Полный текст (1 417 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تقدم.
والمشترك له بلاغة بعد البيان من حيث الإجمال والتفصيل فكانا فيما يتعلق بالبلاغة متساويين، ولكن الحق أن الوجوه الدالة على ترجيح المشترك لا يقابل شيء منها كون المجاز أغلب وقد تقدم [٣٦/ب] الكلام عليه، وهذا البيان يبين لك ما وعد لك من فائدة ذكر، ﴿﴿ويكون﴾﴾ في قوله: ﴿﴿ويكون أبلغ﴾﴾.
ولقائل أن يقول: هذه الوجوه المذكورة في ترجيح المجاز والمشترك مبنية على وقوع التعارض بين كون اللفظ مشتركاً أو مجازاً، وذلك فاسدٌ لا تحقق له والبناء على الفاسد فاسدٌ، وذلك لأن ذلك لا يتحقق إلا إذا تعدد المدلول ولا قرينة، وحينئذٍ إن تردد الذهن كان مشتركاً ليس إلا، وإن سبق إلى خلاف المراد كان مجازاً ليس إلا. لا يقال القسمة غير حاصرة لجواز أن يسبق إلى المراد، لأ [ن] ذلك إنما يكون عند إرادة الحقيقة فليست من ذلك، أو عند القرينة والفرض عدمها.
стр. 177
في وقوع الحقائق الشرعية
ص ــ مسألة: الشرعية واقعة خلافاً للقاضي، وأثبتت المعتزلة [الد] ينية أيضاً.
لنا: القطع بالاستقراء أن الصلاة للركعات، والزكاة والصيام والحج كذلك، وهي في اللغة: الدعاء، والنماء، والإمساك مطلقاً، والقصد مطلقاً.
قولهم: باقية والزيادات شروط.
رُدّ: بأن في الصلاة، وهو غير داعٍ ولا متبع.
قولهم: مجاز.
إن أريد به استعمال الشارع لها فهو المدعى. وإن أريد أهل اللغة فخلاف الظاهر؛ لأنهم لم يعرفوها؛ ولأنها تفهم بغير قرينة.
ش ــ اختلف [العلماء] في ان الحقائق الشرعية واقعة أو لا، فمنعه القاضي
стр. 178
وأجازه غيره واختاره المصنف.
والمعتزلة قسمتها إلى دينية وغيرها. ولما كان الوقوع دليل الجواز اكتفى المصنف بذكره.
والخلاف مفروض فيما استعمله الشارع من الأسماء اللغوية المناسبة كلفظ الصلاة والصوم والحج وغيرها.
واما ما وضعه الشرع مخترعاً من غير نقل من اللغة لعلاقة كلام فيه.
قال القاضي: تلك الألفاظ مستعملة في المعاني اللغوية، والزيادات التي في المعاني الشرعية شروط زيدت على المعاني اللغوية لجواز إطلاقها على الشرعية، فإن إطلاقها عليها بدون هذه الزيادات غير مجزئة.
ومن الناس من ذهب إلى أنها مجازات لغوية لم تبلغ رتبة الحقائق.
стр. 179
والمعتزلة قالوا: الأسماء الشرعية إن كانت في الأفعال كالصلاة والصوم، والزكاة، والحج تسمي شرعية غير دينية.
وإن كانت في المشتقات كالمؤمن، والفاسق، والكافر تسمى دينية، واستدل المصنف على ما اختاره بقوله: ﴿﴿لنا﴾﴾ القطع بالاستقراء أن الصلاة في الشرع موضوعة للأفعال المخصوصة وهي في اللغة للدعاء، والزكاة للمقدار المعين المخرج من نصاب حولي، وهي فيها للنماء.
والصيام: للإمساك عن الأكل والشرب والجماع نهاراً مع النية، وهي فيها للإمساك مطلقاً.
والحج: للقصد إلى زيارة أماكن معلومة في أوقات مخصوصة، وهي فيها لمطلق القصد. وقد استعملها الشرع [فيما] وضعت له بطريق الحقيقة؛ لأنها تسبق إلى الذهن عند الإطلاق بلا قرينة وما كان كذلك فهو
стр. 180
حقيقة.
قيل: إنما لم يقتصر المصنف على [٣٧/أ] تقييد القصد بالمطلق بل قيد الإمساك ــ أيضاً ــ به، لئلا يتوهم رجوع ﴿﴿مطلقاً﴾﴾ إلى كل واحد مما قبله أو إلى الأخير فقط وهما غير مرادين.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ما يسبق إلى الذهن عند الإطلاق بلا قرينة يكون حقيقة، لم لا يجوز أن يكون مجازاً هجرت حقيقته بالشرع فإنه لا يحتاج حينئذٍ إلى القرينة كالذي هجر حقيقته عرفاً، كما إذا حلف لا يأكل رأساً فإنه لا يحنث بأكل رأس العصفور والجراد وإن كان حقيقة.
وقوله: ﴿﴿قولهم، باقية والزيادات شروط﴾﴾ إيراد مناقضة من المانعين للدليل المذكور على الوجه الذي ذكر في أول البحث.
وقوله: ﴿﴿رُدّ﴾﴾ خبر قوله: ﴿﴿قولهم﴾﴾ وهو جواب هذه المناقضة.
وتقريره: لو كانت هذه الألفاظ في الشرع مستعملة في مفهوماتها اللغوية لما استعملت في صورٍ لم تتحقق فيها، لكنها استعملت في صلاة الأخرس المنفرد، وليس فيها دعاء ولا اتباع، وليس معناها لغة إلا الدعاء والاتباع.
ولقائل أن يقول: هذا مشترك الإلزام؛ لأن الخلاف في ألفاظ منقولة عن المعاني اللغوية إلى الشرعية لمناسبة بينهما.
فيقال: لو كانت هذه الألفاظ مستعملة في الحقائق الشرعية المناسبة لما جاز
стр. 181
استعمالها فيما لا يوجد فيه المناسبة كصلاة المنفرد الأمي.
وقوله: ﴿﴿قولهم، مجاز﴾﴾ إيراد مناقضة أخرى، وكأنها من جهة من يرى أنها مجازات لم تبلغ رتبة الحقائق كما مر.
وتقريرها: لا نسلم أنها في معانيها الشرعية مستعملة بطريق الحقيقة لم لا يجوز أن يكون بطريق المجاز لتحقق العلاقة بين المفهومات فإن الصلاة للدعاء، وهي جزء الأفعال المخصوصة، وكذلك غيرها وتسمية الكل باسم الجزء مجاز، وتقرير الجواب من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن أريد بكون هذه الألفاظ مجازات أن الشارع استعملها في غير موضوعاتها اللغوية، وغلب استعمالها فيها فهو المدعى لأنا لا نريد من الحقائق الشرعية إلا منقولات استعملها الشارع في معان غير الأول، وذلك حاصل إن شئتم وافقونا في التسمية أو لا وإن أريد بذلك أن أهل اللغة قد استعملوها في هذه المعاني فليس بصحيح؛ لأنهم لم يعرفوا هذه المعاني قبل الشرع فكيف استعملوها لها؛ فإن استعمال اللفظ في معنى مسبوق بعلمه.
ولقائل أن يقول: دعوى الخصم: ﴿﴿أنها موضوعات لغوية استعملت في غير موضوعاتها﴾﴾ وهب أن المستعمل هو الشرع، لكن إنما تكون حقائق شرعية إذا كان هو الواضع والمستعمل ليكون تخاطباً آخر والخصم لا يلتزم أن الشرع وضعه، فكيف يكون مراده عين المدعى؟
والثاني: أن استعمال هذه الألفاظ لهذه المعاني لا يجوز أن يكون بطريق المجاز؛ لأنها تفهم عند الانطلاق بلا قرينة.
стр. 182
والمجاز لا يفهم بدونها. وفيه نظر من وجهين [٣٧/ب]:
أحدهما: ما ذكرنا أن حقائقها مهجورة، ومثله لا يحتاج إلى قرينة، ونزيده بياناً، وهو أن الكلام إنما وضع لاستعمال الناس في حاجاتهم للإفهام، والمطلوب به ما يسبق إليه الافهام، فإذا تعارف الناس استعماله للشيء بطريق المجاز صار المجاز بسبب استعمالهم كالحقيقة لا يحتاج إلى قرينة.
والثاني: أن قوله: ﴿﴿لأنها تفهم بغير قرينة﴾﴾، معناه أنه لا يجوز أن يكون مجازاً، فيقال: لا يجوز أن يكون مجازاً شرعياً أو لغوياً، فإن أريد الأول كان الدليل صحيحاً، لكن الخصم لم يقل إنها مجازات شرعية، وإن أريد الثاني، كان الدليل غير صحيح؛ لأن اللغوي قد لا يفهم تلك المعاني إلا بقرينة.
ص ــ القاضي: لو كانت كذلك، لفهمها المكلف. ولو فهمها لنقل لأنا مكلفون مثلهم. والآحاد لا تفيد، ولا تواتر.
والجواب: أنها فهمت بالتفهيم بالقرائن، كالأطفال.
قالوا: لو كانت لكانت غير عربية؛ لأنهم لم يضعوها.
وأما الثانية: فلأنه يلزم أن لا يكون القرآن عربياً.
وأجيب: بأنها عربية بوضع الشارع لها مجازاً. أو ﴿﴿أنزلناه﴾﴾ ضمير السورة، ويصح إطلاق اسم القرآن عليها، كالماء والعسل، بخلاف نحو المائة والرغيف.
ولو سُلم فيصح إطلاق اسم العربي على ما غالبه عربي، كشعر فيه فارسية [و] عربية.
ش ــ استدل القاضي على أن هذه الألفاظ ليست حقائق شرعية: بأنها لو
стр. 183
كانت كذلك لزم تفهيم الشارع المكلفين بها تحقيقاً لموجبها ولم يفهم إذ لو فهمهم لنقل إلينا نقلاً يفهم به مراد الشارع لأنا مكلفون مثلهم، والتكليف يوجبه، والنقل بالآحاد غير مفيد لأنها ليست بقطعية، والتواتر غير موجود وإلا لم يقع النزاع.
ولقائل أن يقول: ما المراد بالتفهيم تفهيم كونها موضوعة للمعاني الشرعية بوضع الشارع ومستعملة فيها، أو تفهيم المراد بها؟
فإن أريد الأول، فلا نسلم أنه لا بد له منه بل يكفي فهم مراده، وإن أريد الثاني، فلا نسلم أنه [لو] لم يفهمه، بل فهمه بالقول، كما في حديث الأعرابي، وبفعله ــ ﷺ ــ وقوله، والآحاد لا يفيد ممنوع؛ فإنها لا تفيد إذا كانت المسألة قطعية
стр. 184
وليس ما نحن فيه كذلك، ولئن سُلم فإنما لا يفيد إذا لم يقع بياناً لمجمل الكتاب، وههنا وقعت بياناً لقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
وقوله: ﴿﴿الجواب﴾﴾ جواب النقض بمنع الملازمة الثانية، أي لا نسلم أنها لو فهمها الشارع المكلفين لنقل إلينا، لجواز أن يكون تفهيمه إياهم بالقرائن، كالوالدين مع الأطفال، وإذا جاز ذلك لا يلزم النقل، لجواز أن يفهم ــ أيضاً ــ بالقرائن من غير نقل.
ولقائل أن يقول: الفهم الحاصل بالقرائن للمكلفين غير حاصل لنا لأنا لم نشاهدها، والعمل بهذه الألفاظ واجب البتة، فإما أن يكون ذلك بنقل أنهم [٣٨/أ] فهموا بالقرائن، أو لا.
والثاني يفضي إلى انتفاء العمل الواجب، والأول، إن كان بالآحاد فلا يفيد، وإن كان بالقرائن فلم يوجد والعجب أن الخصم لا يجوز أن تكون الآحاد مفيدة، فيجاب بقرائن كقرائن الوالدين مع الأطفال.
وقوله: ﴿﴿لو كانت لكانت﴾﴾ دليل آخر على أنها ليست حقائق شرعية؛ لأنها لو كانت لكانت غير عربية، لأن العربية هي التي وضعته العرب، وهذه ليست كذلك، حيث لم يضعوها لهذه المعاني، لكنها عربية لاشتمال القرآن العربي عليها، والمشتمل على العربي وغير العربي غير عربي، فلا بد أن تكون حقائق لغوية لا شرعية.
ولقائل أن يقول: إذا كان الواضع هو الله فهو واضع الحقائق الشرعية كما أنه
стр. 185
واضع الحقائق اللغوية، فكما جاز أن توصف اللغوية بالعربية جاز وصف الشرعية بها. وأجاب المصنف بوجهين:
أحدهما: منع الملازمة، أي لا نسلم أنها لو كانت حقائق شرعية كانت غير عربية؛ لأن العربي ليس هو الذي يفيد ما وضعه واضع اللغة، بل هو الذي يفيد معناه على طريقة العرب من حقيقة ومجاز وهذه الألفاظ كذلك؛ لأن الشارع وضعها لمحل المجاز اللغوي فتكون مجازات لغوية صارت حقائق شرعية بحسب الشهرة، فلم تخرج عن كونها عربية.
ولقائل أن يقول: سلمنا أن طريقة العرب إفادة المعني بحسب الحقيقة أو المجاز، لكن هل يشترط اتحاد المستعمل في التخاطب، أو لا؟
والأول، مسلم ونصره، والثاني، ممنوع.
وثانيهما: منع بطلان التالي بأن يقال: لا نسلم أن هذه الألفاظ عربية واشتمال القرآن عليها لا ينافي عربيته؛ لأن المراد بكونه عربياً أكثره، والضمير في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلنَاهُقُرآنًا عَرَبِيّا﴾ للسورة، فلا يستلزم الكل، والمشتمل على العربي وغيره قرآن تسمية باسم الأغلب.
فإن قيل: القرآن اسم للكل فكيف يرجع الضمير إلى البعض؟
أجاب المصنف: بأنه من باب ما يشترك القليل والكثير منه في الاسم والرسم، كالماء والعسل، وغيرهما بخلاف المائة والرغيف، فإن كلاً منهما اسم للمجموع فلا يصح إطلاقه على الجزء.
стр. 186
وقوله: ﴿﴿ولو سلم﴾﴾ يعني لو سلم أن القرآن اسم للمجموع كالمائة والرغيف، لكن يصح إطلاق العربي على ما غالبه عربي كشعر فيه ألفاظ فارسية وغالبه عربية جاز إطلاق العربي عليه. وبالعكس. وهو تفسير ما ذكرنا أن المشتمل على العربي وغيره قرآن. والحاصل أن إطلاق القرآن على بعضه بطريق الحقيقة إن كان كالماء، وبطريق المجاز إن كان المائة وكلاهما صحيح.
ولقائل أن يقول: التزام أن هذه الألفاظ الشرعية غير عربية مع أنها لا توجد في كلام غير العرب، ولا يفهمها من لا يعرف لسانهم إضافة وصف إلى ما يقتضي خلافه، وهو فساد الوضع.
стр. 187
الإيمان والإسلام
ص ــ المعتزلة: الإيمان؛ التصديق.
وفي الشرع: العبادات، لأنها الدين المعتبر.
والدين: الإسلام، والإسلام: الإيمان. بدليل ﴿ومن يبتغ﴾ فثبت أن الإيمان: العبادات.
وقال: [٣٨/ب] ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين﴾ إلى آخرها.
وعورض بقوله: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾.
قالوا: لو لم يكن لكان قاطع الطريق مؤمناً، وليس بمؤمن، لأنه مخزي، بدليل ﴿من تدخل النار فقد أخزيته﴾، والمؤمن لا يُخزى بدليل: ﴿يوم لا يخزى الله النبي والذين آمنوا معه﴾.
وأجيب: بأنه للصحابة، أو مستأنف.
ش ــ استدل المعتزلة على أن الأسماء الدينية موضوعات مبتدأه لا تعلق لها بالمفهومات اللغوية.
وتقريره: أن الإيمان في اللغة: التصديق.
وفي الشرع: العبادات، أي فعل الواجبات.
стр. 188
أما الأول: فبالنقل عن أئمة اللغة، وأما الثاني، فلأن العبادات هي الدين المعتبر، والدين المعتبر هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، فالعبادات هي الإيمان.
أما أن العبادات هي الدين المعتبر فلقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ (٥)﴾، أي دين الملة المستقيمة، ووجه ذلك أنه ذكر العبادات، ثم أشار إليها بأنها هي الدين المستقيم، وهو المعتبر من الأديان لا محالة.
وأما أن الدين المعتبر هو الإسلام فلقوله ــ تعالى ــ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ﴾، أخبر أن الدين عند الله، يعني المعتبر هو الإسلام.
وأما أن الإسلام هو الإيمان، فلأن الإيمان مقبول من مبتغيه وغير الإسلام ليس
стр. 189
بمقبول من مبتغيه، لقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلَامِ دِينا فَلَن يُقبَلَ مِنهُ (٨٥)﴾، فالإيمان ليس غير الإسلام وفيه نظر؛ لأن القياس المذكور ينتج العبادات هي الإيمان، وليس ذلك مطلوبهم، وإنما مطلوبهم: الإيمان هو العبادات.
وإن عكست النتيجة صارت: بعض الإيمان العبادات، ولا يحصل به المطلوب على أنه استدلال في التعريف، وهو فاسدٌ.
ثم ذكر دليلاً آخر لهم على أن الإسلام هو الإيمان، ووجه ذلك: أن الله ــ تعالى ــ استثنى المسلم من المؤمن في قوله: ﴿فَأَخرَجنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدنَا فِيهَا غَيرَ بَيت مِّنَ المُسلِمِينَ (٣٦)﴾ وبيانه أن ﴿﴿غير﴾﴾ في قوله ﴿غَيرَ بَيت﴾ إما أن تحمل على ظاهره، أو معنى ﴿﴿إلا﴾﴾ أو على أمر ثالث وهو باطل، فتعين أحد الأولين و ﴿﴿ظاهره﴾﴾ كذلك؛ لاستلزامه أن يكون عدم الوجدان ثابتاً بالنسبة إلى ﴿غَيرَ بَيت مِّنَ المُسلِمِينَ (٣٦)﴾ وهو باطل؛ لأن الوجدان ثابت بالنسبة إلى غير بيت المسلمين، فإن بيوت الكفار غير بيت من المسلمين وقد وجدت فتعين حمله على ﴿﴿إلا﴾﴾ فيكون استثناءً مفرغاً، ومعناه: فما وجدنا فيها أحداً من المؤمنين إلا أهل البيت من المسلمين وهو استثناء المسلمين من المؤمنين، فدل على أن الإسلام هو الإيمان. وكان المناسب
стр. 190
أن يذكر هذا الدليل تلي قوله: ﴿ومن يبتغ﴾ وكأنه أخرهُ لاختصاصه بالمعارضة المذكورة بعد قوله: ﴿﴿وعُوْرِضَ﴾﴾ بقوله ــ تعالى ــ: ﴿قُل لَّم تُؤمِنُوا [٣٩/أ] وَلَكِن قُولُوا أَسلَمنَا﴾.
وتقريرها: ما ذكرتم من الآيتين وإن دل على أن الإسلام هو الإيمان ولكن عندنا ما ينفيه، وهو أن الإسلام لو كان هو الإيمان لما ثبت عند سلب الإيمان. وإلا لزم اجتماع النقيضين، لكن ثبت بالنص فلا يكون هو هو.
وأجيب: بأن الثابت هو الإسلام، بمعنى الاستسلام وهو الإذعان والانقياد، كالذي كان عليه المنافقون، وليس الكلام فيه.
وقالت المعتزلة ــ أيضاً ــ: لو لم يكن الإيمان في الشرع العبادات، أي فعل الواجبات، لكان قاطع الطريق مؤمناً، لقيام الإيمان به حينئذٍ وهو تصديق النبي ــ ﷺ ــ بما علم مجيؤه به إذ لا قائل بالفصل لكنه ليس بمؤمن، لكونه مخزى، والمؤمن لا يخزى فقاطع الطريق ليس بمؤمن، أما أنه مخزى؛ فلأنه يدخل النار لقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَلَهُم فِي الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾، وكل من دخل النار فهو مخزى لقوله ــ
стр. 191
تعالى ــ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدخِلِ النَّارَ فَقَد أَخزَيتَهُ﴾.
وأما أن المؤمن لا يخزى، فلقوله ــ تعالى ــ: ﴿يَومَ لَا يُخزِي اللَّهُالنَّبِيَّوَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
وأجيبوا: بأنا لا نسلم انتفاء التالي، والقياس المذكور في بيانه غير مستقيم؛ لأن الكبرى وهو قوله: ﴿﴿والمؤمن لا يخزى﴾﴾ لا يصدق كلية وهي شرط في الشكل الأول. وقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مخصوص بالصحابة لخصيصهم بالمعية، ولا يلزم كون المؤمنين المصاحبين غير مخزيين أن يكون غيرهم كذلك. هذا على تقدير أن يكون ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معطوفاً على ما قبله.
وإن كان مبتدأ خبره ﴿نُورُهُم يَسعَى﴾ فلم يبق لهم اتصال بمحل النزاع أصلاً.
ولقائل أن يقول: استدلالهم هذا مبني على أصل لهم، وهو: أنه لا فرق في هذا المعنى بين المصاحبين وغيرهم؛ لأن صاحب الصغيرة من المؤمنين ليس ممن يدخل النار عندهم، وصاحب الكبيرة الغير تائب ليس من المؤمنين، والتائب منهم لا يدخل النار، كمن لا ذنب له، فلم يبق فرق بين المصاحب وغيره في عدم الخزي، وإنما التفاوت بينهما في ارتفاع الدرجات، وعلى هذا لا يكون الجواب صحيحاً.
ص ــ مسألة: المجاز واقع، خلافاً للأستاذ. بدليل الأسد للشجاع، والحمار
стр. 192
للبليد، وشابت لمة الليل.
المخالف: يخل بالتفاهم. وهو استبعاد.
ش ــ اختلف الأصوليون في وقوع المجاز، منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأجازه الباقون، واختاره المصنف مستدلاً بأن استعمال الأسد
стр. 193
للشجاع، والحمار للبليد، وشابت لمة الليل لظهور الصبح. واقع لا محالة، وكذا لغيرها من المعاني بطريق الحقيقة، فلو كانت هذه المعاني ــ أيضاً ــ بطريق الحقيقة لم يسبق الذهن إلى أحدهما عند عدم القرينة، لكن يسبق إلى غيرها فكانت فيها مجازات.
واستدل الأستاذ المخالف: بأنه لو وقع لاختل التفاهم؛ لأن إطلاق اللفظ على المفهوم المجازي [٣٩/ب] إن كان بقرينة فقد يذهل المخاطب عنها فلا يفهم، وإن كان بغيرها تبادر إلى الذهن المفهوم الحقيقي، واختل فهم المراد.
وأجاب المصنف: بأن هذا يدل على استبعاد وقوع المجاز. وفيه مراعاة للأستاذ، وإلا فهو فاسد؛ لأن الذهول عرضي مفارق، غير شامل، نادر الوقوع فأنى يقاوم القاطع المذكور.
ص ــ مسألة: وهو في القرآن، خلافاً للظاهرية. بدليل ﴿ليس كمثله شيء﴾، ﴿واسأل القرية﴾، ﴿يريد أن ينقض﴾ ﴿فاعتدوا عليه﴾، ﴿سيئة مثلها﴾ وهو كثير.
قالوا: المجاز كذب؛ لأنه ينفي فيصدق.
قلنا: إنما يكذب إذا كانا معاً للحقيقة.
قالوا: يلزم أن يكون الباري متجوزاً.
قلنا: مثله يتوقف على الأذن.
ش ــ قيل: ﴿﴿الواو﴾﴾ للحال من ضمير ﴿﴿واقع﴾﴾ وليس بصحيح لاستلزامه أن
стр. 194
يتقيد الوقوع بكونه في القرآن، لكنه واقع في غيره.
والحق أنه مبتدأ، ولو قال: ﴿﴿أيضاً﴾﴾ كان أحسن، فإن هذا بيان خلاف آخر بين الظاهرية؛ أي الذين لا يجوزون التأويل في القرآن، وبين المحققين، فإنهم قالوا بوقوعه فيه مستدلين بقوله ــ تعالى ــ: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيء﴾ فإنه موضوع لنفي مثل المثل، وقد استعمل في غير ما وضع له، وهو نفي المثل بقرينة قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُالْبَصِيرُ (١١)﴾ بطريق الحصر فكان مجازاً.
стр. 195
ومنهم من استدل على كونه مجازاً بأنه لو كان المراد به الحقيقة ﴿﴿نفي مثل المثل﴾﴾ لزم نفيه. تعالى وتقدس؛ لأنه مثل مثله، وليس بشيء؛ لأن المجاز يحتاج إلى قرينة فإن وجدت فلا حاجة إلى إقامة الدليل، وإن لم توجد لا يفيد الاستدلال. والكلام على هذه الآية ــ الكريمة ــ كثير لا يحتمله هذا المختصر.
وبقوله: ﴿وَسئَلِالقَريَةَ﴾ فإنها موضوعة لأماكن من مدر فاستعملت في أهلها بقرينة السؤال فكان مجازاً. وعلماء البيان يسمون الأول مجازاً بالزيادة، وهو أن يذكر لفظان وأريد معنى أحدهما.
والثاني، مجازاً بالحذف، وهو أن يذكر لفظ واحد ويراد معنى لفظين والظاهر خصوصهما بالتركيب الإضافي فلا يكون ﴿فبما رحمة﴾ من الأول، ولا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُم أَن تَضِلُّوا﴾ من الثاني.
وبقوله ــ تعالى ــ: ﴿يريد أن ينقض﴾ فإن الإرادة وضعت لذي شعور واستعملت في ميلان الجدار بقرينة الجدار فكان
стр. 196
مجازاً.
وبقوله ــ تعالى ــ: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ أطلق الاعتداء على القصاص وهو ضده، أو سببه.
ومثله: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَة سَيِّئَة مِّثلُهَا﴾ وجزاء السيئة حسنة بقرينة لفظ ﴿﴿جزاء﴾﴾ وإنما كثر الأمثلة لتقرير وقوعه في القرآن.
وقالت الظاهرية: المجاز كذب، والكذب في القرآن غير واقع. أما الثاني، فظاهر، وأما الأول، فلأن سلبه صادق، يجوز أن يقال: البليد ليس بحمار فإثباته يكون كاذباً ضرورة صدق نقيضه [٤٠/أ] وتحقيق جوابه أن اتحاد محل السلب
стр. 197
والإيجاب شرط للتناقض، والنفي للحقيقة والإثبات للمجاز فلم يتحد.
وقالوا ــ أيضاً ــ: لو جاز وقوعه في القرآن لزم أن يكون الباري متجوزاً لأن ثبوت المشتق منه لشيء يستدعي صحة إطلاق اسم المشتق عليه.
والجواب: أن إطلاق أسماء الله توقيفية ولم يرد فيه إذن شرعي.
стр. 198
القرآن المعرّب
ص ــ مسألة: في القرآن المعرب وهو عن ابن عباس وعكرمة ونفاه الأكثرون.
لنا: ﴿﴿المشكاة﴾﴾ هندية، و ﴿﴿إستبرق﴾﴾، و ﴿﴿سجيل﴾﴾ فارسية و ﴿﴿قسطاس﴾﴾ رومية.
قولهم: مما اتفق فيه اللغتان، ﴿﴿كالصابون﴾﴾ و ﴿﴿التنور﴾﴾ بعيد وإجماع العربية على أن نحو إبراهيم منع من الصرف للعجمة والتعريف يوضحه.
المخالف: بما ذكر في الشرعية، وبقوله: ﴿آعجَمِيّ وَعَرَبِيّ﴾ فنفى أن يكون متنوعاً.
وأجيب: بأن المعنى من السياق: أكلام عجمي ومخاطب عربي لا يفهم وهم يفهمونها.
ولو سلم نفي التنويع فالمعنى: أعجمي لا يفهمه.
ش ــ واختلف الناس ــ أيضاً ــ في وقوع المعرب في القرآن. فنفاه الأكثرون.
стр. 199
وروي عن ابن عباس وعكرمة وقوعه فيه واختاره المصنف بدليل أن في
стр. 200
القرآن ﴿المشكاة﴾، و ﴿سجيل﴾، و ﴿استبرق﴾، و ﴿قسطاس﴾، والأول هندي، والآخران فارسيان، والأخير رومي.
وأورد المانعون بأن وجود هذه الألفاظ في غير العرب لا يستلزم أن لا تكون عربية لجواز موافقة وضع العرب وضع لغة أخرى فتكون مما اتفق فيه اللغتان، ﴿﴿كالصابون﴾﴾ و ﴿﴿التنور﴾﴾، و ﴿﴿الهريسة﴾﴾ وغيرها.
وأجاب المصنف: بأنه بعيد.
قيل: لأن التعريب في ﴿السجيل﴾، و ﴿الاستبرق﴾ ظاهر، وليس بظاهر لبقاء الاحتمال المذكور، وبإجماع اهل العربية على أن إبراهيم منع من الصرف للعجمة والعلمية، فإنه يوضح وقوع المعرّب في القرآن.
стр. 201
واستدل المخالف بدليلين:
أحدهما: ما ذكر في الحقيقة الشرعية من أنها لو كانت واقعة في القرآن لكان غير عربي. وتوجيهه والجواب عنه قد مضى.
والثاني: أنه لو وقع لكان متنوعاً، أي عربياً وأعجمياً، لاشتماله عليهما لكنه لا يجوز ذلك لقوله ــ تعالى ــ بهمزة الانكار: ﴿أأعجمي وعربي﴾.
وأجيب: بأن المنكر كلام أعجمي ومخاطب عربي لا يفهمه فلا تكون الآية دليلاً.
ولئن سلم أن قوله: ﴿أعجمي وعربي﴾ كلاهما صفة للكلام، لكن المراد به: أكلام بعضه أعجمي لا يفهم، وبعضه عربي، والمعرّب أعجمي يفهم فلا يكون منكراً.
واعلم أن هذا البحث لا يتعلق بكيفية استنباط الأحكام الشرعية، فذكره في هذا الكتاب المختصر غير مناسب.
стр. 202
المشتق
ص ــ مسألة: المشتق ما وافق أصلاً بحروفه الأصول ومعناه وقد يزاد بتغير ما. وقد يطرد، كاسم الفاعل وغيره. وقد يختص، كالقارورة، والدبران.
ش ــ لما فرغ من المسائل المتعلقة بالحقيقة والمجاز، ذكر المسائل المتعلقة بالاشتقاق، وهي خمس ولم يراع معنى [٤٠/ب] يوجب الترتيب في الذكر وترك تعريف الاشتقاق وإن كان أقدم فإن كونه مشتقاً اعتماداً على فهمه من تعريفه المشتق، وكان العكس مفيداً ــ أيضاً ــ، لكن الاستنباط للأصولي إنما هو بالمشتق.
وعرفه بقوله: ﴿﴿ما وافق أصلاً: بحروفه الأصول ومعناه﴾﴾.
وأراد كلمة وافقت أصلاً، فكلمة بمنزلة الجنس، وبقوله: ﴿﴿بحروفه الأصول﴾﴾ المتوافقان معنى فقط كالمترادفين، وبقوله: ﴿﴿ومعناه﴾﴾ مثل الذهب والذهاب. وكأنه أراد بقوله: ﴿﴿أصلاً﴾﴾ ما هو مشتق منه، فإن الصرفيين يعبرون عنه بالأصل، وحينئذٍ يكون المراد بالاشتقاق، الاشتقاق الصغير.
والمشتق منه تتبعه أشياء المشتقة من المصدر عند البصريين. وعند الكوفيين المشتق منه هو الفعل، ويكون المراد بالأصل الفعل.
стр. 203
وقيل: المراد بالأصل ﴿﴿الكلمة﴾﴾. ومعنى الكلام: المشتق كلمة وافقت كلمة. وعلى هذا التقدير يكون المراد بالاشتقاق: الاشتقاق الكبير ولا يتعين فيه مشتق ومشتق منه، بل كل من الكلمتين صالح لهما، والظاهر الأول؛ لأن المسائل الآتية لا تترتب إلا على الصغير على مذهب البصريين على ما سيظهر.
وقوله: ﴿﴿بحروفه الأصول﴾﴾ يشير إلى أن المعتبر هو الحرف الأصلي، وهو ما ثبت في تصاريف الكلمة لفظاً أو تقديراً دون الزائد وهو ما يسقط في بعضها، كواو ﴿﴿قعود﴾﴾. فإن ﴿﴿قعد﴾﴾ مشتق منه لموافقته إياه في الحروف الأصلية.
ومن الناس من رأى أن التعريف ينتقض بفلك مفرداً وجمعاً فزاد فيه ﴿﴿بتغير ما﴾﴾، ولا بد أن يريد به ما هو أعم من أن يكون لفظاً أو فيهما جميعاً، وأن يكون اللفظي بالزيادة أو النقصان، أو بهما جميعاً والزيادة تكون بالحروف، أو الحركة، أو بهما جميعاً، والنقصان كذلك وأن لا يكون التغير حقيقة أو تقديراً بل حقيقة فقط فيدفع النقض بذلك مفرداً او جمعاً فإن التغير بينهما ثابت تقديراً فإن ضمة المفرد كضمة قُفْل، وضمة الجمع كضمة حُمْر، ومع هذا فإنه يرد عليه أنه غير مطرود؛ لأنه صادق على الجُلْبِ والجُلُبِ، وأحدهما ليس بمشتق من الآخر.
وأما أمثلة ما ذكر من الأقسام فإنها مذكورة في المطولات فليطلب ثمة.
ثم إن المشتق قد يكون مطرداً في جميع مدلولاته، كاسم الفاعل، واسم المفعول، فإنه يستعمل في كل من يباشر الفعل، أو يقع الفعل عليه وقد لا يطرد كالقارورة، والدبران، فإنها لا تطلق على كل ما يقر فيه المائع مع دلالتها عليه، بل
стр. 204
هي مختصة بالزجاجة. وأنه لا يطلق على كل ما هو موصوف بالدُبور، بل هو مختص بمنزلٍ من منازل القمر.
ص ــ مسألة: اشتراط بقاء المعنى في كون المشتق حقيقة .
ثالثها: إن كان ممكناً. اشترط.
المشترط: لو كان حقيقة، وقد انقضى، لم يصح نفيه.
وأجيب بأن المنفي: [الأخص] فلا يستلزم نفي الأعم.
قالوا: لو صح بعده [٤١/أ] لصح قبله.
وأجيب: [مجاز] إذا كان الضارب من ثبت له الضرب لم يلزم.
النافي: أجمع أهل العربية على صحة ﴿﴿ضارب أمس﴾﴾ وأنه اسم فاعل.
وأجيب: مجاز كما في المستقبل باتفاق.
قالوا: صح مؤمن وعالم للنائم.
أجيب: مجاز؛ لامتناع ﴿﴿كافر﴾﴾ لكفرٍ تقدم.
قالوا: يتعذر في مثل ﴿﴿متكلم﴾﴾ و ﴿﴿مخبر﴾﴾.
أجيب: بأن اللغة لم تبن على المشاحة في مثله، بدليل صحة الحال. وأيضاً فإنه يجب أن لا يكون كذلك.
ش ــ ذهب بعض العلماء إلى أن إطلاق المشتق على محله حقيقة مشروط ببقاء المعنى، يعني المشتق منه، فإن أطلق بعد الزوال كان مجازاً.
стр. 205
وذهب آخرون: إلى أنه ليس بشرطٍ مطلقاً.
وفصل آخرون: بأن المعنى إن كان ممكن البقاء كان شرطاً، وإن كان من المصادر السيالة، كالتكلم، والحركة لم يكن شرطاً.
فقوله: ﴿﴿اشتراط بقاء المعنى﴾﴾ مبتدأ خبره محذوف؛ أي على ثلاثة مذاهب وأشار بكون ثالثها على التفصيل إلى أن أحد الأولين: الاشتراط مطلقاً، والآخر: عدمه كذلك.
قال المشترطون: لو كان المشتق حقيقة في الذي فرغ من المعنى لم يصح نفيه، لأن الحقيقة لا تنفى، لكن ليس بضارب في الحال بالضرورة وإذا صح السلب في الحال صح مطلقاً؛ لأن المطلق جزء المقيد.
كذا قرره صاحب ﴿﴿البديع﴾﴾ وغيره.
стр. 206
وأجيب: بأنا لا نسلم انتفاء التالي، وصدق ليس بضارب في الحال لا يستلزم صدقه مطلقاً؛ لأنه أخص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم؛ لأن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم مطلقاً.
ولقائل أن يقول: تقرير نفي التالي على الوجه الذي ذكروه غير مستقيم؛ لأنهم قالوا: إذا صح السلب في الحال صح مطلقاً؛ لأن المطلق جزء المقيد، والسلب في الحال لا يستلزم السلب مطلقاً وهو ظاهر.
وقولهم: لأن المطلق جزء المقيد على تقدير صحته بأن لا يكون بينهما تقابل تضاد، او العدم والملكة لا يُفيدهم؛ لأن انتفاء الكل لا يستلزم انتفاء الجزء، على أن المشترط يكفيه أن يقول: لو كان حقيقة بعد انقضاء المعنى لم يصح النفي بعد انقضائه، لكن يصح ليس بضارب الآن، وإذا ظهر هذا، ظهر أن جواب المصنف، بقوله: ﴿﴿بأن المنفي الأخص﴾﴾ غير صحيح، الأولى أن يقال في الجواب: لو كان حقيقة بعد المضي لم يصح نفيه، لكن كان حقيقة بعده، بدليل كذب ﴿﴿ما ضرب﴾﴾ فلا يصح نفيه، وجاز للمناظر أن يلزم رأياً في هدم وضع الخصم، وإن لم يعتقده، وفيه نظر؛ لأن غايته منع بطلان التالي، ومنع المقدمة.
قيل: لا يضر المعلل إذا ثبت دعواه.
وقالوا ــ أيضاً ــ لو صح بعده لصح قبله، يعني لو صح حقيقة باعتبار الماضي لصح باعتبار المستقبل بجامع وجود المعنى المشتق منه في أحد الزمانين مع خلو المحل عنه في الحال، وبالتالي باطل بالاتفاق.
وأجيبوا: بأن معنى الضارب من ثبت له الضرب بطريق الحقيقة أو المجاز، والثاني مُسَلّم ولا يفيدكم، والأول عين النزاع، وإنما معناه حقيقة من باشر
стр. 207
الضرب.
وقال النافون: أجمع أهل العربية على صحة ﴿﴿زيد ضارب أمس﴾﴾ وعلى أنه اسم فاعل، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وأجيبوا: [٤١/ب] بأنا لم ننكر استعماله في الماضي مجازاً بقرينة وههنا كذلك بقرينة ﴿﴿أمس﴾﴾، كما أنه لا ينكر استعماله في المستقبل مجازاً بقرينة ﴿﴿غداً﴾﴾، والأصل في الاستعمال الحقيقة إذا لم يوجد قرينة، وأما إذا كانت فجعله حقيقة إبطال لمراد المتكلم فإنه ما نصب القرينة إلا دلالة على مراده.
وقالوا ــ أيضاً ــ: صح ﴿﴿مؤمن﴾﴾ و ﴿﴿عالم﴾﴾ للنائم، والإيمان والعلم ليسا بقائمين به حالة النوم، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وأجيبوا: بأنه مجاز بدليل عدم الاطراد؛ فإنه من علاماته كما تقدم وليس إطلاقه على ما ليس المعنى قائماً به مطرداً؛ لأن إطلاق الكافر على المسلم باعتبار السابق ممتنع.
وهذا ليس بشيء؛ لأن عدم الاطراد دليل المجاز إذا لم يكن بمانع والشرع منع عن ذلك لتعظيم الصحابة والمؤمنين.
وقالوا ــ أيضاً ــ: لو كان بقاء المعنى المشتق منه شرطاً في كون المشتق حقيقة. لم تكن المشتقات التي مصادرها سيالة، مثل: المتكلم، والمخبر مستعملاً بطريق الحقيقة أصلاً؛ لأن مصادرها لا يمكن اجتماع اجزاء معانيها في الوجود، إذ الجزء اللاحق لا يوجد إلا بعد عام السابق، وحينئذٍ لا يوجد أصل المعنى دفعة حتى يشترط بقاؤها، والتالي باطل بالاتفاق.
стр. 208
وأجيبوا بوجهين:
أحدهما: أن اللغة لم تبن على المشاحة في مثله، بل وجود الجزء الأخير كاف في الاشتراط فيما تعذر اجتماع الأجزاء، ألا ترى أن لفظ ﴿﴿الحال﴾﴾ حقيقة في زمان الفعل الحاضر، ولا يمكن بقاء أجزائه عند إطلاقه، لكون الزمان [لما] غير قار الذات.
والثاني: أن الواجب أن لا يشترط في مثله بقاء المعنى المشتق منه، بل الجزء الأخير وبه يتم المطلوب، فإنه إذا انقضى بالكلية يكون مجازاً.
والفرق بين الجوابين: أن الأول فيه التزام التسامح في الوضع.
والثاني: بيان وجود مقتضى الحكمة، فإن اشتراط بقاء ما لا يبقى خارج عن الحكمة، وإنما مقتضاها اشتراط بقاء ما يبقى بتمامه. واشتراط آخر أجزاء ما لا يبقى.
واعلم أن هذه الاستدلالات كلها فاسدة؛ لأن معرفة الحقيقة إنما تكون بالسبق إلى الذهن عند سماع اللفظ لا بإقامة الدليل وهو ظاهر لا محالة.
ص ــ مسألة: لا يشتق اسم فاعل لشيء والفعل قائم بغيره خلافاً للمعتزلة.
لنا: الاستقراء.
قالوا: ثبت قاتل وضارب، [والقتل] للمفعول.
قلنا: القتل: التأثير، وهو الفاعل.
قالوا: أطلق الخالق على الله باعتبار المخلوق، وهو الأثر، لأن الخلق المخلوق، وإلا لزم قدم العالم أو التسلسل.
أجيب أولاً: بأنه ليس بفعل قائم بغيره.
وثانياً: أنه للتعلق الحاصل بين المخلوق والقدرة حال الإيجاد فلما نسب إلى
стр. 209
الباري صح الاشتقاق جمعاً بين الأدلة.
ش ــ ذهبت المعتزلة إلى جواز إطلاق مشتق على من ليس المصدر قائماً به [٤٢/أ] فسموا الله متكلماً والكلام قائم بغيره؛ لأنه عندهم حادث لا يجوز أن يقوم بالقديم، وهذه المسألة من الكلام وفسادها مبرهن فيه، وذكرها غير مناسب في أصول الفقه؛ لعدم تعلقه بمعرفة كيفية الاستنباط.
وذهب الباقون: إلى [عدم] جوازه، مستدلين بأنا قد استقرينا فوجدنا جميع استعمالات المشتقات، ولم نطلع على موقع اشتق اسم فاعل لمن لم يكن الأصل قائماً به.
وقالت المعتزلة: الاستقراء غير تام، لأنكم تعلمون أن قاتلاً اشتق لذات، وضارباً لذات، والقتل والضرب قائمان بغيرهما وهو المقتول والمضروب، ضرورة حصول الأثر في المفعول.
وأجيب: بأنه غلط؛ لأن الأثر الحاصل في المفعول هو التأثر والقائم بالقتل هو التأثير، والفرق بين مقولة أن يفعل وأن ينفعل بين لا محالة.
وقالوا ــ أيضاً ــ: أطلق الخالق على الله ــ تعالى ــ باعتبار المخلوق، وهو الأثر المباين عن ذاته ــ تعالى ــ؛ لأنه مشتق من الخلق، والخلق هو
стр. 210
المخلوق إذ لو كان مغايراً لكان إما قديماً أو حادثاً، لعدم خلو مفهوم وجودي أو عدمي عن ذلك، فإنه إن كان مسبوقاً بالعدم سبقاً زمانياً فهو الحادث، وإلا فهو القديم.
والثاني تقسيمه باطل؛ لأنه إن كان قديماً لزم قد العالم؛ لأنه نسبة بين الخالق والعالم، وإذا كانت النسبة بين الشيئين قديمة لزم قدم المنتسبين؛ ضرورة تأخر النسبة عنهما. وإن كان حادثاً افتقر إلى مؤثر وذلك إلى آخر ويتسلسل.
ولقائل أن يقول: الخلق نسبة بين الخالق والعالم من حيث العلم أو الخارج، والأول مسلم، ولا يستلزم القدم، والثاني ممنوع.
وأجيبوا بوجهين:
أحدهما: أن الخلق لو كان هو المخلوق لم يكن فعلاً قائماً بالغير، بل يكون هو الغير، وحينئذٍ لا يتم مطلوبهم، فإن مطلوبهم جواز إطلاق الخالق، والفعل غير قائم به.
والثاني: أن دليلهم يقتضي جواز إطلاق الخالق على الله ــ تعالى ــ والفعل غير قائم به.
والاستقراء الذي هو دليلنا يقتضي قيامه به، وإعمال الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما، فيجعل الخلق عبارة عن التعلق الحاصل بين القدرة والمخلوق حال الإيجاد، فاعتبار تعلقه بالقدرة دون ذاته يحصل مقتضى دليلكم من وجه،
стр. 211
وباعتبار أنه لا يكون أمراً مبايناً عنه بالكلية؛ لأنه متعلق بالصفة القائمة به، والمتعلق بالصفة القائمة به متعلق يحصل مقتضى دليلنا، وهو فاسد من أوجه:
الأول: أن القدرة قديمة لا محالة، والمخلوق حادث، فالمتعلق الحاصل بينهما إن كان قديماً لزم قدم متعلقة، لكونه نسبة لا تحقق إلا بعد تحقق المنتسبين، إن كانت حادثة لزم أن يكون القديم محل الحادث، وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث.
الثاني: أن ﴿﴿خلق﴾﴾ فعل لا بد له من مصدر يكون جزؤه فالو كان هو المخلوق لزم أن يكون الفعل مركباً من الجوهر والزمان وذلك هذيان لا نهاية له.
الثالث: إن كان دليلكم إما أن يقتضي وجوب قيام الفعل بغيره، أو جوازه، والأول مخالف لمذهبهم، لأن مذهبهم جواز ذلك، والثاني: لا ينافي حمل الخلق على معنى قائم بالله ــ تعالى ــ؛ لأنه أحد الجائزين.
الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون الخلق متعلقاً بالقدرة القديمة أو بذاته ــ تعالى ــ؛ لأن صفاته ــ تعالى ــ ليست عين ذاته، بل عينه عند المعتزلة والحق أن الفعل قائم بالنسبة إلى وجود المخلوق العلمي، والتعلق حادث كما نقول في العلم والكلام وغيرهما، وهو التكوين الذي هو قديم عند الأئمة الحنفية ــ ﵏.
ص ــ مسألة: الأسود ونحوه من المشتقات يدل على ذات متصفة بسواد لا على خصوص من جسم أو غيره؛ بدليل صحة: ﴿﴿الأسود جسم﴾﴾.
ش ــ مفهوم المشتق، كالأسود ونحوه كالأبيض والناطق والمضروب يدل على ذات ما متصفة بتلك الصفة لا على ذات معينة من جسم وغيره فإن عُلِمَ خصوص،
стр. 212
كان من خارج بطريق الالتزام لا باعتبار كونه جزءاً من مسماه، والدليل على ذلك صحة أن يقال: الأسود جسم، ولو كان الأسود جسماً ذا سواد لزم التكرار بغير فائدة.
ولقائل أن يقول: الحمل إنما يكون مفهوم المحمول على ما صدق عليه الموضوع، فقولنا: الأسود جسم، لو اعتبر فيه المفهوم لكان حملاً للأخص على الأعم، واعتبار مفهوم الموضوع وكلاهما باطل.
فإن قيل: لو اعتبر فيه ما صدق عليه الموضوع لم يصح الحمل للتكرار المذكور لكنه صحيح لا محالة.
فالجواب: أن ما صدق عليه الموضوع يقدر موضوعاً محذوفاً قامت الصفة مقامه، نحو: الجوهر الأسود جسم، وعدم تعلقها بأصول الفقه لا يخفى.
ص ــ مسألة لا تثبت اللغة قياساً، خلافاً للقاضي وابن سريج. وليس الخلاف في نحو: ﴿﴿رجل﴾﴾ ورفع الفاعل. أي لا يسمى مسكوت عنه إلحاقاً بتسمية لمعين لمعنى يستلزمه وجوداً وعدماً، كالخمر للنبيذ للتخمير. والسارق للنباش، للأخذ خفية، والزاني للائط للوطء المحرم، إلا بنقل [أ] واستقراء التعميم.
لنا: إثبات اللغة بالمحتمل.
قالوا: دار الاسم معه وجوداً وعدماً.
قلنا: ودار مع كونه من العنب، وكونه مال الحي، وقبلاً.
قالوا: ثبت شرعاً، والمعنى واحد.
قلنا: لولا الإجماع لما ثبت.
وقطع النباش، وحد النبيذ، إما لثبوت التعميم، وإما بالقياس، لا لأنه سارق أو خمر بالقياس.
ش ــ اختلف الناس في ثبوت الأسماء بطريق القياس.
стр. 213
جوزه القاضي أبو بكر الباقلاني، وابن سريج [من] أصحاب الشافعي.
стр. 214
ونفاه: الحنفية، ومعظم الشافعية.
والمصنف حرر موضع الخلاف بقوله: [٤٣/أ] ﴿﴿وليس الخلاف في نحو رجل، ورفع الفاعل﴾﴾.
وتقريره: ليس محل الخلاف اسماً عُلِمً تعميمه بين الأفراد الموجودة وغيرها بالنقل ﴿﴿كرجل﴾﴾ فإنه موضوع لبالغ من بني آدم، وعُلِمَ بالنقل تعميمه على من كان موجوداً عند الوضع، ومن لم يوجد؛ لأن جواز الإطلاق بالنقل فلا يحتاج إلى القياس.
وكذلك ﴿﴿رفع فاعل﴾﴾ لم يسمع من العرب فإنه عُلِمَ بالاستقراء جواز رفعه؛ لأنا قد وجدنا كل ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدم عليه مرفوعاً فصار ذلك قاعدة كلية يدخل تحتها كل فاعل فلا يحتاج إلى القياس وإنما محل النزاع: إلحاق مسمى بمسمى آخر باسم لم يسمع للأول من أهل اللغة، وسمى به الثاني لمعنى يستلزم الاسم وجوداً وعدماً ووجد في الأول كالنبيذ فإن مسماه سمي به، فإذا أريد إلحاقه بمسمى الخمر في إطلاق اسم الخمر عليه، وهو لم يسمع للنبيذ من أهل اللغة، وسمي به الخمر لمعنى وهو مخامرة العقل، وهي تستلزم اسم الخمر وجوداً. كما في ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وعدماً كما إذا لم يغل ولم يشتد، لوجوده في الأول، كان ذلك قياساً في اللغة.
стр. 215
فاستدل المانعون: بأن في جوازه إثبات اللغة بالمحتمل؛ لأن رعاية المناسبة بين الأسامي والمسميات غير مستحقة وإن كانت مستحبة فجاز أن يكون الوضع لا لحامل، وأن يكون لحامل غيره فكان محتملاً وإثبات اللغة بالمحتمل لا يجوز.
واستدل الشارحون على إثبات الكبرى بالاتفاق. وليس بصحيح؛ لأنه عين النزاع، فإن القياس عند الخصم محتمل، وهو تثبت اللغة به.
وقال المثبتون: اسم الخمر دار مع المخامرة وجوداً في التي من ماء العنب الذي لم توجد فيه الشدة المطربة المخمرة للعقل، فإنه لم يوجد فيه التخمر، ولم يطلق الاسم عليه.
وكذلك الزاني، والسارق، دار مع الوطء المحرم، وأخذ المال بخفية وجوداً وعدماً، ودوران الشيء مع الشيء آية كون المدار علة للدائر، فتكون المعاني المذكورة علة للتسمية بالأسامي المذكورة فإذا وجدت في صور أُخر تطلق عليها الأسماء. وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة.
وأجيبوا: بأن الأسماء المذكورة كما دارت مع ما ذكرتم دارت مع المختص بالصور المذكورة وجوداً وعدماً، فإن لفظ الخمر دار مع تخمير ماء العنب، والسارق مع أخذ المال خفية، ولفظ الزاني مع كون الوطء قبلاً، ودوران هذه الأسماء مع هذه المعاني ظاهرٌ فكان كل من المعنيين صالحاً للعلية، ولا ترجيح لأحدهما، فلا تثبت العلية لأحدهما.
следующие страницы →