Полный текст (6 113 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
﴿الشياطين﴾ ﴿أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾
(١٢١) - فَلاَ تَأْكُلُوا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا مَاتَ فَلَمْ تَذْبَحُوهُ، وَلاَ مِمَّا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ، مِمَّا ذَبَحَهُ المُشْرِكُونَ لأَوْثَانِهِمْ، فَإِنَّ أَكْلَ ذَلِكَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ عَمْداً أَوْ سَهْواً يَجْعَلُ الذَّبِيحَةَ غَيْرَ حَلاَلٍ. وَقَالاَ الذَّبْحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فِسْقٌ، وَكَذَلِكَ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ التِي لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهَا فِسْقٌ.
- وَقَالَ الشَّافِعِي: لاَ تَشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ بَلْ هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، فَإِنْ تُرِكَتْ عَمْداً أَوْ سَهْواً فَلاَ ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، وَيَحِلّ الأَكْلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ. وَقَالَ إنَّ المُحَرَّمَ هُوَ مَا ذُبِحَ لِغَيرِ اللهِ، كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ قُرَيْشٍ مِنْ نَحْرِ الذَّبَائِحِ لِلأَوْثَانِ.
- وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ نِسْيَاناً لاَ يَضُرُّ، أَمَّا تَرْكُها عَمْداً فَيَجْعَلُها غَيْرَ حَلاَلٍ.
وَإِنَّ شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالجِنِّ ليُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ بِمَا يُجَادِلُونَكُمْ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ جَادَلَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ: فَقَالُوا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلْنَا، وَلاَ نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللهُ (أَيْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفهِ) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةُ، أَرْسَلَتْ فَارِسُ إلَى قُرَيْشٍ أَنْ خَاصِمُوا مُحَمَّداً، وَقُولُوا لَهُ: فَمَا تَذْبَحُ أَنْتَ بِسِكِينٍ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا ذَبَحَ اللهُ بِشَمْشِيرٍ مِنْ ذَهَبِ (أَيْ المَيْتَةَ) فَهُوَ حَرَامٌ؟
وَسَمِعَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ هَذَا القَوْلَ فَوَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ. . .) ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنْ أَطَعْتُمُ المُشْرِكِينَ فِي أَكْلِ المَيْتَةِ فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، لأَنَّكُمْ تَكُونُونَ قَدْ عَدَلْتُمْ عَنْ شَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ، إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، فَقَدَّمْتُمْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ.
стр. 912
﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ ﴿الظلمات﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾
(١٢٢) - هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِ الذِي كَانَ مَيْتاً فِي الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ فَأَحْيَا اللهُ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، وَهَدَاهُ وَوَفْقَهُ إلَى اتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَجَعَلَ لَهُ نُوراً يَهْتَدِي بِهِ كَيْفَ يَسِيرُ، وَكَيْفَ يَتَصَرَّفُ وَالنُّورُ هُوَ القُرْآنُ وَالإِسْلاَمُ. وَيَقُولُ تَعَالَى هُلْ يَسْتَوي المُهْتَدِي السَّائِرُ عَلَى هُدَى وَبَصِيرَةٍ، مَعَ الضَّالِّ السَّائِرِ فِي ظُلُمَاتِ الكُفْرِ وَالجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَلاَ يَهْتَدِي إلَى مَنْفَذٍ يَسْتَطِيعُ مِنْهُ الخُرُوجَ مِمَّا هُوَ فِيهِ؟
وَكَمَا زَيَّنَ اللهُ الإِيَمَانَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الإِيمَانِ، كَذَلِكَ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِهَؤُلاَءِ الضَّالِينَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الجَهَالَةِ وَالضَّلاَلِ، وَذَبْحِ القَرَابِينِ لِغَيْرِ اللهِ، وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللهُ بِمِثْلِ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُهَا.
стр. 913
﴿أَكَابِرَ﴾
(١٢٣) - وَكَمَا جَعَلْنَا فِي قَرْيَتِكَ أَكَابِرَ مِنَ المُجْرِمِينَ الذِينَ يَدْعُونَ إلَى الكُفْرِ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَدْعُونَ إلَى مُخَالَفَتِكَ وَمُعَادَاتِكَ. . كَذَلِكَ كَانَتِ الرُّسُلُ قَبْلَكَ يُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. وَيَقُومُ هَؤُلاَءِ المُجْرِمُونَ بِالدَّعْوَةِ إلَى الضَّلالَةِ بِزُخْرُفٍ مِنَ القَوْلِ وَالفِعْلِ (يَمْكُرُونَ) .
وَفِي الحَقِيقَةِ إِنَّهُمْ لاَ يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ، لأنَّ مَكْرَهُمْ يَعُودُ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، لأَنَّ اللهَ يُهْلِكُهُمْ بِالعَذَابِ، وَيُبْطِلُ مَكْرَهُمْ، وَيَنْصُرُ رُسُلَهُ، وَلَكِنَّهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِأَنَّهُمْ يَمْكُرُونَ بِأَنْفُسِهِمْ.
المَكْرُ - هُوَ صَرْفُ الإِنْسَانِ عَمَّا يُرِيدُ إلَى غَيْرِهِ بِضُرُوبٍ مِنَ الحِيلةِ وَالخِدَاعِ وَزُخْرُفِ القَوْلِ.
стр. 914
﴿آيَةٌ﴾
(١٢٤) - وَإِذَا جَاءَ أُولئِكَ المُشْرِكِينَ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ تَتَضَمَّنُ صِدْقَ الرَّسُولِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، مِنَ التَّوْحِيدِ وَالهُدَى، قَالُوا: لَنْ نَذْعَنَ لِلْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْنَا الوَحْيُ، كَمَا يَنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ.
وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هَؤُلاَءِ قَائِلاً: الرِّسَالَةُ فَضْلٌ مِنَ اللهِ يَمُنُّ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، لاَ يَنَالُهُ أَحَدٌ بِكَسْبٍ، وَلاَ يُعْطِيهِ اللهُ إِلاَّ مَنْ كَانَ أَهْلاً لَهُ. ثُمَّ يَتَوَعَّدُ اللهُ المُجْرِمِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَنِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَالانْقِيَادِ لَهُمْ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ، بِأَنَّهُمْ سَيُصِيبُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ صَغَارٌ وَذِلَّهٌ دَائِمَيْنِ بَيْنَ يَدَي اللهِ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ فِي الدُّنْيا، وَسَيَنَالُهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الآخِرَةِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَخَدِيعَتِهِمْ.
صَغَارٌ - ذُلٌّ عَظِيمٌ وَهَوَانٌ.
стр. 915
﴿لِلإِسْلاَمِ﴾
(١٢٥) - إِذَا أَرَادَ اللهُ هِدَايَةَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُيَسِّرُهُ لِلإِسْلاَمِ، وَيُوَسِّعُ قَلْبَهُ لِلْتَّوْحِيدِ، وَالإِيمَانِ بِهِ، وَيَقْذِفُ اللهُ فِي قَلْبِهِ نُوراً يَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
وَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُضِلَّ أَحَداً يَجْعَلُ صَدْرَهُ ضَيِّقاً لاَ يَتَّسِعُ لِشَيءٍ مِنَ الهُدَى وَلاَ يَخْلُصُ إِلَيهِ شَيءٌ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِذَا طُلِبَ إِلَيْهِ التَّأَمُّلُ فِيمَا يُدْعَى إِلَيْهِ مِنْ دَلاَئِلِ التَّوْحِيدِ وَالنَّظَرِ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ. وَجَدَ فِي صَدرِهِ ضِيقاً عَنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مِثْلُهُ فِي ضِيقِ الصَّدْرِ مَثَلُ مَنْ يَصْعَدُ إلى الطَّبَقَاتِ العُلْيا مِنَ السَّمَاءِ إِذْ يَشْعُرُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ، وَكُلَّمَا تَزَايَدَ صُعُودُهُ تَزَايَدَ شُعُورُهُ بِضِيقٍ فِي التَّنَفُّسِ.
وَكَمَا يَجْعَلُ اللهُ صَدْرَ مَنْ أَرَادَ إِضْلاَلَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، كَذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَمْثَالِهِ مِمَّنْ أَبَوا الإِيمَانَ، فَيَغْوِيهِ، وَيَصُدُّهُ عَنْ سَبِيلِ اللهِ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّجْسُ هُنَا هُوَ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ مَا لاَ خَيْرَ فِيهِ) .
وَالرِّجْسُ لُغَةً - كُلُّ مَا هُوَ مُسْتَقْذَرٌ عَقْلاً أَوْ شَرْعاً أَوْ حِسّاً وَهُوَ هُنَا العَذَابُ.
حَرَجاً - شَدِيدَ الضِّيقِ.
يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ - يَتَكَلَّفُ صُعُودَهَا فَلاَ يَسْتَطِيعُهُ.
стр. 916
﴿صِرَاطُ﴾ ﴿الآيات﴾
(١٢٦) - وَدِينُ الإِسْلاَمِ الذِي شَرَعْنَاهُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ، هُوَ صِرَاطُ اللهِ المُسْتَقِيمُ، وَقَدْ وَضَّحْنَا الآيَاتِ وَبَيَّنَّاهَا، لِقَوْمٍ يَفْهَمُونَ وَيَعْقِلُونَ وَيَعُونَ.
فَصَّلْنَا - بَيَّنَّا وَوَضَّحْنَا.
يَذَّكَّرُونَ - يَعُونَ وَيَفْهَمُونَ وَيَعْقِلُونَ.
стр. 917
﴿السلام﴾
(١٢٧) - وَلِهَؤُلاَءِ المُتَّبَعِينَ صِرَاطَ رَبِّهِم المُسْتَقِيمَ الجَنَّةُ، عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَاللهُ حَافِظُهُمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ، فَجَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِم الصَّالِحَةِ، تَوَلاَّهُمُ اللهُ، وَأَثَابَهُمُ الجَنَّةَ بِمِنَّهِ وَكَرَمِهِ.
دَارُ السَّلاَمِ - الجَنَّةُ. وَسُمِّيَتْ كَذَلِكَ لِسَلاَمَةِ المُؤْمِنِينَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْهَا.
وَلِيُّهُمْ - نَاصِرُهُمْ وَحَافِظُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ.
стр. 918
﴿يَامَعْشَرَ﴾ ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾
(١٢٨) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ، فِيمَا تَقُصُّهُ عَلى هَؤُلاَءِ، وَتُنْذِرُهُمْ بِهِ، مَا يَجْرِي يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ يَحْشُرُ اللهُ الجِنَّ وَأَوْلِيَاءَهُمْ مِنَ الإِنْسِ الذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدُّنْيا، وَيَعُوذُونَ بِهِمْ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ إِغْوَاءِ الإِنْسِ وَإِضْلاَلِهِمْ، فَأَوْرَدْتُمُوهُمُ النَّارَ. وَقَالَ أَوْلِيَاءُ الجِنِّ مِنَ الإِنْسِ يُجِيبُونَ اللهَ تَعَالَى: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، بِمَا كَانَ لِلْجِنِّ مِنَ اللذَّةِ فِي إِغْوَائِنا بِالأَبَاطِيلِ، وَأَهْوَاءِ الأَنْفُسِ وَشَهَوَاتِهَا، وَبِمَا كَانَ لَنَا فِي طَاعَتِهِمْ وَوَسْوَسَتِهِمْ مِنَ المُتْعَةِ، وَاتِّبَاعِ الهَوَى، وَالانْغَمَاسِ فِي اللَّذَّاتِ، وَبَلَغْنَا، بَعْدَ اسْتِمْتَاعِ بَعْضِنَا بِبَعْضٍ، إلَى الأَجَلِ الذِي قَدَّرْتَهُ لَنَا وَهُوَ المَوْتُ (أَوْ هُوَ يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ) .
فَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: النَّارُ مَثْوَاكُمْ وَمَنْزِلُكُمْ، أَنْتُمْ وَأَوْلِيَاؤُكُمْ، مَاكِثِينَ فِيهَا سَرْمَداً، إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يُنْقِذَهُ، وَاللهُ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَحُكْمِهِ، عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُ النَّاسُ.
اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ - أَكْثَرْتُمْ مِنْ دَعْوَتِهِمِ إلَى الضَّلاَلَةِ وَإِغْوَائِهِمْ.
مَثْواكُمْ - مَأْوَاكُمْ وَمُسْتَقَرَّكُمْ.
стр. 919
﴿الظالمين﴾
(١٢٩) - وَكَمَا جَعَلْنَا هَؤُلاَءِ الخَاسِرِينَ مِنَ الإِنْسِ أَنْصَاراً وَأَوْلِياءَ لِتِلْكَ الطَّائِفَةِ التِي أَغْوَتْهُمْ مِنَ الجِنِّ، كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالظَّالِمِينَ، نُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَنُهْلِكُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، وَنَنْتَقِمُ مِنْ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَبَغْيِهِمْ.
وَقَالَ الأَعْمَشُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: (إذَا فَسَدَ النَّاسُ أَمَرَ اللهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، وَذَلِكَ أنَّ المُلُوكَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الأُمَمِ الجَاهِلَةِ تَصَرُّفَ الرُّعَاةِ فِي الأَغْنَامِ السَّائِمَةِ) .
стр. 920
﴿يَامَعْشَرَ﴾ ﴿آيَاتِي﴾ ﴿الحياة﴾ ﴿كَافِرِينَ﴾
(١٣٠) - وَيَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ كُفَّارَ الإِنْسِ وَالجِنِّ مُقَرِّعاً فَيَقُولُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَهُمُ الرُّسُلُ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ، وَهَلْ أََنْذَرُوهُمْ لِقَاءَ يَوْمِ القِيَامَةِ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّنَا نُقِرُّ بِأَنَّ الرُّسُلَ جَاؤُونَا، وَأَبْلَغُونَا آيَاتِكَ، وَأَنْذَرُونَا بِأَنَّنَا مُلاَقُو رَبِّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ، وَأّنَّنَا فَرَّطْنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا، وَهَلَكَنْا بِتَكْذِيبنَا الرُّسُلَ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَاغْتَرَرْنَا بِزُخْرِفِ الحَيَاةِ الدُّنْيا وَزِينَتِهَا وَشَهَواتِها، وَأَنَّنَا نَشْهَدُ عَلَى أَنْفُسِنَا أَنَّنَا كُنَّا كَافِرِينَ فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيا.
غَرَّتْهُمْ - خَدَعَتْهُمْ بِبَهْرَجِهَا وَزِينَتِهَا.
стр. 921
﴿غَافِلُونَ﴾
(١٣١) - لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ تَعَالَى إلَى الإِنْسِ وَالجِنِّ، بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الكُتُبِ، لِئَلاَ يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِظُلْمٍ، وَهُوَ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ اللهِ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ لاَ يُعَاجِلُ قَوْماً بِالعُقُوبَةِ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً يَدْعُوهُمْ إلَى اللهِ، وَيُنْذِرُهُمْ عِقَابَهُ. وَلاَ يُؤَاخِذُهُمْ رَبُّهُمْ عَلَى غَفْلَةٍ مِنْهُمْ لِكَيْلاَ يَقُولُوا: مَا جَاءَنَا بَشِيرٌ وَلاَ نَذِيرٌ، وَلَوْ جَاءَنَا رَسُولٌ لاَهْتَدَيْنا، وَلآمَنَّا بِرَبِنَّا وَاتَّبَعْنَا الرُّسُلَ.
стр. 922
﴿دَرَجَاتٌ﴾ ﴿بِغَافِلٍ﴾
(١٣٢) - وَلِكُلِّ عَامِلٍ - سَوَاءٌ أَطَاعَ اللهَ أَوْ عَصَاهُ - مَرَاتِبٌ وَمَنَازِلٌ مِنْ عَمَلِهِ، يُبَلِّغه اللهُ إِيَاها، وَيُثِيبُهُ بِهَا، إنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَراً فَشَراً، وَجَمِيعُ أَعْمَالِهِمْ بِعِلْمِ اللهِ، يُحْصِيهَا وَيُثبْتُهَا عِنْدَهُ لِيَجْزِيَهُمْ بِهَا، فَهُوَ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْ شَيءٍ مِمَّا يَعْمَلُونَ.
стр. 923
﴿آخَرِينَ﴾
(١٣٣) - وَرَبُّكَ، يَا مُحَمَّدُ، هُوَ الغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ جَمِيعِ الوُجُوهِ، وَهُمُ الفُقَرَاءُ إِلَيهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ، وَهُوَ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ وَلِذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِالخَيْرِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، لِيَفُوزُوا بِالثَّوَابِ، وَيَجْتَنِبُوا العِقَابَ. فَإِذَا شَاءَ أَذْهَبَكُمْ إذَا خَالَفْتُمْ أَمْرَهُ، وَجَاءَ بِقَومٍ آخَرِينَ يَجْعَلُهُمْ خُلَفَاءَ فِي الأَرْضِ يَعْمَلُونَ بِطَاعَتِهِ، وَذَلِكَ يَسِيرٌ عَلَى اللهِ. فَكَمَا أَذْهَبَ القُرُونَ الأُولَى، وَأَتَى بِغَيْرِهِمْ، كَذَلِكَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى إِذْهَابِ قَوْمِكَ، وَالإِتْيَانِ بِآخَرِينَ غَيْرِهِمْ.
стр. 924
﴿لآتٍ﴾
(١٣٤) - وَأَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أنَّ الذِي يُوعَدُونَ بِهِ، مِنْ أَمْرِ الحَشْرِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ، كَائِنٌ لاَ مَحَالَةَ، وَأَنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ اللهَ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، وَإِنْ أَصْبَحُوا تُرَاباً وَعِظَاماً، لأنَّهُ تَعَالَى لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ.
بِمُعْجِزِينَ - بِقَادِرِينَ عَلَى الهَرَبِ مِنْ عَذَابِ اللهِ.
стр. 925
﴿يَاقَوْمِ﴾ ﴿عَاقِبَةُ﴾ ﴿الظالمون﴾
(١٣٥) - وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الكُفَّارَ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ، فَيَأْمُرُ رَسُولَهُ ﷺ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: اسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقَتِكُمْ، إنْ كُنْتُمْ تَظُنَّونَ أَنَّكُمْ عَلَى هُدًى، فَأَنَا مُسْتَمِرٌ عَلَى طَرِيقَتِي وَمَنْهَجِي، وَسَتَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ العَاقِبَةُ، أَتَكُونُ لَكُمْ أَمْ لِي؟ وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ وَعْدَهُ لِرَسُولِهِ فَفَتَحَ مَكَّةَ، وَأَذَلَّ اللهُ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، لأنَّ المُشْرِكِينَ وَالظَّالِمِينَ لاَ يُفْلِحُونَ.
عَلَى مَكَانَتِكُمْ - غَايَةَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، أَوْ عَلَى طَرِيقَتِكُمْ.
стр. 926
﴿الأنعام﴾ ﴿لِشُرَكَآئِهِمْ﴾ ﴿لِشُرَكَآئِنَا﴾ ﴿شُرَكَآئِهِمْ﴾
(١٣٦) - يَذُمُّ اللهُ تَعَالَى المُشْرِكِينَ، وَيُوَبِّخُهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ بِدَعٍ وَكُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَعَلَى مَا جَعَلُوهُ للهِ، مِنْ أَنْدَادٍ وَشُرَكَاءَ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ. فَقَدْ جَعَلُوا لَهُ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ (ذَرَأَ) مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ (مِنَ الحَرْثِ) ، وَمِنَ البَهَائِمِ وَالأَنْعَامِ، وَجَعَلُوا لِمَنْ أَشْرَكُوهُمْ فِي العِبَادَةِ مَعَ اللهِ، مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، نَصِيباً آخَرَ فَقَالُوا: - فِيمَا زَعَمُوا وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَيهِ - فِي النَّصِيبِ الأَوَّلِ هَذَا للهِ نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيهِ. وَقَالُوا فِي النَّصِيبِ الثَّانِي: هَذَا لِمَعْبُودَاتِنَا (لِشُرَكَائِنَا) ، نَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهَا، فَكَانُوا يُنْفِقُونَ نَصِيبَ اللهِ عَلَى قِرَى الأَضْيَافِ، وَإِكْرَامِ الصّبْيَانِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى المَسَاكِينِ. أَمَّا نَصِيبُ آلِهَتِهِمْ فَكَانُوا يُنْفِقُونَهُ عَلَى سَدَنَتِهَا، وَعَلَى القَرَابِينِ إِلَيْها. فَمَا خَصُّوا مَعْبُُودَاتِهِمْ بِهِ، مَا كَانَ لِيَصْرِفَ شَيءٌ مِنْهُ فيِ الوُجُوهِ التِي جَعَلَهَا للهِ، بَلْ يَهْتَمُونَ بِحِفْظِهِ عَلَى السَّدَنَةِ، وَعَلَى ذَبْحِ القَرَابِينِ إِلَيْها. وَمَا خَصُّوا بِهِ اللهَ، وَجَعَلُوهُ لَهُ، فَكَانُوا يُحَوِّلُونَهُ أَحْيَاناً إلَى الأَصْنَامِ. وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى تَصَرُّفِهِمْ هَذَا فَقَالَ: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) ، إِذْ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْلاً فِي القَسَمِ وَالتَّخْصِيصِ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيءٍ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ أَحَدٌ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَسَمُوا هَذِهِ القِسْمَةَ الفَاسِدََ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا، بَلْ جَارُوا فِيهَا وَتَجاوَزُوا الحَدَّ.
ذَرَأَ - خَلَقَ عَلَى وَجْهِ الاخْتِرَاعِ أَوْ بَثَّ.
الحَرْثِ - الزَّرْعِ.
الأَنْعَامِ - الإِبْلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ.
стр. 927
﴿أَوْلاَدِهِمْ﴾
(١٣٧) - وَكَمَا زَيَّنَتِ الشَّيَاطِينُ لِهَؤُلاَءِ أَنْ يَجْعَلُوا للهِ نَصِيباً مِمَّا خَلَقَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ، وَلِلأَوْثَانِ نَصِيباً آخَرَ، كَذَلِكَ زَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ، خَشْيَةَ الفَقْرِ وَالإِمْلاَقِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ خَشْيَةَ العَارِ (وَالشُّرَكَاءُ، هُنَا، هُمُ الشَّيَاطِينُ) . وَقَدْ زَيَّنَتْ لَهُمُ الشَّيَاطِينُ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ، لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ، وَيُفْسِدُوا عَلَيْهِمْ فِطْرَتَهُمْ، فَتَنْقَلِبَ عَوَاطِفَ وِدِّ الوَالِدَينِ، مِنْ رَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ، إلَى قَسْوَةٍ وَوَحْشِيَّةٍ، فَيَنْحَرَ الوَالِدُ وَلَدَهُ، وَيَدْفُنَ الأَبُّ ابْنَتَهُ وَهِيَ حَيَّةٌ. وَقَدْ لَبَسَتِ الشَّيَاطِينُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَدَّعُونَهُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِدِينِ أَبِيهِمْ إِسْمَاعِيلَ، وَجَدِّهِمْ إِبْرَاهِيمَ، ﵉. وَقَدْ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَقَالِيدِ الشِّرْكِ، حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ مَا هُوَ الأَصْلُ، وَمَا هُوَ المُبْتَدَعُ فِيهِ. وَلُوَ شَاءَ اللهُ ألاَّ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَا فَعَلُوهُ، وَلَكِنَّ إرَادَتَهُ وَحِكْمَتَهُ قَضَتَا بِجَعْلِهِمْ مُسْتَعِدِينَ لِلْتَّأَثُّرِ بِكُلِّ مَا يَرِدُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْكَارِ وَالآرَاءِ، وَاخْتِيَارِ مَا يَتَرَجَّحُ لَدَيْهِمْ. فَذَرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَمَا يَتَقَوَّلُونَ وَمَا يَفْتَرُونَ وَيَبْتَدِعُونَ.
لِيَرُدُّوهُمْ - لِيُهْلِكُوهُمْ بِالإِغْوَاءِ.
لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ - لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُمَوِّهُوا عَلَيْهِمْ.
يَفْتَرُونَ - يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ.
стр. 928
﴿أَنْعَامٌ﴾
(١٣٨) - وَإِنَّهُمْ، لِغِوَايَتِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، قَسَمُوا أَنْعَامَهُمْ وَزُرُوعَهُمْ إلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - أَنْعَامٍ وَأَقْوَاتٍ مِنْ حُبُوبٍ وَغَيْرِها، تُقْتَطَعُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُجْعَلُ لِمَعْبُودَاتِهِمْ، تَعَبُّداً وَتَدَيُّناً، وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِغَيرِ هَذِهِ المَعْبُودَاتِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا مُحْتَجَرَةٌ لِللآلِهَةِ، لاَ تُعْطَى لِغَيرِهَا وَلاَ يَطْعَمُهَا إلاَّ مَنْ يَشَاؤُونَ، أَيْ لاَ يَأْكُلُ مِنْهَا إلاَّ الذُّكُورُ دُونَ الإِنَاثِ.
ب - أَنْعَامٌ حٌرِّمَتْ ظُهُورُهَا، فَلاَ تُرْكَبُ وَلاَ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهِيَ البَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالحَامِي.
ج - وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا عِنْدَ الذَّبْحِ بَلْ يُهِلُّونَ بِهَا لآلِهَتِهِمْ وَحْدَها، وَكَانُوا إذَا حَجُّوا لاَ يَحِجُّونَ عَلَيْهَا، وَلاَ يُلَبُّونَ عَلَى ظُهُورِها.
وَقَدْ قَسَمُوا هَذا التَّقْسِيمِ، وَجَعَلُوهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ، وَنَسَبُوهُ إلَى اللهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ، وَاللهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، فَهُوَ لَمْ يَشْرَعْهُ لَهُمْ، وَسَيَجْزِيهِم اللهُ، عَلَى هَذَا الافْتِرَاءِ، الجَزَاءَ الذَي يَسْتَحِقُّونَهُ.
حِجْرٌ - مَحْجُورَةٌ وَمُحْتَجَرَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ.
حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا - وَهِيَ السَّوائِبُ وَالبَحَائِرُ وَالحَوَامِي.
стр. 929
﴿الأنعام﴾ ﴿أَزْوَاجِنَا﴾
(١٣٩) - وَخَصَّصُوا نَتَاجَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ لِذُكُورِهِمْ، وَحَرَّمُوهُ عَلَى إِنَاثِهِمْ، فَلاَ تَشْرَبُ الإِنَاثَ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الأَنْعَامِ، وَإذَا وَلَدَتْ ذَكَراً كَانَ لَحْمُهُ مُخَصَّصاً لِلْذُكُورِ دُونَ الإِنَاثِ، أَمَّا إِذَا وَلَدَتْ أُنْثَى فَتُتْرَكُ لِلنِّتَاجِ. وَإِذَا وَلَدَتْ مَوُلُوداً مَيِّتاً اشْتَرَكَ فِي أَكْلِهِ الذُّكُورُ وَالإِنَاثُ.
وَسَيَجْزِيهِمِ اللهُ تُعُالَى عَلَى قَوْلِهِم الكَذِبَ فِي ذَلِكَ، إِذِ ادَّعُوا أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ قَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ اللهُ تَعَالَى (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ) إنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِي أَفْعَالِهِ وَشَرْعِهِ، عَلِيمٌ بِأَعْمَالِ العِبَادِ.
البَحِيرَةُ - المَشْقُوقَةُ الأُذْنِ مِنَ الأَنْعَامِ.
السَّائِبَةُ - التِي تُسَيِّبُ وَتُتْرَكُ لِلآلِهَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ.
سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ - سَيَجْزِيهِمْ كَذِبَهُمْ عَلى اللهِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
стр. 930
﴿أَوْلاَدَهُمْ﴾
(١٤٠) - أَنْكَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مُشْرِكِي العَرَبِ أَمْرَينِ، وَنَعَاهُمَا عَلَيْهِمْ وَهُمَا:
أ - قَتْلُ أَوْلاَدِهِمْ وَوَأَدُ بَنَاتِهِمْ سَفَهاً، وَالأَوْلاَدُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَإِذَا سَعَى العَبْدُ فِي زَوَالِهَا فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً عَظِيماً.
ب - وَتَحْرِيمِ بَعْضِ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، فَقَدْ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ ابْتَدَعُوهَا هُمْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ.
فَقَالَ تَعَالَى: إنَّ الذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى قَتْلِ أَوْلاَدِهِمْ، وَوَأْدِ بَنَاتِهِمْ، وَتَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، قَدْ خَسِرُوا فِي الدُّنْيا، لأَنَّهُمْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْعَمَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَخَسِرُوا فِي الآخِرَةِ، لأنَّهُمْ سَيَكُونُونَ فِي أَسْوَأِ المَنَازِلِ بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ عَلَى اللهِ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ، إِذْ ادَّعُوا أَنَّ اللهَ هُوَ الذِي أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلاَلٌ مِنْهُمْ وَسَفَهٌ، وَبُعْدٌ عَنِ الهُدَى.
стр. 931
﴿جَنَّاتٍ﴾ ﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾ ﴿مُتَشَابِهاً﴾ ﴿مُتَشَابِهٍ﴾ ﴿وَآتُواْ﴾
(١٤١) - وَرَبُّكُمُ اللهُ، أيُّهَا النَّاسُ، هُوَ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَخَلَقَ بَسَاتِينَ فِيهَا أَشْجَارٌ مَعْرُوشَاتٌ - أَيْ مَرْفُوعَاتٌ عَلَى عَرَائِشَ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ - وَغَيْرُ مَعْرُوشَاتٌ، وَخَلَقَ الزُّرُوعَ، وَمِنْهَا الحُبُوبُ، وَخَلَقَ النَّخِيلَ مُخْتَلِفاً فِي طَعْمِهِ حِينَ أَكْلِهِ، وَخَلَقَ الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً فِي مَنْظَرِهِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي طَعْمِهِ، مَعْ أَنَّهُ كُلَّهُ يَنْبُتُ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَيُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ حِينَ يُثْمِرُ، وَأَدُّوا الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ يَوْمَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.
وَلا تُسْرِفُوا فِي كُلِّ شَيءٍ: فِي الأَكْلِ وَفِي الإِنْفَاقِ وَفِي اللِّبَاسِ، لأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ.
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ مَنْ يَجُزُّ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِقِنْوٍ مِنْهَا يُعَلِّقُهُ فِي المَسْجِدِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ المَسَاكِينُ) .
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إذَا حَضَرَكَ المَسَاكِينُ حِينَ الجَنْيِ وَالقِطَافِ طَرَحْتَ لَهُمْ شَيْئا ") .
مَعْرُوشَاتٍ - مُحْتَاجَةٍ إلَى الرَّفْعِ عَلَى العَرَائِشِ كَأَشْجَارِ الكُرُومِ.
مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ - مُخْتَلِفَ الطَّعْمِ حِينَ الأَكْلِ.
стр. 932
﴿الأنعام﴾ ﴿خُطُوَاتِ﴾ ﴿الشيطان﴾
(١٤٢) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ خَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ حَيَوَانَاتٍ كِبَاراً، لِيَحْمِلُوا عَلَيْهَا مَتَاعَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ (حَمُولَةً) كَالْجِمَالِ وَالأَبْقَارِ، وَخَلَقَ مِنَ الأَنْعَامِ صِغَاراً كَالفُصْلانِ الدَّانِيَةِ مِنَ الأَرْضِ لِصِغَرِ أَجْسَامِهَا، كَالفرْشِ المَفْرُوشَةِ عَلَيها، لِيَأْكُلُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا، وَلِسْتَفِيدُوا مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا. وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنَ الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ طَرَائِقِ الشَّيْطَانِ وَمَسَالِكِهِ وَأَوَامِرِهِ كَمَا اتَّبَعَهَا المُشْرِكُونَ الذِينَ حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَيْهِ. وَالشَّيْطَانُ عَدُوٌّ لِلإِنْسَانِ بَيِّنُ العَدَاوَةِ، لاَ يُرِيدُ لَهُ الخَيْرَ، وَلا يُرِيدُ لَهُ الأَمْنَ وَالسَّلاَمَةَ، وَلاَ الفَوْزَ بِرِضْوَانِ اللهِ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يُضِلَّهُ وَيُؤَدِي بِهِ إلَى الهَلاَكِ.
حَمُولَةً - مَا يَحْمِلُ الأَثْقَالَ كَالإِبْلِ.
فَرْشاً - مَا يُفْرَشُ لِلْذَّبْحِ، كَالغَنَمِ وَالمَاعِزِ. أَوْ مَا هُوَ صَغيرُ الجِسْمِ قَرِيبٌ مِنَ الأَرْضِ كَالفِرَاشِ
خُطُوَاتِ - طُرُقَهُ وَآثَارَهُ تَحْرِيماً وَتَحْلِيلاً.
стр. 933
﴿ثَمَانِيَةَ﴾ ﴿أَزْوَاجٍ﴾ ﴿ءَآلذَّكَرَيْنِ﴾ ﴿صَادِقِينَ﴾
(١٤٣) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى هُنَا جَهْلَ العَرَبِ، قَبْلَ الإِسْلاَمِ، فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَنْعَامِ، وَجَعَلَوهَا أَجْزَاءً وَأَنْوَاعاً (بَحِيرةً وَسَائِبةً وَحَامَياً. .) وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ فِي الأَنْعَامِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَيُبَيِّنُ اللهُ أَنَّهُ أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ، وَأَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً، ثُمَّ بَيَّنَ أَصْنَافَ الأَنْعَامِ فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، وَلاَ شَيْئاً مِنْ أَوْلاَدِهَا، بَلْ جَعَلَهَا كُلَّهَا مُسَخَّرةً لِبَنِي آدَمَ، أَكْلاً وَرُكُوباً وَحَمُولَةً وَحَلْباً، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ خَلَقَ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الأَنْعَامِ: مِنَ الضَّأنِ (الغَنَمِ) زَوْجَيْنِ ذَكَراًَ وَأُنْثَى وَمِنَ المَاعِزِ زَوْجَيْنِ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، وَلَمْ يُحَرِّمْ مِنْهَا شَيْئاً لاَ الذُّكُورَ وَلاَ الإِنَاثَ، فَلِمَ تُحَرِّمُونَ أَنْتُمْ بَعْضاً، وَتُحِلُّونَ بَعْضاً؟ وَهَلْ يَشْتَمِلُ الرَّحمُ عِنْدَ الحَمَلِ إِلاَّ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى؟ وَإِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلاَلاً.
فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَخْبِرُونِي عَنْ يَقِينٍ (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ) كَيْفَ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ مَا زَعَمْتُمْ تَحْرِيمَهُ؟
стр. 934
﴿ءَآلذَّكَرَيْنِ﴾ ﴿وَصَّاكُمُ﴾ ﴿الظالمين﴾
(١٤٤) - وَخَلَقَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الإِبِلِ زَوْجَينِ، ذَكَراً وَأُنْثَى، وَمِنَ البَقَرِ زَوْجَينِ، فَاسْأَلْهُمْ هَلْ حَرَّمَ اللهُ الذُّكُورَ أَمِ الإِنَاثَ، (أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ) ، وَالأُنْثَى لاَ تَحْمِلُ إلاَّ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى. فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُحْرِّمْ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ شَيْئاً، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كُلَّهُ حَلاَلاً لِلْنَّاسِ لِيَنْتَفِعُوا بِهِ.
وَيَسْأَلْهُمُ اللهُ تَعَالَى إِنْ كَانُوا حَاضِرِينَ (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) حِينَ أَوْصَاهُمُ اللهُ بِمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ؟ (وَهُوَ تَهَكُّمٌ عَلَْهِمْ) .
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ لاَ أَحَدَ أَكْثَرَ ظُلْماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَأَتَى بِبِدَعٍ، زَعَمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، لِيُضِلَّ بِهَا النَّاسَ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ.
وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا - أَمَرَكُمُ اللهُ بِهَذَا التَّحْرِيمِ.
стр. 935
(١٤٥) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُفْتَرِينَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ، الذِينَ حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ: إِنَّنِي لاَ أَجِدُ، فِيمَا أَوْحَاهُ اللهُ إِليَّ، طَعَاماً مُحَرَّماً عَلَى آكِلٍ يُريدُ أَنْ يَأْكُلَهُ، إلاَّ مَا حَرَّمَ اللهُ: (المَيْتَةَ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ وَالدَّمَ المَسْفُوحَ - أَيِ المُهْرَاقَ - وَمَا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ - مَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ) . . إِلخ.
وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ شَيءٍ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ، وَهُوَ لاَ يَقْصِدُ بِأَكْلِهِ البَغْيَ وَالعُدْوَانَ، وَتَجَاوُزَ شَرْعِ اللهِ، فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، لأنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلاَلَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ) .
وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، بِالإِضَافَةِ إلَى مَا حَرَّمَهُ اللهُ، عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ السِّبَاعِ، وَعَنْ أَكْلِ لَحْمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ (الجَوَارِحِ) .
طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ - آكِلٍ يَأْكُلُهُ.
دَماً مَسْفُوحاً - دَماً سَائِلاً مُهْرَاقاً.
رِجْسُ - قَذَرٌ أَوْ نَجَسٌ أَوْ حَرَامٌ.
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ - ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ.
اضْطُرَّ - أَلْجَأَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلى أَكْلِهِ.
غَيْرَ بَاغٍ - غَيْرَ طَالِبٍ لِلْحَرَامِ لِلَذَّةٍ أَوْ اسْتِئْثَارٍ.
وَلاَ عَادٍ - غَيْرَ مُتَجَاوِزٍ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ.
стр. 936
﴿جَزَيْنَاهُم﴾ ﴿لَصَادِقُونَ﴾
(١٤٦) - وَيَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ - عَلَى سَبِيلِ العُقُوبَةِ لَهُمْ لاَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ - لَحْمَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ مِنَ البَهَائِمِ وَالطُّيُورِ (أَيْ مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأَصَابِعِ كَالإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالإِوَزِّ وَالبَطِّ) ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَ البَقَرِ وَالغَنَمِ الخَالِصَةَ، وَهِيَ الثُّرْبُ (الشَحْمُ الذِي يَلُفُّ الأَمْعَاءَ، أَمَّا مَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ شَحْمٍ - وَمِنْهُ الإِلْيَةُ - وَمَا وُجِدَ فِي الحَوَايَا (وَهِيَ المَبَاعِرُ وَالمَرَابِضُ) وَمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مِنَ الشَّحْمِ وَالعِظَامِ، فَإِنَّهُ حَلالٌ) . وَهَذَا التَّحْرِيمُ فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى بَغْيِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللهِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى لَعَادِلٌ فِي حُكْمِهِ فِيمَا فَرََُ عَلَيْهِمْ، وَصَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ نَبِيَّهُ، مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى اليَهُودِ.
(وَقِيلَ إِنَّ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ شُحُومِ البَقَرِ وَالغَنَمِ، هُوَ أَنَّ القَرَابِينَ عِنْدَهُمْ لاَ تَكُونُ إلاَّ مِنْهُمَا، وَكَانَ يُتَّخَذُ مِنْ شُحُومِها الوَقُودُ لِلرَّبِّ) .
شُحُومَهُمَا - شُحُومَ الكَرْشِ وَالكِلْيَتَيْنِ.
الحَوَايَا - المَصَارِينَ.
مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا - مَا عَلِقَ بِهِمَا مِنَ الشَّحْمِ فَهُوَ حَلاَلٌ.
مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ - كَإِلْيَةِ الغَنَمِ فَهِيَ حَلاَلٌ.
стр. 937
﴿وَاسِعَةٍ﴾
(١٤٧) - فَإِنْ كَذَّبَكَ قَوْمُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَكَذَّبَكَ اليَهُودُ، فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللهَ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ - وَفِي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي ابْتِغَاءِ رَحْمَةِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ - فَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى عِنَادِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ، فَحَذِّرْهُمْ مِنْ نِقْمَةِ اللهِ، وَعَذَابِهِ، فَإِنَّ بَأْسَ اللهِ تَعَالَى شَدِيدٌ، وَلاَ يَرُدُّهُ شَيءٌ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ.
لاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ - لاَ يُدْفَعُ عَذَابُهُ.
стр. 938
﴿آبَاؤُنَا﴾
(١٤٨) - سَيَقُولُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ، اعْتِذَاراً عَنْ شِركِهِمْ، لَوْ شَاءَ اللهُ ألاَّ نُشْرِكَ بِهِ، وَلاَ يُشْرِكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلِنا، لَمَا أَشْرَكْنَا، وَلَمَا أَشْرَكُوا، وَلَوْ شَاءَ اللهُ أَلاَّ نُحَرِّمَ شَيْئاً مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ وَغَيْرِها، لَمَا حَرَّمْنَا، وَلَكِنَّهُ شَاءَ أَنْ نُشْرِكَ بِهِ الأَوْلِيَاءَ وَالشُّفَعَاءِ، وَشَاءَ أَنْ نُحَرِّمَ مَا حَرَّمْنَا مِنَ البَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَغَيْرِها فَحَرَّمْنَاهَا، فَإِتْيَانُنا بِهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَى رِضَاهُ بِهَا.
وَكَمَا كَذَّبَ مُشْرِكُو مَكَّةَ رَسُولَهُمْ مُحَمَّداً ﷺ ، فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، كَذَلِكَ كَذَّبَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ رُسُلَهُمْ تَكْذِيباً غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ العِلْمِ. وَالرُّسُلُ قَدْ أَقَامُوا الأَدِلَّةَ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَيَّدَهُمُ اللهُ بِالآيَاتِ، وَالمُعْجِزَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ، فَأَعْرَضَ المُكَذِّبُونَ، وَأَصَرُّوا عَلَى جُحُودِهِمْ، فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) .
وَلَوُ كَانَ اللهُ رَاضِياً عَنْ أَفْعَالِهِمْ لَمَا عَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا، كَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ صَادِرَةً عَنْهُمْ جَبْراً، لَمَا اسْتَحَقُّوا العِقَابَ عَلَيْها، وَلَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: إنَّهُ أَخَذَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَأَهْلَكَهُمْ بِظُلْمِهِمْ. وَاسْأَلْهُمْ يَا مُحَمَّدُ: هَلْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يَقُولُونَ وَيَحْتَجُّونَ؟ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ اللهَ رَضِيَ لَهُم الشِّرْكَ، وَالتَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ، فَلْيُظْهِرُوهُ.
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ العِلْمِ الصَّحِيحِ، بَلْ تَتَّبِعُونَ فِي عَقَائِدِكُمْ وَآرَائِكُمُ الحَدْسَ وَالتَّخْمِينَ الذِي لاَ يَسْتَقِرُّ عِنْدَهُ حُكْمٌ.
التَّخَرُّصَ - التَّخْمِينُ وَالتَّقْدِيرُ أَوْ الكَذِبُ.
стр. 939
﴿البالغة﴾ ﴿لَهَدَاكُمْ﴾
(١٤٩) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: للِه الحُجَّةُ التَّامَّةُ، وَالحُجَّةُ البّالِغَةُ فِي هِدَايَةِ مِنْ اهْتَدَى، وَضَلاَلِ مَنْ ضَلَّ، وَلَوْ شَاءَ اللهُ هِدَايَتَكُمْ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعيِن، َ فَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَاخْتِيَارِهِ.
الحُجَّةُ البَالِغَةُ: بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الكُتُبِ.
стр. 940
﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴿بالآخرة﴾
(١٥٠) - وَقُلْ لَهُمْ أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمُ الذِينَ تَقُولُونَ إِنَّهُم يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الذِي حَرَّمْتُمُوهُ أَنْتُمْ كَذِباً وَافْتِرَاءً عَلَى اللهِ، فَإِنْ حَضَرَ هَؤُلاَءِ الشُّهُودُ وَشَهِدُوا فَلاَ تُصَدِّقْهُمْ، وَلاَ تَقْبَلْ لَهُمْ شَهَادَةً، وَلاَ تُسَلِّمْ لَهُمْ بِالسُّكُوتِ عَلَى كَذِبِهِمْ، لأنَّهُمْ إِنَّمَا يَشْهَدُونَ بِالكَذِبِ وَالبَاطِلِ، وَلاَ تَتَّبِعْ أَهَوَاءَ الكَافِرِينَ الذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ، وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، وَيُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ، وَيَجْعَلُونَ لَهُ مَنْ يُمَاثِلُهُ مِنَ المَعْبُودَاتِ البَاطِلَةِ، فِي جَلْبِ الخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ.
هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ - أَحْضِرُوا شُهَدَاءَكُمْ.
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ - يُسَوُّونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ فِي العِبَادَةِ.
стр. 941
﴿وبالوالدين﴾ ﴿إِحْسَاناً﴾ ﴿أَوْلاَدَكُمْ﴾ ﴿إمْلاَقٍ﴾ ﴿الفواحش﴾ ﴿وَصَّاكُمْ﴾
(١٥١) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ، لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ، الذِينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ، وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ، وَقَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ، وَهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَهْوَائِهِمْ، وَبِوَحي مِنَ الشَّيْطَانِ، قُلْ لَهُمْ: تَعَالَوْا أَقْرَأْ عَلَيْكُمْ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً وَصِدْقاً، لاَ تَخَرُّصاً وَلاَ ظَنّاً وَتَخْمِيناً، لَقَدْ وَصَّاكُمْ بِألاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَبِأَنْ تُحْسِنُوا إِلَى وَالِدَيْكُمْ، وَإِنْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَبِألاَّ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ الصِّغَارَ خَشْيَةَ الفَقْرِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَبِسَبَبِ فَقْرِكُم الحَاصِلِ، فَاللهُ تَعَالَى يَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ. وَأَوْصَاكُمْ رَبُّكُمْ بِألاَّ تَفْعَلُوا الفَوَاحِشَ، كَالزِّنَى وَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ، سَوَاءٌ مَا كَانَ مِنْهَا فِي السِّرِّ أَوْ فِي العَلَنِ، وَألاَّ تَقْتُلوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَهَا إلاَّ إِذَا كَانَ القَتْلُ بِحَقٍّ تَنْفِيذاً لِحُكْمِ القَضَاءِ، وَهَذَا مَا أَمَرَكُمُ اللهِ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِأُمُورٍ ثَلاَثَةٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ، وَزِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ") .
وَصَّاكُمْ - أَمَرَكُمْ وَأَلْزَمَكُمْ.
أَتْلُ عَلَيْكُمْ - أَقْرَأْ عَلَيْكُمْ.
الإِمْلاَقُ - شِدَّةُ الفَقْرِ.
الفَوَاحِشَ - كِبَارَ المَعَاصِي كَالزِّنَى وَنَحْوِهِ.
стр. 942
﴿وَصَّاكُمْ﴾
(١٥٢) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى، فِي هَذِهِ الآيَةِ، بَيَانَ مَا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ، وَمَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى: وَمِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ: ألاَّ يَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ، إذَا وَلُّوا أَمْرَهُ، أَوْ تَعَامَلُوا مَعَهُ، إلاَّ بِالطَّرِيقَةِ الحَسَنَةِ (إلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) التِي تَحْفَظُ مَالَهُ، وَتُثَمِّرُهُ، وَتُرَجِّحُ مَصْلَحَتَهُ، وَأَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ تَرْبِيَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ اليَتِيمُ سِنَّ الرُّشْدِ، وَالقُوَّةِ وَالقُدّرَةِ عَلَى الإِدْرَاكِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَلَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا فِي عَزْلِ مَالِ اليَتِيمِ وَطَعَامِهِ، عَنْ مَالِهِمْ، فَكَانَ طَعَامُ اليَتِيمِ يَفْسَدُ، لاَ يَمَسُّهُ أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عِنْدَهُمْ. فَشَكَوا ذَلِكَ لِلْنَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ.﴾ فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ النَّاسَ بِمُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ اليَتِيمِ، وَالعِنَايَةِ بِمَالِهِ، وَعَدَمِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلاَّ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَيُحَذِّرَهُمْ تَعَالَى مِنَ التَّجَاوُزِ عَلَى مَالِ اليَتِيمِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ مِمَّا أَوْصَى بِهِ النَّاسَ أَيْضاً: إِيفَاءَ الكَيْلِ وَالمِيْزَانِ عِنْدَ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَعَدَمَ غَمْطِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ وَاللهُ تَعَالَى يَدْعُو المُؤْمِنَ أَنْ يَبْلُغَ جُهْدَهُ فِي أَدَاءِ ذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغَ جُهْدَهُ، وَعَمِلَ مَا فِي وُسْعِهِ، يَكُونُ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ اللهِ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ إِن أَخَطَأَ بَعْدَ ذَلِكَ، لأنَّ اللهَ لاَ يُكَلِّفُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها، وَقَدرَ طَاقَتِهَا.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّ مِمَّا وَصَّى بِهِ النَّاسَ أَيْضاً العَدْلُ فِي القَوْلِ واَلفِعْلِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ: فِي الشَّهَادَةِ وَفِي الحُكْمِ وَفِي الكَيْلِ وَالمِيْزَانِ، وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِقَرِيبٍ، فَإِنَّ القَرَابَةَ وَالصَّدَاقَةَ يَجِبُ ألاَّ تَصْرِفَا الإِنْسَانَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، وَعَنِ العَدْلِ فِيهِ.
كَمَا يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِالوَفَاءِ بِعَهْدِ اللهِ، وَالقِيَامِ بِطَاعَتِهِ، فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى، وَفِيمَا عَاهَدُوا النَّاسَ عَلَيْهِ.
وَهَذَا مَا أَوْصَى بِهِ اللهُ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَكَّدَ عَلَيهِ.
وَيَقُولُ تَعَالَى: إذَا اجْتَهَدْتُمْ بِالوَفَاءِ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَتَوَاصَيْتُمء بِالمَعْرُوفِ وَتَنَاهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَلَعَلَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ تَتَّعِظُونَ، وَتَنْتَهُونَ عَمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلِ.
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ - حَتَّى يَبْلُغَ اسْتِحْكَامَ قُوَّتِهِ وَيَرْشُدَ.
بِالقِسْطِ - بِالعَدْلِ دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.
وُسْعَهَا - طَاقَتَهَا، وَمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ.
стр. 943
﴿صِرَاطِي﴾ ﴿وَصَّاكُمْ﴾
(١٥٣) - وَدَلَّ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَدَعَاهُمْ إلى اتِّبَاعِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً لاَ عِوَجَ فِيهِ، فَعَلَيْكُمْ أِنْ تَتَّبِعُوهُ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الهِدَايَةَ، وَالفَوْزَ بِرِضَا رَبِّكُمْ وَرِضْوَانِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: " خَطَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطّاً بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللهِ مُسْتَقِيماً. وَخَطَّ عَنْ يَمِينِهِ خَطّاً وَعَنْ شِمَالِهِ خَطّاً، ثُمَّ قَالَ هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبيلٌ إلاَّ عَلَيهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إلَيْهِ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةُ ".
(وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً صِرَاطاً مُسْتَقِيماً، وَعَنْ جَنْبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا) ، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئاً مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ فَتَحْتَهُ تَلِجْهُ. فَالصِرَاطِ هُوَ الإِسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنْ جَوْفِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ ") . (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنِّسَائِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) .
فَاتَّبِعُوا سَبِيلَ اللهِ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، لأنَّهُ سَبيلٌ وَاضِحٌ وَاحِدٌ، وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ المُتَفَرِّقَةَ المُضِلَّةَ، حَتَّى لا تَتَفَرَّقُوا شِيَعاً وَأَحْزَاباً، وَتَبْعُدُوا عَنْ صِرَاطِ اللهِ السَّوِيِّ.
صِرَاطِي مُسْتَقِيماً - سَبِيلِي وَدِينِي، لاَ عِوَجَ فِيهِمَا.
стр. 944
﴿آتَيْنَا﴾ ﴿الكتاب﴾
(١٥٤) - لَمَّا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ القُرْآنِ أَنَّهُ صِرَاطُهُ المُسْتَقِيمُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ، عَطَفَ يَمْدَحُ التَّورَاةَ وَرَسُولَها مُوسَى ﵇، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى كَامِلاً، جَامِعاً لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَقَدْ آتَاهُ اللهُ إيَّاهُ إِتْمَاماً لِلْنِّعْمَةِ وَالكَرَامَةِ، عَلَى مَنْ أَحْسَنَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَاهْتَدَى بِهِ.
وَالتَّوْرَاةُ دَلِيلٌ مِنْ دَلاَئِلِ الهِدَايَةِ إلى الحَقِّ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ لِمَنْ أَرَادَ الهِدَايَةَ، وَقَدْ تَضَمَّنَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيءٍ، لَعَلَّ قَوْمَ مُوسَى يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَيَتَذَكَّرُونَ لِقَاءَ رَبِّهِمْ فَيُحْسِنُوا العَمَلَ، وَيَفُوزُوا فِي الآخِرَةِ بِحُسْنِ العَاقِبَةِ وَالمَآبِ.
стр. 945
﴿كِتَابٌ﴾ ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾
(١٥٥) - وَهَذا القُرْآنُ هُوَ كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، مُبَارَكٌ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَاتَّبِعُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ وَتَدَبَّرُوهُ، وَاعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَادْعُوا إِلَيْهِ. وَوَصَفَهُ تَعَالَى بِالبَرَكَةِ لِمَنْ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، لأنَّهُ جَمَعَ أَسْبَابَ الهِدَايَةِ الدَّائِمَةِ.
стр. 946
﴿الكتاب﴾ ﴿اطَآئِفَتَيْنِ﴾ ﴿لَغَافِلِينَ﴾
(١٥٦) - وَأَنْزَلَنْا هَذَا القُرْآنَ، المُرْشِدَ إلَى تَوْحِيدِ اللهِ، لِكَيْلاَ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ مُعْتَذِرِينَ عَنْ شِرْكِكُمْ: إِنَّمَا أُنَْزِلَ الكِتَابُ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى (طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا) ، وَمَا كُنَّا نَفْهَمُ مَا جَاءَ فِيهِمَا، لأنَّ الكِتَابَيْنِ لَمْ يَكُونَا بِلُغَتِنَا، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالأَخْذِ بِهِمَا وَبِمَا جَاءَ فِيهِمَا مِنْ أَحْكَامٍ، وَلِذَلِكَ كُنَّا غَافِلِينَ عَنْ دِرَاسَةِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمَا جَاءَ فِي كُتُبِهِمْ.
стр. 947
﴿الكتاب﴾ ﴿بِآيَاتِ﴾ ﴿آيَاتِنَا﴾
(١٥٧) - وَأَنْزَلْنَا هَذا القُرْآنَ لِئَلاَّ تَقُولُوا: لَوْ أَنَّنَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الكِتَابِ، لَكِنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فِيمَا أَتَوْهُ، فَهَا قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ - عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ قُرْآنٌ عَظِيمٌ، فِيهِ بَيَانٌ لِلْحَقِّ، وَلِلْحَلاَلِ وَالحَرَامِ، وَفِيهِ هُدًى لِلْقُلُوبِ، وَرَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِالعِبَادِ الذِينَ يَتَّبِعُونَهُ، وَيَقْتَفُونَ مَا فِيهِ.
ثُمَّ تَهَدَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُعْرِضُ عَنِ القُرْآنِ وَآيَاتِهِ، بِسُوءِ العَاقِبَةِ، فَقَالَ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَلَمْ يَتَّبْع مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَأَعْرَضَ عَنْ آيَاتِ اللهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا جَاءَ فِيهَا، وَلَمْ يَنْتَهِ عَمَّا نَهَتْ عَنْهُ، فَلاَ هُوَ آمَنَ بِهَا، وَلاَ هُوَ عَمِلَ بِمَا فِيهَا.
وَيَقُولُ تَعَالَى إِنَّهُ سَيَجْزِي الذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ آيَاتِهِ التِي بَثَّهَا فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ الإِيمَانِ بِهَا، وَعَنِ اتِّبَاعِهَا، أَسْوأَ العَذَابِ وَأَشَدَّهُ بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ وَصَدِّهِمْ الآخَرِينَ (بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ) .
صَدَفَ عَنْهَا - أَعْرَضَ عَنْهَا أَوْ صَرَفَ النَّاسَ عَنْهَا.
стр. 948
﴿الملائكة﴾ ﴿آيَاتِ﴾ ﴿إِيمَانُهَا﴾ ﴿آمَنَتْ﴾
(١٥٨) - يَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ بِهِ، وَالمُخَالِفِينَ لِرُسُلِهِ، وَالمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ، وَالصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، فَيَقُولُ: مَاذَا يَنْتَظِرُ هَؤُلاَءِ لِيُؤْمِنُوا؟ هَلْ يَنْتَظِرُونَ مَلاَئِكَةَ المَوْتِ لِتَأْتِيَهُمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ؟ أَوْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ قِيَامَ السَّاعَةِ حِينَ يَأْتِي اللهُ وَالمَلاَئِكَةُ، أَوْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَعْضُ آيَاتِ اللهِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهِيَ الآيَاتُ المُوجِبَةُ للإِيْمَانِ الاضْطِرارِيِّ، حِينَ يَرَوْنَ شَيْئاً مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.
(وَفِي الحَدِيثِ: " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطُلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيها " - أَيْ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ) . (رَوَاهُ البُخَارِي) .
وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فِي ذَلِكَ الحِينَ لاَ يَنْفَعُ النَّفْسَ إِيمَانُهَا، إذَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، فَإِذَا آمَنَ الكَافِرُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ إِيمَانُهُ، أَمَّا مَنْ آمَنَ مِنْ قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ مُصْلِحاً فِي عَمَلِهِ فَهُوَ بَخَيرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْلِحاً، فَأَحْدَثَ تَوْبَةً حِينَئِذٍ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ.
وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُسَوِّفُ إِيمَانَهُ وَتَوْبَتَهُ إلَى وَقْتٍ لاَ يَنْفَعُهُ فِيهِ ذَلِكَ فَيَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: انْتَظِرُوا إِنِّي مُنْتَظِرٌ مَعَكُمْ.
стр. 949
(١٥٩) - (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اخْتَلَفُوا فِي دِينِهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ فَتَفَرَّقُوا، وَأَصْبَحَ دِينُ كُلٍّ مِنْهُمُ أَدْياناً مُتَفَرِّقَةً، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . فَالذِينَ فَارَقُوا دِينَ اللهِ، وَخَالَفُوهُ، فَإنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَشَرْعُ اللهِ وَاحِدٌ، لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ وَلاَ افْتِرَاقَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ وَشَرْعَهُمْ، وَأَمَرَ مَنِ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ الإِسْلاَمِ بِالوحْدَةِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ كَمَا تَفَرَّقَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الدِّينِ، وَصَارُوا شِيَعاً، كَأَهْلِ المِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالضَّلاَلاَتِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَأَمْرُهُمْ إلى اللهِ، ثُمَّ يُنَبِئُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.
стр. 950
(١٦٠) - مَنْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، مِنْ خِصَالِ الطَّاعَاتِ، جَزَاهُ اللهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، مِنْ عَطَاءِ اللهِ غَيْرِ المَحْدُودِ. وَمَنْ جَاءَ بِسَيِّئَةٍ، فَلا يُجَازَى إلاَّ بِعُقُوبَةٍ سَيِّئَةٍ، مِثْلِهَا، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَمَلاً عَمِلَهُ، فَلاَ يَزِيدُ فِي ذَنْبِ المُسِيءِ، وَلاَ يَبْخَسُهُ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِ الحَسَنَةِ.
(وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: " مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلَهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشراً. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيءٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ ") . (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) .
следующие страницы →