← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وباعتبار أنه لا يكون أمراً مبايناً عنه بالكلية؛ لأنه متعلق بالصفة القائمة به، والمتعلق بالصفة القائمة به متعلق يحصل مقتضى دليلنا، وهو فاسد من أوجه: الأول: أن القدرة قديمة لا محالة، والمخلوق حادث، فالمتعلق الحاصل بينهما إن كان قديماً لزم قدم متعلقة، لكونه نسبة لا تحقق إلا بعد تحقق المنتسبين، إن كانت حادثة لزم أن يكون القديم محل الحادث، وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث. الثاني: أن ﴿﴿خلق﴾﴾ فعل لا بد له من مصدر يكون جزؤه فالو كان هو المخلوق لزم أن يكون الفعل مركباً من الجوهر والزمان وذلك هذيان لا نهاية له. الثالث: إن كان دليلكم إما أن يقتضي وجوب قيام الفعل بغيره، أو جوازه، والأول مخالف لمذهبهم، لأن مذهبهم جواز ذلك، والثاني: لا ينافي حمل الخلق على معنى قائم بالله ــ تعالى ــ؛ لأنه أحد الجائزين. الرابع: أنه لا فرق بين أن يكون الخلق متعلقاً بالقدرة القديمة أو بذاته ــ تعالى ــ؛ لأن صفاته ــ تعالى ــ ليست عين ذاته، بل عينه عند المعتزلة والحق أن الفعل قائم بالنسبة إلى وجود المخلوق العلمي، والتعلق حادث كما نقول في العلم والكلام وغيرهما، وهو التكوين الذي هو قديم عند الأئمة الحنفية ــ ﵏. ص ــ مسألة: الأسود ونحوه من المشتقات يدل على ذات متصفة بسواد لا على خصوص من جسم أو غيره؛ بدليل صحة: ﴿﴿الأسود جسم﴾﴾. ش ــ مفهوم المشتق، كالأسود ونحوه كالأبيض والناطق والمضروب يدل على ذات ما متصفة بتلك الصفة لا على ذات معينة من جسم وغيره فإن عُلِمَ خصوص،

стр. 212

كان من خارج بطريق الالتزام لا باعتبار كونه جزءاً من مسماه، والدليل على ذلك صحة أن يقال: الأسود جسم، ولو كان الأسود جسماً ذا سواد لزم التكرار بغير فائدة. ولقائل أن يقول: الحمل إنما يكون مفهوم المحمول على ما صدق عليه الموضوع، فقولنا: الأسود جسم، لو اعتبر فيه المفهوم لكان حملاً للأخص على الأعم، واعتبار مفهوم الموضوع وكلاهما باطل. فإن قيل: لو اعتبر فيه ما صدق عليه الموضوع لم يصح الحمل للتكرار المذكور لكنه صحيح لا محالة. فالجواب: أن ما صدق عليه الموضوع يقدر موضوعاً محذوفاً قامت الصفة مقامه، نحو: الجوهر الأسود جسم، وعدم تعلقها بأصول الفقه لا يخفى. ص ــ مسألة لا تثبت اللغة قياساً، خلافاً للقاضي وابن سريج. وليس الخلاف في نحو: ﴿﴿رجل﴾﴾ ورفع الفاعل. أي لا يسمى مسكوت عنه إلحاقاً بتسمية لمعين لمعنى يستلزمه وجوداً وعدماً، كالخمر للنبيذ للتخمير. والسارق للنباش، للأخذ خفية، والزاني للائط للوطء المحرم، إلا بنقل [أ] واستقراء التعميم. لنا: إثبات اللغة بالمحتمل. قالوا: دار الاسم معه وجوداً وعدماً. قلنا: ودار مع كونه من العنب، وكونه مال الحي، وقبلاً. قالوا: ثبت شرعاً، والمعنى واحد. قلنا: لولا الإجماع لما ثبت. وقطع النباش، وحد النبيذ، إما لثبوت التعميم، وإما بالقياس، لا لأنه سارق أو خمر بالقياس. ش ــ اختلف الناس في ثبوت الأسماء بطريق القياس.

стр. 213

جوزه القاضي أبو بكر الباقلاني، وابن سريج [من] أصحاب الشافعي.

стр. 214

ونفاه: الحنفية، ومعظم الشافعية. والمصنف حرر موضع الخلاف بقوله: [٤٣/أ] ﴿﴿وليس الخلاف في نحو رجل، ورفع الفاعل﴾﴾. وتقريره: ليس محل الخلاف اسماً عُلِمً تعميمه بين الأفراد الموجودة وغيرها بالنقل ﴿﴿كرجل﴾﴾ فإنه موضوع لبالغ من بني آدم، وعُلِمَ بالنقل تعميمه على من كان موجوداً عند الوضع، ومن لم يوجد؛ لأن جواز الإطلاق بالنقل فلا يحتاج إلى القياس. وكذلك ﴿﴿رفع فاعل﴾﴾ لم يسمع من العرب فإنه عُلِمَ بالاستقراء جواز رفعه؛ لأنا قد وجدنا كل ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدم عليه مرفوعاً فصار ذلك قاعدة كلية يدخل تحتها كل فاعل فلا يحتاج إلى القياس وإنما محل النزاع: إلحاق مسمى بمسمى آخر باسم لم يسمع للأول من أهل اللغة، وسمى به الثاني لمعنى يستلزم الاسم وجوداً وعدماً ووجد في الأول كالنبيذ فإن مسماه سمي به، فإذا أريد إلحاقه بمسمى الخمر في إطلاق اسم الخمر عليه، وهو لم يسمع للنبيذ من أهل اللغة، وسمي به الخمر لمعنى وهو مخامرة العقل، وهي تستلزم اسم الخمر وجوداً. كما في ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد وعدماً كما إذا لم يغل ولم يشتد، لوجوده في الأول، كان ذلك قياساً في اللغة.

стр. 215

فاستدل المانعون: بأن في جوازه إثبات اللغة بالمحتمل؛ لأن رعاية المناسبة بين الأسامي والمسميات غير مستحقة وإن كانت مستحبة فجاز أن يكون الوضع لا لحامل، وأن يكون لحامل غيره فكان محتملاً وإثبات اللغة بالمحتمل لا يجوز. واستدل الشارحون على إثبات الكبرى بالاتفاق. وليس بصحيح؛ لأنه عين النزاع، فإن القياس عند الخصم محتمل، وهو تثبت اللغة به. وقال المثبتون: اسم الخمر دار مع المخامرة وجوداً في التي من ماء العنب الذي لم توجد فيه الشدة المطربة المخمرة للعقل، فإنه لم يوجد فيه التخمر، ولم يطلق الاسم عليه. وكذلك الزاني، والسارق، دار مع الوطء المحرم، وأخذ المال بخفية وجوداً وعدماً، ودوران الشيء مع الشيء آية كون المدار علة للدائر، فتكون المعاني المذكورة علة للتسمية بالأسامي المذكورة فإذا وجدت في صور أُخر تطلق عليها الأسماء. وإلا لزم تخلف المعلول عن العلة. وأجيبوا: بأن الأسماء المذكورة كما دارت مع ما ذكرتم دارت مع المختص بالصور المذكورة وجوداً وعدماً، فإن لفظ الخمر دار مع تخمير ماء العنب، والسارق مع أخذ المال خفية، ولفظ الزاني مع كون الوطء قبلاً، ودوران هذه الأسماء مع هذه المعاني ظاهرٌ فكان كل من المعنيين صالحاً للعلية، ولا ترجيح لأحدهما، فلا تثبت العلية لأحدهما.

стр. 216

ولقائل أن يقول: التعليل بالعلة القاصرة في القياس الشرعي لا يمنع التعليل بعلة متعدية فجاز أن تكون المعاني المختصة علة للتسمية في صورها الخاصة والمعاني العامة [٤٣/ب] علة لها لقياس غيرها عليها ولا يلزم توارد علتين مستقلتين على معلولٍ واحد، لأنه لما كان باعتبارين كان المعلول متعدداً معنى. وقالوا: ــ أيضاً ــ: ثبت القياس الشرعي، ومعنى القياس في الشرع واللغة واحد؛ لأنه إثبات مثل حكم الأصل في صورة أخرى بجامع بينهما. ولا تفاوت في هذا بين الشرعي واللغوي، فكما جاز الشرعي وجب أن يجوز اللغوي. وأجيبوا: بأن الأصل أن لا يثبت الشرعي ــ أيضاً ــ لولا الإجماع على ثبوته فتركنا الأصل بدليل قوي، ولا يلزم من ذلك جواز تركه بلا دليل. وفيه نظر؛ لأن ثبوت القياس ليس بمجمع عليه فلا يجوز دعوى الإجماع إلا على رأي من يرى الإجماع الأكثر كاف ولا معتبر بخلاف الأقل، وهو ضعيف. وقوله: ﴿﴿وقطع النباش﴾﴾ جواب سؤال، تقريره: إذا لم تثبت اللغة بالقياس، فما وجه قطع النباش، وحد شارب النبيذ؟ والنص لم يرد إلا في السارق وشارب الخمر، عند من أوجبهما كالشافعي ــ ﵀. وتقرير الجواب: أن إيجابهما إما ثبوت تعميم اسم الخمر والسارق للنبيذ والنباش، بالنقل على الوجه الذي ذكر، وإما بالقياس الشرعي بأن يقال: الحكم في المنصوص عليه ثابت بعلة وجدت في النبيذ والنباش فعدى إليهما. ولقائل أن يقول: لا نسلم ثبوت تعميم نقل؛ لاختلاف النقل في الموضعين بالحقيقة والمجاز، وليس ذلك بالتعميم المراد ههنا تعميم ﴿﴿رجل﴾﴾ لأفراده، وأن

стр. 217

الحدود لا تثبت بالقياس إلا إذا كان جلياً، وهذا ليس كذلك. ص ــ الحروف ، معنى قولهم: الحرف لا يستقل بالمفهومية ، أن نحو ﴿﴿من﴾﴾ و ﴿﴿إلى﴾﴾ مشروط في دلالتها على معناها الإفرادي ذكر متعلقها. ونحو ﴿﴿الابتداء﴾﴾ و ﴿﴿الانتهاء﴾﴾ و ﴿﴿ابتدأ﴾﴾ و ﴿﴿انتهى﴾﴾ غير مشروط فيها ذلك. [وأما نحو ﴿﴿ذو﴾﴾ و ﴿﴿فوق﴾﴾ و ﴿﴿تحت﴾﴾ وإن لم تذكر إلا بمتعلقها لأمرٍ فغير مشروط فيها ذلك، لما عُلِمَ من أن وضع ﴿﴿ذو﴾﴾ بمعنى ﴿﴿صاحب﴾﴾ ليتوصل به إلى الوصف بأسماء الأجناس اقتضى ذكر المضاف إليه. وأن وضع ﴿﴿فوق﴾﴾ بمعنى مكان، ليتوصل به إلى علوٍ خاص اقتضى ذلك، وكذلك البواقي]. ش ــ قال النحويون: الحرف لا يستقل بالمفهومية. ومعناه: أنه لا دلالة له على معناه الإفرادي بدون ذكر متعلقه، وذلك مثل ﴿﴿من﴾﴾ و ﴿﴿إلى﴾﴾ مثلاً، فإنه لا دلالة [له] على شيء حتى يذكر متعلقه. فيقال: من كذا، أو إلى كذا، وليس معناهما الابتداء والانتهاء. واستدل على ذلك بأن ﴿﴿من﴾﴾ و ﴿﴿إلى﴾﴾ مشروط في دلالتهما على معناهما الإفرادي

стр. 218

ذكر متعلقهما، والابتداء والانتهاء ليس بمشروط في الدلالة على ذلك ﴿﴿فمن﴾﴾ و ﴿﴿إلى﴾﴾ ليس بالابتداء والانتهاء، وإنما قال: ﴿﴿وابتدأ﴾﴾ و ﴿﴿انتهى﴾﴾ لئلا ينازع أحد بأنه إن لم يكن مفهومهما الابتداء، والانتهاء فليكونا اسمي ﴿﴿ابتدأ﴾﴾ و ﴿﴿انتهى﴾﴾، وإشارة إلى أن الاسم والفعل متشاركان في كونهما غير مشروطين في دلالتهما على المعنى الإفرادي بذكر المتعلق، بخلاف الحرف. وقيد المعنى بالإفرادي؛ لأن المعنى التركيبي مشروط في الدلالة على الاسم والفعل بذكر ما يحصل به من أحد المسندين. وأورِدَ بالأسماء اللازمة للإضافة ﴿﴿كذو﴾﴾ و ﴿﴿فوق﴾﴾ و ﴿﴿تحت﴾﴾ وأمثالها فإنها لا تفيد معناها الإفرادي إلا بشرط يذكر متعلقها وهو [٤٤/أ] المضاف إليه. وأجيب: بالفرق، بأن ذكر المتعلق في الحرف مشروط من أول الوضع، وأما الأسماء المذكورة فلم يشترط الواضع في دلالتها على معناها الافرادي ذكر المتعلق، وإنما كان عدم الانفكاك لأمر وهو أنه علم بالاستقراء أن وضع ﴿﴿ذو﴾﴾ بإزاء ﴿﴿صاحب﴾﴾ ليتوصل به إلى وصف الأسماء بأسماء الأجناس، فلأجل حصول غرضه من الوضع اقتضى ذكر المضاف إليه لا لأجل دلالته على ما وضع بإزائه. وكذلك عُلِمَ أن ﴿﴿فوق﴾﴾ وضع بإزاء مكان عالٍ ليتوصل به إلى علوٍ خاص فلذلك اقتضى ذكر متعلقه. فإن قولنا: زيد فوق الدار، إنما يتخصص كون مكانه [عالياً] بالاقتران بالدار وقس الباقي عليه. هذا ما ذكروه، وتساوى المحققون وغيرهم في ذلك، وهذا كلام اضطراري ليس فيه من التحقيق ولا الاخالة شيء، وذلك لأنه يجوز أن يقال ﴿﴿من﴾﴾ وضع بإزاء ابتدأ، ليتوصل به إلى ابتداء خاص مثال: ﴿﴿خرجت من البصرة إلى الكوفة﴾﴾. وأما أن ذلك باعتبار أن الواضع شرط عند وضع ﴿﴿من﴾﴾، ولم يشترط عند وضع ﴿﴿ذو﴾﴾ فهو دعوى مجردة، والاستقراء إن دل على شيء في هذا لا يزيد على وجود أن كل واحد منهما في الاستعمالات مستعمل مقروناً بذكر المتعلق.

стр. 219

وأما على الاشتراط عند الوضع في أحدهما دون الآخر فليس له دلالة أصلاً والمنازع مكابر، على أن نفس تركيبهم، وهو قولهم: لا يستقل بالمفهومية لا يستقيم في الإفادة إلا بتحمل عظيم؛ لأن معناه الأصلي: الحرف لا يدُلّ على معناه إلا بذكر متعلقه. والعبارة الصحيحة فيه: الحرف لا يستقل في الدلالة على مفهومه إلا بالمفهومية، فيحتاج أن يقال: الحرف لا يستقل في الدلالة على شيء ينسب إلى المفهوم، وذلك تمحل لا محالة، والذي ظهر لي في هذا المقام أن الحرف: ما وضع للتعبير عن نسبة كقولك: ﴿﴿من﴾﴾ للابتداء، و ﴿﴿إلى﴾﴾ للانتهاء، و ﴿﴿على﴾﴾ للاستعلاء، و ﴿﴿إن﴾﴾ و ﴿﴿أن﴾﴾ للتأكيد، و ﴿﴿كأن﴾﴾ للتشبيه، و ﴿﴿ليت﴾﴾ للتمني، و ﴿﴿لا﴾﴾ للنفي، و ﴿﴿الهمزة﴾﴾ للاستفهام وغير ذلك، والمقصود فهمها. والحرف وصلة وأداة، غير مقصود بنفسه، فإذا قلنا: ﴿﴿خرجت من البصرة﴾﴾ فإنما المقصود بذكر ﴿﴿من﴾﴾ معرفة مبتدأ الخروج لا غير، وهو معنى قولهم: الحرف يدل

стр. 220

على معنى في غيره. وأما "ذو" وأمثاله. فليس المقصود به معرفة المال فقط، بل معناه وهو "الصاحب"- أيضا- مقصود. وكذلك "زيد فوق الدار" ليس المقصود معرفة الدار، بل معرفة علوه على الدار. هذا والله أعلم بالصواب.

стр. 221

الواو ص- مسألة: الواو للجمع المطلق لا لترتيب، ولا معية عند المحققين. لنا: النقل عن الأئمة أنها كذلك. واستدل: لو كانت للترتيب لتناقض (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) مع الأخرى. ولم يصح "تقاتل زيد وعمرو". ولكن جاء زيد وعمرو بعده تكرارا، وقبله ﴿تناقضا﴾. وأجيب: بأنه مجاز. لما سنذكر. ش- اختلف الأصوليون في (٤٤/ب) مفهوم الواو. فمنهم من ذهب إلى أنه الترتيب. ومنهم من ذهب إلى أنه المعية.

стр. 222

وذهب المحققون إلى أنه الجمع المطلق، واختاره المصنف. واستدل: بأنه المنقول عن أئمة اللغة، ونقلهم حجة في اللغويات. وقد استدل -أيضا-: بأنها لو كانت لترتيب لتناقض قوله -تعالى- في سورة البقرة: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ)، وقوله -تعالى- في سورة الأعراف: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا)؛ لأن القصة واحدة فلو كانت للترتيب كان الأمر بدخول الباب مقدما على الأمر بالقول بالآية الأولى، ولم يكن مقدما بالآية الثانية، وذلك تناقض لكنه لا تناقض؛ لأنه كذب وهو على الله محال. وبأنها لو كانت للترتيب لما صح قول القائل: (تقاتل زيد وعمرو)؛ لأن التفاعل يقتضي حصول الفعل من الجانبين معا، لكن أجمع أهل اللغة على صحته. وبأنها لو كانت للترتيب، لكان: (جاء زيد وعمرو بعده) تكرارا؛ لإفادة الواو البعدية، ولكان: (جاء زيد وعمرو قبله) تناقضا؛ لأن مقتضى الواو إذ ذاك يناقض القبلية، ولكن أجمعوا على صحة التركيبين. وأجاب المصنف عن جميع ذلك بمنع الملازمة؛ فإنه يجوز أن يكون استعماله في الصور المذكورة مجازا، وإن كانت حقيقة في الترتيب فلا يلزم شيء مما ذكر من المحالات.

стр. 223

لا يقال: الأصل في الاستعمال الحقيقة؛ لأنه يستلزم الاشتراك، وهو خلاف الأصل. ولقائل أن يقول: فليكن مجازا في الترتيب دفعا للاشتراك اللفظي. وقيل: إذا كانت مستعملة في الترتيب والمعية- أيضا- وليس جعله حقيقة في أحدهما أولى من العكس - تجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الجمع المطلق فيصح الاستدلال. وفيه نظر، لأنه إنما يصح إذا كان معناه لا بشرط شيء فأما إذا كان معناه بشرط فلا يكون الجمع المطلق القدر المشترك بينهما. ص- قالوا: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا). قلنا: الترتيب مستفاد من غيره. قالوا: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ)، وقال: (ابدؤا بما بدأ الله به). قلنا: لو كان له لما احتيج إلى (ابدؤا). قالوا: رد على قائل: (ومن عصاها فقد غوى) وقال: قل: (ومن عصى الله ورسوله). قلنا: لترك إفراد اسمه بالتعظيم بدليل أن معصيتهما لا ترتيب فيها. قالوا: إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقعت واحدة، بخلاف أنت طالق ثلاثا. وأجيب: بالمنع وهو الصحيح. قول مالك: والأظهر أنها مثل (ثم) إنما قاله في المدخول بها يعني يقع الثلاث (ولا ينوي في التأكيد). ش- تمسك القائلون بالترتيب بوجوه -أيضا- منها: قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) فإن تقديم

стр. 224

الركوع على السجود مستفاد من هذه الآية، وليس فيها ما يدل على ذلك إلا الواو (٤٥/أ) فكان للترتيب. وأجاب المصنف: بأن الترتيب مستفاد من غيره، يعني قوله - صل الله عليه وسلم-: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ولقائل أن يقول: الواو في الآية المذكورة إما أن يفيد الترتيب، أو لا. والأول يفيد المطلوب، والثاني، فساد الاحتجاج بالحديث؛ لأنها حينئذ تفيد مطلق الجمع لعدم ثالث عنده فيكون الحديث مخالفا للآية، فيكون مردودا، لقوله ﵇: (إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافق فاقبلوه، وما خالف فردوه).

стр. 225

ومنها: قوله -تعالى-: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ)، وقال النبي -صل الله عليه وسلم- (ابدؤا بما بدأ الله به) حين قالوا: بأيهما نبدأ يا رسول الله؟ فلو لم يكن للترتيب ما قال في جوابهم: (ابدؤا بما بدأ الله به). وأجاب المصنف: بأنه لو أفاد الترتيب لفهموه؛ إذ هم من أهل اللسان وما احتاجوا إلى السؤال. وهو معارض بالمثل. ومنها: ما روى عدي بن حاتم ﵁ أن

стр. 226

رجلاً خطب عند النبي -صل الله عليه وسلم- فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله -صل الله عليه وسلم-: (بئس الخطيب أنت قل: ومن يعص الله ورسوله) فلو كانت الواو للجمع المطلق لما ذمه رسول الله -صل الله عليه وسلم-، إذ لا فرق حينئذ بين ما قاله الخطيب وما علمه النبي - صل الله عليه وسلم- وأجاب المصنف: بأن الذم إنما كان لترك افراد اسمه بالتعظيم، بدليل عدم الترتيب بين معصية الله ومعصية الرسول، بل إنما هي هي وفيه نظر؛ لأنه جاء في الحديث: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) فقد جمع بين الضميرين. وقد ذكرنا تمام هذا البحث في (الإشراق شرح مشارق الأنوار). ومنها: ما استدلوا به، ما وقع في الفروع، وهو ما إذا قال الرجل لامرأته، وهي غير مدخول بها: أنت طالق طالقطالق، فإنه يقع واحدة، وإن قال لها: أنت

стр. 227

طالق ثلاثاً يقع ثلاث. ولو لم يكن الواو للترتيب لم تفترق الصورتان. وأجاب المصنف بمنع الافتراق في الحكم، بل الواقع فيها ثلاث، وهو مذهب بعض أصحاب مالك، وأحمد، وليث، والشافعي في القديم وقال: وهو الصحيح. وأما من فرق بينهما، فيقول: الطلاق إذا قرن بالعدد فالواقع إنما هو بالعدد دون الوصف، ألا ترى أن من قال لامرأته: (أنت طلق ثنتين) لا يقع إلا ثنتان؛ فإنه مفهوم لا ينوى في التأكيد إلا أنها مثل (ثم)، ولو كان للوصف مدخل لوقع ثلاث، فيقع بقوله: (أنت طالق ثلاثا) ثلاث. وأما إذا قال: (أنت طالق) فالواقع إنما هو بالوصف، وقد صادف العدد غير مدخول بها فوقع طلقة وبانت لا إلى عدة فلا يقع شيء بعده. وقوله: (وقول مالك: والأظهر أنها مثل (ثم)).

стр. 228

قيل: جواب سؤال تقديره: أن مذهب مالك أن الواو مثل (ثم) و (ثم) للترتيب فالواو كذلك (٤٥/ب) وأجاب: بأن مالكا إنما قال: إنها مثل (ثم) في المدخول بها، وعني بذلك أنه إذا قال لها بالواو ثلاثا، وادعي أنه نوى بالثاني والثالث تأكيد الأول لم تعتبر نيته، كما لو قال (ثم) وادعي ذلك؛ لأنه لا يقع في غير المدخول بها ثلاث، وعلى هذا يكون دليلا آخر مع جوابه. ولقائل أن يقول: هو على كل حال مستدرك؛ لأنه إن كان جواب سؤال فلما قلنا، وإن كان دليلا آخر؛ فلأن قول مالك ﵀ لا يثبت به أصل لغوي، إذ هو ليس من أئمة اللغة بل هو من أئمة الفقه. ص- الثالث: إبتداء الوضع . ليس بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية . لنا: القطع بصحة وضع اللفظ للشيء ونقيضه وضده، وبوقوعه (كالقرء) و (الجون). قالوا: لو تساوت لم تختص. قلنا: تختص بإرادة الواضع المختار. ش- المبحث الثالث في ابتداء الوضع، ومعرفته موقوفه على معرفة الواضع، ومعرفته إنما يحتاج إليها إذا لم يكن بين الألفاظ والمعاني الدالة هي عليها مناسبة طبيعية، فلذلك تعرض لبيان عدمها ليبقى على ذلك بحث الواضع، قال: (ليس بين

стр. 229

اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية). وقال عباد بن سليمان الصميري: بل دلالتها عليها إنما هي مناسبة طبيعية ذاتية. واستدل المصنف بقوله: لنا القطع بصحة وضع اللفظ للشيء ونقيضه وللشيء (وضده)، لأن فرضه لا يستلزم محالا، وقد وقع ذلك، (كالقرء) الواقع عن الحيض وعدمه وهو الطهر. و (الجون) على الأسود والأبيض، ولو كانت الدلالة طبيعية لما وقعت؛ لاستحالة مناسبة طبيعة اللفظ الواحد للنقيضين والضدين. وقال غيره: لو كانت دلالة الألفاظ على المعاني ذاتية لما اختلفت باختلاف الأمم، ولأهتدي كل أحد من الناس إلى كل لغة. والتالي باطل فالمقدم مثله. ولقائل أن يقول: المحال إن لزم فإنما هو بالنظر إلى اللفظة الواحدة والكلمات الدالة على المعاني المتقابلة مركبة من عدة أحرف فلم لا يجوز أن تكون المناسبة ثابتة

стр. 230

بين حرف ومعنى، وحرف ومعنى آخر؟. وقوله: لما اختلفت باختلاف الأمم ولاهتدى كل أحد من الناس إلى كل لغة ممنوع. لم لا يجوز أن يكون فهم السامع تلك الدلالة الطبيعية مشروطا بعرضي مفارق غير شامل يوجد عند عروضه ويعدم عند عدمه. ألا ترى أن العوام الذين لا يعلمون الوضع والواضع، إذا تعلموا لغة فهموا المعنى لحصول ذلك العرضي حينئذ، وغايته أن لا نعلمه وعدم علمنا به لا يستلزم عدمه في نفسه. وقالوا: أي عباد ومن تابعة -لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعية، لتساوت نسبة اللفظ إلى جميع المعاني، وبالعكس. فاختصاص بعض الألفاظ لبعض المعاني دون غيره يكون تخصيصا بلا مخصص. وأجاب المصنف: بأن المخصص هو إرادة (٤٦/أ) الواضع المختار كتخصيص إيجاد العالم بوقت دون (وقت) مع التساوي إلى جميع الأوقات. وفيه نظر؛ لأن هذا يصح على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأما غيره فلا يلزمه فيجوز أن يكون عباد منهم. ص- مسألة: قال الأشعري: علمها الله بالوحي، أو بخلق الأصوات أو بعلم ضروري. البهشمية: وضعها البشر واحد أو جماعة، وحصل التعريف بالإشارة، والقرائن كالأطفال. الأستاذ: القدر المحتاج في التعريف توقيف، وغيره محتمل. وقال القاضي الجميع ممكن، ثم الظاهر قول الأشعري.

стр. 231

ش- اختلف القائلون بالواضع على مذاهب. فذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن الله -تعالى- وضعها ووقف عباده عليها، بأن علمها بالوحي أو بخلق الأصوات والحروف في جسم من الأجسام وإسماع ذلك الجسم واحدا، أو جماعة من الناس، أو بخلق علم ضروري في واحد، أو جماعة، بأن واضعا وضع تلك الألفاظ بإزاء المعاني. وسمي هذا المذهب توقيفيا. وذهب أبو هاشم وجماعة: إلى أن الألفاظ وضعها واحد، أو جماعة من البشر، ثم حصل تعريف الباقين بالإشارات، والقرائن، والترديد وهو التكرار مرة بعد أخرى، كما حصل تعريف الأطفال بذلك، ويسمى هذا المذهب اصطلاحيا مطلقا، وربما يسمي توقيفيا. وذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني إلى أن القدر الذي وقع به التنبيه على

стр. 232

الاصطلاح توقيفي على الوجه المذكور، والباقي يحتمل أن يكون توقيفيا وأن يكون اصطلاحيا. وذهب طائفة إلى عكس هذا. ولم يذكره المصنف لضعفه، لعدم متمسك يعتد به. وذهب القاضي وأتباعه: إلى الوقف؛ لأن جميع ذلك ممكن لذاته لعدم لزوم محال بفرض وقوعه، والأدلة متعارضة، ولا مرجح لشيء منها، فلم يحصل الجزم بواحد منها، فوجب التوقف. هذا تحرير المذاهب. والمصنف قال: ثم الظاهر قول الأشعري. وفيه نظر؛ لأن قول الأشعري هو أن الله -تعالى- علمها بالوحي، أو بخلق الأصوات أو بعلم ضروري، والمصنف زيف الأخيرين في جواب البهشمية بأنه خلاف المعتاد كما سيجيء. فبقي الكلام في

стр. 233

الوحي، فإن كان المراد به الإفهام بالخطاب فذلك لا يكون إلا بحروف وأصوات، والكلام فيها، كالكلام في الأول، والمآل دور أو تسلسل. وإن كان المراد به الإلهام وهو تحرك القلب بعلم يدعوك إلى عمل من غير نظر في حجته. فذلك توفيق لا توقيف. وإن كان غير ذلك فلابد من بيانه، وعلى هذا يظهر أن قول من قال: الحق أن المطلوب في هذه المسألة إن كان القطع بوقوع أحد هذه المذاهب فالمختار قول القاضي؛ إذ لا قطع في شيء منها. وإن كان الظن فالحق ما قاله الأشعري؛ لطهور الآيات في المطلوب. ليس بشيء؛ لان مذهب (٤٦/ب) الأشعري غير محرر في نفسه فكيف يستدل عليه. واعلم أن هذه المسألة، أعني ابتداء الوضع، وبيان الواضع ليس ما يحتاج إليه الأصولي؛ لأن نظم الكتاب أو السنة الثابتة إذا دل على معنى ينظر فيه الأصولي لاستنباط ما عن له من الحكم بعمومه أو خصوصه، حقيقته أو مجازه، بدلالته أو إشارته وليس له التفات إلى ابتداء الوضع كيف كان، ولا الواضع من كان، وإنما نظره في أن هذا نظم يجب العمل بما يدل عليه. ص- قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا). قالوا: ألهمه أو علمه ما سبق. قلنا: خلاف الظاهر. قالوا الحقائق، بدليل قوله: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ). قلنا: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) يبين أن التعليم لها والضمير للمسميات. استدل بقوله: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، والمراد اللغات باتفاق. قلنا: التوقيف والإقدار في كونه آية سواء.

стр. 234

البهشمية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) دل على سبق اللغات وإلا لزم الدور. قلنا: إذا كان آدم هو الذي علمها، اندفع الدور. وأما جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات، أو بعلم ضروري. فخلاف المعتاد. الأستاذ: إن لم يكن المحتاج إليه توقيفيا لزم الدور، لتوقفه على اصطلاح سابق. قلنا: يعرف بالترديد والقرائن، كالأطفال. ش- أقام الدليل على ما هو الظاهر عنده. وتقريره: اللغات توقيفية؛ لأنها معلمة لقوله -تعالى-: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) وكل معلم توقيفي، لأنا لا نعني من التوقيفية إلا (المعلمة) وإذا ثبت التوقيف في الأسماء ثبت في غيرها، لعدم القائل بالفصل. ولقائل أن يقول: قد تقدم بطلان الوجوه المذكورة في تقسيم التعليم فالاستدلال بالتعليم غير مفيد. واعترض عليه: بأنه يجوز أن يكون المراد بقوله -تعالى- (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) ألهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه من العلوم ما به قدر على الوضع والاصطلاح، فتكون الآية دليلا على كون اللغات اصطلاحية.

стр. 235

سلمنا أن المراد ليس الإلهام، لكن لم يجوز أن يكون المعلم اصطلاحات قوم خلقهم الله قبل آدم إذ خلقه. وأجاب المصنف عن الاعتراض: بأنه خلاف الظاهر. قيل: لأن الأصل في التعليم إيجاد العلم لا الإلهام، وكذا الأصل عدم اصطلاح سابق. وفيه نظر؛ لأن إيجاد العلم كان بمسموع فهو باطل لما تقدم. وإن كان بخلق علم ضروري فقد أبطله المصنف، فلم يبق إلا الإلهام فلا يندفع السؤال. واعترضوا -أيضا- بأن المراد بالأسماء المسميات، أي حقائق الأشياء، ومعنى الآية -والله أعلم- علم آدم حقيقة كل شيء وصفته مثل: أن الخيل حقيقته كذا، وأنه يصلح للكر والفر، والجمل للحمل، وآخر كذا لكذا. واستند على ذلك إلى قوله -تعالى- (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) بضمير (٤٧/أ) العقلاء بطريق التغليب؛ لأن فيهم العقلاء ولو كان الضمير للأسماء تعين (عرضها أو عرضهن) لانتفاء جهة التغليب. وأجاب المصنف: بأن المراد بالأسماء الألفاظ لا الحقائق لقوله -تعالى- (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) فإن المراد بهؤلاء المسميات، فلو كانت مرادة بالأسماء -أيضا- كان معناه: انبئوني بحقائق هذه الحقائق، ولا معنى له.

стр. 236

فإن قيل: المذكور هو الأسماء؛ فإنه قال: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا)، ولم يذكر غيرها، وقال: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) فدل على أن الضمير للأسماء، لئلا يلزم الاضمار قبل الذكر، وتعين أن يراد بها المسميات. فالجواب: أن مفهوم الأسماء مفهوم مضاف يدل على المسميات، فيكون المراد بالأسماء أنفسها، وبالضمير المسميات تغليبا، فإن ضمير (عرضهم) لا يصلح للأسماء لا حقيقة ولا تغليبا. ولقائل أن يقول: أصل السؤال والجواب لم يصدر عن تحصيل، وذلك لأن التعليم سواء كان للأسماء أو المسميات، هل كان بألفاظ أو بغيرها؟ فإن كان الأول، عاد الترديد (بأنها) توقيفية أو توفيقية وإن كان الثاني، فلا فائدة في العدول عن الأسماء إلى المسميات، على أن قولهم: علم أن الخيل حقيقته كذا، وصفته كذا، والجمل كذا وغيره كذا، يدل على أن ثمة هذه الحروف التي هي في الأسماء فكانت ألفاظا فينتقل الكلام إليها. واستدل -أيضا- على مذهب الأشعري بقوله -تعالى-: (وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ) والمراد به اللغات؛ لأنه لا يجوز أن يراد بالألسنة الجوارح، لأن اختلافها في أجرامها لا يبلغ إلى أن يكون آية، فتكون اللغات مخلوقة فكانت توقيفية. وزيفه المصنف: بأن التوقيف، والإقدار على وضعها سواء في كون كل منهما آية فجاز أن يكون المراد به الإقدار مجازا. ورد: بأن إطلاق الألسنة على اللغات متعارف دون الإقدار على اللغات. واستدل البهشمية: بقوله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)

стр. 237

بأنه يدل على أن اللغات سابقة على بعثة الرسل، ولو كانت بالتوقيف بالوحي لكانت البعثة سابقة عليها وهو دور. وأجاب المصنف بما معناه: إنما يلزم الدور أن لو كانت اللغات سابقة على جميع الرسل، وفي الآية ما ينافيه؛ لأنه قال: (إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) فكانت سابقة على الرسل الذين لهم قوم، فيجوز أن يتقدم بعثة آدم ﵇ على اللغات؛ لأنه لم يكن له قوم. وحينئذ يقال: علم الله آدم اللغات بالوحي، ثم علم آدم غيره فتكون اللغات متأخرة عن بعثة آدم، ومتقدمة على غيره من الرسل فلا يلزم الدور. ولقائل أن يقول: هذا الجواب مخالف للآية؛ لأن فيها (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ) نكرة في سياق النفي مؤكدة (من) الاستغراقية، فكيف يجوز إخراج آدم من عام مؤكد لا يقبل التخصيص بدليل فضلا عن غير دليل بل الجواب (٤٧/ب) أن يقال: علم آدم الأسماء حين لم يكن له قوم، ثم أرسله إليهم بلسانهم الذي يتفاهمون به. ولسان كل قوم ما تفاهموا به، على أنه إذا كانت اللغات سابقة على بعثة الرسل لا يلزم الدور؛ لأن بعثة الرسل على ذلك التقدير تكون موقوفة على اللغات، ولكن اللغات لا تتوقف على بعثة الرسل بل على تعليم، ولا يلزم أن يكون ذلك التعليم رسالة. وقوله: (وأما جواز) إشارة إلى تزييف جواب ذكره بعض الأصوليين عن دليل البهشمية، وهو أن يقال: لا نسلم أن اللغات لو كانت توقيفية لزم تقدم البعثة على اللغات، وإنما يلزم ذلك أن لو كان طريق تعليمها منحصرا في الوحي، وهو ممنوع، فإنه يجوز أن يكون التوقيف بخلق الحروف والأصوات في أجسام، أو بخلق علة ضروري في واحد أو جماعة. ووجه توقيفه: أن التعليم بخلق الأصوات، أو علم ضروري خلاف العادة،

стр. 238

وإن كان ممكناً في ذاته. ولقائل أن يقول: في هذا إبطال لمذهب الأشعري بالكلية؛ لأنه جعل القسمين الآخرين فاسداً، وقد تقدم أن المراد به غير معلوم. وقد التزام في هذا الجواب أن الطريق لو انحصر في الوحي لزم الدور فدل على أن ذلك أيضا باطل كغيره من الطريقين، على أن اعتبار العادة في ذلك غير موجه. وقال الأستاذ: لو لم يكن القدر المحتاج إليه في التنبيه توقيفيا لزم الدور؛ لأنه حينئذ يكون الكل اصطلاحيا يحتاج في التعليم إلى اصطلاح سابق عليه، وهلم جرا، ولابد من العودة إلى الأول، ضرورة الاحتياج وتناهي الاصطلاحات. وأجاب المصنف عنه: بأن الجميع لو كان اصطلاحيا جاز أن يعرف الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يعرف الأطفال، فلم يلزم الدور. ولقائل أن يقول في بيان اللغات: إن الله -تعالى- خلق الإنسان حيوانا ناطقا متعجبا ضاحكا كاتبا مدركا للكليات والجزئيات، فكما أنه جعل التعجب والضحك من خواصه لا يحتاج في ذلك إلى تعليم جاز أن يجعل في كل صنف منه قوة بها يقطع الصوت الخارج مع النفس في مخارج الحروف ليصير حروفا وينظمها فتصير كلمة فيترجم بها عما يبدو في ضميره مما يحتاج إليه، وجعل فيه قوة قاصمة يفهم بها عند سماعها من غيره ممن هو من أفراد صنفه بلا وسط، وممن هو من غير صنفه بوسط تكرار ومشاهدة. وقد سمعت ثقات يحكمون أن بعض الملوك الذين كان لهم زيادة اهتمام بمعرفة الأشياء حفظوا صغارا، لم يصلوا حد التكلم عن أن يتكلم عندهم، وربما لم يجتمع بهم أحد إلا عند التغذية فاستنبطوا من تلقاء أنفسهم كلاما وتكلموا به وفهم (٤٨/أ) بعضهم من بعض لسائر اللغات ولم يكن هناك توقيف ولا اصطلاح، فإن التزم أن ذلك الجعل توقيف بوحي لزمه أن لا يخصص الوحي بالأنبياء، فإن

стр. 239

التزم ذلك أيضا -حصل المطلوب، ولا حاجة إلى إقامة دليل؛ لأن التنبيه يكفي فحينئذ يكون علم آدم الأسماء تمثيلا. وقوله: إلا ما علمتنا مذكورا بطريق المشاكلة، وهو أن تذكر شيئا بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. والله أعلم بالصواب. ص- الرابع: طريق معرفتها، التواتر فيما لا يقبل التشكيك، كالأرض والسماء، والحر والبرد، والآحاد في غيره. ش- المبحث الرابع في مبادئ اللغة: في بيان معرفة طريق الموضوعات اللغوية لا تستقل النفس في إدراك المسموعات، لأنها جزئيات والنفس لا تدركها إلا بواسطة الحواس فإن كانت المسموعات ما لا يقبل التشكيك كالسماء والأرض، والحر والبرد، وأمثالها فقد عرف ذلك بالتواتر، والقرآن كله كذلك. وإن كانت مما يقبل التشكيك كاللغات عن قبائل العرب غير التي في القرآن فطريق معرفتها الآحاد. ولقائل أن يقول: ثمة طريق آخر وهو الشهرة، وإدخاله في أحدهما تسوية القوي مع الضعيف فكان الواجب ذكره، والله أعلم.

стр. 240

التحسين والتقبيح ومن هنا مبادئ الأحكام الشرعية ص- الأحكام: لا يحكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح في حكم الله - تعالى- ويطلق لثلاثة أمور إضافية: لموافقته الغرض ومخالفته, ولما أمرنا بالثناء عليه والذم, ولما لا حرج في فعله ومقابلته. وفعل الله تعالى- حسن بالاعتبارين الأخيرين. وقالت المعتزلة والكرامية والبراهمة: الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها فالقدماء: من غير صفة. [وقوم: بصفة]. وقوم: بصفة في القبيح. والجبائية: بوجوه واعتبارات. ش- لما فرغ عن ذكر ما يستمد منه من اللغة, شرع في بيان ما يستمد منه من الأحكام, ورتب الكلام على أربعة أصول, لأن الحكم يستدعي حاكما, ومحكوما عليه, ومحكوما به. واختلف العلماء في فعل المكلف إذا تعلق به حكم الله, هل يحكم العقل بحسنه أو قبحه, أو لا؟

стр. 241

فذهبت الأشاعرة إلى نفيه, وقالوا: يطلق الحسن والقبح على ثلاثة أمور إضافية. الأول وهو مشهور: أن الفعل إذا كان موافقا لغرض الفاعل فهو الحسن وإن كان مخالفا لغرضه فهو القبيح, والغرض ما لأجله يصدر المعلول عن العلة, فعلى هذا إذا كان الفعل موافقا لغرض شخص دون آخر فهو حسن بالنسبة إلى الأول قبيح بالنسبة إلى الثاني, فهو إضافي لا محالة. الثاني: أن الحسن يطلق على فعل أمرنا الشارع بالثناء على فاعله, والقبيح على فعل أمرنا بالذم على فاعله, وهذا يختلف باختلاف ورود أمر الشرع في الأفعال فيكون -أيضا- إضافيا. الثالث: أنه يطلق الحسن على فعل لا حرج على فاعله في الاتيان به والقبيح على فعل [٤٨/ب] في الإتيان به حرج على فاعله وهو -أيضا- يختلف باختلاف الأحوال والأزمان, والأشخاص. وفعل الله لا يكون حسنا بالاعتبار الأول, لأن الله - تعالى- منزه عن أن يكون فعله لغرض, وهو حسن بالاعتبارين الأخيرين. أما بالاعتبار الثاني, فلأنه أمر الشارع بالثناء على فاعله, وأما بالاعتبار الثالث, فلأنه لا حرج في فعله, والحسن بالمعنى الثاني يتناول الواجب والمندوب, لأن كل واحد منهما أمرنا الشارع بالثناء على فاعله, ولا يتناول المباح, لأنه لم يأمر الشارع بذلك, وبالمعنى الثالث يتناول المباح والمكروه أيضا, لأن كل واحد منهما لا حرج

стр. 242

في فعله. والقبيح بالتفسيرين الأخيرين يختص بالحرام, لأنه أمر الشارع بالذم لفاعله, وفي فعله حرج, [ولا] يتناول المباح والمكروه بالتفسيرين؛ لأنه لم يأمر الشارع بالذم لفاعلهما, ولا حرج في فعلهما, فالمكروه والمباح ليسا بحسن ولا قبيح على التفسير الثاني. وقالت المعتزلة والكرامية والبراهمة: الأفعال حسنة لذاتها, لكن منها: ما يهتدى العقل إلى الحسن والقبح فيه بالضرورة, كإنقاذ الغرقى, والكذب الذي لا نفع فيه. ومنها: ما يدرك بالعقل بالنظر والاستدلال, كحسن الصدق الذي فيه ضرر, وقبح الكذب الذي فيه نفع.

стр. 243

ومنها: ما يدركه بالسمع كحسن الصلاة والحج. والشرع كاشف للحسن والقبح لا موجب لهما. ثم إن القائلين بالحسن والقبح الذاتيين اختلفوا. فقالت القدماء: ليس في الفعل صفة تقتضي حسنه أو قبحه, بل الفعل يقتضي لذاته أحدهما. وقال بعض المتأخرين: حسن الفعل وقبحه لأجل صفة زائدة على الفعل لازمة له تقتضي حسنه أو قبحه, قالوا: الزنا قبيح, لأنه مشتمل على مفسدة اختلاط النسب المفضي إلى هلاك الولد. والصوم حسن لاشتماله على كسره قوة الشهوة الباعثة على الفساد. وقال آخرون: إن الفعل القبيح متصف بصفة توجب قبحه, والفعل الحسن لذاته حسن, ويقولون: إن كان في الفعل ما يؤدي إلى مفسدة كان قبيحا أن لم يكن كان حسنا. وقالت الجبائية: حسن الأفعال وقبحها بوجوه واعتبارات, والوجه عرضي مفارق مع قطع النظر عن الغير, والاعتبار عرضي مفارق بالنظر إلى الغير أفاده شيخي العلامة ﵀ وذلك كالمواقعة بلا ملك إذا تحقق الاشتباه من جانب دون آخر, فهو حسن في حق من اشتبه عليه, قبيح في حق من لم يشتبه فهو حسن من وجه قبيح من وجه وعليك تطبيقه على تعريفه. ولقائل أن يقول: قوله: (لا يحكم العقل بأن الفعل حسن أو قبيح) ليس

стр. 244

بصحيح على إطلاقه؛ لأنه يحكم بذلك إن كانا بالتفسير الأول. وكان الواجب أن يذكر الأقسام, ثم يذكر أن حكم العقل منفي عن أي قسم منها. وأيضا قوله [٤٩/أ] (وفعل الله حسن) لا تعلق له بهذا المبحث, بل هذا المبحث كله من مسائل الكلام, ولكن يذكره في الأصول من يذكره بأن لتصور الأحكام الذي يستمد منه الأصولي نوع تعلق به من حيث أن يعرف أن المباح هو الذي لا يكون مكروها ألبته, والواجب يكون حسنا البتة لا غير فكان ذكره ههنا في غير محله. ص- لنا: لو كان ذاتيا لما اختلف, وقد وجب الكذب إذا كان فيه عصمة نبي, والقتل والضرب وغيرهما. وأيضا: لو كان ذاتيا لاجتمع النقيضان في صدق من قال: لأكذبن غدا, وكذبه. واستدل: لو كان ذاتيا لزم قيام المعنى بالمعنى؛ لأن حسن الفعل زائد على مفهومه, وإلا لزم من تعقل الفعل تعقله, ويلزم وجوده [لأن] نقيضه لا حسن, وهو سلب, وإلا استلزم حصوله محلا موجودا، ولم يكن ذاتيا، وقد وصف الفعل به، فيلزم قيامه به. واعترض: بإجرائه في الممكن. وبأن الاستدلال بصورة النفي على الوجود, دور؛ لأنه قد يكون ثبوتيا أو منقسما, فلا يفيد ذلك. واستدل: فعل العبد غير مختار, فلا يكون حسنا ولا قبيحا لذاته إجماعا, لأنه إن كان لازما فواضح, وإن كان جائزا فإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم وإلا فهو اتفاقي. وهو ضعيف؛ لأنا نفرق بين الضرورية والاختيارية ضرورة, ويلزم عليه

стр. 245

فعل الباري. وأن لا يوصف بحسن ولا قبح شرعا. والتحقيق أنه يترجح بالاختيار. ش- استدل المصنف على نفي مدعى الخصم بدليلين؛ لأن بنفيه يلزم مدعاه. أحدهما: لو كان الحسن ذاتيا, أي لذات الفعل, أو لصفة تقتضيها ذاته, لما اختلف, أي لم يصر الحسن قبيحا وبالعكس, لأن الذاتي لا يزول, لكن قد يصير القبيح حسنا كالكذب إذا كان في عصمة نبي عن الهلاك, و [القتل] إذا كان قصاصا, والضرب إذا كان حدا. ولقائل أن يقول: الوصفان من محتملات المطلق [والمتصف] بأحدهما المقيد, ولا اختلاف ثمة البتة. والثاني: أنه لو كان كذلك لاجتمع النقيضان في صدق من يقول: لأكذبن غدا وكذبه, لأنه لا يخلو إما أن يكذب في الغد أو يصدق, فإن كذب لزم قبحه لكذبه في نفس الأمر وحسنه لاستلزامه صدق الخبر الأول؛ فإن المستلزم للحسن حسن فاجتمع في الخبر الثاني الحسن واللا حسن, وهو اجتماع النقيضين وإن صدق لزم حسنه في نفسه وقبحه, لاستلزامه كذب الخبر الأول, وفيه ما في الأول, والوجهان ليسا بدافعين للجبائية لقولهم بالوجه والاعتبار. واستدل -أيضا-: بأن الحسن والقبح لو كان ذاتيا للفعل لزم قيام العرض بالعرض؛ لأن الحسن زائد على نفس الفعل إذ هو ليس نفسه, ولا داخلا فيه, حيث

стр. 246

لم يلزم من تعقله تعقله, فإنا نعقل الصوم ولا يخطر ببالنا حسنه وهو موجود؛ لأن نقيضه وهو اللا حسن سلب لعدم [٤٩/ب] استلزام حصوله محلا وجوديا. يجوز أن يقال: المعدوم لا حسن, والوجودي ليس كذلك, وإذا كان أحد النقيضين سلبا يكون الآخر موجودا, لاستحالة ارتفاعهما, ولأن الحسن لو لم يكن موجودا لم يكن ذاتيا, لأن المعدوم مسلوب, والذاتي لا يسلب, لكنه ذاتي فيكون موجودا وإذا ثبت أنه زائد وموجود, وقد وصف الفعل به, لزم قيام العرض بالعرض وهذا باطل باتفاق المتكلمين, وموضعه الكلام. ولقائل أن يقول: قيام العرض بالعرض محال مطلقا, أو بشرط أن لا يكون القائم اعتباريا. والثاني مسلم, ولكن الحسن اعتباري بالتفاسير المارة, ويؤيده قول الجبائية والأول ممنوع, فإن الاعتباري جاز أن يقوم بالمعدوم فضلا عن العرض. واعترض على الدليلين بنقض إجمالي وتفصيلي: أما الأول فتقريره أن يقال: لو كان الفعل ممكنا لزم قيام العرض بالعرض؛ لأن إمكان الفعل زائد عليه, لعدم استلزام تعقله, ووجودي, لأنه نقيض للا إمكان وهو عدمي, لا تصاف العدم به, والفعل يوصف به فيلزم قيام العرض بالعرض. وأما الثاني, فلأنا لا نسلم أن الحسن وجودي. قوله: لأن نقيضه لا حسن وهو سلب. قلنا: سلب صورة أو معنى, والثاني ممنوع, والأول مسلم, ولكن الاستدلال به على وجودية الحسن دور؛ لأن وجوديته حينئذ تكون موقوفة على إثبات أن لا حسن سلبي معنوي, وكونه كذلك موقوف على إثبات أن الحسن وجودي وذلك دور.

стр. 247

وإنما لم تكن صورة السلب كافية في ذلك, لأنها قد تكون ثبوتية كاللا معدوم فإنه لا يكون إلا موجودا, وقد تكون منقسمة إلى الثبوتي والعدمي كاللا امتناع فإنه يصدق على الموجود والمعدوم الممكنين, وإذا كان كذلك فما لم يثبت كون نقيضه موجودا لم يلزم كونه عدميا, وهذا الذي ذكره من النقض التفصيلي مختص بالوجه الأول من الدليل. وأما على الوجه الثاني: فما ذكره شيخي العلامة ﵀ وهوه أن يقال: لا نسلم أن الحسن لو كان عدميا لم يكن ذاتيا للفعل. قوله: (لأن العدمي ليس من الصفات الذاتية للشيء). قلنا: ممنوع, فإن كل أمر مقتض لا تصافه بنقيض مباينه, فإن الإنسان يكون مقتضيا لا تصافه بكونه لا فرسا. واستدل -أيضا-: بأن فعل العبد غير مختار, وكل ما ليس بمختار ليس بحسن ولا قبيح لذاته. أما الصغرى فلأن فعل العبد إما أن يكون لازما لا يتمكن العبد من تركه, أو جائزا يتمكن منه, والأول واضح, لأن ما لا يتمكن من تركه ضروري, والضروري غير مختار. والثاني, إن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم بأن يقال الفعل مع المرجح إما أن يكون لازما, أو جائزا, والأول ضروري, والثاني يعود فيه التقسيم فإما أن ينتهي إلى ضروري, أو بتشكيك, أو ينتهي إلى اتفاقي وإن لم يفتقر إلى مرجح كان اتفاقيا, لأن صدوره في زمان [٥٠/أ] دون آخر لما لم يكن الأمر كان اتفاقيا وهو ليس بمختار. وأما الكبرى فبالإجماع.

стр. 248

وضعف المصنف هذا الاستدلال بوجوه منها: أن هذا الدليل تشكيك في الضروريات, لأنا قاطعون بأن فعل العبد اختياري, للقطع بالتفرقة بين الضرورة والاختيار, فإن الضرورية [تصدر] عن العبد, إن أبى, كحركة الإنسان إلى أسفل بالقسر. والاختيارية لا تصدر إذا أبى, كحركته بالإرادة في السطوح المستوية, والتشكك في الضروريات لا يستحق الجواب. ولقائل أن يقول: هذا لا [يستقيم] على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري, لأن أفعال العباد عنده , كحركات المرتعش. ومنها: نقض إجمالي, وهو أن يقال: لو صح الدليل الذي ذكرتم على أن فعل العبد غير مختار, لزم أن يكون فعل الله -تعالى- غير مختار؛ لأنه إما أن يكون لازما أو جائزا, والأول ضروري, والثاني إن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم, وإن لم يفتقر كان اتفاقيا, والكل غير مختار, لكنه مختار فلا يكون الدليل صحيحا ولقائل أن يقول: إن التزم الخصم ذلك في مقام المناظرة بناء على مذهب الحكيم اندفع النقض. ومنها -أيضا-: نقض إجمالي, وهو أن الدليل المذكور لو كان صحيحا بجميع مقدماته لم يوصف فعل العبد بالحسن والقبح شرعا, لأن فعل العبد غير مختار لما ذكرتم وغير المختار لا يتصف بالحسن والقبح شرعا بالإجماع. ولقائل أن يقول: دعوى الإجماع باطلة؛ لأن أبا الحسن الأشعري يقول باضطرارية أفعال العباد, ويقول باتصافها بهما شرعاً.

стр. 249

وقال المصنف: والتحقيق أنه يترجح بالاختيار, ومعناه: أن فعل العبد جائز بذاته, ويترجح أحد جانبيه من الصدور وعدمه باختياره, وعند تعلق الاختيار به يصير لازما, واللزوم بالغير لا ينافي كونه جائزا بالذات فيجوز أن يكون حسنا أو قبيحا من حيث ذاته, لأنه لم يبلغ إلى حد اللزوم عن الاختيار, فإن المانع عنه هو ما يكون لازما بغير اختيار, وهو الوجوب السابق عليه. ولقائل أن يقول: الذي ظهر من كلامه هذا أن فعل العبد جائز مفتقر إلى مرجح فيتأتى للخصم أن يقول: الفعل مع ذلك المرجح, إما أن يكون لازما أو جائزا مفتقرا أو اتفاقيا, وهو أول المسألة. ص- وعلى الجبائية: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكم تعلق الطلب لنفسه, لتوقفه على أمر زائد. وأيضا: لو حسن الفعل أو قبح لذاته, أو صفته لم يكن الباري مختارا في الحكم, لأن الحكم [بالمرجوح] على خلاف المعقول, فيلزم الآخر, فلا اختيار. ومن السمع (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) لاستلزام مذهبهم خلافه. ش- هذا دليل على إبطال مذهب الجبائية. وتقريره: لو كان حسن الفعل وقبحه لغير حسن الطلب من الوجوه والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب [٥٠/ب] لنفس الفعل, بل لأجل ذلك الاعتبار العارض بالقياس إلى غيره, لأن التعلق حينئذ يتوقف على حصول ذلك الاعتبار الزائد على الفعل, والتالي باطل, لأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل, والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما. والطلب قديم فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به سواء عرض ذلك

стр. 250

الاعتبار للفعل أو لم يعرض. ولقائل أن يقول: الطلب لتحصيل الفعل فلو تعلق به بعد حصوله لزم تحصيل الحاصل. وهو محال, ولأن المراد بالفعل إن كان من حيث هو فليس بحاصل في الخارج, وإن كان بصفة يلزم المدعي. وإن كان أريد بالحصول الحصول العلمي, فهو قديم, وما نحن فيه ليس من ذلك. وقوله: (وأيضا) دليل على إبطال مذهب الخصوم على العموم. وتقريره: لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لازمة أو اعتبارية عارضة له, لم يكن الباري مختارا في الحكم؛ لأن الفعل الحسن يكون حينئذ راجحا على القبيح في أن يكون متعلقا لحكم الوجوب, والفعل القبيح يكون راجحا على الحسن في أن يكون متعلقا لحكم التحريم وحينئذ لا يخلو إما أن يكون الحكم متعلقا بما هو راجح بالنسبة إليه, أو بما هو غير راجح, والتالي باطل, لئلا يلزم ترجيح المرجوح, فإنه خلاف صريح العقل, فتعين الأول ضرورة وإذا كان الحكم بالراجح ضروريا لم يكن مختارا في حكمه. ولقائل أن يقول: كون الفاعل مختارا يقتضي القدرة, ومتعلقها الإمكان, وليس للوصف الزائد مدخل ضروريا كان أو غيره, ولأن العمل بخلاف صريح العقل قبيح أو ممتنع, لكن بالنسبة إلى الشاهد, وأما بالنسبة إلى الغيب فممنوع وسيأتي مثل هذا في كلامه. وقوله: (ومن السمع) دليل آخر على نفي الحسن والقبح العقليين, مأخوذ من
следующие страницы →