبِ، وَيُسَلِّطَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالعَذَابِ وَالقَتْلِ. انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ الآيَاتِ وَنُوَضِّحُها لَعَلَّ هَؤُلاَءِ يَفْهَمُونَهَا وَيَتَدَبَّرُونَهَا.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ فَوْقِكُمْ) أَيْ مِنْ حُكَّامِكُمْ وَأُمَرَائِكُمْ، وَإنَّ المُرَادَ بِقَوْلِهِ: (مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) أَيْ مِنْ عَبِيدِكُمْ وَسِفْلَتِكُمْ) .
نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُهَا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ.
يَلْبِسَكُمْ - يَخْلِطَكُمْ فِي مَلاَحِمِ القِتَالِ.
شِيَعاً - فِرَقاً مُخْتَلِفَةَ الأَهْوَاءِ.
بَأْسَ بَعْضٍ - شِدَّةَ بَعْضٍ فِي القِتَالِ.
стр. 856
(٦٦) - وَكَذَّبَ قَوْمُكَ بِالقُرْآنِ الذِي جِئْتَهُمْ بِهِ، وَهُوَ حَقٌّ ثَابِتٌ لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ، فَقُلْ لَهُمْ: إنَّمَا أَنَا رَسُولٌ أُبْلِغُكُمْ مَا جَاءَنِي مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَلَسْتُ عَلَيْكُمْ بِحَافِظٍ، وَلاَ بِمُوَكِّلٍ بِكُمْ.
بِوَكِيلٍ - بِحَفِيظٍ، وَكِّلَ إلَيَّ أَمْرُكُمْ فَأُجَازِيكُمْ.
стр. 857
﴿نَبَإٍ﴾
(٦٧) - وَلِكُلِّ خَبَرٍ جَاءَ فِي القُرْآنِ وَقْتٌ يَتَحَقَّقُ فِيهِ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ هَذِهِ الأَخْبَارِ عِنْدَ وُقُوعِهَا.
стр. 858
﴿اآيَاتِنَا﴾ ﴿الشيطان﴾ ﴿الظالمين﴾
(٦٨) - كَانَ المُشْرِكُونَ يَجْلِسُونَ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُحِبُّونَ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِذَا سَمِعُوا اسْتَهْزَؤُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ إذَا اسْتَهْزَؤُوا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِمْ فَحَذِرُوا، وَقَالُوا لاَ تَسْتَهْزِئُوا فَيَقُومُ. وَالمُخَاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ الرَّسُولُ ﷺ وَالمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَإِذَا رَأَى المُؤْمِنُ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللهِ المُنْزَلَةِ، مِنَ الكُفَّارِ المُكَذِّبِينَ، وَأَهْلَ الأَهْوَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُدَّ عَنْهُمْ بِوَجْهِهِ، وَأَنْ لاَ يَجْلِسَ مَعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرَ حَدِيثِ الكُفْرِ وَالاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللهِ أَوْ تَأْوِيلِهَا بِالبَاطِلِ مِنْ جَانِبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَإِذَا أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ، أَيُّهَا المُؤْمِنُ، هَذَا النَّهْيَ، وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ، وَهُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، ثُمَّ ذَكَرْتَ فَقُمْ عَنْهُمْ، وَلاَ تَقْعُدْ مَعَ هؤُلاَءِ الظَّالِمِينَ لأَنْفُسِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللهِ، وَالاسْتِهْزَاءِ بِهَا.
يَخُوضُونَ - يَأْخُذُونَ بِالحَدِيثِ بِالاسْتِهْزَاءِ وَالطَّعْنِ.
стр. 859
(٦٩) - وَلَيْسَ عَلَى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ شَيءٌ مِنْ حِسَابِ الخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللهِ، فَلا يُحَاسَبُونَ عَلَى خَوْضِهِمْ فِيهَا، وَلاَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَعَمْالِهِمْ، إذْ هُمْ تَجَنَّبُوهُمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُمْ، كَمَا أَمَرُوا. وَلَكِنَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ يُعْرِضُوا عَنْ هَؤُلاءِ الخَائِضِينَ امْتَثَالاً لأَمْرِ اللهِ، وَتَذْكِيراً لِهَؤُلاَءِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَيَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَيَاءً أَوْ كَرَاهَةً لِمَسَاءَتِهِمْ.
стр. 860
﴿الحياة﴾ ﴿أولئك﴾
(٧٠) - وَدَعْ أَيُّهَا الرَّسُولُ، أَنْتَ وَمَنْ تَبِعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ اتَّخَذُوا دِيْنَهُمْ لَعِباً وَسُخْرِيَةً وُهُزُواً، وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيا، وَلاَ تُبَالُوا بِتَكْذِيبِهِمْ وَاسْتِهْزَائِهِمْ، وَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ، وَأَمْهِلُوهُمْ قَليلاً، فَإِنَّهُمْ صَائِرُونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ. وَذَكِّرُوا النَّاسَ دَائِماً بِهَذَا القُرْآنِ، وَحَذِّرُوهُمْ نِقَمَ اللهُ وَعَذَابَهُ الأَلِيمُ، لِكَيْلاَ تَفْتَضِحَ نَفْسٌ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَصِيرَ إلَى التَّهْلُكَةِ، وَتَكُونَ رَهْنَ العَذَابِ (أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ) ، بِسَبَبِ مَا اقْتَرَفَتْهُ مِنَ الأَعْمَالِ السَيِئَةِ، وَمَا اجْتَرَحَتْهُ مِنَ الذَّنُوبِ وَالخَطَايَا.
وَفِي ذَلِكَ اليَوْمِ لاَ يَكُونُ لِهَذِهِ النَّفْسُ المُذْنِبَةِ شَفِيعٌ وَلاَ وَلِيٌّ يَشْفَعُ لَهَا أَوْ يَنْصُرُهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَإِنَّها إذَا بَذَلَتْ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الفِدَاءِ (العَدْلِ) ، لِتَنْجُوَ مِنَ العَذَابِ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا ذَلِكَ.
وَهَؤُلاَءِ الذِينَ افْتَضَحُوا، وَصَارُوا رَهْنَ العَذَابِ (أُبْسِلُوا) بِسَبَبِ مَا اجْتَرَحُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ سَيَكُونُ شَرَابُهُمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنْ مَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةٍ (حَمِيمٍ) ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ.
غَرَّتْهُمْ - خَدَعَتْهُمْ وَأَطْمَعَتْهُمْ بِالبَاطِلِ.
أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ - لِكَيلاَ تُحْتَبَسَ فِي النَّارِ، أَوْ تُسَامَ الهَلَكَةَ أَوْ تَفْتَضِحَ.
تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ - تَفْتَدِ بِكُلِّ فِداءٍ.
حَمِيمٍ - مَاءٍ بَالِغِ النِّهَايَةِ فِي شِدَّةِ الحَرَارَةِ.
стр. 861
﴿أَنَدْعُواْ﴾ ﴿هَدَانَا﴾ ﴿الشياطين﴾ ﴿أَصْحَابٌ﴾ ﴿العالمين﴾
(٧١) - قَالَ المُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ اتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ وَاتَّبِعُوا سَبِيلَنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يَقُولُ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَى هَؤُلاءِ الدَّاعِينَ مُوَبِّخِينَ: هَلْ يَصِحُّ أنْ نَعْبُدَ غَيْرِ اللهِ، مِمَّا لاَ يَمْلِكُ جَلْبَ نَفْعٍ، وَلاَ دَفْعَ ضُرٍّ، وَنَنْتِكسَ فِي الشِّرْكِ، بَعْدَ أَنْ هَدَانَا اللهُ إلَى الإِيمَانِ، فَيَكُونَ مِثْلَنَا مِثْلَ رَجُلٍ خَرَجَ مَعْ قَوْمٍ عَلَى طَرِيقٍ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَحَيَّرَتْهُ الشَّيَاطِينَ وَاسْتَهْوَتْهُ فِي الأَرْضِ، وَأَصْحَابِهِ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَعَلُوا يَدْعُونَهُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنا، فَإِنَّا عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ يَتَّبِعُ هَؤُلاَءِ الكُفَّارِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفَ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَمُحَمَّدُ هُوَ الذِي يَدْعُو إلَى الطَّرِيقِ، وَالطَّرِيقُ هُوَ الإِسْلاَمُ. وَقُلْ لَهُمْ: إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى، وَمَنْ يَهْدِ اللهَ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَإنَّنَا أُمِرْنَا بِإِخْلاصِ العِبَادَةِ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.
اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ - أَضَلَّتْهُ.
стр. 862
﴿الصلاة﴾
(٧٢) - وَقُولُوا لَهُمْ: لَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا بِالإِسْلاَمِ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَبِتَقْوَاهُ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، فَهُوَ الذِي تُحْشَرُ إِلَيْهِ الخَلاَئِقُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
стр. 863
﴿السماوات﴾ ﴿عَالِمُ﴾ ﴿الشهادة﴾
(٧٣) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحِكْمَةِ وَالحَقِّ وَالعَدْلِ، وَلَمْ يَخْلُقْها عَبَثاً وَبَاطِلاً، فَهُوَ لاَ يَتْرُكُ النَّاسَ سُدًى، بَلْ يَجْزِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، فَهُوَ خَالِقُهَا وَمَالِكُهَا، وَالمُدَبِّرُ لَهَا وَلِمَنْ فِيهَا. وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: كُنْ فَيَكُونُ كُلَّ شَيءٍ عَنْ أَمْرِهِ كَلَمْحِ البَصَرِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى الحَقُّ؛ وَلَهُ المُلْكَ يَوْمَ الحَشْرِ، يَوْمَ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ (وَالصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ فَيُحْدِثُ صَوْتاً) فَيَبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ، وَيَحْشُرُ الخَلْقَ جَمِيعاً إلَى اللهِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَهُوَ الحَكِيمُ الذِي يَضَعَ الأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَهُوَ الخَبِيرُ بِدَقَائِقِهَا وَخَفَايَاهَا.
الغَيْبِ - مَا غَابَ عَنِ النَّاسِ مِمَّا لاَ يَرَوْنَهُ.
الشَّهَادَةِ - مَا شَاهَدَ النَّاسَ خَلْقَهُ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: المَقْصُودُ بِالغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُنَا السِّرُّ وَالعَلَنُ) .
الصُّورِ - قَرْنٍ إذَا نُفِخَ فِيهِ أَحْدَثَ صَوْتاً وَحِينَ يَنْفُخُ فِيهِ إِسْرَافِيلُ يَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ.
стр. 864
﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿آزَرَ﴾ ﴿أَرَاكَ﴾ ﴿ضَلاَلٍ﴾
(٧٤) - وَاذْكُرْ أيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ عَبَدُوا مَا لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ، قِصَّةَ جَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ الذِي يُبَجِّلُونَهُ، وَيَدَّعُونَ اتِّبَاعَ مِلَّتِهِ، إذْ جَادَلَ قَوْمَهُ وَرَاجَعَهُمْ فِي بَاطِلِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فَقَالَ لأَبِيهِ آزَرَ: كَيْفَ تَتِّخِذُ أَنْتَ وَقَوْمُكَ آلِهَةً مِنَ الأصَنْامِ، التِي تَصْنَعُونَهَا بَأَيْدِيْكُمْ مِنَ الحِجَارَةِ وَغَيْرِها، إنِّي أَرَاكُمْ تَائِهِينَ فِي حَيْرَةٍ وَجَهَالَةٍ، وَأَمْرُكُمْ فِي الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ.
стр. 865
﴿اإِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿السماوات﴾
(٧٥) - وَكَمَا أَرَيْنَا إِبْرَاهِيمَ الحَقَّ فِي أَمْرِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ، وَأَنَّهُمْ فِي ضَلاَلٍ وَجَهَالَةٍ فِي عِبَادَتِهِمُ الأَصْنَامَ، كَذَلِكَ أَرَيْنَاهُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مِنْ آيَاتٍ وَعِبَرٍ تَدُلُّ كُلُّهَا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ فِي مُلْكِهِ وَخَلْقِهِ، وَأنَّهُ لا إلِهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ، لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ، وَلِيَزْدَادَ إِيمَاناً وَيَقِيناً بِعَظَمَةِ اللهِ، وَقًدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ.
(وَقَدْ يَكُونُ اللهُ تَعَالَى قَدْ كَشَفَ عَنْ بَصَرِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى رَأَى ذَلِكَ عِيَاناً، أَوْ كَشَفَ عَنْ بَصِيرَتِهِ حَتَّى أَدْرَكَهُ بِقَلْبِهِ وَفُؤَادِهِ وَتَحَقَّقَهُ) .
مَلَكُوتَ - مُلْكَ - أَوْ آيَاتٍ وَعَجائِبِ مُلْكِ اللهِ.
стр. 866
﴿الليل﴾ ﴿رَأَى﴾ ﴿الآفلين﴾
(٧٦) - فَلَمَّا تَغَشَّاهُ اللَّيلُ وَسَتَرَهُ، رَأَى نَجْماً عَظِيماً، مُمْتَازاً عَنْ سَائِرِ الكَوَاكِبِ، بِإشْرَاقِهِ وَبَرِيقِهِ (وَقِيلَ إنَّهُ كُوْكَبُ المُشْتَرِي الذِي عَبَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ الأَقْوَامِ التِي عَبَدَتِ الكَوَاكِبَ) ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ: هَذَا رَبِّي؛ فَلَمَا غَابَ وَغَرَبَ (أَفَلَ) قَالَ لَهُمْ: إنِّي لاَ أُحِبُّ الآَفِلِينَ، إذْ أَدْرَكَ أنَّ رَبَّهُ حَاضِرٌ دَائِمٌ لاَ يَزُولُ.
وَقَالَ الأُسْتَاذُ المَراغِي - إنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قَالَ لِقَوْمِهِ عَنِ الكَوْكَبِ (هَذَا رَبِّي) فِي مَقَامِ المُنَاظَرَةِ وَالحِجَاجِ، تَمْهِيداً لِلإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فَأَوْهَمَهُمْ أَوْلاً أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمْ عَلَى زَعْمِهِمْ أنَّ كَوْكَباً يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلهاً. ثُمَّ كَرَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّقْضِ بَانِياً حُجَّتَهُ عَلَى الحِسِّ وَالعَقْلِ) .
جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ - تَغَشَّاهُ وَسَتَرَهُ بِظَلامِهِ.
أَفَلَ - غَرَبَ وَغَابَ وَرَاءَ الأُفُقِ.
стр. 867
﴿رَأَى﴾ ﴿لَئِن﴾
(٧٧) - فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ طَالِعاً قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: هَذَا رَبِّي. فَلَمَّا غَرَبَ وَغَابَ، سَأَلَ رَبَّهُ الهِدَايَةَ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ إنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي إلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ فِي تَوْحِيدِهِ لأَكُونَنَّ ضَالاً.
بَازِغاً - طَالِعاً مِنَ الأُفْقِ مُنْتَشِرَ الضَّوْءِ.
стр. 868
﴿رَأَى﴾ ﴿ياقوم﴾
(٧٨) - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً، وَرَأَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ السَّاطِعِ، وَالحَجْمِ الكَبِيرِ، تَظَاهَرَ أَمَامَ قَوْمِهِ بِأنَّهُ اهْتَدَى إلَى الصَّوَابِ فِي مَعْرِفَةِ المَعْبُودِ الذِي عَلَيْهِ أَنْ يَعْبُدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُشِيراً إلى الشَّمْسِ: هَذَا رَبِّي، هَذَا أَكْبَرُ مَا رَأَيْتُ مِنَ الكَوَاكِبِ، وَأَكْثَرُها نُوراً. فَلَمَّا غَابَتْ تَبَرَّأَ، مِنْ كُلِّ المَعْبُودَاتِ التِي جَعَلَهَا قَوْمُهُ أَرْبَاباً لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ.
стр. 869
﴿السماوات﴾
(٧٩) - وَبَعْدَ أَنْ تَبَرَّأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ وَالكَوَاكِبِ التِي عَكَفَ قَوْمُهُ عَلَى عِبَادَتِهَا، وَهُوَ الذِي بِيَدِهِ مُلْكُ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. وَقَالَ إنَّهُ أَفْرَدَ اللهُ وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ مُخْلِصاً فِيهَا، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ، وَمُتَبَرِّئاً مِنَ المُشْرِكِينَ.
فَطَرَ - أَوْجَدَ وَأَنْشَأَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ.
حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
стр. 870
﴿أتحاجواني﴾ ﴿هَدَانِ﴾
(٨٠) - وَجَادَلَ إِبْرَاهِيمَ قَوْمُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَنَاظِرُوهُ بِشُبَهٍ مِنَ القَوْلِ، وَبَيَّنُوا لَهُ أَوْهَامَهُمْ فِي شِرْكِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَمْرِ اللهِ، وَفِي أنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ هُوَ؟ لَقَدْ بَصَّرَنِي رَبِّي بِالحَقِّ، وَهَدَانِي إِلَيْهِ، وَأَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ، فَكَيْفَ أَلْتَفِتُ إلَى أَقْوَالِكُمْ وَحُجَجِكُمُ البَاطِلَةِ؟ وَمِنَ الدَّلاَئِلِ عَلَى بُطْلاَنِ اعْتِقَادِكُمْ أَنَّ هَذِهِ الأَصْنَامُ آلِهَةٌ تَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ، أَنَّهَا لاَ تَسْتَطِيعُ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً لأَحَدٍ، وَأَنَا لاَ أَخَافُهَا، وَلاَ أُبَالِي بِهَا، فَإِنْ كَانَ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى الكَيْدِ وَالإِيذَاءِ، فَكِيدُونِي بِهَا، وَلاَ تُنْظِرُونَ. أَمَّا الذِي يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، حَقِيقَةً، فَهُوَ اللهُ، فَهُوَ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنَا لاَ أَخَافُ الضَّرَرَ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبِّي ذَلِكَ، وَلَقْدَ أَحَاطَ رَبِّي بِكُلِّ شَيءٍ عِلْماً، فَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَكَيْفَ لا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ، وَلاَ تُدْرِكُونَ أَنَّ الحَجَرَ العَاجِزَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ؟
حَاجَّةُ قَوْمُهُ - جَادَلُوهُ وَخَاصَمُوهُ فِي التَّوْحِيدِ.
стр. 871
﴿سُلْطَاناً﴾
(٨١) - وَكَيْفَ أَخَافُ أَنَا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَامُ التِي تَعْبُدُونَهَا، وَهِيَ لاَ تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا، وَلاَ لِغَيْرِهَا نَفْعاً وَلاَ ضَراً، وَلاَ تَخَافُونَ أَنْتُمْ مِنْ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ فِي عِبَادِةِ اللهِ هَذِهِ الأَصْنَامِ، وَهُوَ القَادِرُ القَاهِرُ، وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ حُجَّةً وَلاَ بُرْهَاناً وَلاَ دَلِيلاً عَلَى وُجُوبِ عِبَادَةِ هَذِهِ الأَصْنَامِ؟ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ التِي نَحْنُ فِيهَا: أَيْ الجَانِبَيْنِ - أَنَا وَأَنْتُمْ - أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ مُطْمَئِناً مَنْ عَبَدَ أَصْنَاماً حِجَارَةً لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ؟ هَذا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَتُقَدِّرُونَ الأُمُورَ.
стр. 872
﴿آمَنُواْ﴾ ﴿إِيمَانَهُمْ﴾ ﴿أولئك﴾
(٨٢) - ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ مَنْ هُوَ الحَقِيقُ بِالأَمْنِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ فَقَالَ: الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَلَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ (يَلْبِسُوا) بِظُلْمٍ، وَلاَ كُفْرٍ، وَلاَ شِرْكٍ بِاللهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الخُلُودِ فِي العَذَابِ، وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
لَمْ يَلْبِسُوا - لَمْ يَخْلِطُوا.
بِظُلْمٍ - بِشِرْكٍ أَوْ كُفْرٍ.
стр. 873
﴿آتَيْنَاهَآ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿دَرَجَاتٍ﴾
(٨٣) - وَتِلْكَ هِيَ حُجَّةُ اللهِ الدَّامِغَةُ عَلَى وُجُودِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ، أَرْشَدَ إِلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ ﵇، لِيُوجِّهُهَا إلَى قَوْمِهِ، وَهُمْ يُجَادِلُونَهُ فِي رَبِّهِ، وَاللهُ يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، دَرَجَاتٍ فِي الدِّينِ وَالفَهْمِ وَالحُجَّةِ، وَإنَّ رَبَّكَ اللهَ الذِي رَبَّاكَ وَعَلَّمَكَ وَهَدَاكَ يَا مُحَمَّدُ، وَجَعَلَكَ خَاتَمَ الرُّسُلِ، حَكِيمٌ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَهْتَدِي بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَبِمَنْ يَضِلُّ، وَبِمَنْ قَامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِ.
стр. 874
﴿إِسْحَاقَ﴾ ﴿دَاوُودَ﴾ ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ ﴿وَهَارُونَ﴾
(٨٤) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى أنَّهُ وَهَبَ لإِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ شَاخَ وَطَعَنَ فِي السِّنِّ، وَبَشَّرَتْهُ المَلاَئِكَةُ بِأنَّ ابْنَهُ إِسْحَاقَ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ يَعْقُوبُ، فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ هَدَى كُلاًّ مِنْ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ بِمَا آتَاهُمَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالحِكْمَةِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى هَدَى مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ: (أَوْ مِنْ ذُرِّيَةِ إَبْرَاهِيمَ - وَإِبْرَاهِيمُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ) : دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ وَأَيُّوبَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَآتَاهُمُ الحُكْمَ وَالنَّبُوَّةَ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ المُحْسِنِينَ فَيَهْدِيهِمْ إلَى الحَقِّ وَالصَّوَابِ وَالإِيمَانِ.
стр. 875
﴿الصالحين﴾
(٨٥) - وَهَدَى اللهُ مِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ أَيْضاً: زَكَرِيّا وَابْنَهُ يَحْيِى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَإِلْيَاسَ، وَقَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ جَمِيعاً مِنَ الصَّالِحِينَ. وَكَانَتْ لِهَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ مِيزَةُ الزُّهْدِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الدُّنْيا وَلَذَّاتِها، وَزِينَتِهَا، لِذَلِكَ خَصَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِوَصْفِ الصَّالِحِينَ.
стр. 876
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿العالمين﴾
(٨٦) - وَمِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ، مِمَّنْ هَدَاهُمُ اللهُ، يَذْكُرُ تَعَالَى: إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوْطاً فَهَدَاهُمْ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّة، وَجَعَلَهُمْ مِنَ المُهْتَدِينَ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى العَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ.
стр. 877
﴿آبَائِهِمْ﴾ ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ﴿واجتبيناهم﴾ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾
(٨٧) - وَهَدَى اللهُ بَعْضَ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ - لاَ كُلّهُمْ إذْ إِنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الأَقْرَبِينَ لَمْ يَهْتَدِ بِهَدِي أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، كَآزَرَ أَبِي إِبْرَاهِيم، وَابْنِ نُوحٍ وَزَوْجَةِ لُوطٍ -. وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ اخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَهَدَاهُمُ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ.
стр. 878
(٨٨) - وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ أَحَداً، لَهَلَكَ عَمَلُهُمْ، وَلَضَاعَ أَجْرُ أَعَمْالِ الخَيْرِ التِي عَمَلُوهَا، (وَهَذا تَشْدِيدٌ لأَمْرِ الشِّرْكِ، وَتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ) .
اجْتَبَاهُمُ - اصْطَفَاهُمْ.
حَبِطَ - بَطَلَ وَسَقَطَ وَهَلَكَ.
стр. 879
﴿أولئك﴾ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿بِكَافِرِينَ﴾
(٨٩) - أُولَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمْ، بِأنْ آتَاهُمُ الكِتَابَ (صُحُفَ إِبْرَاهِيم، وَتَوْرَاةِ مُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى) كَمَا آتَاهُمُ العِلْمَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ (الحُكْمَ) ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّةَ لِيَهْدُوا النَّاسَ إلى اللهِ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَلَطْفٌ مِنْهٌ بِخَلْقِهِ، فَإنْ يَكْفُرْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ فِي الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ (هَؤلاءِ) بِالكِتَابِ وَالحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِرِعَايَتِهَا قَوماً مُؤْمِنِينَ، لاَ يَجْحَدُونَ مِنْهَا شَيْئاً، وَلاَ يَرُدُّونَ مِنْهَا حَرْفاً. (وَهُمُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَاُر وَالمُؤْمِنُونَ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا المَقْطَعِ مِنَ الآيَةِ) .
стр. 880
﴿أولئك﴾ ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾
(٩٠) - وَهَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، الذِينَ وَرَدَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَالذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ آتَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، هُمُ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ هِدَايَةً كَامِلَةً، فَاهْتَدِ، يَا مُحَمَّدُ، بِهُدَاهُمْ، وَاقْتَدِ بِهِمْ، فِي الأَخْلاَقِ الحَمِيدَةِ، وَالصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى السُّفَهَاءِ، وَالعَفْوِ عَنْهُم، وَقُلْ لِقَوْمِكَ إنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْراً عَلَى إِبْلاغِ رِسَالَةِ رَبِّي إلَيْكُمْ، وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، فَهَذَا القُرْآنُ هُوَ تَذْكِيرٌ (ذِكْرَى) لِلْعَالَمِينَ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ فَيَرْشُدُونَ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ.
اقْتَدِهْ - اقْتَدِ وَالهَاءُ لِلسَّكْتِ.
следующие страницы →