Полный текст (6 113 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ ﴿العالمين﴾
(٨٦) - وَمِنْ ذُرِّيَةِ نُوحٍ، مِمَّنْ هَدَاهُمُ اللهُ، يَذْكُرُ تَعَالَى: إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، وَاليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوْطاً فَهَدَاهُمْ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّة، وَجَعَلَهُمْ مِنَ المُهْتَدِينَ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَى العَالَمِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ.
стр. 877
﴿آبَائِهِمْ﴾ ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ﴿وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ﴿واجتبيناهم﴾ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ﴿صِرَاطٍ﴾
(٨٧) - وَهَدَى اللهُ بَعْضَ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ - لاَ كُلّهُمْ إذْ إِنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الأَقْرَبِينَ لَمْ يَهْتَدِ بِهَدِي أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، كَآزَرَ أَبِي إِبْرَاهِيم، وَابْنِ نُوحٍ وَزَوْجَةِ لُوطٍ -. وَيَقُولُ تَعَالَى إنَّهُ اخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَهَدَاهُمُ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ.
стр. 878
(٨٨) - وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهُمْ ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ، وَهِدَايَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ أَحَداً، لَهَلَكَ عَمَلُهُمْ، وَلَضَاعَ أَجْرُ أَعَمْالِ الخَيْرِ التِي عَمَلُوهَا، (وَهَذا تَشْدِيدٌ لأَمْرِ الشِّرْكِ، وَتَغْلِيظٌ لِشَأْنِهِ) .
اجْتَبَاهُمُ - اصْطَفَاهُمْ.
حَبِطَ - بَطَلَ وَسَقَطَ وَهَلَكَ.
стр. 879
﴿أولئك﴾ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ﴿الكتاب﴾ ﴿بِكَافِرِينَ﴾
(٨٩) - أُولَئِكَ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهِمْ، بِأنْ آتَاهُمُ الكِتَابَ (صُحُفَ إِبْرَاهِيم، وَتَوْرَاةِ مُوسَى وَزَبُورِ دَاوُدَ، وَإِنْجِيلَ عِيسَى) كَمَا آتَاهُمُ العِلْمَ وَالفِقْهَ فِي الدِّينِ (الحُكْمَ) ، وَآتَاهُمُ النُّبُوَّةَ لِيَهْدُوا النَّاسَ إلى اللهِ، وَذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَلَطْفٌ مِنْهٌ بِخَلْقِهِ، فَإنْ يَكْفُرْ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ فِي الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ (هَؤلاءِ) بِالكِتَابِ وَالحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ فَإنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بِرِعَايَتِهَا قَوماً مُؤْمِنِينَ، لاَ يَجْحَدُونَ مِنْهَا شَيْئاً، وَلاَ يَرُدُّونَ مِنْهَا حَرْفاً. (وَهُمُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَاُر وَالمُؤْمِنُونَ - عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ هَذَا المَقْطَعِ مِنَ الآيَةِ) .
стр. 880
﴿أولئك﴾ ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾
(٩٠) - وَهَؤُلاءِ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ، الذِينَ وَرَدَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي الآيَاتِ السَّابِقَةِ، وَالذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأنَّهُ آتَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ، هُمُ الذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ هِدَايَةً كَامِلَةً، فَاهْتَدِ، يَا مُحَمَّدُ، بِهُدَاهُمْ، وَاقْتَدِ بِهِمْ، فِي الأَخْلاَقِ الحَمِيدَةِ، وَالصِّفَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى السُّفَهَاءِ، وَالعَفْوِ عَنْهُم، وَقُلْ لِقَوْمِكَ إنَّنِي لاَ أَسْأَلُكُمْ أَجْراً عَلَى إِبْلاغِ رِسَالَةِ رَبِّي إلَيْكُمْ، وَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، فَهَذَا القُرْآنُ هُوَ تَذْكِيرٌ (ذِكْرَى) لِلْعَالَمِينَ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ فَيَرْشُدُونَ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلَةِ.
اقْتَدِهْ - اقْتَدِ وَالهَاءُ لِلسَّكْتِ.
стр. 881
﴿الكتاب﴾ ﴿آبَاؤُكُمْ﴾
(٩١) - مَا عَرَفَ مُنْكِرُو الوَحْيِ، مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، اللهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلاَ عَظَّمُوهُ حَقَّ التَّعْظِيمِ الذِي يَسْتَحِقُهُ، إذْ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ ﷺ ؛ وَقَالُوا: (مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيءٍ) ، فَقُلْ، يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاَءِ المُنْكِرِينَ إِنْزَالَ كِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى البَشَرِ: مَنِ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، لِيَكُونَ نُوراً يُسْتَضَاءُ بِهِ فِي كَشْفِ الغَوَامِضِ، وَحَلِّ المُشْكِلاَتِ، وَهُدىً يَهْتَدِي بِهِ مِنْ ظُلَمِ الشُّبُهَاتِ؟
وَمُشْرِكُو العَرَبِ يُقِرُّونَ بِأنَّ التَّوْرَاةَ مُنَزَّلَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى رَسُولِهِ مُوسَى، لِذَلِكَ يَكُونُ تَعَالَى قَدْ أَقَامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بَأنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الوَحْيَ وَالكُتُبَ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُمْ مِنْ خَلْقِهِ لِحَمْلِ رِسَالاَتِهِ.
وَقَدْ أَرْسَلَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ وَفْداً إلَى المَدِينَةِ يَسْأَلُونَ أَحْبَارَ اليَهُودِ عَمَّا يَجِدُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَصِفَتِهِ، فَرَدَّ الأَحْبَارُ عَلَيْهِم: إِنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ عَنْهُ شَيْئاً. وَقَدْ اهْتَدَى اليَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ، وَصَارُوا خَلْقاً آخَرَ مُتَمَسِّكاً بِالحَقِّ وَالعَدْلِ، حَتَّى اخْتَلَفُوا، وَنُسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَاتَّبَعُو أَهْوَاءَهُمْ، وَجَعَلُوا كِتَابَهُمْ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا عِنْدَ الحَاجَةِ، فَكَانَ الحِبْرُ مِنْ أَحْبَارِهِمْ إذَا اسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ لَهُ هَوًى فِي إِظْهَارِ حُكْمِ اللهِ فِيهَا كَتَبَ ذَلِكَ الحُكْمَ فِي قِرْطَاسٍ، وَأَظْهَرَهُ لِلْمُسْتَفْتِي وَخُصُومِهِ. وَكَانُوا يُخْفُونَ كَثِيراً مِنْ أَحْكَامِ الكِتَابِ وَأَخْبَارِهِ، إذَا كَانَ لَهُمْ هَوًى فِي ذَلِكَ وَمَصْلَحَةً. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أنَّ الكِتَابَ كَانَ فِي أَيْدِي الأَحْبَارِ، وَلَمْ تَكُنْ فِي أَيْدِي العَامَّةِ نَسَخَ مِنْهُ، وَقَدْ أَخْفَى اليَهَودُ حُكْمَ رَجْمِ الزَّانِي فِي المَدِينَةِ، وَأَخْفَوا البِشَارَةَ الوَارِدَةَ فِي التَّوْرَاةِ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَتَمُوا صِفَتَهُ عَنِ العَامَّةِ، وَصَرَفُوهَا إلى مَعَانٍ أُخْرَى بِالنِّسْبَةِ لِلْخَاصَّةِ، لِكَيْلاَ يَتْبَعَهُ اليَهُودُ.
وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَتَوَلَّى هُوَ الجَوَابَ عَنْ هَذا السُّؤَالِ إذَا سَكَتَ الكُفَّارُ: وَلْيَقُلْ إنَّ الذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاة هُوَ اللهُ، ثُمَّ عَلَيهِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الضِّلالِ يَخُوضُونَ وَيَلْعَبُونَ كَالصِّبْيَانِ.
مَا قَدَرُوا اللهَ - مَاعَرَفُوا اللهَ وَمَا عَظَّمُوهُ.
قَرَاطِيسَ - أَوْرَاقاً مَكتُوبَةً مُتَفَرِّقَةً.
قُلِ اللهُ - قُلْ أَنْزَلَهُ اللهُ (أَيْ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ) .
خَوْضِهِمْ - فِيمَا يَخُوضُونَ فِيهِ مِنَ الحَدِيثِ وَالبَاطِلِ.
стр. 882
﴿كِتَابٌ﴾ ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ ﴿بالآخرة﴾
(٩٢) - وَهَذَا القُرْآنُ كِتَابٌ عَظِيمُ القَدْرِ، أَنْزَلْنَاهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا أَنْزَلْنَا مِنْ قَبْلُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَقَدْ بَارَكْنَا فِيهِ فَجَعَلْنَاهُ كَثِيرَ الخَيْرِ، دَائِمَ البَرَكَةِ وَالمَنْفَعَةِ، يُبَشِّرُ بِالثَّوَابِ وَالمَغْفِرَةِ، وَيَنْهَى عَنْهُ المَعْصِيَةِ، مُصَدِّقاً لِمَا تَقَدَّمَهُ مَنْ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، فِي المَبَادِئِ التِي جَاءَتْ بِهَا، وَقَدْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ لِيُنْذِرَ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ بِلاَدِ اللهِ جَمَيعاً (كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ، وَلِيُحَذِّرَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ وَبَأْسِهِ، إذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِقِيَامِ السَّاعَةِ وَبِالمَعَادِ إلَى اللهِ فِي الآخِرَةِ لِلْحِسَابِ، يُؤْمِنُ بِهَذا القُرْآنِ، لأَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهِ الهِدَايَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي تِلْكَ الدَّارِ. وَالذِي يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ يُحَافِظُونَ عَلَى صَلاتِهِمْ فَيُؤَدُّونَها فِي أَوْقَاتِهَا، لأنَّ الصَّلاةَ عِمَادَ الدِّينِ، وَالمُحَافَظَةُ عَلَيها تَدْعُو إلى القِيَامِ بِسَائِرِ العِبَادَاتِ.
أُمَّ القَرى - مَكَّةَ.
مَنْ حَوْلَهَا - أَهْلُ الآفَاقِ - أَيْ أَهْلُ بِلاَدِ العَالَمِ جَمِيعاً.
مُبَارَكٌ - كَثيرُ المَنَافِعِ وَالفَوَائِدِ (وَهُوَ القُرْآنُ) .
стр. 883
﴿الظالمون﴾ ﴿غَمَرَاتِ﴾ ﴿والملائكة﴾ ﴿باسطوا﴾ ﴿آيَاتِهِ﴾
(٩٣) - لاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ، فَجَعَلَ لَهُ شَرِيكاً أَوْ وَلَداً، أَوْ ادَّعَى أَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ رَسُولاً إلى النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنِ اللهُ قَدْ أَرْسَلَهُ (كَالذِينَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ) ، أَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْزِل مِثْلَمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الوَحْيِ وَالقُرْآنِ (كَالذِينَ قَالُوا: لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) .
وَهَؤُلاءِ الظَّالِمُونَ وَأَمثَالُهُمْ جُرْمُهُمْ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ. وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ حَالَهُمْ وَهُمْ يُعَانُونَ سَكَرَاتِ المَوْتِ، وَآلاَمَ اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ حَيَاتِهِم التَّعِيسَةِ، لَرَأَيْتَ مَالاَ سَبِيلَ إلَى وَصْفِهِ وَتَصْوِيرِهِ مِنْ سُوءٍ، وَقَدْ جَاءَتْهُمْ مَلاَئِكَةُ المَوْتِ بَاسِطِينَ إِلَيْهِمْ أَيْدِيَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالعَذَابِ لِيَسْتَخْرِجُوا أَرْوَاحَهُمْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ، بِقَسْوَةٍ وَعُنْفٍ، لِمَا كُنْتُمْ تَكْذِبُونَ عَلَى اللهِ، وَتَسْتَكْبِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِهِ، وَالانْقِيَادِ إلَى رُسُلِهِ.
غَمَرَاتِ المَوْتِ - سَكَرَاتِهِ وَشَدَائِدِهِ.
أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ - خَلِّصُوهَا مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ العَذَابِ - أَوْ تَخَلَّوْا عَنْهَا.
عَذَابَ الهُونِ - الهَوَانَ الشَّدِيدَ وَالذُّلَّ وَالخِزْيَ.
стр. 884
﴿فرادى﴾ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾ ﴿شُرَكَآءُ﴾
(٩٤) - ثُمَّ يَصِفُ اللهُ تَعَالَى حَالَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يُقَالُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ: لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوْلَ مَرَّةٍ، وَكَمَا بَدَأْنَاكُمْ أَعَدْنَاكُمْ، وَكُنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَتَسْتَبْعِدُونَهُ، فَهَذَا هُوَ يَوْمُ البَعْثِ الذِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ، وَقَدْ تَرَكْتُمْ فِي الدُّنْيا مَا آتَيْنَاكُمْ فِيهَا مِنَ النِّعَمِ، وَالأَمْوَالِ التِي جَمَعْتُمُوهَا. وَيُقَرَّعُونَ عَلَى مَا كَانُوا اتَّخَذُوهُ فِي الدُّنْيا مِنَ الأَنْدَادِ وَالأَصْنَامِ ظَانِّينَ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّنَا لاَ نَرَى مَعَكُمُ الشُّفَعَاءَ الذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ لَهُمْ قِسْطاً مِنْ اسْتِحْقَاقِ العِبَادَةِ، لَقَدْ تَقَطَّعَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمُ الأَسْبَابَ وَالصِّلاَتُ، وَتَلاَشَتْ آمَالُكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَهُ مِنْ رَجَاءِ شَفَاعَتِهِمْ.
(وَيُرْوَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الحَارِثِ، وَهُوَ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشِ، قَالَ: سَتَشْفَعُ لِي اللاَّتُ وَالغُزَّى) .
مَا خَوَّلْنَاكُمْ - مَا أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيا.
تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ - تَفَرَّقَ الاتِّصَالُ بَيْنَكُمْ.
стр. 885
(٩٥) - وَمِنْ دَلاَئِلِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَعْثِ العِبَادِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ المَعَادِ، أَنَّهُ هُوَ الذِي يَشُقُّ الحَبَّ وَالنَّوى فِي جَوْفِ الأَرْضِ، بَعْدَ أنْ يُخَالِطَهُ الَماءُ، فَتَنْبُتُ الزُّرُوعُ مِنَ الحُبُوبِ، وَتَنْبُتُ الأَشْجَارُ مِنَ النَّوَى، وَاللهُ يُخْرِجُ النَّبَاتَ الحَيَّ مِنَ الحَبِّ وَالنَّوَى الذِي هُوَ كَالجَمَادِ المَيِّتِ. وَالذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ (ذِلكُمُ اللهُ) فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَنِ الحَقِّ، وَتَعْدِلُونَ عَنْهُ إلَى البَاطِلِ، فَتَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟
فَالِقُ الحَبِّ - شَاقُّ الحَبِّ عَنِ النَّبَاتِ، أَوْ خَالِقُهُ.
فَكَيْفَ تُؤْفَكُونَ - فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنُ عِبَادَتِهِ.
стр. 886
(٩٦) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الضِّيَاءِ وَالظَّلاَمِ، وَهُوَ يَفْلِقُ ظَلامَ اللَّيلِ عَنْ غُرَّةِ الصَّبَاحِ، فَيُضِيءُ الوُجُودُ، وَيَتَلاشَى الظَّلامُ، وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيَلَ سَاجِياً مُظْلِماً لِتَسْكُنَ فِيهِ الكَائِنَاتِ، وَتَرْتَاحَ مِنْ عَنَاءِ النَّهَارِ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مُقَنَّنٍ مُقَدَّرٍ، لا يَتَغَيَّرُ وَلاَ يَتَبَدَّلُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مَنَازِلُ يَسْلُكُها، وَيَنْتُجُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ جَارٍ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الذِي لاَ يُمَانَعُ وَلاَ يُخَالَفُ، وَهُوَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ، فَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ.
فَالِقُ الإِصْبَاحِ - شَاقُّ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنْ بَيَاضِ النَّهَارِ.
حُسْبَاناً - يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مُقَدَّرٍ فِي فَلَكِهِمَا.
стр. 887
﴿ظُلُمَاتِ﴾ ﴿الآيات﴾
(٩٧) - وَجَعَلَ اللهُ النُّجُومَ لِيَهْتَدِي بِهَا النَّاسَ فِي الأَوْقََاتِ التِي يَغْشَى فِيها الأَرْضَ الظَّلامُ، وَلِيَعْرِفُوا الاتِّجَاهَاتِ، حِينَمَا تَكُونُ الشَّمْسَ غَائِبَةً. وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ بَيَّنَ الآيَاتِ وَوَضَّحَهَا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَيَعْرِفُونَ الحَقَّ، وَيَتَجَنَّبُونَ البَاطِلَ.
стр. 888
﴿وَاحِدَةٍ﴾ ﴿الآيات﴾
(٩٨) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي أَنْشَأَ البَشَرَ، وَخَلَقَهُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، هِيَ نَفْسُ آدَمَ، إذْ خَلَقَهُ مِنْ طِين (وَهُوَ تُرَابٌ خَالَطَهُ مَاءٌ) ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ هَذِهِ النَّفْسِ زَوْجَها (حَوَّاءَ) ، وَبَثَّ البَشَرَ جَمِيعاً مِنْهُمَا بِالتَّزَاوُجِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ، وَذَلِكَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَمَقَرُّ النُّطْفَةِ صُلْبُ الرَّجُلِ، وَمُسْتَوْدَعُها رَحْمُ الأَنْثَى (فَتَخْرُجُ النُّطْفَةُ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا فِي الأَصْلاَبِ وَتُسْتَوْدَعُ فِي الأَرْحَامِ فَيَتَخَلَّقُ البَشَرُ) .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فَصَّلَ الآيَاتِ وَبَيَّنَها لِمَنْ يَفْقَهُونَ، لأنَّهُمْ هُمُ الذِينَ يَعُونَ كَلاَمَ اللهِ، وَيَفْهَمُونَ مَعْنَاهُ.
مُسْتَقَرُ النُّطْفَةِ - فِي أَصْلاَبِ الذُّكُورِ (وَقِيلَ لاَ بَلْ فِي الأَرْحَامِ) .
وَمُسْتَوْدَعُها - فِي أَرْحَامِ الإِنَاثِ (وَقِيلَ لاَ بَلْ تُسْتَودَعُ فِي أَصْلاَبِ الذُّكُورِ) .
стр. 889
﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿مُشْتَبِهاً﴾ ﴿لآيَاتٍ﴾
(٩٩) - وَهُوَ الذِي أَنْزَلَ بِقَدَرٍ مِنْهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً، وَرِزْقاً لِلْعِبَادِ، وَإِحْيَاءً وَغِيَاثاً لِلْخَلاَئِقِ، فَأَخْرَجَ النَّبَاتَ وَالزُّروعَ وَالشَّجَرَ الأَخْضَرَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْلُقُ فِيهِ الحَبَّ وَالثَّمَرَ، وَيَرْكَبُ بَعْضُ الحَبِّ بَعْضاً كَسَنَابِلِ القَمْحِ وَالذُّرَةِ وَنَحْوِهَا، وَيُخْرِجُ مِنْ طُلُوعِ النَّخْلِ عُذُوقَ الرَّطَبِ (قِنْوَانٌ - وَهِيَ عَنَاقِيدُ التَّمْرِ) ، وَتَكُونُ دَانِيةً قَرِيبَةً مِنَ المُتَنَاوَلِ، وَيُخْرِجُ بِالمَاءِ بَسَاتِينَ (جَنَّاتٍ) العِنَبِ وَيُخْرِجُ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ. وَثِمَارُ هذِهِ الأّشْجَارِ تَتَشَابَهُ فِي مَنْظَرِهَا، وَتَخْتَلِفُ فِي طَعْمِها، فَانْظُرُوا، فِي تَدَبُّرِ وَتَمَعُّنِ، إلَى ثَمَرِهِ حِينَ يُثْمِرُ، وَإلى نُضْجِهِ، وَفَكِّرُوا فِي قُدْرَةِ الخَالِقِ، الذِي أَخْرَجَهُ إلَى الوُجُودِ، فَبَعْدَ أنْ كَانَ حَطَباً صَار ثَمَراً صَغِيراً، ثُمَّ أَخَذَ فِي النَّمَاءِ حَتَّى صَارَ فَاكِهَةً نَاضِجَةً، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ، يَا أَيُّها النَّاسُ، دَلاَلاَتٍ عَلَى وُجُودِ خَالِقِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ، وَعَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، لِقَوْمٍ يُصَدِّقُونَ بِهِ، وَيَتَّبِعُونَ رُسُلَهُ.
خَضِراً - شَيْئاً أَخْضَرَ غَضّاً.
حَبّاً مُتَرَاكِباً - يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضاً، كَسَنَابِلِ القَمْحِ وَعَنَاقِيدِ الذُّرَةِ.
طَلْعُ النَّخْلِ - أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ ثَمَرُ النَّخْلِ فِي الكِيزَانِ.
قِنْوانٌ - عُذُوقُ النَّخْلِ. وَهِيَ كَالعَنَاقِيِدِ لِلْعِنَبِ تَنْشَقُّ عَنْهَا الكِيزَانُ.
دَانِيةً - مُتَدَلِّيَةً أَوْ قَريبَةً مِنْ مُتَنَاوَلِ اليَدِ.
يَنْعِهِ - نُضْجِهِ.
стр. 890
﴿بَنَاتٍ﴾ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿تعالى﴾
(١٠٠) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ مِنَ المَجُوسِ، الذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَابِ وَالأَنْعَامِ، فَهُوَ إلهُ الخَيْرِ. وَإِبْلِيسُ خَالِقُ السِّبَاعِ وَالضَّوَارِي وَالحَيَّاتِ وَالشَّرِّ، فَهُوَ إلهُ الشَّرِّ. وَيَقُولُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: لَقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ للهِ ، شُرَكَاءَ مِنَ الجِنِّ، وَالحَاُل أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ هَؤُلاَءِ الشُّرَكَاءَ الذِينَ عَبَدَهُمُ المُشْرِكُونَ، كَمَا خَلَقَ غَيْرَهُمْ، فَجَمِيعُ الخَلْقِ عَبِيدُهُ، وَالمَخْلُوقُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَبّاً وَلاَ إِلهاً، وَاخْتَلَقَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ بِحُمْقِهِمْ، وَجَهْلِهِمْ، للهِ بَنَاتٍ وَبَنِينَ، وَجَعَلُوهُمْ أَبْنَاءَهُ (فَجَعَلَ العَرَبُ المَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، وَجَعَلَ اليَهُودُ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ، وَجَعَلَ النَّصَارَى المَسِيحَ ابْنَ اللهِ) . وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ مَا قَالُوا إنْ كَانَ خَطَأً أَوْ صَوَاباً (بِغَيِْر عِلْمٍ) . تَنَزَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُهُ هَؤُلاَءِ الضَّالُّونَ، وَعَنْ كُلِّ نَقْصٍ يُنَافِي انْفِرَادَهُ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ.
الجِنَّ - الشَّيَاطِينَ.
خَرَقُوا لَهُ - اخْتَلَقُوا وَافْتَرَوْا وَنَسَبُوا إِلَيْهِ افْتِراءً وَحَمَاقَةً.
стр. 891
﴿السماوات﴾ ﴿صَاحِبَةٌ﴾
(١٠١) - لَقَدْ أَبْدَعَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَخَلَقَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَالوَلَدُ يَتَوَلَّدُ مِنْ شَيْئَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ، وَاللهُ لاَ يُشْبِهُهُ شَيءٌ مِنْ خَلْقِهِ، لأنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ، فَلا صَاحِبَةَ لَهُ وَلاَ وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ، وَهُوَ عَليمٌ بِكُلِّ شَيءٍ.
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ - مُبْدِعُهَا وَخَالِقُها عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ.
أنَّى يَكُونُ - كَيْفَ يَكُونُ، أَوْ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ؟
стр. 892
﴿خَالِقُ﴾
(١٠٢) - وَيَقُولُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ: إنَّ الإِلهَ المُنَزَّهَ عَنْ كُلِّ مَا يَقُولُونَ، المُتَّصِفَ بِصِفَاتِ الكَمَالِ وَالخَلْقِ وَالإِبْدَاعِ، الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَلاَ صَاحِبَةً لَهُ وَلاَ وَلَدْ، هُوَ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلهَ غَيْرُهُ، فَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَقِرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَبِعُبُودِيَّتِكُمْ لَهُ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، مُتَوَلٍّ شُؤُونَ خَلْقِهِ، وَمُدَبِّرُ مُلْكِهِ بِعِمْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ حَفِيظٌ عَلَيْهِ، فَهُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ.
وَكِيلٌ - رَقِيبٌ وَمُتَوَلٍّ.
стр. 893
﴿الأبصار﴾ ﴿الأبصار﴾
(١٠٣) - لاَ تَرَى الأَبْصَارُ اللهَ رُؤْيَةَ إِحَاطَةٍ تَعْرِفُ كُنْهَهُ، ، وَهُوَ تَعَالَى يَرَى العُيُونَ المُبْصِرَةَ رُؤْيَةَ إِدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ، فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ حَقِيقَتِهَا، وَلاَ شَيءٌ مِنْ عِلْمِهَا، وَهُوَ اللَّطِيفُ بِذَاتِهِ، يُعْجِزُ الأَبْصَارَ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ الخَبِيرُ بِدَقَائِقِ الأَشْيَاءِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ إِدْرَاكِهِ شَيءٌ.
لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ - لاَ تُحِيطُ بِهِ تَعَالَى.
стр. 894
﴿بَصَآئِرُ﴾
(١٠٤) - وَقُلْ لَهُمْ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ: قَدْ جَاءَتْكُمْ مِنْ خَالِقِكُمْ بَصَائِرُ فِي هَذا القُرْآنِ، مِنَ الحُجَجِ الكَوْنِيَّةِ، وَالبَرَاهِينِ العَظِيمَةِ، تُثْبِتُ لَكُمْ عَقَائِدَ الحَقِّ اليَقِينِيَّةِ، فَمَنْ أَبْصَرَ الحَقَّ وَآمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى، فَيَكُونُ قَدْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ الخَيْرَ وَالسَّعَادَةَ، وَمَنْ عَمِيَ عَنِ الحَقِّ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَصَرَّ عَلى الضَّلاَلَةِ، فَيَكُونُ قَدْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِرَقِيبٍ أُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَأَفْعَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ أُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، وَاللهُ هُوَ الحَفِيظُ عَلَيْكُمْ.
بَصَائِرُ - آيَاتٌ وَبَرَاهِينُ تَهْدِي إلَى الحَقِّ وَتُبَصِّرُ بِهِ.
حَفِيظٌ - رَقِيبٌ يُحْصِي الأَعْمَالَ لِيُحَاسِبَ عَلَيْهَا.
стр. 895
﴿الآيات﴾
(١٠٥) - وَمِثْلَ ذَلِكَ التَّصرِيفِ البَدِيعِ، فِي عَرْضِ الدَّلاَئِلِ الكَوْنِيَّةِ، نَعْرِضُ آيَاتِنَا فِي القُرْآنِ، مُنَوَّعَةً مُفَصَّلَةً، لإِثْبَاتِ أُصُولِ الإِيمَانِ، وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَالأَخْلاَقِ، فَنُحَوِّلُها مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. فَالْمُسْتَعِدُّونَ لِلإِيمَانِ يَهْتَدُونَ بِهُدَى اللهِ وَحُجَجِهِ، وَالجَاحِدُونَ المُعَانِدُونَ، مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ قَدْ دَرَسْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلُ، وَتَعَلَّمْتَ مِنْ غَيْرِكَ هَذا الذِي تَقُولُهُ، وَلَيْسَ هُوَ بِوَحيٍ مُنْزَلٍ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ كَمَا زَعَمْتَ. وَقَدْ رَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا فِي آيَةٍ أُخْرَى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ.﴾ ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: وَنُبَيِّنُ هَذَا القُرْآنَ المُشْتَمِلَ عَلَى تَصْرِيفِ الآيَاتِ، لِقَوْمٍ لَدَيْهِم الاسْتِعْدَادُ إذَا عَلِمُوا الحَقَّ أَنْ يَتَّبِعُوهُ، وَإِذَا أَدْرَكُوا البَاطِلَ أَنْ يَجْتَنِبُوهُ.
نُصَرِّفُ الآيَاتِ - نُكَرِّرُهَا بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ.
دَرَسْتَ - قَرَأْتَ وَتَعَلَّمْتَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (مِنَ الدِّرَاسَةِ) .
стр. 896
(١٠٦) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنْ يَتَّبِعَ مَا يُوحِيهِ إِلَيْهِ رَبُّهُ، لاَ إلهَ إلاَ هُوَ سُبْحَانَهُ، لِيُرَبِّي نَفْسَهُ، وَلِيَكُونَ قُدْوَةً وَإِمَاماً لِلْمُؤْمِنِينَ، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. ثُمَّ يَأْمُرُهُ، بَعْدَ ذَلِكَ، بِالإِعْرَاضِ عَنِ المُشْرِكِينَ، لأنَّ الحَقَّ يَعْلُو بِالقَوْلِ وَبِالإِخْلاَصِ وَبِالعَمَلِ.
стр. 897
﴿جَعَلْنَاكَ﴾
(١٠٧) - وَلَوْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى ألاَّ يُشْرِكُوا لَمَا أَشْرَكُوا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ البَشَرَ مُؤْمِنِينَ، مُطِيعِينَ بِالفِطْرَةِ كَالمَلائِكَةِ، لَكِنْ لِحِكْمَةٍ مِنْهُ خَلَقَهُمْ مُخْتَارِينَ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفِي كَسْبِهِمْ لِعُلُومِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ. وَقَدْ جَعَلَ فِيهِمُ الخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَمَا جَعَلَكَ اللهُ عَلَيْهِم حَفِيظاً تَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ لِتُحَاسِبَهُمْ عَلَيْهَا، وَلاَ وَكِيلاً تَتَوَّلَى أُمُورَهُمْ وَتَتَصَرَّفُ بِهَا. وَإِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، عَلَيكَ البَلاَغُ، وَعَلَى اللهِ الحِسَابُ.
стр. 898
(١٠٨) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ الآلِهَةِ التِي يَعْبُدُهَا المُشْرِكُونَ، لِكَيْلاَ يَقُومَ هَؤُلاَءِ بِسَبِّ اللهِ، الذِي يَعْبُدُهُ المُؤْمِنُونَ، عَدْواً وَتَجَاوُزاً مِنْهُمْ لِلْحَدِّ فِي السِّبَابِ وَالمُشَاتَمَةِ، لِيَغِيظُوا المُؤْمِنِينَ، وَهُمْ جَاهِلُونَ بِاللهِ، وَبِمَا يَسْتَحِقُهُ تَعَالَى مِنَ التَّقْدِيسِ وَالإِجْلاَلِ وَالاحْتِرَامِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ المُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لِتَنْتَهِي عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ. فَنَهَى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَسُبّوا أَوْثَانَ المُشْرِكِينَ لِكَيْلاً يَسُبّوا اللهَ عَدْواً بِغَيرِ عِلْمٍ) .
وَكَمَا زُيِّنَ لِهَؤُلاَءِ الكُفَّارِ حُبَّ أَصْنَامِهِمْ، وَالمُحَامَاةِ عَنْهَا، وَالانْتِصَارِ لَهَا، كَذَلِكَ، زُيِّنَ لِكُلِّ أُمْةٍ مِنَ الأُمَمِ الضَّالَّةِ الخَالِيَةِ عَمَلُهُمُ الذِي كَانُوا فِيهِ، وَللهِ الحِكْمَةُ التَّامَّةُ، وَالحُجَّةُ البَالِغَةُ فِيمَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلَيهِ تَعَالَى فَيُنَبِئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيا، وَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ الجَزَاءَ الأَوْفَى إِنْ خَيْراً فَخَيراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً.
عَدْواً - اعْتِدَاءً وَظُلْماً وَتَجَاوُزاً.
стр. 899
﴿أَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿لَئِن﴾ ﴿آيَةٌ﴾ ﴿الآيات﴾
(١٠٩) - وَأَقْسَمَ المُشْرِكُونَ أَيْمَاناً مُؤَكَّدَةً، لَئِنْ أَتَتْهُمْ مُعْجِزَةٌ مِنَ اللهِ لِيُصَدِّقُنَّهَا، وَلَيُؤْمِنُنَّ بِهَا، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاَءِ الذِينَ يَسْأَلُونَ الآيَاتِ، تَعَنُّتاً وَكُفْراً، لاَ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِهْدَاءِ وَالاسْتِرْشَادِ: إنَّ الآيَاتِ عِنْدَ اللهِ وَحْدَهُ، إنْ شَاءَ جَاءَكُمْ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَكُمْ. وَمَا يُدْرِيكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَاتِ إذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا، وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى جُحُودِهِمْ بِهَا؟
(وَرُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ رَداً عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَدْ كَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْماً قُرَيْشاً، فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ: تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصَا يَضْرِبُ بِهَا الحَجَرَ، وَأَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي المَوْتَى، وَأَنَّ صَالِحاً كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ. . . فَأْتِنَا بِبَعْضِ تِلْكَ الآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولَ اللهِ: أَيُّ شَيءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ؟ قَالُوا: تُحَوِّلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَباً. فَقَالَ لَهُمْ إنْ فَعَلْتُ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَ لَنَتْبَعَنَّكَ أَجْمَعِينَ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ يَدْعُو. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، ﵇، فَقَالَ: إنْ شِئْتَ أَصْبِحَ الصَّفَا ذَهَباً، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَنُعَذِّبَنَّهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ. فَقَالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَتْرُكُهُمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ - مُجْتَهِدِينَ فِي الحَلْفِ بِأَغْلَظِ الأَيْمَانِ وَأَوْكَدِهَا.
стр. 900
﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾ ﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾ ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾
(١١٠) - وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّا نَخْتِمُ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ عَنْ إِدْرَاكِ الحَقِّ فَلاَ يُدْرِكُونَهُ، وَنَحُولُ بَيْنَ أَبْصَارِهِمْ وَبَيْنَ اجْتِلائِهِ فَلاَ يُبْصِرُونَهُ، وَيَكُونُ حَالُهُمْ حِينَئِذٍ كَحَالِهِمُ الأَوَّلِ فِي عَدَمِ الإِيمَانِ بِمَا جَاءَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ الآيَاتِ. وَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ مَا جَاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الدَّلاَئِلِ العَقْلِيَّةِ، وَالبَرَاهِينِ العَمَلِيَّةِ، لاَ يُقْنِعُهُ مَا يَرَاهُ بِعَيْنِهِ مِنَ الأَدِلَّةِ الحِسِّيَّةِ. وَإِنا نَدَعُهُمْ يَتَجَاوَزُونَ الحَدَّ فِي الكُفْرِ وَالعِصْيَانِ، وَيَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى مُتَخَبِّطِينَ فِيمَا سَمِعُوا مِنَ الآيَاتِ وَهُمْ يُحَدِّثُونَ أَنْفُسَهُمْ: أَهَذَا هُوَ الحَقُّ المُبِينُ، أَمْ إِنَّهُ سِحْرٌ خَادِعٌ؟
نَذَرُهُمْ - نَتْرُكُهُمْ.
طُغْيَانِهِمْ - تَجَاوُزِهِمُ الحَدَّ بِالكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ.
يَعْمَهُونَ - يَعْمُونَ عَنِ الرُّشْدِ، أَوْ يَتَحَيَّرُونَ.
стр. 901
﴿الملائكة﴾
(١١١) - إنَّ هَؤُلاَءِ الذِينَ أَقْسَمُوا أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهَا، كَاذِبُونَ فِيمَا يَقُولُونَ: فَلُوْ أَجَابَكَ اللهُ عَلَى سُؤَالِكَ - يَا مُحَمَّدُ - فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ تُخْبِرُهُمْ بِصِدْقِ الرِّسَالَةِ المُنْزَّلَةِ عَلَيْكَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، أَوْ أَحْيَا اللهُ المَوْتَى فَكَلَّمُوهُمْ وَأَخْبَرُوهُمْ بِصِدْقِ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ، أَوْ جَمَعَ اللهُ كُلَّ شَيءٍ مِنَ الآيَاتِ وَالدَّلاَئِلِ الأُخْرَى وَأَرْسَلَها إلَيْهِمْ مُعَايَنَةً وَمُوَاجَهَةً مَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِمْ، إلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِيمَانَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ وَحْدَهُ القَادِرُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَجَعْلِهِمْ يُؤْمِنُونَ. فَهُوَ الفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ هَذَا الأَمْرَ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَ المُسْتَهْزِئُونَ مِنْ قُرَيشٍ، وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ، فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: أَرِنَا المَلاَئِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ بِأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، أَوْ ابْعَثْ لَنَا بَعْضَ مَوْتَانَا نَسْأَلْهُمْ: أَحَقٌ مَا تَقُولُ أَوْ بَاطِلٌ. أَوْ ائْتِنَا وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) .
حَشَرْنَا - جَمْعَنا.
قُبُلاً - مُقَابَلَةً وَمُوَاجَهَةً أَوْ جَمَاعَةً جَمَاعَةً.
стр. 902
﴿شَيَاطِينَ﴾
(١١٢) - وَكَمَا جَعَلْنَا هؤُلاَءِ وَأَمْثَالَهُمْ أَعْدَاءً لَكَ يَا مُحَمَّدُ، يُخَالِفُونَكَ وَيُعَانِدُونَكَ، وَيُعَادُونَكَ، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِكَ أَعْدَاءً مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ (شَيَاطِينُ الإِنْسِ هُمُ الكُبُرَاءُ وَمَنْ يُضِلُّونَ النَّاسَ عَنِ الهُدَى بِالوَسْوَسَةِ وَالإِغْرَاءِ وَالمُخَادَعَةِ) ، وَيُلْقِي بَعْضُ هَؤُلاَءِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ إلى بَعْضِ القَوْلِ المُمَوَّهَ الذِي يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَسْتُرُونَ بِهِ قُبْحَ بَاطِلِهِمْ، وَيُؤَدُّونَهُ بِطُرُقٍ خَفِيَّةٍ لاَ يَفْطَنُ إلَى بَاطِلِهَا كُلُّ وَاحِدٍ، حَتَّى يَغُرُّوا النَّاسَ وَيَخْدَعُوهُمْ وَيُمِيلُوهُمْ إلَى مَا يُرِيدُونَ، كَمَا وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لآدَمَ وَحَوْاءَ لِلأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْهَا، وَكَمَا يُوَسْوِسُ شَيَاطِينُ الإِنْسِ لِمَنْ يَجْتَرِحُونَ السَّيِّئَاتِ، فَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ عَظِيمِ اللَّذَّةِ، وَالتَّمَتُّعِ بِالحُرِّيَّةِ، وَيُمَنُّونَهُمْ بِعَفْوِ اللهِ.
وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَنْ لاَ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمَا فَعَلُوهُ وَلَكِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ إِذْ خَلَقَ النَّاسُ عَلَى اسْتِعْدَادٍ لِقُبُولِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالخَيْرِ وَالشَّرِّ.
زُخْرُفَ القَوْلِ - بَاطِلَ القَوْلِ المُزَوَّقَ المُمَوَّهَ.
غُرُوراً - خِدَاعاً وَأَخْذاً عَلَى غِرَّةٍ.
стр. 903
﴿بالآخرة﴾
(١١٣) - وَيُوحِي هَؤُلاَءِ الشَّيَاطِينُ، بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، القَوْلَ المُمَوَّهَ لِيَغُرُّوا بِهِ المُؤْمِنِينَ، وَيَصْرِفُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَلِتَمِيلَ إِلَيهِ قُلُوبُ الكَافِرِينَ الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، لأنَّهُ المُوَافِقُ لأَنْفُسِهِمْ إذْ هُمْ يَمِيلُونَ إلَى حُبِّ الشَّهَوَاتِ التِي مِنْ جُمْلَتِهَا الأَقَاوِيلُ المُزَخْرَفَةُ، وَالأَبَاطِيلُ المُمَوَّهَةُ، فَيَرْضَوْنَ ذَلِكَ لأَنْفُسِهِمْ بِلاَ بَحْثٍ وَلاَ تَمْحِيصٍ فِيهِ، وَيَرْتَكِبُونَ مِنَ المَآثِمِ وَالمَعَاصِي مَا هُمْ مُرْتَكِبُونَ بِغُرُورِهِمْ.
لِتَصْغَى - لِتَمِيلَ إلَى زُخْرُفِ القَوْلِ.
لِيَقْتَرِفُوا - لِيَكْتَسِبُوا مِنَ الآثَامِ.
стр. 904
﴿الكتاب﴾ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾
(١١٤) - قُلْ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ بِاللهِ، الذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ تَقْدِيمَ الأَدِلَّةِ، وَالإِتْيَانَ بِالمُعْجِزَاتِ لِلْدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِكَ: إِنَّ القُرْآنَ هُوَ أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ مَا اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الأَدِلَّةِ، وَهُوَ الذِي يَجِبُ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ الرِّسَالَةِ، وَاتِّبَاعِ حُكْمِ اللهِ فِيهَا. وَقُلْ لِهَؤُلاَءِ: لَيْسَ لِي أَنْ أَتَعَدَّى حُكْمَ اللهِ، وَلاَ أَنْ أَتَجَاوَزَهُ، لأَنَّهُ لاَ حُكْمَ أَعْدَلُ مِنْ حُكْمِهِ، وَلاَ قَوْلَ أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ الذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصِّلاً فِيهِ كُلَّ مَا يَصِحُّ بِهِ الحُكْمُ. وَإِنْزَالُهُ عَلَى رَجُلٍ أُمِّيٍّ مُشْتَمِلاً عَلَى الحُكْمِ التَّفْصِيليِّ لِلْعَقَائِدِ وَالشَّرَائِعِ، هُوَ أَكْبَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ.
وَالذِينَ آتَاهُمُ اللهُ الكِتَابَ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَنَّ اللهَ يُوحِي إلَى رُسُلٍ مِنَ البَشَرِ، كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ، وَلِمَا وَرَدَ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ البِشَارَةِ بِكَ، وَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مِنْ ذِكْرِكَ، فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ المُتَشَكِّكِينَ فِي أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْكَ بِالحَقِّ.
المُمْتِرِينَ - المُتَشَكِّكِينَ.
стр. 905
﴿كَلِمَتُ﴾ ﴿لِكَلِمَاتِهِ﴾
(١١٥) - وَتَمَّتْ رَحْمَةُ رَبِّكَ فِيمَا وَعَدَكَ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَفِيمَا أَوْعَدَ بِهِ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ الهَلاَكِ وَالخِذْلاَنِ، كَمَا تَمَّتْ فِي الرُّسُلِ قَبْلَكَ وَفِي أَعْدَائِهِمْ. وَقَدْ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً لِحُصُلِوهَا عَلَى الوَجْهِ الذِي أَخْبَرَ بِهِ، وَعَدْلاً بِجَزَاءِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالكَافِرِينَ بِمَا يَسْتَحِقُّونَ، وَقَدْ يُزَادُ المُؤْمِنُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرَحْمَةً، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُبَدِّلَ مَا قَضَى اللهُ بِهِ، وَلاَ أَنْ يَرُدَّ مَا حَكَمَ بِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ لِمَا يَقُولُهُ هَؤُلاَءِ المُكَذِّبُونَ المُخَادِعُونَ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ، وَهُوَ العَليمُ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ المَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ، وَبِمَا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ.
كَلِمَةُ رَبِّكَ - كَلاَمُهُ وَهُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ.
صِدْقاً وَعَدْلاً - فِي مَوَاعِيدِهِ وَأَحْكَامِهِ.
стр. 906
(١١٦) - وَأَكْثَرُ بَنِي البَشَّرِ فِي ضَلاَلٍ، وَفِي ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ، فَإِذَا أَطَاعَهُمْ أَحَدٌ، بِمُخَالَفَةِ مَا شَرَعَهُ اللهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ كَلِمَاتِهِ المُنْزَلَةِ، أَضَلُّوهُ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، وَعَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ فَلاَ تَتَّبِعْ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ حُكْماً غَيْرَ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ إِلَيْكَ فِي الكِتَابِ. وَهَؤُلاَءِ المُضِلُّونَ لاَ يَتَّبِعُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ إلاَّ الظَنَّ الذِي تُرَجِّحُهُ لَهُمْ أَهْوَاؤُهُمْ، وَهُمْ يُرَجِّحُونَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ عَنْ طَرِيقِ التَّخْمِينِ، وَالتَّقْدِيرِ، وَالحَزْرِ (التَّخَرُّصِ) ، (كَمَا يُقَدِّرُ أَصْحَابُ البَسَاتِينِ مَا تَحْمِلُهُ شَجَرَةٌ مِنْ ثَمَرٍ وَهُوَ عَلَيْهَا قَبْلَ قِطَافِهِ) .
يَخْرُصُونَ - يَكْذِبُونَ فِيمَا يَنْسِبُونَهُ إلَى اللهِ، أَوْ يُقَدِّرُونَ تَقْدِيراً جُزَافِيّاً.
стр. 907
(١١٧) - وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْكَ، وَمِنْ جَمِيعِ العِبَادِ، بِمَنْ ضَلَّ مِنْ عِبَادِهِ عَنْ سَبِيلِهِ القَوِيمِ، وَبِمَنِ اهْتَدَى إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، لأنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ مَنُوطَةٌ بِقَدَرِ الخَالِقِ وَمَشِيئَتِهِ، فَفَوِّض أَمْرَهُمْ إِلَى خَالِقِهِمْ، فَهُوَ العَلِيمُ بِالضَّالِّ مِنْهُمْ وَبِالمُهْتَدِي، وَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ.
стр. 908
﴿بِآيَاتِهِ﴾
(١١٨) - يُبِيحُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الأَكْلَ مِنَ الذَّبَائِحِ التِي ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عِنْدَ ذَبْحِهَا، أَمَّا مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَلاَ يُبَاحُ لَهُمْ أَكْلُهُ، وَهَذَا إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِآيَاتِ رَبِّهِم الكَرِيمِ.
стр. 909
﴿بِأَهْوَائِهِم﴾
(١١٩) - وَمَا الذِي يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبَائِحِ التِي أَحَلَّ لَكُمُ اللهُ الأَكْلَ مِنْهَا؟ وَقَدْ بَيَّنَ لَكُمُ اللهُ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (المَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ. . . الخ) إلاَّ مَا دَعَتْكُمُ الضَّرُورَةُ المُلِحَّةُ إلى أَكْلِهِ مِنْ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ. فَإنَّ اللهَ أَبَاحَ لَكُمُ الأَكْلَ مِنْهَا بِمِقْدَارِ الحَاجَةِ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يُضِلُّونَ غَيْرَهُمْ بِأَهْوَائِهِمْ الزَّائِفَةِ، وَشَهَواتِهِم الفَاسِدَةِ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ يَقِينِيٍّ أُوتُوهُ بِصِحَّةِ مَا يَقُولُونَ، وَلاَ بُرْهَانٍ عَلَيْهِ، وَهُمْ إِنَّمَا يُطِيعُونَ الشَّيَاطِينَ فِي ذَلِكَ، وَيَعْصُونَ اللهَ بِهِ. (كَالذِينَ اتَّخَذُوا السَّوَائِبَ وَالبَحَائِرَ. . وَأَحَلُّوا أَكْلَ المَيْتَةِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ. .) وَاللهُ أَعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ الذِينَ يَتَجَاوَزُونَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ إلَى مَا حَرَّمَهُ عَلَيهِمْ.
стр. 910
﴿ظَاهِرَ﴾
(١٢٠) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ المَحَارِمِ وَالمَآثِمِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا (مِمَّا تَعَلَّقَ بِالجَوَارِحِ وَأَفْعَالِهَا) ، وَمَا بَطَنَ مِنْهَا (مِمَّا تَعَلَّقَ بِالقَلْبِ وَأَعْمَالِهِ كَالكِبْرِ وَالحَسَدِ، وَتَدْبِيرِ المَكَائِدِ، وَالاعْتِدَاءِ فِي أَكْلِ المُحَرَّمَاتِ فِي أَكْثَرَ مِمَّا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَاتُ) ، وَالذِينَ يَكْسِبُونَ الآثَامَ الظَّاهِرَةَ وَالبَاطِنَةَ سَيَلْقَوْنَ جَزَاءَ إِثْمِهِمْ، وَعَاقِبَةَ كَسْبِهِمْ.
الإِثْمُ - لُغَةً مَا قَبُحَ، وَشَرْعاً مَا حَرَّمَهُ اللهُ. وَعَرَّفَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: " هُوَ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ "
ذَرُوا - اتْرُكُوا.
يَقْتَرِفُونَ - يَكْتَسِبُونَ مِنَ الإِثْمِ.
стр. 911
﴿الشياطين﴾ ﴿أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾
(١٢١) - فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ، وَلاَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَوْثَانِهِمْ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمْداً أَوْ سَهْواً يَجْعَلُ الذَّبِيحَةَ غَيْرَ حَلاَلٍ. وَقَالاَ الذَّبْحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فِسْقٌ، وَكَذَلِكَ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ التِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فِسْقٌ.
- وَقَالَ الشَّافِعِي: لاَ تَشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْداً أَوْ سَهْواً فَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، وَيَحِلّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. وَقَالَ إنَّ المُحَرَّمَ هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيرِ اللهِ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قُرَيْشٍ مِنْ نَحْرِ الذَّبَائِحِ لِلأَوْثَانِ.
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَاناً لاَ يَضُرُّ، أَمَّا تَرْكُها عَمْداً فَيَجْعَلُها غَيْرَ حَلاَلٍ.
وَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ ليُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ بِمَا يُجَادِلُونَكُمْ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ جَادَلَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ: فَقَالُوا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلاَ نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللهُ (أَيْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفهِ) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةُ، أَرْسَلَتْ فَارِسُ إلَى قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّداً، وَقُولُوا لَهُ: فَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِسِكِينٍ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا ذَبَحَ اللهُ بِشَمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبِ (أَيْ المَيْتَةَ) فَهُوَ حَرَامٌ؟
وَسَمِعَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ هَذَا القَوْلَ فَوَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ. . .) ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْتُمُ المُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ المَيْتَةِ فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ، إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ.
стр. 912
﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٢٢) - هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الذِي كَانَ مَيْتاً فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ فَأَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، وَهَدَاهُ وَوَفْقَهُ إلَى اتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَجَعَلَ لَهُ نُوراً يَهْتَدِي بِهِ كَيْفَ يَسِيرُ، وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ وَالنُّورُ هُوَ القُرْآنُ وَالإِسْلاَمُ. وَيَقُولُ تَعَالَى هُلْ يَسْتَوي المُهْتَدِي السَّائِرُ عَلَى هُدَى وَبَصِيرَةٍ، مَعَ الضَّالِّ السَّائِرِ فِي ظُلُمَاتِ الكُفْرِ وَالجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَلاَ يَهْتَدِي إلَى مَنْفَذٍ يَسْتَطِيعُ مِنْهُ الخُرُوجَ مِمَّا هُوَ فِيهِ؟
وَكَمَا زَيَّنَ اللهُ الإِيَمَانَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الإِيمَانِ، كَذَلِكَ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِهَؤُلاَءِ الضَّالِينَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَذَبْحِ القَرَابِينِ لِغَيْرِ اللهِ، وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهَا.
стр. 913
﴿أَكَابِرَ﴾
(١٢٣) - وَكَمَا جَعَلْنَا فِي قَرْيَتِكَ أَكَابِرَ مِنَ المُجْرِمِينَ الذِينَ يَدْعُونَ إلَى الكُفْرِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَدْعُونَ إلَى مُخَالَفَتِكَ وَمُعَادَاتِكَ. . كَذَلِكَ كَانَتِ الرُّسُلُ قَبْلَكَ يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. وَيَقُومُ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ بِالدَّعْوَةِ إلَى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفٍ مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ (يَمْكُرُونَ) .
وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ، لأنَّ مَكْرَهُمْ يَعُودُ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، لأَنَّ اللهَ يُهْلِكُهُمْ بِالعَذَابِ، وَيُبْطِلُ مَكْرَهُمْ، وَيَنْصُرُ رُسُلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ يَمْكُرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ.
المَكْرُ - هُوَ صَرْفُ الإِنْسَانِ عَمَّا يُرِيدُ إلَى غَيْرِهِ بِضُرُوبٍ مِنَ الحِيلةِ وَالخِدَاعِ وَزُخْرُفِ القَوْلِ.
стр. 914
﴿آيَةٌ﴾
(١٢٤) - وَإِذَا جَاءَ أُولئِكَ المُشْرِكِينَ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ تَتَضَمَّنُ صِدْقَ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى، قَالُوا: لَنْ نَذْعَنَ لِلْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْنَا الوَحْيُ، كَمَا يَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ قَائِلاً: الرِّسَالَةُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، لاَ يَنَالُهُ أَحَدٌ بِكَسْبٍ، وَلاَ يُعْطِيهِ اللهُ إِلاَّ مَنْ كَانَ أَهْلاً لَهُ. ثُمَّ يَتَوَعَّدُ اللهُ المُجْرِمِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ، بِأَنَّهُمْ سَيُصِيبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ صَغَارٌ وَذِلَّهٌ دَائِمَيْنِ بَيْنَ يَدَي اللهِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ فِي الدُّنْيا، وَسَيَنَالُهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَخَدِيعَتِهِمْ.
صَغَارٌ - ذُلٌّ عَظِيمٌ وَهَوَانٌ.
стр. 915
﴿لِلإِسْلاَمِ﴾
(١٢٥) - إِذَا أَرَادَ اللهُ هِدَايَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُيَسِّرُهُ لِلإِسْلاَمِ، وَيُوَسِّعُ قَلْبَهُ لِلْتَّوْحِيدِ، وَالإِيمَانِ بِهِ، وَيَقْذِفُ اللهُ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُضِلَّ أَحَداً يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً لاَ يَتَّسِعُ لِشَيءٍ مِنَ الهُدَى وَلاَ يَخْلُصُ إِلَيهِ شَيءٌ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِذَا طُلِبَ إِلَيْهِ التَّأَمُّلُ فِيمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ دَلاَئِلِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ. وَجَدَ فِي صَدرِهِ ضِيقاً عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِثْلُهُ فِي ضِيقِ الصَّدْرِ مَثَلُ مَنْ يَصْعَدُ إلى الطَّبَقَاتِ العُلْيا مِنَ السَّمَاءِ إِذْ يَشْعُرُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ، وَكُلَّمَا تَزَايَدَ صُعُودُهُ تَزَايَدَ شُعُورُهُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ.
وَكَمَا يَجْعَلُ اللهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلاَلَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَوا الإِيمَانَ، فَيَغْوِيهِ، وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّجْسُ هُنَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ مَا لاَ خَيْرَ فِيهِ) .
وَالرِّجْسُ لُغَةً - كُلُّ مَا هُوَ مُسْتَقْذَرٌ عَقْلاً أَوْ شَرْعاً أَوْ حِسّاً وَهُوَ هُنَا العَذَابُ.
حَرَجاً - شَدِيدَ الضِّيقِ.
يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ - يَتَكَلَّفُ صُعُودَهَا فَلاَ يَسْتَطِيعُهُ.
следующие страницы →