Полный текст (1 417 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
واستدل بأنه إذا كان كذلك كان القياس تطويلا بغير فائدة لأن إثبات حكم الفرع بالقياس يتوقف على إثبات العلة إما بدليل عام أو خاص والفرض تناولهما إياه بلا وسط , والقياس يدل عليه بتوسط الدليل فكان القياس تطويلا بلا فائدة ومع ذلك يلزم الرجوع عن القياس لأن الحكم يثبت حينئذ بذلك الدليل فيكون رجوعا عن القياس.
والمانعون لاشتراطه قالوا: منع القياس في مثل هذه الصورة مناقشة جدلية لأن دلالة القياس على ثبوت حكم الفرع يغاير دلالة ذلك الدليل لأن دلالة القياس عليه تتوقف على مقدمات لم تتوقف عليها دلالة ذلك الدليل عليها فمنع القياس لتوقف مقدمة من مقدماته على ذلك الدليل مناقشة جدلية.
ولقائل أن يقول بل منع ذلك بطريق برهاني لأن الدليل إذا دل عليه حصل الحكم الشرعي بدلالته فبعد ذلك إثباته بالقياس تحصيل الحاصل.
ص - والمختار جواز كونه حكما شرعيا إن كان باعثا على حكم الأصل لتحصيل مصلحة لا لدفع مفسدة كالنجاسة في علة بطلان البيع.
والمختار جواز تعدد الوصف ووقوعه كالقتل العمد العدوان.
لنا: أن الوجه الذي يثبت به الواحد يثبت به المتعدد من نص أو مناسبة أو شبه أو سبر أو استنباط.
قالوا: لو صح تركيبها لكانت العلية صفة زائدة لأنا نعقل المجموع ونجهل كونها علة. والمجهول غير المعلوم.
وتقرير الثانية أنها إن قامت بكل جزء فكل جزء علة وإن قامت بجزء فهو العلة.
وأجيب بجريانه في المتعدد بأنه خبر أو استخبار.
والتحقيق أن معنى العلة ما قضى الشارع بالحكم عنده للحكمة لا أنها صفة زائدة. ولو سلم فليست وجودية لاستحالة قيام المعنى بالمعنى.
قالوا: يلزم أن يكون عدم كل جزء علة لعدم صفة العلية لانتفائها بعدمه. ويلزم نقضها بعدم ثان بعد أول لاستحالة تجدد عدم العدم.
стр. 1157
وأجيب بأن عدم الجزء عدم شرط للعلة. ولو سلم فهو كالبول " بعد المس " وعكسه.
ووجهه أنها علامات فلا بعد في اجتماعها ضربة ومرتبة فيجب ذلك.
ش - واختلفوا في جواز كون العلة حكما شرعيا على ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يجوز مطلقا.
والثاني: أنه لا يجوز مطلقا.
الثالث: وهو المختار عند المصنف التفصيل وهو أن الحكم الشرعي المجعول علة إن كان باعثا على حكم لتحصيل مصلحة جاز إذ لا استبعاد في استلزام ترتيب أحد الحكمين على الآخر حصول مصلحة لا يستقل بها أحدهما كالنجاسة في علة بطلان بيع الخمر فإنه تترتب حرمته على النجاسة التي هي أيضا حكم شرعي يحصل التنزه عنه. وإن لم يكن باعثا أو كان لكن لا تحصل مصلحة بل لدفع مفسدة لازمة عن حكم الأصل لم يجز. أما إذا لم يكن باعثا فلعدم أولوية أحدهما بالتعليل.
وفيه نظر لجواز اشتمال أحدهما على ما يناسب العلية دون الآخر. وأما إذا
стр. 1158
كان باعثاً لدفع مفسدة فلأن حكم الأصل لو كان مشتملا على المفسدة لما شرعه الشارع.
واختلفوا في جواز تعليل الحكم بعلة مركبة من أوصاف متعددة على مذهبين:
والمختار جوازه ووقوعه كالقتل العمد العدوان فإنه علة القصاص.
واحتج المصنف عليه بأن الوجه الذي يثبت به كون الوصف الواحد علة يثبت به كون المركب علة فكما صح ذلك صح هذا.
وقوله: من نص أو مناسبة أو تنبيه أو سبر أو استنباط - بيان الوجوه التي تثبت بها العلية.
وقال المانعون: إن صح ذلك كانت العلة صفة زائدة على مجموع تلك الأوصاف واللازم باطل فالملزوم مثله. أما الملازمة فلأنا نعقل مجموعها ونجهل كونها علة والمجهول غير المعلوم فتكون العلة زائدة. وأما بطلان اللازم وإليه أشار بقوله: وتقدير الثانية فلأن العلية إن قامت بكل من تلك الأوصاف كانت كل واحدة علة وإن قامت بواحد فهو العلة والفرض خلافهما.
ورد بأن القسمة غير حاصرة لجواز أن تقوم بالمجموع من حيث هو مجموع فلا يلزم شيء مما ذكر.
стр. 1159
والجواب إما نعقل المجموع من حيث وهو كذلك ونجهل انه علة والمعلوم غير
المجهول.
واجاب المصنف بنقص اجمالي - بأن هذا الدليل بعينه جار في كون الكلام خبرا أو استخبارا فإنه مركب من ألفاظ متعددة وكونه خبرا أو استخبارا صفة زائدة فان قام بكل واحد من الألفاظ لزم أن يكون كل واحد خبرا , وإن قام بجزء واحد كان هو
خبرا ثم بين التحقيق فيه وهو أن المعنى العلية قضاء الشارع بالحكم " عنده " وجود الوصف للحكمة لا لأنها صفة زائدة فإن قضاء الشارع بالحكم عند وجود الوصف ليس صفة للوصف فضلا عن أن تكون صفة زائدة وإذا لم تكن العلية صفة زائدة لم يلزم شيء " ما " ذكر. ولو سلم أن العلية صفة زائدة فليست بوجودية وإلا لزم قيام العرض بالعرض لأنها عرض ومجموع الاوصاف كذلك وذلك لا يجوز باتفاق المتكلمين.
وقالوا أيضا: لو كان المركب من الأوصاف علة لزم أن يكون عدم كل جزء منه علة لعدم صفة العلية لانتفائها بانتفاء كل جزء من المركب لأنها تنتفي بانتفاء المركب والمركب ينتفي بانتفاء كل جزء منه واللازم باطل لأنه يلزم نقض علية عدم كل جزء لعدم صفة العلية لتحقق عدم الجزء بدون عدمها لأنه لو عدم جزء ثان بعد انعدام جزء أول لزم عدم العلية بانعدام الجزء الأول ولا تنعدم العلية بعدم الجزء الثاني لاستحالة تجدد عدم المعدوم لأن المعدوم لا يعدم.
وأجاب بما معناه: لا نسلم أنه لو كان المركب علة لزم أن يكون عدم كل جزء منه علة لعدم صفة العلية.
قوله: لانتفاء صفة العلية بانتفاء كل جزء من المركب. قلنا: مسلم , ولكن يجوز أن يكون شرطا فإن الشيء ينتفي بانتفاء شرطه.
ولقائل أن يقول الجزء ركن والركن لا يكون شرطاً.
стр. 1160
قال: وإن سلم انه علة لعدم العلية فهو كوقوع البول بعد اللمس وبالعكس - أي
وقوع اللمس بعد البول في كون كل واحد منهما علة لوجوب الوضوء. ووجهه بأنها
علامات للأحكام الشرعية ولا بعد في اجتماع العلامات دفعة أو على الترتيب فلا يلزم
النقض.
قوله: فيجب ذلك - معناه حتى يجب النقض فهو منصوب لجواب النفي.
وفيه نظر لأن العلة باعثة كما تقدم فالجواب بكونها علامات غير صحيح.
قيل: هو في موضع المنع فلا يقدح.
وللخصم أن يقول: منع هذه المقدمة لا يضر لأن العلة إن كانت باعثة ثبت المدعى وإن لم تكن انتفى التعليل على مذهبكم.
ص - ولا يشترط القطع بالأصل. ولا انتفاء مخالفة مذهب صحابي.
ولا القطع بها في الفرع على المختار في الثلاثة.
ولا نفي المعارض في الأصل والفرع. وإذا " كانت " وجود مانع أو انتفاء شرط لم يلزم وجود المقتضى.
لنا: أنه إذا انتفى الحكم مع المقتضى كان مع عدمه أجدر.
قالو: أن لم يكن فانتفاء الحكم لانتفائه.
قلنا: أدلة متعددة.
ش - ولا يشترط في علة الأصل كون حكم الأصل مقطوعا به لجواز القياس على أصل ثبت حكمه بدليل ظني لأنه يفيد ظن الحكم في الفرع والعمل بالظن واجب.
стр. 1161
ولا يشترط أيضا في علة الأصل انتفاء مخالفة مذهب صحابي لجواز أن يكون مذهبه مستندا إلى علة مستنبطة فلا يدفع ظن العلية فيما جعل الأصل.
وقيل: فيه نظر لأن الظن المعارض قادح في الظن الذي جعل علة.
ولا يشترط أيضا في علة الأصل القطع بوجودها في الفرع لأن الظن كاف.
وعدم اشتراط هذه الشروط الثلاثة في علة الأصل على المذهب المختار. وقد شرطها قوم.
ولا يشترط أيضا في علة الأصل نفي معارض العلة في الأصل والفرع.
واعترض بأنه يخالف ما تقدم أن نفي المعارض شرط.
وأجيب بأن ما تقدم كان في العلة المستنبطة فإنه نفى ثمة المعارض في الأصل فقط , وأما هاهنا فلم يشترط نفي المعارض في الأصل والفرع معا في علة الأصل مطلقا فلا يكون مخالفا.
واختلفوا فيما إذا كانت العلة لانتفاء الحكم بوجود مانع كعدم وجوب القصاص على الأب , أو عدم شرط كعدم وجوب الرجم لعدم الإحصان الذي هو شرط
стр. 1162
وجوده , هل يجب فيه وجود المقتضي أو لا؟ والمختار عند المصنف أنه لا يجب.
واحتج بأن الحكم إذا انتفى مع وجود المقتضي لوجود مانع أو انتفاء شرط كان انتفاؤه
مع عدم المقتضي لأحدهما أجدر.
ولقائل أن يقول هذا كلام غير محصل أما على قول من عرف المانع بأنه ما ينتفي به الحكم مع قيام المقتضي فظاهر , وأما على تعريف آخر فلأن الأب مثلا إذا لم يقتل ابنه فالأبوة تمنع فإذا لا بد وأن يتصور ترتيب حكم على المقتضي لولا المانع.
وقال القائلون بلزوم وجود المقتضي إن لم يكن المقتضي فانتفاء الحكم لانتفائه لا لوجود المانع إذ لا مانع ثمة حينئذ. فيجوز أن يقال انتفاء الشرط مانع وهو حق.
وأجاب بأن عدم المقتضي ووجود المانع وانتفاء الشرط أدلة متعددة ولا بعد أن يكون لمدلول واحد أدلة متعددة.
وفيه نظر لأن وجود المانع دليل على عدم الحكم عند وجود المقتضي أو عند
стр. 1163
عدمه والأول: لا يفيده والثاني: ممنوع , ولئن ذهب إلى أن الأب لم يقتل ابنه فقال:
إنه لا يجب عليه القصاص لأنه أب فهو كلام غير مفيد بعيد عن مكان التحصيل.
ص - مسألة: الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة. والمعنى أنها الباعثة على حكم الأصل.
والحنفية: بالنص. والمعنى أن النص عرف الحكم فلا خوف في المعنى.
ش - ذهبت الشافعية إلى أن حكم الأصل ثابت بالعلة على معنى أن العلة هي الباعثة على حكم الأصل.
وذهبت الحنفية إلى أنه ثابت بالنص على معنى أن النص معرف لحكم الأصل.
قال المصنف: فلا خلاف بينهما في المعنى لأن كون العلة باعثة على حكم
الأصل لا ينافي كون النص معرفا لحكم الأصل.
ص- شروط الفرع: منها: أن يساوي في العلة علة الأصل فيما يقصد من عين أو جنس كالشدة في النبيذ , وكالجناية في قصاص الاطراف على النفس.
وأن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد به من عين أو جنس كالقصاص في النفس في المثقل على المحدد , وكالولاية في النكاح في الصغيرة على المولى عليها في المال.
стр. 1164
وأن لا يكون منصوصاً عليه ولا متقدما على حكم الأصل. كقياس الوضوء على التيمم في النية لما يلزم من حكم الفرع قبل ثبوت العلة , لتأخر الأصل.
نعم يكون إلزاما. وقيل: وأن يكون الفرع ثابتا بالنص في الجملة لا التفصيل.
ورد بأنهم قاسوا: " أنت حرام " وعلى الطلاق واليمين والظهار.
ش - لما فرغ من بيان شروط علة الأصل شرع في شروط الفرع وهي أربعة:
الأول: أن يساوي الفرع أي تكون علة حكم الفرع مساوية لعلة الأصل في الوصف المقصود في العلة سواء كان عين العلة كالشدة المطربة في تحريم الخمر فإن علة تحريم النبيذ التي هي الشدة المطربة مساوية لعلة تحريم الخمر التي هي الشدة المطربة وعين الشدة المطربة مقصودة.
أو جنسها كالجناية في قصاص الأطراف على قصاص النفس فان علة قصاص الأطراف مساوية لعلة قصاص النفس في الجناية التي هي مقصودة والجناية جنس علة قصاص النفس.
وإنما اشترط ذلك لأن علة الفرع إذا لم تكن مساوية " لعلة الاصل " في المقصود لم يتحقق ما هو العلة في الفرع فلا يتعدى الحكم من الأصل إلى الفرع.
والثاني: أن يساوي حكم الفرع حكم الأصل فيما يقصد كونه وسيلة للحكمة
стр. 1165
من عين الحكم كقياس وجوب القصاص في النفس بالمثقل على وجوب القصاص في النفس بالمحدد فإن وجوب القصاص بالمثقل بعينه يساوي وجوب القصاص بالمحدد. أو من جنسه كقياس الولاية في نكاح الصغيرة على الولاية في مالها فإن ولاية النكاح مساوية لولاية المال في جنس الولاية.
والثالث: أن لا يكون حكم الفرع منصوصا عليه لإفضائه إلى بطلان القياس لوجود الأقوى وهو النص.
والرابع: أن لا يكون حكم الفرع متقدما على حكم الأصل كقياس الوضوء على التيمم في النية لئلا يلزم تقدم الحكم على علته لأن علية الفرع متأخرة عن حكم الأصل وحكم الأصل متأخر عن حكم الفرع فعلة الفرع متأخرة عن حكمه أما الصغرى فلأن علة الفرع مستنبطة من حكم الأصل والمستنبط من شيء متأخر عنه , وأما الكبرى فلأنه المفروض فيما نحن فيه.
قال: نعم يكون إلزاما يعني يصح أن يذكر ذلك القياس إلزاما للخصم.
ولقائل أن يقول إن أراد بإلزام الخصم المغالطة لنسخ مجلس المناظرة فذالك
يكون عند العجز عن إبداء رأي صحيح وإن أراد إقامة الحجة عليه فليس بصحيح لعدم
стр. 1166
صحته في نفسه وإنما يلتزمه الجاهل بأوضاع النظر.
ومن الناس من شرط أن يكون حكم الفرع ثابتا بالنص على الإجمال لا التفصيل ليكون القياس لبيانه مفصلا.
قال: وهو مردود لأن الأئمة قاسوا: أنت حرام على الطلاق واليمين والظهار ولم يثبت الفرع بنص لا جملة ولا تفصيلا.
وفيه نظر لجواز أن يكون نص تناوله إجمالا وعدم العلم به لا يستلزم عدمه في نفس الأمر.
ص - مسالك العلة: الأول: الإجماع. الثاني: النص. وهو مراتب:
صريح , مثل لعلة كذا , أو لسبب , أو لأجل , أو من أجل أو كي , أو إذا. أو مثل: لكذا , أو إن كذا , أو بكذا أو مثل: فإنهم يحشرون , فاقطعوا أيديهما ومثل قول
الراوي: سها فسجد. وزنا ماعز فرجم سواء الفقيه وغيره لأن الظاهر أنه لو لم يفهمه لم يقله.
وتنبيه وإيماء وهو الاقتران بحكم لو لم يكن أو نظيره للتعليل كان بعيدا. مثل:
واقعت أهلي في نهار رمضان. فقال: أعتق رقبة. كأنه قيل: إذا واقعت فكفر. فإن
حذف بعض الاوصاف فتنقيح.
ش - مسالك العلة: هي الطرق الدالة على كون الوصف المعين علة للحكم.
стр. 1167
وهي متعددة.
المسلك الأول - الإجماع: فإنه إذا دل على علية وصف قطعيا كان أو ظنيا يثبت العلية كإجماعهم على أن الصغر علة للولاية على الصغيرة في قياس ولاية النكاح على ولاية المال.
المسلك الثاني - النص: فإنه إذا دل الكتاب أو السنة على علية
стр. 1168
الوصف ثبتت به.
وقدم الإجماع لزيادة مناسبته فإن الإجماع اجتماع الآراء والقياس رأي.
والنص على مراتب:
الأولى - الصريح: وهو ما يدل بالوضع على العلية.
وهو ينقسم إلى ما لا يحتمل غيرها وإلى ما يحتمله احتمالا مرجوحا.
стр. 1169
والأول: هو أن " يتمكن بلفظ لا يستعمل في غيرها مثل: لعلة كذا , أو بسبب كذا , أو لأجل كذا , أو من أجل كذا , أو كي , أو إذا.
والثاني: أن يذكر بلفظ يستعمل في غيرها أيضا. مثل لكذا. أو أن , أو بكذا فإنها ظاهرة فيها وقد يقصد بها غيرها.
أما اللام فكما في قوله: لدوا للموت وابنوا للخراب.
وأما أن فكالمصرية: أردت أن أضرب.
وأما الباء فكالتي للتعدية.
стр. 1170
أو تذكر بتعليق الحكم على الوصف بالفاء سواء دخلت على العلة والحكم متقدم كقوله ﷺ في قتلى أحد: " زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما " الحديث.
أو في الحكم وتكون العلة متقدمة سواء دخلت على كلام الشارع كما في قوله - تعالى -: (فاقطعوا أيديهما) أو على كلام الراوي نحو: " سهى رسول الله فسجد " و " زنى ماعز فرجم ".
لا فرق بين أن يكون الراوي فقيها أو غيره لأن الظاهر من حاله وهو عدل أنه لو
لم يفهم كون الوصف علة لم يأت بالفاء.
المرتبة الثانية: - التنبيه والإيماء ولعلهما
стр. 1171
مترادفان - وهو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف أو نظيره علة للحكم
كان ذلك الاقتران بعيدا من الشارع.
وهو على أربعة أوجه:
الأول: أن يذكر لرسول الله ﷺ حادثة تشتمل على وصف ليبين الرسول ﵇ حكمها فيذكره عقيب الذكر. مثل واقعة الأعرابي فإن الأعرابي لما رفع الحادثة إلى الرسول بقوله: واقعت أهلي في نهار رمضان. قال ﵇:" ... أعتق رقبة " فإن اقتران ايجاب الإعتاق بوصف الوقاع لو لم يكن للتعليل لكان بعيداً من
стр. 1172
الرسول ذلك الاقتران لأن كل واحد من أهل اللغة سبق فهمه إلى أن ذلك الحكم لأجل الوقاع في نهار رمضان وإذا كان كذلك صار كأنه قال: إذا واقعت فكفر.
فإن حذف من الوصف المقترن بالحكم بعض الأوصاف الذي لا مدخل له في العلية كورود ذلك الحكم في ذلك اليوم المعين وبكون ذلك الشخص يسمى الإيماء: بتنقيح المناط أي تنقيح ما ناط به حكم الشرع عن الزوائد.
ص - ومثل: أينقص الرطب إذا جف. قالوا: نعم. فقال: فلا إذن.
ومثال النظير كما سألته الخثعمية: إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج أفينفعه إن حججت. " فقال: " أرأيت " لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه " فقالت نعم. فنظيره في السؤال كذلك.
وفيه تنبيه على الأصل والفرع والعلة.
وقيل: إن قوله: لما سأله عمر عن قبلة الصائم: " أرأيت لو تمضمضت أكان ذلك مفسدا " فقال: لا. من ذلك.
وقيل: إنما هو نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد لا تعليل لمنع الإفساد إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا بل غايته أن لا يفسد.
ش - الثاني من وجوه الإيماء أن يقدر الشارع وصفا لو لم يكن تقديره
للتعليل لكان تقديره من الشارع بعيدا سواء كان التقدير في محل السؤال مثل ما روي
انه ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال ﵇ " أينقض الرطب إذا جف؟
стр. 1173
فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن " فإنه لو لم يكن تقدير نقصان الرطب بالجفاف لأجل
التعليل لم يكن مفيدا إذ الجواب يتم بلا أو نعم. ومثله عن الشارع بعيد.
أو في نظير محل السؤال كقوله ﷺ للخثعمية إذ قالت: " إن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج أينفعه إن حججت. " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه؟ فقالت: نعم ".
وذلك لأن تقدير قضاء الدين عن الميت لو لم يكن لتعليل النفع به كان بعيدا.
وإذا كان تقدير الوصف في غير المسؤول علة للحكم وجب أن يكون نظير ذلك الوصف في المسؤول علة له لئلا يلزم البعد فكان في كلامه ﵇ تنبيه على الأصل الذي هو دين الآدمي على الميت وعلى الفرع وهو حجة الاسلام وعلى العلة وهي قضاء الدين على الميت.
واختلف الأصوليون في قوله ﷺ لما سأله عمر عن قبلة الصائم. " أرأيت لو تمضمضت بماء أكان ذلك مفسدا؟ " فقال عمر: لا ".
стр. 1174
فقال بعض الأصوليون هم من مثال النظير فإنه ﷺ قدر الوصف في نظير المسؤول , ورتب الحكم عليه ونبه على الأصل والفرع والعلة.
وقال بعضهم إنما هو نقض لما توهم عمر من إفساد مقدمة الإفساد كأن عمر ﵁ توهم أن القبلة التي هي مقدمة الوقاع المفسد مفسدة فنقض ذلك ﵇ بالمضمضة فإنها مقدمة الشرب المفسد وهي غير مفسدة لا تعليل لمنع الإفساد إذ ليس في المضمضة ما يتخيل أن يكون مانعا من الإفساد بل غاية التمضمض أن لا يكون مفسدا فإن غاية مقدمة الشيء أن لا تقام مقام ما يكون مقدمة له , وأما أن تكون مانعة ما تقتضيه فلا.
ولعل نظر الأولين إلى أن حد الإيماء صادق عليه وهو من مسالك العلة فتجعل تعليلا , ونظر الآخرين إلى أن العلة في الفرع يجب أن تكون مساوية للعلة في الأصل والتي في الأصل هاهنا أدنى لأنه لم يتخيل من المضمضة منع الإفساد فيجعل دفعا لما توهمه عمر ﵁.
ص - ومنها مثل أن يفرق بين حكمين بصفة مع ذكرهما. مثل:
" للراجل سهم وللفارس سهمان " أو مع ذكر أحدهما مثل " القاتل لا يرث " أو
بغاية أو استثناء مثل: (حتى يطهرن) و (إلا أن يعفون).
ومثل ذكر وصف مناسب مع الحكم. مثل: " لا يقضي القاضي وهو غضبان ".
ش - الثالث من وجوه الإيماء أن يفرق الشارع بين حكمين إما بصفة مع ذكر
стр. 1175
الحكمين كقوله ﵇ " للراجل سهم وللفارس سهمان " وإما بصفة مع
ذكر أحدهما كقوله ﵇: " القاتل لا يرث " خصص القاتل بعدم الميراث
بعد سابقة إرث من يرث.
وإما بغاية كما في قوله - تعالى -: (ولا تقربوهن حتى يطهرن).
وإما بالاستثناء كقوله: (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) فإن في هذه الصور كلها دل الإيماء على علية الأوصاف المذكورة.
قوله: ومثل ذكر وصف مناسب مع الحكم - هو الرابع من وجوه الإيماء وهو أن يقيد الشارع الحكم بوصف مناسب للحكم مثل قوله ﷺ " لا يقضي القاضي
وهو غضبان " فإن تقييد النهي عن القضاء بالغضب يشعر بكون الغضب علة مانعة
стр. 1176
من القضاء لما فيه من تشويش النظر واضطراب الحال إذ لو لم يكن كذلك لكان بعيدا من الشارع. وكذا إذا قال: أكرم العالم يشعر بأن العلم علة الإكرام.
ص - فإن ذكر الوصف صريحا والحكم مستنبط مثل: (وأحل الله البيع) أو بالعكس.
فثالثهما: الأول إيماء لا الثاني.
فالأول على أن الإيماء اقتران الوصف بالحكم , وإن قدر أحدهما.
والثاني: على أنه لا بد من ذكرهما.
والثالث: على أن ذكر المستلزم له كذكره. والحل يستلزم الصحة.
وفي اشتراط المناسبة في صحة علل الإيماء.
ثالثها: المختار: إن كان التعليل فهم من المناسبة اشترط.
ش - لما فرغ من بيان الإيماء ذكر صورا محتملة له ولغيره. فإن ذكر الشارع الوصف صريحا ولم يذكر الحكم بل كان مستنبطا كقوله - تعالى -: (وأحل الله البيع) فإن الوصف وهو حل البيع مذكور صريحا والحكم وهو صحة البيع مستنبط من الحل.
أو بالعكس بأن يذكر الحكم صريحا ولم يذكر الوصف بل كان مستنبطا من الحكم كقوله ﵇: " حرمت الخمر لعينها " فإنه يدل على الحكم وهو التحريم صريحا واستنبط منه أن العلة الشدة المطربة فقد اختلفوا فيه على ثلاثة مذاهب:
стр. 1177
الأول: أن الأول والثاني إيماء.
والثاني: أنه ليس واحد منهما إيماء.
والثالث: أن الأول إيماء دون الثاني.
وجه الأول: أن الإيماء اقتران الحكم بالوصف هو حاصل سواء كان الحكم والوصف مذكورين صريحا أو أحدهما يكون مذكورا صريحا والآخر مقدرا.
ووجه الثاني: أنه لا بد من ذكر الحكم والوصف صريحا.
ووجه الثالث: أن ذكر المستلزم للشيء كذكره فيكون الأول إيماء لا الثاني لأن الحل يستلزم الصحة فذكر الحل كذكر الصحة فيكونان مذكورين. فيكون إيماء بخلاف الثاني فإن الحكم لا يكون مستلزما لتعليله بالوصف المستنبط فإن حرمة الخمر ليست مستلزمة لتعليلها بالشدة المطربة.
واختلفوا في اشتراط المناسبة في صحة التعليل بطريق الإيماء على ثلاثة مذاهب:
الأول: عدمه مطلقا.
والثاني: اشتراطه مطلقا.
والثالث: التفصيل وهو المختار عند المصنف أنه يشترط المناسبة إن فهم التعليل بطريق الإيماء من المناسبة كما في الوجه الرابع من وجوه الإيماء وإن لم يكن كذلك لا يشترط لأنه لو فهم التعليل منها امتنع فهمه بدونها فيكون شرطاً بخلاف ما
стр. 1178
إذا لم يفهم التعليل منها فانه حينئذ يكون مستقلا في افادة التعليل فلم يحتج إلى اشتراط المناسبة.
ص - الثالث: السبر والتقسيم . وهو حصر الأوصاف في الأصل وإبطال بعضها بدليله فيتعين.
ويكفي: بحثت فلم أجد. والأصل عدم ما سواها. فإن بين المعترض وصفا آخر لزم إبطاله لا انقطاعه والمجتهد يرجع إلى ظنه. ومتى كان الحصر والإبطال قطعيا فقطعي وإلا فظني.
ش - المسلك الثالث - السبر والتقسيم: وهو حصر الأوصاف في الأصل المقيس عليه وإبطال بعضها ما لا يصلح للتعليل فيتعين الباقي للعلية.
وصورة السبر والتقسيم أن تقول الحكم الثابت في الأصل لا يجوز أن يكون بلا
علة والموجود فيه وصفان أو ثلاثة فاني بحثت عن الأوصاف فلم أجد غير ما ذكر
стр. 1179
والأصل عدم ما سواها إلا بدليل ولا دليل فانه إذا قال ذلك يغلب على الظن الحصر فيما عينه إذا كان أهلا للنظر بأن كانت مدارك المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ثم يحذف بعد ذلك ما لا يصلح للتعليل بدليل فيلزم من مجموع الامرين انحصار التعليل في الباقي.
فان بين المعترض وصفا آخر لزم المستدل إبطال ذلك الوصف ليتم استدلاله ولا ينقطع المستدل بذلك.
وإن لم يذكره أولا لأنه أبطله.
هذا إذا كان مستدلا على غيره أما إذا كان مجتهدا فيرجع إلى ظنه فمهما غلب على ظنه حصر الأوصاف وبطلان البعض كفاه.
وكلما كان الحصر واإابطال قطعيين كان التعليل قطعيا. وإن لم يكونا قطعيين أو يكون أحدهما قطعيا والآخر كان ظنيا.
ص - و طرق الحذف منها: الإلغاء: وهو بيان إثبات الحكم للمستبقى فقط.
ويشبه مثل العكس الذي لا يفيد وليس به , لأنه لم يقصد لو كان المحذوف علة لانتفى عند انتفائه. وإنما قصد: لو كان المستبقى جزء علة لما استقل ولكن يقال لا بد من أصل لذلك فيستغنى عن الأول.
ومنها طرده مطلقا , كالطول والقصر. أو بالنسبة إلى ذلك الحكم كالذكورية في أحكام العتق.
ومنها أن لا تظهر مناسبته.
ويكفي المناظر: بحثت فإن ادعى أن المستبقى كذلك يرجح سبر المستدل بموافقته للتعدية.
ش - لما كان التعليل لا يتم إلا بالحصر والحذف أي إبطال بعض الأوصاف وذكر الحصر أتمه بذكر الحذف. وله طرق منها: الإلغاء: وهو بيان إثبات الحكم
стр. 1180
بالوصف المستبقى دون الوصف المحذوف في صورة. كما يقال علة حرمة الربا في البر إما الطعم أو القوت والتالي باطل لتحقق حرمة الربا في الملح بدون القوت فلو كان القوت معتبرا في العلية لما تحقق الحكم بدونه فيتحقق أن حرمة الربا ليست إلا بالطعم.
ورد بأن تحقق الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف لا يدل على أن
الوصف المحذوف غير معتبر في العلية لجواز أن تكون العلة أخص من المعلول فلا يلزم من انتفائها انتفاؤه.
ثم قال: والإلغاء يشبه نفي العكس وليس عينه , أما أنه يشبهه فلأن العكس انتفاء الحكم لانتفاء الوصف فنفي العكس إثبات الحكم بدون الوصف وفي الإلغاء أيضا تحقق الحكم بدون الوصف المحذوف. وأما أنه ليس عينه فلأن المستدل قصد في نفي العكس أن الوصف ليس " بعلة " للحكم لأنه لو كان علة لانتفى الحكم عند انتفائه وفي الإلغاء لم يقصد أن الوصف المحذوف ليس بعلة بل قصد أن الوصف المستبقى علة مستقلة للحكم لأنه لو كان جزء علة لما استقل بدون المحذوف.
ثم قال لكن بمجرد إثبات الحكم بالوصف المستبقى بدون الوصف المحذوف في صورة لا يلزم كون الوصف المستبقى علة مستقلة إذ غاية الإلغاء إفادة أن الوصف المحذوف ليس علة للحكم على تقدير تحقق الحكم بدونه ولا يلزم من عدم علية الوصف المحذوف كون المستبقى علة مستقلة بل لا بد لذلك أي لبيان كون الوصف المستبقى علة مستقلة " واصل " آخر يفيد استقلال الوصف المستبقى في العلية وحينئذ يلزم الاستغناء عن الإلغاء.
وكأن هذا هو الذي حمل الحنفية على أنهم لم يجعلوا السبر والتقسيم
стр. 1181
حجة لأن أقصى ما أجيب عن ذلك أن الحكم لما دار على الوصف المستبقى وجودا وعدما غلب على الظن عليته ولا حاجة إلى أصل آخر لأن القطع ليس بشرط.
وليس بشيء لأنه لا يزيد على الدوران والدوران ليس بحجة عندهم." ومن طرق طرد المحذوف " وهو أن يكون المحذوف من الأوصاف التي
стр. 1182
علم عدم اعتبارها في الشرط إما مطلقا كالطول والقصر وإما بالنسبة إلى الحكم المطلوب وإن كان مناسبا كالذكورة في سراية العتق كقوله ﷺ : " من أعتق شقصا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه " فإن بيان المناسبة بين الذكورة وسراية العتق وإن كان ممكنا لكن ليس بمعهود من الشرع إلا عدم اعتبار الذكورة في أحكام العتق فألغيت في السراية.
ومنها أن لا تظهر مناسبة الوصف للحكم فيسقط عن درجة الاعتبار ولا يجب على المناظر أن يبين عدم مناسبة المحذوف بإجماع أو غيره بل يكفيه أن يقول بحثت عن الوصف المحذوف فما وجدت بينه الحكم مناسبة فان عارضه الخصم بان الوصف المستبقى كذلك. يعني بحثت ولم أجده مناسبا للحكم احتاج المستدل إلى ما يرجح سبره على سبر المعترض بأن يبين أن سبره موافق للتعدية وسبر المعترض قاصر. وليس له أن يبين المناسبة بين المستبقى والحكم لأنه انتقال من السبر إلى المناسبة وذلك يعد انقطاعا في المناظرة.
ص - و دليل العمل بالسبر وتخريج المناط وغيرهما أنه لا بد من علة لإجماع الفقهاء على ذلك.
ولقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) والظاهر التعميم.
ولو سلمنا فهو الغالب لأن التعقل أقرب إلى الانقياد فليحمل عليه. وقد ثبت
стр. 1183
ظهورها وفي المناسبة.
ولو سلم فقد ثبت ظهورها بالمناسبة فيجب اعتبارها في الجميع للإجماع على وجوب العمل بالظن في علل الأحكام.
ش - لما فرغ من السبر والتقسيم ذكر دليل وجوب العمل بالطرق الدالة على العلية من السبر وتخريج المناط والشبه.
ولقائل أن يقول كان المناسبة أن يذكره بعد استيفائها.
وتقرير ذلك أن حكم الشرع لا بد له من علة للإجماع على أن حكام الله - تعالى - مقترنة بالعلة وإن اختلفوا في أن اقترانها بالعلة بطريق الوجوب كما هو مذهب المعتزلة لو بطريق التفضل كما هو مذهب غيرهم.
ولقوله - تعالى -: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فإنه يدل على أن الأحكام لا تخلو عن علة لأنه ظاهر في التعميم يعني أن جميع ما جاء به رحمة للناس فلو خلت الأحكام أو بعضها عن العلة ما كانت الأحكام رحمة لأن التكليف بالأحكام من غير أن تكون فيها حكمة وفائدة للمكلف تكون مشقة وعذابا له.
وفيه نظر لان الكلام في ان احكام الشرع لا بد لها من علة والحكمة والفائدة غيرها.
ولو سلمنا عدم الإجماع على ذلك وعدم دلالة الأية عليه فثبوت الحكم بالعلة هو الغالب في الشرع لأن تعقل العلة في الحكم أقرب إلى الانقياد والقبول من التعبد المحض فيلحق الفرد بالأغلب.
وفيه نظر لأن الغلبة طريق معرفتهما الاستقراء إلا ما ذكره من الدليل فثبت أنه لا بد للحكم من علة.
стр. 1184
وقد ثبت ظهور العلية في الطرق الدالة عليها وفي المناسبة أيضا على تقدير ثبوت المقدمة المذكورة وهي أن الحكم لا بد له من علة.
ولو سلم أي سلم ثبوت تلك المقدمة فقد ثبت ظهورها بالمناسبة بدون احتياج إلى المقدمة المذكورة لأن مناسبة الوصف للحكم يفيد ظن كونه علة وإذا ثبت ظهور العلية في جميع الطرق الدالة عليها على تقدير ثبوت تلك المقدمة , وفي المناسبة على تقدير عدم ثبوتها أيضا وجب اعتبارها في جميع الطرق لأنه يحصل ظن عليتها والعمل به واجب في تلك الأحكام بالإجماع.
وإنما خص المناسبة بالذكر لئلا يتوهم أن ظهور العلية في المناسبة إنما هو على تقدير ثبوت تلك المقدمة فقط كغيرها.
والحاصل أنها في المناسبة ظاهرة تثبت المقدمة أولا. وأما في غيرها فإن ثبتت
ظهرت وإلا فلا.
ص - الرابع: المناسبة والإخالة وتسمى تخريج المناط وهو تعيين العلة لمجرد إبداء المناسبة من ذاته لا بنص ولا غيره كالإسكار في التحريم والقتل العمد العدوان في القصاص.
والمناسب: وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة فإن كان خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه , وهو المظنة لأن الغيب لا يعرف الغيب. كالسفر للمشقة , والفعل المقضي عليه عرفا بالعمد في العمدية. وقال أبو زيد المناسب ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول.
ش - المسلك الرابع - المناسبة: ويرادفها الإخالة , و " ترجيح " المناط.
стр. 1185
وفسرها بأنها: تعيين العلة بمجرد " ابتداء " المناسبة من ذاته أي ذات الوصف لا بنص وغيره كالإجماع وذلك كتعيين الإسكار لتحريم الخمر بمجرد إبداء المناسبة من ذات الإسكار. وكتعيين القتل العمد العدوان لوجوب القصاص بمجرد إبداء المناسبة
في ذاته.
ومثل بمثالين: أحدهما: للعلة البسيطة. والثاني: للعلة المركبة. لا يقال عرف المناسبة بالمناسبة وذلك تعريف الشيء بنفسه لأن المراد بما في التعريف المناسبة اللغوية.
وعرف المناسب: بأنه وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم
стр. 1186
عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة.
فقوله ظاهر - احتراز عن الخفي , وقوله: منضبط - احتراز عن غيره.
وقوله: ما يصلح أن يكون مقصودا - احتراز عن الوصف المستبقى في السبر وعن الوصف المدار في الدوران. وقوله من حصول مصلحة أو دفع مفسدة - بيان لقوله ما يصلح فإن كان الوصف خفيا أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة لأن الخفي وغير المنضبط غيب عن العقل للخفاء وعدم الضبط والغيب عن العقل لا يعرف الغيب عنه يعني الحكم وذلك كالسفر للمشقة فإنها غير منضبطة فتعتبر مظنتها وهو السفر. والفعل الذي قضى عليه في العرف بالعمدية في الجناية العمد فإن العمد خفي فتعتبر مظنته وهو الفعل المذكور.
وقال ابو زيد القاضي صاحب الأسرار من أصحابنا: المناسب ما لو عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول. يعني لو عرض على العقول السليمة أن هذا الحكم
стр. 1187
لأجل هذا الوصف تلقته بالقبول وهو حسن لكونه أقرب إلى اللغة يقال هذا الشيء مناسب لهذا الشيء أي ملائم له لكن إثباته على الخصم متعذر في مقام النظر لجواز أن عقل الخصم لا يتلقاه بالقبول فلا يكون مناسبا بالنسبة إلى الخصم وتلقي عقل غيره لا يكون حجة عليه.
وفيه نظر لجواز أن يكون التعذر في العقول القابلة شرطا فإنه لو قال: ما لو عرض على العقول فإذا قبله عقول ولم يتلق عقل الخصم حمل على قصور عقله أو عناده لكونه متهما.
ص - وقد يحصل المقصود من شرع الحكم يقينا وظنا كالبيع والقصاص وقد يكون الحصول ونفيه متساويين كحد الخمر. وقد " يكون ارجح " كنكاح الآيسة لمصلحة التوالد. وقد " يناسب " الثاني والثالث.
أن البيع مظنة الحاجة إلى التعاوض وقد اعترض , وإن انتفى الظن في بعض الصور. والسفر مظنة المشقة. وقد اعتبر , وإن انتفى الظن في الملك المترفه. أما لو كان فائتا قطعا كلحوق نسب المشرقي بتزوج مغربية وكاستبراء جارية يشتريها بائعها في المجلس فلا يعتبر خلافا للحنفية.
ش - المقصود من شرع الحكم قد يحصل يقينا وقد يحصل ظنا وقد يتساوى حصوله ونفيه وقد يكون نفي حصوله راجحا.
والأول: كالبيع فإنه يحصل بالصحيح منه الملك الذي هو المقصود يقيناً.
стр. 1188
والثاني: كالقصاص فإن المقصود وهو صيانة النفس المعصومة عن التلف يحصل به ظنا لأن الغالب أن من علم أنه إذا قتل اقتص منه ارتدع لكن بعض المكلفين مع علمه قد يقتل فلا يحصل يقينا.
والثالث: قل ما يقع له على التحقيق في الشرع بل على سبيل التصور وذلك مثل حد الشرب فإن حصول المقصود وهو حفظ العقل ونفيه منه متساويان فإن استيلاء ميل الطباع إلى شرب الخمر يقاوم خوف عقاب الحد فلهذا يقاوم كثرة الممتنعين عند كثرة المقدمين عليه.
والرابع: كنكاح الآيسة فإن المقصود الذي هو التوالد قد يمكن أن يحصل من نكاحها لكن عدم التوالد راجح.
وجعل المصنف الأول والثاني قسما واحدا فيكون القسمان الآخران ثانيا وثالثا وجوز التعليل بجميع الأقسام وقد أنكر بعض التعليل بالثاني والثالث أي القسمين الأخيرين بناء على المساواة بين حصول المقصود ونفيه في الثاني ومرجوحيته في الثالث.
واحتج المصنف على صحة التعليل بها بما حاصله أن احتمال حصول المقصود من شرع الحكم يكفي في صحة التعليل به وذلك لأن بيع مظنة الحاجة إلى التعاوض وقد ينتفي ظنها في بعض الصور كما إذا كان العوض المطلوب حاصلا عنده.
стр. 1189
وفيه نظر لأن البيع مظنة الحاجة إلى التعاوض لا إلى العوض وحصول العوض لا ينافي الحاجة إلى التعاوض. وكذلك السفر مظنة المشقة وقد لا توجد المشقة كما في حق المترفه ومع ذلك فانه يفيد جواز الترخص.
قيل: هذا غير صحيح لأن المقصود في الصورتين مرتب في الغالب وعدم الترتيب إنما هو في بعض الصور. بخلاف صورة النزاع فإن الترتب وعدمه سواء أو عدم الترتب راجح وهو وراد.
قال: وأما لو كان يعني المقصود فائتا قطعا أي بالكلية بحيث لا يكون متساويا ولا مرجوحا كلحوق نسب المشرقي يتزوج مغربية , والاستبراء في شراء جارية يشتريها البائع في المجلس فغير معتبر أي لا يجوز التعليل به لأن من عادة الشرع رعاية الحكم المقصودة فحيث يكون المقصود فائتا بالكلية لم يجز إضافة الحكم إليه لئلا يلزم خلاف عادة الشرع خلافا للحنفية فإنهم يعتبرون ذلك.
ولهم أن يجيبوا عن الأولى بأن الاعتبار في ذلك لاحتمال الحصول. وإنكاره في المتنازع فيه إنكار لكرامة الأولياء وهو عن الحق بمعزل.
وعن الثاني بأن ذلك إنما يرد أن لو كان الحكم فيه مضافا إلى الحكمة وليس كذلك لتأخرها عن الحكم أو إلى العلة الحقيقية وهو إرادة الوطء وليس كذلك لأنها أمر خفي لا يطلع عليه فإن من يستحدث الملك قد لا يريده فمدار الحكم على دليلها وهو التمكن من الوطء فإن صحيح المزاج إذا تمكن منه أراده والتمكن إنما يثبت بالملك واليد فانتصب سببا وأدير الحكم عليه وجودا وعدما تيسيرا.
وذلك إنما يكون على المشتري والبائع أجنبي فلا معتبر بفعله حيث لم ينظر إلى الحكمة وهي براءة الرحم.
ص - والمقاصد ضربان: ضروري في أصله , وهي أعلى المراتب كالخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين , والنفس , والعقل , والنسل , والمال. كقتل الكفار , والقصاص , وحد المسكر , وحد الزنا وحد السارق والمحارب. ومكمل
стр. 1190
للضروري. كحد قليل المسكر وغير ضروري , حاجي , كالبيع والإجارة والقراض والمساقاة. وبعضها آكد من بعض. وقد يكون ضروريا كالإجارة على تربية الطفل وشراء المطعوم والملبوس له ولغيره.
ومكمل له , كرعاية الكفاءة ومهر المثل في الصغيرة. فإنه أفضى إلى دوام النكاح.
وغير حاجي , ولكنه تحسيني كسلب العبد أهلية الشهادة لنقصه عن المناصب " الشريفة " جريا على ما ألف من محاسن العادات.
ش - المقاصد من شرع الأحكام ضروري وغير ضروري. والضروري إما أن يكون ضروريا في أصله أو مكملا لما هو ضروري في أصله. والمقاصد الضرورية في أصلها هي أعلى المراتب كالخمسة التي روعيت في كل ملة: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والحصر فيها عادي.
стр. 1191
أما الدين فهو محفوظ بقتل الكافر لقوله - تعالى -: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله).
وأما النفس فهي محفوظة بالقصاص لقوله - تعالى -: (ولكم في القصاص حياة).
وأما العقل فمحفوظ بحد الشرب لقوله - تعالى -: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة) اللآية.
وأما النسل فمحفوظ بحد الزنا لقوله - تعالى -: (الزانية والزاني فاجلدوا) فإن المزاحمة على الأبضاع تؤدي إلى اختلاط الأنساب المفضي إلى هلاك الولد بانقطاع التعهد من الاولاد.
وأما المال فمحفوظ بقطع السارق لقوله - تعالى -: (فاقطعوا أيديهما) وعقوبة المحارب لقوله - تعالى -: (إنما جزاؤا الذين يحاربون الله) الآية.
والمكمل له كالمبالغة في تحريم قليل الخمر وإيجاب الحد عليه فإن أصل المقصود من حفظ العقل حاصل بتحريم شربها لا بتحريم قليله وإنما تحريم القليل للتكميل والتتميم له.
وأما غير الضروري فإما حاجي أو غيره , والحاجي إما في أصله أو مكمل له.
стр. 1192
أما الحاجي فكالبيع والإجارة والقراض والمساقاة وغيرها من
المعاملات. وبعضها آكد من بعض وقد يكون في رتبة الضروري كالإجارة على تربية الطفل وشراء المطعوم والملبوس للطفل ولغيره للهلاك بدونها. وهذا في الحقيقة داخل في الضروري وأما المكمل للحاجي فكرعاية الكفاءة ومهر المثل في تزويج الصغيرة لأن ذلك أفضى أي أكثر إفضاء وأشده - استعمل أفعل التفضيل من الرباعي وهو شاذ - إلى دوام النكاح الذي هو في محل الحاجة.
وأما غير الحاجي فلا بد وأن يكون في حيز التحسين والتزيين وإلا لم يكن مقصودا ويسمى تحسينيا كسلب أهلية الشهادة عن
стр. 1193
العبد لنقصه في لنقصه في كرامات البشر المناصب الشريفة جريا على ما هو المألوف والمعهود من محاسن العادات.
ص - مسألة المختار انخرام المناسبة بمفسدة تلزم راجحة أو مساوية.
لنا: أن العقل قاض بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها.
قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة تلزم مصلحة ومفسدة تساويها أو تزيد وقد صحت.
قلنا: مفسدة الغصب ليست عن الصلاة , وبالعكس.
ولو نشاء معا عن الصلاة - لم تصح.
والترجيح يختلف باختلاف المسائل. ويرجح بطريق إجمالي وهو أنه إن لم يقدر رجحان المصلحة لزم التعبد بالحكم.
ش - الوصف المشتمل على مصلحة خالصة أو راجحة على المفسدة مناسب بلا خلاف. والمشتمل على مفسدة راجحة أو مساوية للمصلحة فيه خلاف.
стр. 1194
" ومختار " أنه تنخرم مناسبته للحكم لأن المصلحة لا تكون مطلوبة عند التساوي ألا ترى أن من أخذ يسقي رجلا ليسقيه نسب إلى السفه.
ولما ثبت انخرامها في المفسدة المساوية كانت الراجحة أجدر ولهذا لم يذكرها.
واستدل المانعون من انخرامها بالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة مع
أنها تلزم مصلحة ومفسدة تساويها إن غلب الحرام على غير الواجب أو تزيد عليها إن
غلب على الحلال مطلقا كما هو مذهب بعض.
وأجاب بأن مفسدة الغصب ليست بناشئة عن الصلاة وبالعكس أي مصلحة
стр. 1195
الصلاة ليست بناشئة عن الغصب لأن الصلاة مصلحة خالصة.
ولو فرضنا " أنها " نشأتا معا من الصلاة لم تصح الصلاة بل تكون فاسدة.
وإذا ثبت أنه لا بد للوصف من ترجيح المصلحة فعلى المستدل أن يرجح الوصف والترجيح يختلف باختلاف المسائل فإنه في بعضها يكون ظاهرا وفي آخر يحتاج إلى أدنى تأمل وفي آخر إلى نظر واستدلال.
وله ترجيح إجمالي مطرد وهو أن يقول لو لم تكن المصلحة راجحة على ما عارضها من المفسدة لزم أن يكون الحكم تعبديا محضا لأنا بحثنا ولم نجد مصلحة أخرى تصلح للعلية والأصل عدم الغير. وثبوت التعبدي الصرف على خلاف الأصل.
ص - والمناسب: مؤثر وملائم وغريب ومرسل لأنه إما معتبر أولا والمعتبر بنص أو إجماع هو المؤثر والمعتبر بترتيب الحكم على وفقه فقط إن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس أو جنسه في جنس الحكم فهو الملائم وإلا فهو الغريب. وغير المعتبر هو المرسل. فإن كان غريبا أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقا
وإن كان ملائما فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله وذكر عن مالك والشافعي.
والمختار رده.
وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية. فالأول - كالتعليل بالصغر في حمل النكاح على المال في الولاية. فإن عين الصغر معتبر في جنس حكم الولاية بالإجماع.
والثاني: كالتعليل بعذر الحرج في حمل الحضر بالمطر على السفر في الجمع فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع.
والثالث: كالتعليل بجناية القتل العمد العدوان في حمل المثقل على المحدد في القصاص فإن جنس الجناية معتبر في جنس القصاص كالأطراف وغيرها.
следующие страницы →