Полный текст (1 417 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
لم يلزم من تعقله تعقله, فإنا نعقل الصوم ولا يخطر ببالنا حسنه وهو موجود؛ لأن نقيضه وهو اللا حسن سلب لعدم [٤٩/ب] استلزام حصوله محلا وجوديا.
يجوز أن يقال: المعدوم لا حسن, والوجودي ليس كذلك, وإذا كان أحد النقيضين سلبا يكون الآخر موجودا, لاستحالة ارتفاعهما, ولأن الحسن لو لم يكن موجودا لم يكن ذاتيا, لأن المعدوم مسلوب, والذاتي لا يسلب, لكنه ذاتي فيكون موجودا وإذا ثبت أنه زائد وموجود, وقد وصف الفعل به, لزم قيام العرض بالعرض وهذا باطل باتفاق المتكلمين, وموضعه الكلام.
ولقائل أن يقول: قيام العرض بالعرض محال مطلقا, أو بشرط أن لا يكون القائم اعتباريا.
والثاني مسلم, ولكن الحسن اعتباري بالتفاسير المارة, ويؤيده قول الجبائية والأول ممنوع, فإن الاعتباري جاز أن يقوم بالمعدوم فضلا عن العرض.
واعترض على الدليلين بنقض إجمالي وتفصيلي:
أما الأول فتقريره أن يقال: لو كان الفعل ممكنا لزم قيام العرض بالعرض؛ لأن إمكان الفعل زائد عليه, لعدم استلزام تعقله, ووجودي, لأنه نقيض للا إمكان وهو عدمي, لا تصاف العدم به, والفعل يوصف به فيلزم قيام العرض بالعرض.
وأما الثاني, فلأنا لا نسلم أن الحسن وجودي.
قوله: لأن نقيضه لا حسن وهو سلب.
قلنا: سلب صورة أو معنى, والثاني ممنوع, والأول مسلم, ولكن الاستدلال به على وجودية الحسن دور؛ لأن وجوديته حينئذ تكون موقوفة على إثبات أن لا حسن سلبي معنوي, وكونه كذلك موقوف على إثبات أن الحسن وجودي وذلك دور.
стр. 247
وإنما لم تكن صورة السلب كافية في ذلك, لأنها قد تكون ثبوتية كاللا معدوم فإنه لا يكون إلا موجودا, وقد تكون منقسمة إلى الثبوتي والعدمي كاللا امتناع فإنه يصدق على الموجود والمعدوم الممكنين, وإذا كان كذلك فما لم يثبت كون نقيضه موجودا لم يلزم كونه عدميا, وهذا الذي ذكره من النقض التفصيلي مختص بالوجه الأول من الدليل.
وأما على الوجه الثاني: فما ذكره شيخي العلامة ﵀ وهوه أن يقال: لا نسلم أن الحسن لو كان عدميا لم يكن ذاتيا للفعل.
قوله: (لأن العدمي ليس من الصفات الذاتية للشيء).
قلنا: ممنوع, فإن كل أمر مقتض لا تصافه بنقيض مباينه, فإن الإنسان يكون مقتضيا لا تصافه بكونه لا فرسا.
واستدل -أيضا-: بأن فعل العبد غير مختار, وكل ما ليس بمختار ليس بحسن ولا قبيح لذاته.
أما الصغرى فلأن فعل العبد إما أن يكون لازما لا يتمكن العبد من تركه, أو جائزا يتمكن منه, والأول واضح, لأن ما لا يتمكن من تركه ضروري, والضروري غير مختار.
والثاني, إن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم بأن يقال الفعل مع المرجح إما أن يكون لازما, أو جائزا, والأول ضروري, والثاني يعود فيه التقسيم فإما أن ينتهي إلى ضروري, أو بتشكيك, أو ينتهي إلى اتفاقي وإن لم يفتقر إلى مرجح كان اتفاقيا, لأن صدوره في زمان [٥٠/أ] دون آخر لما لم يكن الأمر كان اتفاقيا وهو ليس بمختار.
وأما الكبرى فبالإجماع.
стр. 248
وضعف المصنف هذا الاستدلال بوجوه منها: أن هذا الدليل تشكيك في الضروريات, لأنا قاطعون بأن فعل العبد اختياري, للقطع بالتفرقة بين الضرورة والاختيار, فإن الضرورية [تصدر] عن العبد, إن أبى, كحركة الإنسان إلى أسفل بالقسر. والاختيارية لا تصدر إذا أبى, كحركته بالإرادة في السطوح المستوية, والتشكك في الضروريات لا يستحق الجواب.
ولقائل أن يقول: هذا لا [يستقيم] على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري, لأن أفعال العباد عنده , كحركات المرتعش.
ومنها: نقض إجمالي, وهو أن يقال: لو صح الدليل الذي ذكرتم على أن فعل العبد غير مختار, لزم أن يكون فعل الله -تعالى- غير مختار؛ لأنه إما أن يكون لازما أو جائزا, والأول ضروري, والثاني إن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم, وإن لم يفتقر كان اتفاقيا, والكل غير مختار, لكنه مختار فلا يكون الدليل صحيحا ولقائل أن يقول: إن التزم الخصم ذلك في مقام المناظرة بناء على مذهب الحكيم اندفع النقض.
ومنها -أيضا-: نقض إجمالي, وهو أن الدليل المذكور لو كان صحيحا بجميع مقدماته لم يوصف فعل العبد بالحسن والقبح شرعا, لأن فعل العبد غير مختار لما ذكرتم وغير المختار لا يتصف بالحسن والقبح شرعا بالإجماع.
ولقائل أن يقول: دعوى الإجماع باطلة؛ لأن أبا الحسن الأشعري يقول باضطرارية أفعال العباد, ويقول باتصافها بهما شرعاً.
стр. 249
وقال المصنف: والتحقيق أنه يترجح بالاختيار, ومعناه: أن فعل العبد جائز بذاته, ويترجح أحد جانبيه من الصدور وعدمه باختياره, وعند تعلق الاختيار به يصير لازما, واللزوم بالغير لا ينافي كونه جائزا بالذات فيجوز أن يكون حسنا أو قبيحا من حيث ذاته, لأنه لم يبلغ إلى حد اللزوم عن الاختيار, فإن المانع عنه هو ما يكون لازما بغير اختيار, وهو الوجوب السابق عليه.
ولقائل أن يقول: الذي ظهر من كلامه هذا أن فعل العبد جائز مفتقر إلى مرجح فيتأتى للخصم أن يقول: الفعل مع ذلك المرجح, إما أن يكون لازما أو جائزا مفتقرا أو اتفاقيا, وهو أول المسألة.
ص- وعلى الجبائية: لو حسن الفعل أو قبح لغير الطلب لم يكم تعلق الطلب لنفسه, لتوقفه على أمر زائد.
وأيضا: لو حسن الفعل أو قبح لذاته, أو صفته لم يكن الباري مختارا في الحكم, لأن الحكم [بالمرجوح] على خلاف المعقول, فيلزم الآخر, فلا اختيار.
ومن السمع (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) لاستلزام مذهبهم خلافه.
ش- هذا دليل على إبطال مذهب الجبائية.
وتقريره: لو كان حسن الفعل وقبحه لغير حسن الطلب من الوجوه والاعتبارات لم يكن تعلق الطلب [٥٠/ب] لنفس الفعل, بل لأجل ذلك الاعتبار العارض بالقياس إلى غيره, لأن التعلق حينئذ يتوقف على حصول ذلك الاعتبار الزائد على الفعل, والتالي باطل, لأن التعلق نسبة بين الطلب والفعل, والنسبة بين الأمرين لا تتوقف إلا على حصولهما. والطلب قديم فإذا حصل الفعل تعلق الطلب به سواء عرض ذلك
стр. 250
الاعتبار للفعل أو لم يعرض.
ولقائل أن يقول: الطلب لتحصيل الفعل فلو تعلق به بعد حصوله لزم تحصيل الحاصل. وهو محال, ولأن المراد بالفعل إن كان من حيث هو فليس بحاصل في الخارج, وإن كان بصفة يلزم المدعي.
وإن كان أريد بالحصول الحصول العلمي, فهو قديم, وما نحن فيه ليس من ذلك.
وقوله: (وأيضا) دليل على إبطال مذهب الخصوم على العموم.
وتقريره: لو حسن الفعل أو قبح لذاته أو لصفة لازمة أو اعتبارية عارضة له, لم يكن الباري مختارا في الحكم؛ لأن الفعل الحسن يكون حينئذ راجحا على القبيح في أن يكون متعلقا لحكم الوجوب, والفعل القبيح يكون راجحا على الحسن في أن يكون متعلقا لحكم التحريم وحينئذ لا يخلو إما أن يكون الحكم متعلقا بما هو راجح بالنسبة إليه, أو بما هو غير راجح, والتالي باطل, لئلا يلزم ترجيح المرجوح, فإنه خلاف صريح العقل, فتعين الأول ضرورة وإذا كان الحكم بالراجح ضروريا لم يكن مختارا في حكمه.
ولقائل أن يقول: كون الفاعل مختارا يقتضي القدرة, ومتعلقها الإمكان, وليس للوصف الزائد مدخل ضروريا كان أو غيره, ولأن العمل بخلاف صريح العقل قبيح أو ممتنع, لكن بالنسبة إلى الشاهد, وأما بالنسبة إلى الغيب فممنوع وسيأتي مثل هذا في كلامه.
وقوله: (ومن السمع) دليل آخر على نفي الحسن والقبح العقليين, مأخوذ من
стр. 251
السمع, وهو قوله -تعالى-: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا).
ووجهه: أن الآية تقتضي نفي التعذيب بمباشرة بعض الأفعال وترك بعضها قبل بعثة الرسل.
ومذهب المعتزلة: يستلزم تعذيب تارك بعض الأفعال, ومباشر بعضها قبل ذلك, لأن الحسن والقبح على مذهبهم يتحقق قبل البعثة.
والحسن في بعض الأفعال يستلزم كونه واجبا, والقبح يستلزم كونه حراما فيكون بعض الأفعال قبل البعثة واجبا, وبعضها حراما, وترك الواجب ومباشرة المحرم يستحق به العذاب. فالتعذيب قبل البعثة لازم لمذهب المعتزلة, وهو مناف لمقتضي الآية, ومنافي اللازم مناف للملزوم, فمذهبهم مناف لمقتضي الآية.
ولقائل أن يقول: ترك الواجب يستدعي استحقاق العذاب, لا العذاب. فمذهبهم يوجب استحقاق العذاب, ومقتضي الآية نفي التعذيب فلا يكون مذهبهم [٥١/أ] منافيا لمقتضى الآية.
لا يقال: مذهب المعتزلة أن التعذيب على ارتكاب الصغائر قبل التوبة وعلى الكبائر قبلها واجب على الله تعالى- فيكون التعذيب لاستحقاق العذاب.
لأنا نقول: الملازمة بعد الخطاب أو قبله, والأول مسلم ولا يفيد, والثاني ممنوع, فإن القبح وإن كان ذاتيا يستحق به العذاب, لكن يجوز أن يكون مشروطا بالخطاب, على أن قوله: على ارتكاب الصغائر قبل التوبة لم يعرف مذهباً لهم, بل
стр. 252
الصغائر مكفرة إذا اجتنبت الكبائر.
ص- قالوا: حسن الصدق النافع والإيمان, وقبح الكذب الضار والكفران معلوم ضرورة من غير نظر إلى عرف أو شرع أو غيرهما.
والجواب: المنع, بل بما ذكر.
قالوا: إذا استويا في المقصود مع قطع النظر عن كل آثر العقل والصدق.
وأجيب: بأنه تقدير مستحيل, فلذلك يستبعد منع إيثار الصدق. ولو سلم فلا يلزم في الغائب, للقطع بأنه لا يقبح من الله مع تمكين العبد من المعاصي ويقبح منا.
قالوا: لو كان شرعيا لزم إفحام الرسل, فيقول لا أنظر في معجزتك حتى يجب النظر ويعكس, [أو] لا يجب حتى يثبت الشرع ويعكس.
والجواب: أن وجوبه عندهم نظري فنقول بعينه على أن النظر لا يتوقف على وجوبه. ولو سلم فالوجوب بالشرع نظر أو لم ينظر, ثبت أو لم يثبت.
قالوا: لو كان ذلك لجازت المعجزة من الكاذب, ولأمتنع الحكم بقبح نسبة الكذب على الله - تعالى- قبل السمع والتثليث وأنواع الكفر من العالم.
وأجيب: بأن الأول إن امتنع فلمدرك آخر.
والثاني ملتزم إن أريد التحريم الشرعي.
ش- هذا دليل المعتزلة على أن الحسن والقبح ذاتيان .
وتوجيهه أن يقال: حسن الصدق النافع, وحسن الإيمان, وقبح الكذب الضار
стр. 253
والكفران معلوم لنا من غير نظر إلى عرف أو شرع أو برهان, وكل ما هو كذلك فهو ذاتي لفرض عدم خارج أصلا.
وإذا كانا ذاتيين في ذلك, كانا في غيرهما كذلك لعدم القائل بالفصل.
وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أنهما في هذه الأمور معلومان لنا بالضرورة, بل علم بما ذكر من العرف أو الشرع أو البرهان, لأنا لو قدرنا أنفسنا خالية عن موجبات الشرع والعرف والبرهان, وعرضنا هذه الأمور لم نجزم بحسنها ولا بقبحها.
ولقائل أن يقول: إذا حققنا الخلاف قبل الشرع في لم يتعارفوا ذلك وليسوا من أهل البرهان, لم يلزم من ذلك محال, فكان ممكنا, ولا مبدأ له إلا الذات فكان ذاتيا, على أن البرهان يستلزم ذلك لا محالة.
ألا ترى إلى قولنا: الإيمان شكر المنعم, وشكر المنعم حسن؛ فإنه إما أن يظهر ما خفي على الخصم من أنه ذاتي للإيمان, أو يثبت له الحسن, ولا سبيل الثاني عندهم, لأن العقل غير مثبت فتعين الأول, ويثبت به المطلوب.
واستدلوا -أيضا-: بأن الصدق والكذب إذا استويا في جميع الأمور التي يمكن أن تكون متعلقة [٥١/ب] بغرض العاقل بحيث لا يختلفان إلا بكون أحدهما صدقا والآخر كذبا مع قطع النظر عن كل خارج من عرف وشرع وبرهان آثر العقل الصدق, ولا مبدأ إلا الذات فكان ذاتيا.
وأجاب المصنف: بأن التقدير محال, لاستحالة تساوي المتنافيين في جميع الصفات, والمحال جاز أن يستلزم محالا آخر.
ولو سلم أنه ليس بمحال, لكنه يفيد المطلوب في الشاهد دون الغائب,
стр. 254
إذ لا يستبعد منع إيثار الصدق بالنسبة إلى الغائب. والمتنازع فيه الحسن والقبح للأفعال بالنسبة إلى أحكام الله -تعالى- ويجوز أن يقع بالنسبة إليه ما لا يجوز أن يقع منا. ألا ترى أن تمكين العبد من المعاصي لا يقبح من الله -تعالى- ومنا يقبح, وإذا كان كذلك لم يصح قياس حسن الصدق في حق الله على حسنه في حقنا.
ولقائل أن يقول: لا نسلم استحالة ذلك بالنسبة إلى الفاعل المختار, ألا ترى إلى قوله -تعالى-: (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم) فإنه ساوى بين المتنافيين من كل وجه.
وقالوا -أيضا-: لو كان شرعيا لزم إفحام الرسل, واللازم باطل بالاتفاق وبيان الملازمة أن الرسول لما ادعى النبوة وأظهر المعجزة وقال للجاحد انظر في معجزتي ليظهر لك صدق دعواي. يقول الجاحد: لا أنظر فيها حتى يجب علي النظر فيها, ويعكس ويقول: ولا يجب النظر علي حتى انظر فيها, لأن وجوب النظر حينئذ بالشرع فيتوقف على ثبوت الشرع, وثبوته يتوقف على دلالة المعجزة على صدق الرسول في دعواه ودلالتها على ذلك موقوفة على النظر في المعجزة, فيقول لا أنظر في معجزتك لئلا تثبت نبوتك , ويلزم الإفحام.
وحاصله أن يقول: لا أنظر حتى يجب, ولا يجب حتى أنظر فيتوقف كل منهما على الآخر, وهو دور.
ولقائل أن يقول: التقرير المذكور يؤدي إلى أن يكون النظر واجبا بالعقل, والمذهب خلافه, وأن هذه المسألة تدل على أن النظر واجب شرعا لا على أن حسن الأفعال عقلي أو شرعي, بل هذه مسألة أخرى مختلف فيها هي من مقدمات مسألة التحسين وذلك مثل أن يقال: الإيمان حسن عقلا, لأنه شكر المنعم, وشكر المنعم
стр. 255
واجب عقلاً, وذلك موقوف على معرفة المنعم وهي موقوفة على النظر, وما لا يتم الواجب إلا به وهو مقدور فهو واجب. فالنظر واجب, لكنه جهة أخرى خلاف ما نحن فيه.
وقوله: (أو لا يجب حتى يثبت بالشرع ويعكس) وجه آخر, وهو أن يقول المعاند: لا أنظر في معجزتك حتى يجب النظر علي, ولا يجب النظر علي في معجزتك حتى يثبت الشرع, ولا يثبت الشرع ما لم يجب علي النظر, لأنه حينئذ لا يثبت إلا بنظري في معجزتك, وذلك دور.
وأجاب المصنف عن الدليل المذكور أولا: بأنه مشترك الإلزام؛ لأن وجوب النظر عند المعتزلة نظري [٥٢/أ] لتوقفه على مقدمات متوقفة على أنظار دقيقة, فإن العلم بوجوب النظر, موقوف على العلم بوجوب معرفة الله -تعالى- وعلى العلم بأن النظر طريق إليها, ولا طريق إليها سواه, وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب,
стр. 256
فكل ذلك نظري فحينئذ يقول المعاند: لا أنظر في معجزتك حتى يجب علي النظر, ولا يجب علي النظر فيها حتى أنظر, فيلزم الدور.
فكل ما يجعل المعتزلة جوابا لهم , فهو جوابنا. وفيه نظر؛ لأن لهم أن يوجهوا الإفحام على هذا الوجه: وجوب النظر شرعي فلا يثبت إلا به, والعقل لا مدخل له في ثبوت الشرع فلا بد للشرع من شرع آخر ويتسلسل أو يدور, وهذا ليس بمشترك الإلزام.
وثانيا: بأن النظر في المعجزة لا يتوقف على وجوب النظر, لإمكان أن ينظر العاقل قبل تعلق الوجوب به.
ولئن سلمنا أن النظر يتوقف على وجوبه, لكن وجوبه لا يتوقف على نظر العاقل, بل إنما يكون بالشرع عندنا, فوجوب النظر على العاقل متحقق في نفس الأمر, نظر أو لم ينظر, ثبت الشرع أو لم يثبت. ولا امتناع في ذلك, غايته أنه تكليف الغافل عن وجوب ما كلف به عليه, وهو جائز في هذه الصورة للضرورة.
ولقائل أن يقول: وجوب النظر في معرفة الله بالشرع دور, أو تسلسل وبالعقل هو المطلوب.
وقالوا -أيضا-: لو كان شرعيا لجاز ظهور المعجزة من الكاذب, واللازم باطل بالضرورة, فالملزوم كذلك.
بيان الملازمة: أنه لو كان كذلك لحسن من الله كل شيء ولو حسن من الله كل
стр. 257
شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب, فيجوز أن تظهر المعجزة منه, وهذا فاسد, لأنه إذا كان شرعيا كان كل ما أمر به حسنا لا غير.
وقوله: (ولأمتنع الحكم) وجه آخر.
وتقريره: لو كانا شرعيين لامتنع الحكم من العالم قبل ورود الشرع بقبح نسبة الكذب إلى الله -تعالى- وبقبح التثليث وبقبح أنواع الكفر من العالم, لأنه لا مجال لحكم العقل حينئذ, ولم يظهر الشرع بعد, لكن أطبق العقلاء على الحكم بقبح ذلك كله.
وأجاب المصنف عن الأول: بأنه إن أريد بالجواز, الجواز العقلي على معنى أنه لا يمتنع إظهار المعجزة على يد الكاذب امتناعا ذاتيا, فلا نسلم انتفاء التالي, فإن إظهار المعجزة على يد الكاذب لا يمتنع لذاته وإن أريد بالجواز بحسب العادة فلا نسلم صدق الملازمة؛ لجواز كونهما شرعيين, وامتناع إظهار المعجزة على يد الكاذب يدرك بمدرك آخر غير القبح الذاتي. وهو العادة فإنا نعلم امتناع ذلك بحسب العادة.
ولقائل أن يقول: الامتناع عن ذلك ذاتي, فإن الممتنع هو ما يلزم من فرض وقوعه محال. ويلزم على ذلك عدم حكمة الباري, وسفهه -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وعن الثاني: بمنع انتفاء [٥٢/أ] التالي إن أريد بالحكم بقبح هذه الأمور الحكم بتحريمها شرعا فإنا نلتزم أن الحكم بقبح هذه الأمور قبل الشرع ممتنع, وإن
стр. 258
أريد به الحكم بتحريمها عقلا فلا نقول به.
واعلم أن الكلام في الحسن والقبح على وجه التنازع بين المعتزلة والأشاعرة لم يصدر عن تحصيل, لأنه بالتفسير الأول عقلي ليس إلا، وبه يفسر المعتزلة لا الأشاعرة, وبالتفسيرين الأخيرين شرعي ليس إلا, وبه يفسره الأشاعرة دون المعتزلة. فاختلف المبحث وانتفى النزاع والله أعلم.
стр. 259
مسألتان في شكر المنعم
وفي الأشياء قبل ورود الشرع
ص- مسألتان على التنزل:
الأولى شكر المنعم ليس بواجب عقلا؛ لأنه لو وجب لوجب لفائدة وإلا لكان عبثا وهو قبيح, ولا فائدة لله -تعالى-، ولتعاليه عنها. ولا للعبد في الدنيا؛ لأنه مشقة, ولا حظ للنفس فيه, ولا في الآخرة, إذ لا مجال للعقل في ذلك.
قولهم: الفائدة: الأمن من احتمال العقاب في الترك وذلك لازم الخطور, مردود بمنع الخطور في الأكثر.
ولو سلم فمعارض باحتمال العقاب على الشكر؛ لأنه تصرف في ملك الغير. أو لأنه كالاستهزاء. كمن شكر ملكا على لقمة, بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أكثر.
الثانية: لا حكم فيما لا يقضي العقل فيه بحسن أو قبح.
وثالثهما: لهم الوقف [عن] الحظر والإباحة.
وأما غيرها فانقسم عندهم إلى الخمسة. لأنها لو كانت محظورة وفرضنا ضدين لكلف بالمحال.
الأستاذ: إذا ملك جواد بحرا لا ينزف [وأحب] مملوكه قطره, فكيف يدرك تحريمها عقلًا؟
стр. 260
قالوا: تصرف في ملك الغير.
قلنا: يبتنى على السمع. [ولو سلم] ففيمن يلحقه ضرر [ما]. ولو سلم فمعارض بالضرر الناجز.
ش ــ اعلم أن بطلان قاعدة التحسين والتقبيح يستلزم بطلان كل فرع مرتب عليها، ولكن عامة الأشاعرة يفردون مسألة شكر المنعم عقلاً، ومسألة الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع بالذكر في الإبطال لكثرة دورانهما في المباحث، وههنا التنزل عبارة عن تقدير صحة القاعدة مع استثناء بطلان الفرع المرتب عليها زيادة بيان لبطلانها، وتقديره أن يقال: سلمنا أن تلك القاعدة ثابتة، لكن هذا الفرع غير ثابت تلويحاً إلى أن الفرع الذي له مأخذ واحد إذا بطل دلّ على أن القاعدة غير ثابتة؛ لأنه علة إنيّة لثبوتها، لكنها سلمت من باب إرخاء العنان لتحصيل المقصود.
فأما مسألة شكر المنعم وهو عبارة عن استعمال جميع ما أنعم الله به على العبد من القوى الظاهرة والباطنة فيما خلقت له.
فقد استدل عليها بشرطية هي قوله: لو وجب، لوجب لفائدة، وإلا لكان عبثاً، وهو قبيح.
والفائدة هي: ما يكون الشيء به أحسن حالاً. وبيان الملازمة وبطلان التالي ظاهران فلا بد من فائدة إما للمشكور [٥٣/أ] وهو باطل لتعاليه عنها، أو للشاكر في الدنيا وهو باطل؛ لأن في الشكر على التفسير المارّ مشقة عظيمة، ولا حظ للنفس
стр. 261
فيها. أو في العقبى وهو كذلك؛ إذ لا مجال للعقل في الجزم بحصولها فانتفى الفائدة، فلو وجب كان عبثاً وهو قبيح.
ولقائل أن يقول: لا مجال للعقل في ذلك مطلقاً، أو لعقولنا، والثاني مسلم ولا يدفع، والأول ممنوع؛ لجواز أن يكون لبعض العقول في ذلك مجال كعقول الأنبياء ــ ﵈ ــ، وأن يقول: العبث ما لا فائدة فيه، فكان معنى كلامه: لوجب لفائدة وإلا كان بلا فائدة، وهو ليس بصحيح.
وقوله: ﴿﴿وقولهم﴾﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿﴿مردود﴾﴾ خبره، وهو جواب إيراد المعتزلة.
وتقريره: لا نسلم عدم جواز أن يكون الشكر للشاكر لفائدة في الدنيا.
قوله: ﴿﴿لأنه لا حظ للنفس فيها﴾﴾.
قلنا: ممنوع؛ فإن الأمن من احتمال العقاب على ترك الشكر الذي يلزم أن يخطر على بال العاقل فائدة.
وجوابه بالرد وهو أن يقال: لا نسلم أن هذا الاحتمال لازم الخطور بالبال ولئن سلّم خطوره، فمعارض باحتمال العقاب على الشكر بوجهين:
أحدهما: أن الشكر تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن الشكر إنمت هو باستعمال القوى المذكورة التي هي كلها ملك الحق ــ تعالى وتقدس ــ والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يحتمل العقاب عليه.
стр. 262
والثاني: أن الشكر على نعم الله كالاستهزاء به، كمن شكر ملكاً عظيماً على لقمة وصلت إليه من جهته، بل اللقمة بالنسبة إلى الملك أعظم قدراً من الدنيا كلها بالنسبة إلى الله ــ تعالى ــ فربما يكون الشكر حينئذٍ سبباً للعقاب فكان العقاب محتملاً.
ولقائل أن يقول: على الأول احتمال العقاب بترك الشكر، إما أن يكون واقعاً في نفس الأمر، أو لا. فإن كان الأول فالأمن منه من أجلّ الفوائد، وإن كان الثاني لزم أن تكون مواعدة الأنبياء بعد مجيئها على خلاف ما في الواقع وذلك باطل، بخلاف الشكر فإن الأنبياء لم يواعدوا عليه أصلاً.
لا يقال: الأنبياء لم يخبروا إلا بعد ورود الشرع، وليس الكلام فيه؛ لأن الاحتمال هو الامكان فلا يتحدد.
وأن يقول: التصرف في ملك الغير بغير إذنه لا يجوز مطلقاً، أو إذا تضرر به الغير. والأول ممنوع، والثاني مسلم، لكنه لا يتضرر، وسيجئ في كلامه.
وأن يقول: إن أريد بالإذن، إذن الشرع فهو عين النزاع، وإن أريد غيره، فلم لا يجوز أن يكون الاقتضاء العقلي إذناً.
وأن يقول: احتمال العقاب إنما يكون بارتكاب قبيح، والقبح إن كان شرعياً فخلاف المفروض، وإن كان عقلياً لزم مدعاهم.
وأما مسألة: الحكم على الأشياء قبل الشرع:
فمذهب الأشاعرة: أن الأفعال قبل الشرع لا حكم لها؛ ضرورة عدم
стр. 263
الشرع، وبطلان الحسن والقبح العقليين.
وأما المعتزلة فقالوا: الأفعال إما أن تكون اضطرارية كالتنفس ونحوه، أو لا، ولا بد من قطع الإباحة في الأول.
والثاني: إما أن يقضي العقل فيها بحسن وقبح، أو لا.
واختلفوا في الثاني على مذاهب ثلاثة:
الأول: الحظر، وهو مذهب معتزلة بغداد.
والثاني: الإباحة، وهو مذهب معتزلة البصرة.
والثالث: التوقف، لهم.
وأفاد بقوله: ﴿﴿لهم﴾﴾ أن هذا الاختلاف بين المعتزلة القائلين بوجود الحكم قبل الشرع، لا بين الأشاعرة كما تقدم. ونبه بقوله: ﴿﴿ثالثها﴾﴾ على أن ثمة مذهبين آخرين، وإذا كان الثالث التوقف يعلم أن أحد الأولين الحظر والآخر الإباحة.
والأول: أعني الذي يقضي العقل فيه بحسن أو قبح ــ ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة؛ لأن قضاء العقل فيها إما بالحسن أو بالقبح والأول إما أن لا يترجح وجوده على تركه وهو المباح. أو يترجح وجوده. وحينئذٍ إما أن يذم تاركه وهو الواجب أو لا وهو المندوب.
والثاني: إما أن يذم فاعله وهو الحرام. أو لا وهو المكروه.
стр. 264
وأفاد أيضاً ــ بقوله: ﴿﴿عندهم﴾﴾ أن هذه الأقسام الخمسة تحققها قبل الشرع إنما هو على رأي المعتزلة.
واعلم أن المصنف لم يتعرض لإبطال مذهبهم في الأفعال الاضطرارية لأن نفي الإباحة عنها لا يشبه أوضاع الملّة الحنفية السهلة السمحة البيضاء. ولا لإبطال الأفعال الاختيارية التي يقضي العقل فيها بحسن أو قبح، اكتفاءً بما قيل في إبطال قاعدة الحسن والقبح وإنما تعرض للتي لم يقض بشيء منهما فبدأ بإبطال مذهب الحاظر بما تقريره: أنها لو كانت محظورة، أي محرمة قبل الشرع، وفرضنا ضدين كالحركة والسكون، لزم التكليف بالمحال، لامتناع خلو المحل عنها، والتالي باطل.
وفيه نظر؛ لأن التكليف لا يكون إلا بالعقل أو الشرع، والفرض عدمهما فكان غلطاً صرفاً. ولأن مثل تلك الصورة تكون من الضروريات، وليس الكلام فيها.
والأستاذ أبو إسحاق رد مذهب هذه الطائفة بتمثيل إقناعي قال: إذا ملك جواد بحراً لا ينزف، أي لا ينفد ماؤه، وأحب مملوكه قطرة منه. فكيف يدرك تحريمه عقلاً؟ يعني أنه لا يتصور منع الجواد مملوكه عن تلك القطرة. فكذلك الباري ــ تقدس ذاته ــ المالك المطلق لا يمنع مملوكه من الاستلذاذ بنعمه.
ولقائل أن يقول: هذه خطابة لم تفد شيئاً؛ لأن الحكم بالعدم إما أن يكون بالعقل أو بالشرع، والفرض عدمهما.
والقائلون بالحظر قالوا: مباشرة الأفعال المذكورة تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو حرام كما في الشاهد، وهذا كلام باطل، لِمَا مَرّ أن الفرض عدم محرم شرعي وعقلي.
وأجاب المصنف بأن كون التصرف حراماً في ملك الغير بغير إذنه لا يكون إلا
стр. 265
بالشرع ولا شرع.
ولئن سلم أنه ليس بالشرع بل بالعقل ولكنه [٥٤/أ] حرام إذا تضرر الغير به، وأما إذا لم يتضرر كالاستضلال بجدار الغير والاقتباس بناره فلا. ولئن سلم حرمته مطلقاً، لجواز أن يتضرر المتصرف به آجلاً، لكنه معارض بالضرر الناجز، أي الحاضر؛ فإن الترك يوجب الضرر في الحال، ودفعه واجب. وهذا كله باطل؛ لِمَا مَرّ من عدم الحاكم.
ص ــ وإن أراد المبيح أن لا حرج، فمسلم. وإن أراد خطاب الشارع فلا شرع. وإن أراد حكم العقل بالتخيير فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه.
قالوا: خلقه وخلق المنتفع به، فالحكمة تقتضي الإباحة.
قلنا: إنه معارض بأنه ملك غيره وخلقه ليصبر فيثاب. وإن أراد الواقف أنه وقف لتعارض الأدلة ففاسد.
ش ــ هذا إبطال مذهب القائل بالإباحة.
وتقريره: المبيح إن أراد بكونه مباحاً أن لا حرج في الفعل والترك فهو مسلم لعدم الحاكم بالحرج، وإن أراد بالإباحة خطاب الشارع وهو الإذن الشرعي في الفعل مع نفي الحرج فلا إباحة قبل الشرع، وإن أراد بالإباحة حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك، فلا إباحة؛ إذ الكلام في الأفعال التي ليس للعقل فيها مدخل.
وفيه نظر؛ لجواز أن يلتزم الخصم الوجه الأول، وحينئذٍ يكون الإبطال باطلاً.
وقال القائلون بالإباحة: خلق ما ينتفع به، وخلق من ينتفع به وذلك لا يخلو
стр. 266
عن حكمة وإلا كان عبثاً، والحكمة منه حصول الفائدة وهي لا تكون للخالق لتعاليه عنها فتعين المنتفع به لها بالالتذاذ أو الاجتناب، أو الاستدلال على الصانع، وكل ذلك بالتناول فكان مباحاً وفيه نظر؛ لأنه مبني على نفي العبث وقد عرفت ما فيه.
وقوله: وكل ذلك بالتناول. ليس بصحيح؛ لأن الاستدلال قد يكون من جهة الباصرة لا من جهة الذائقة.
وأجاب المصنف بمعارضة ومناقضة:
أما المعارضة: فبأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فيحرم وفيه نظر، أما أولاً: فلأنه أبطله حين استدل به القائل بالحظر. وأما ثانياً: فلأن الحاكم بالحرمة غير موجود.
وأما المناقضة: فهي أنا نمنع عدم الانتفاع بدون التناول، لجواز أن يكون خلقه ليصبر المكلف على ترك التناول فيثاب على الصبر. وفيه نظر؛ لأن الحاكم بهذا الجواز إما العقل أو الشرع، والفرض خلافهما.
وقوله: ﴿﴿وإن أراد الواقف﴾﴾ بيان إبطال مذهب الواقف.
وتقريره: الواقف عن الحكم بالحظر والإباحة، إن وقف لتعارض أدلة الحظر والإباحة ففاسد؛ لأن التعارض إنما يكون بين موجودين وقد بينا بطلانهما. وإن وقف لأن الحكم بهما موقوف على الشرع، والمفروض خلافه كان حقاً وفيه نظر؛ لأن الوقف لذلك مناقض لمذهبهم، فكيف يقف به؟ على أن القسمة غير حاصرة، لجواز أن يقف باعتبار أن [٥٤/ب] المُحَسّن إننا هو العقل، والفرض في أفعال لا تدخل تحت حكمه فلا بد من الوقف.
стр. 267
ص ــ الحكم.
قيل: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين. فورد مثل: ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فزيد بالاقتضاء أو التخيير. فورد كون الشيء دليلاً وسبباً وشرطاً. فزيد أو الوضع، فاستقام.
وقيل: بل هو راجع إلى الاقتضاء أو التخيير.
وقيل: ليس بحكم.
ش ــ هذا هو الأصل الثاني، وذكر فيه مقدمة. وثلاث عشرة مسألة المقدمة في تعريف الحكم وأقسامه.
قيل في تعريفه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.
والخطاب: توجيهه ما أفاد نحو الحاضر أو من في حكمه. وأريد به ههنا ما توجه نحو المستمع، أو من في حكمه.
فالخطاب: كالجنس، يتناول المحدود وغيره، كخطاب الملك، والبشر. وبإضافته إلى الله خرج خطاب غيره.
وقوله: ﴿﴿المتعلق بأفعال المكلفين﴾﴾ يخرج مثل قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّالقَيُّومُ﴾ فإنه خطاب الله، لكنه لم يتعلق بأفعال المكلفين.
стр. 268
واعترض: بأنه غير مطرد، فإن مثل قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ (٩٦)﴾ ليس بحكم، والحد صادق عليه، فزيد عليه ﴿﴿بالاقتضاء أو التخيير﴾﴾ فاطرد إذ ليس في البعض طلب أو تخيير. فانتفض العكس بالزيادة؛ لأن كون الشيء دليلاً، كدلوك الشمس للصلاة، وسبباً كالزنى لوجوب الحد، أو شرطاً كالوضوء للصلاة أحكام، والحد ليس بصادق عليها؛ إذ ليس طلب ولا تخيير. فيفرق الأصوليون حينئذٍ، فمنهم من التزم الاختلال فزاد على التعريف ﴿﴿أو الوضع﴾﴾ فاستقام التعريف طرداً وعكساً. فإن الله ــ تعالى ــ لما جعل الدلوك دليلاً على وجوب الصلاة، والزنا سبباً لوجوب الحد، والوضوء شرطاً لصحة الصلاة، كان ذلك كله بوضع الله ــ تعالى ــ فيدخل بسبب كونه وضعاً تحت الحكم.
ومنهم من منع الاختلال، وقال: لا حاجة إلى هذا القيد.
واختلفوا فمنهم من قال: إن ما هو من باب الوضع أحكام راجعة إلى الاقتضاء أو التخيير؛ لأن كون الدلوك دليلاً راجع إلى الوجوب، وهو من الاقتضاء. وكذا كون الزنا سبباً للحد، وكون الوضوء شرطاً لصحة الصلاة راجع إلى الإباحة وهو التخيير.
стр. 269
ومنهم من قال: إلى أن ما هو من باب الوضع ليست بأحكام بل علامات لها؛ لأن المعنى من كون الدلوك دليلاً على وجوب الصلاة، أن وجوبها يظهر عنده، وكذا سببية الزنا، وشرطية الوضوء.
وإذا لم تكن أحكاماً لا يصح قيده بالوضع، لئلا يدخل في الحد ما ليس من المحدود.
وخلله كثير فمنه: أنه ذكر الخطاب وأراد به ما وقع به الخطاب وهو مجاز.
ومنه: أن المراد بالمكلفين إن كان الحقيقة دار، وإن كان المجاز اختل.
ومنه: أن الحكم إما أن يكون قديماً أو حادثاً، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن فعل العبد يوصف به، ووصف الحادث، حادث بالضرورة.
ولا إلى الثاني؛ لأنه عرف بخطاب الله، وهو قديم لا محالة.
ولم أورد شيئاً مما اعترض به في الشروح؛ فإنه كثير لا يحتمل ذكره هذا المختصر.
стр. 270
ص ــ وقيل: الحكم، خطاب الشارع بفائدة شرعية تختص به، أي لا تفهم إلا منه؛ لأنه إنشاء فلا خارج له.
ش ــ هذا تعريف آخر للحكم لبعض الأصوليين، واختاره منا صاحب البديع.
فقوله: ﴿﴿خطاب﴾﴾ كالجنس، وبإضافته إلى الشارع خرج خطاب غيره.
والفائدة ما يكون الشيء به أحسن حالاً، وخرج باتصافها بالشرعية الخطاب الذي يفيد فائدة عقلية أو حسية، كالإخبار عن المعقولات والمحسوسات.
وبقوله: ﴿﴿تختص به﴾﴾، أي تختص الفائدة بخطاب الشارع، خرج أخبار الشارع عن المغيبات، مثل قوله ــ تعالى ــ: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾؛ لأن المراد بالاختصاص هو أن لا تفهم تلك الفائدة الشرعية إلا من ذلك الخطاب. والإخبار الشرعي وإن كان خطاباً بفائدة شرعية، لكن تفهم تلك الفائدة من غير ذلك الخطاب. وهذا لأن الحكم إنشاء ليس لنسبته خارج يعرف منه نسبته الذهنية فلا يعلم إلا من نفس الخطاب بخلاف الإخبار فإن لنسبته الذهنية خارجاً يطابقه أو لا يطابقه، فيمكن معرفتها منه، ولهذا كان محتملاً للصدق والكذب باعتبار تطابق النسبتين ــ أعني الذهنية والخارجية ــ وعدمه.
والنظر الأول في التعريف المتقدم، والثالث اثنان ههنا.
وآخر: أخذ الشارع والشرعية في تعريف الحكم الشرعي.
وآخر: أن الفائدة تقتضي مستفيداً البتة، والشارع متعالٍ عنها فكان المخاطب.
стр. 271
ويكون تقدير كلامه: الحكم: خطاب الشارع بأمر يكون المخاطب أحسن حالاً به. فلا يكون متناولاً للإباحة.
وآخر: أنه استدل على التعريف بقوله: لأنه إنشاء، وقد تقدم الكلام على فساده.
стр. 272
بدأ يقسم الحكم الشرعي
إلى واجب ومندوب، وحرام وكراهة وإباحة
ص ــ فإن كان طلباً لفعل غير كفٍ، ينتهض تركه في جميع وقته، سبباً للعقاب فوجوب.
وإن انتهض فعله خاصة للثواب فندب.
وإن كان طلباً للكف عن فعل ينتهض فعله سبباً للعقاب فتحريم ومن يسقط ﴿﴿غير كف﴾﴾ في الوجوب يقول: ﴿﴿طلباً لنفي فعل﴾﴾ في التحريم.
وإن انتهض الكف خاصة للثواب فكراهة.
وإن كان تخييراً فإباحة. وإلا فوضعي. وفي تسمية الكلام في الأزل خطاباً، خلاف.
ش ــ هذا بيان أقسام الحكم.
وتقريره: الحكم الشرعي إن كان طلباً لفعل غير كف ينتهض ترك ذلك الفعل في جميع وقته سبباً للعقاب، فهو الوجوب.
وخرج بقوله: ﴿﴿طلباً﴾﴾ التخيير والوضع، وبقوله: ﴿﴿غير كف﴾﴾ الحرمة والكراهة فإنها طلب فعل كف عند من يقول إن الكف فعل.
стр. 273
وبقوله: ﴿﴿ينتهض تركه سبباً [٥٥/ب] للعقاب، أي [يصير تركه سبباً لاستحقاق العقاب، يخرج عنه الندب].
وقوله: ﴿﴿في جميع وقته﴾﴾ لئلا تخرج الصلاة في أول الوقت فإن تركها فيه لا ينتهض سبباً للعقاب بل في جميع وقتها. وإن كان طلباً لفعل غير كف ينتهض فعله خاصة سبباً لاستحقاق الثواب فندب.
وقوله: ﴿﴿خاصة﴾﴾ لبيان عدم ترتب شيء على تركه. وإن كان الحكم طلباً لكف عن فعل يكون فعله سبباً لاستحقاق العقاب فتحريم.
والأولى أن يقال: فحرمة، لتطابق قوله: ﴿﴿وجوب، وندب﴾﴾.
وقوله: ﴿﴿ومن يُسْقِط غير كف في الوجوب﴾﴾ إشارة إلى قول من يقول الكف غير فعل، ويسقط ﴿﴿غير كف﴾﴾ في تعريف الوجوب؛ لأن ذكر الفعل يغني عنه، ويقول في تعريف التحريم: إنه طلب لنفي فعل يكون فعله سبباً للعقاب. وإن كان الحكم طلباً لكف انتهض ذلك الكف خاصة سبباً للثواب، فكراهة.
وقوله: ﴿﴿خاصة﴾﴾ لمثل ما تقدم. وإن كان الحكم تخيير المكلف بين الفعل والترك فإباحة. وإلا؛ أي وإن لم يكن الحكم طلباً ولا تخييراً فوضعي، وفيه بحث.
أما أولاً: فلأن الحكم خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
والمراد بالاقتضاء: الطلب، وبالتخيير: الإباحة لا محالة. وهو ينقسم إلى
стр. 274
خمسة أقسام، ومورد القسمة مشترك بالضرورة فيكون في كل من الوجوب والإباحة الاقتضاء والتخيير والوضع. وذلك باطل بالبديهة.
لا يقال: قوله: ﴿﴿بالاقتضاء﴾﴾ في تعريف الحكم فصل للوجوب. و ﴿﴿التخيير﴾﴾ فصل للإباحة، و ﴿﴿الوضع﴾﴾ للوضعي؛ لأنه حينئذٍ يلزم أن يكون الفصل داخلاً في طبيعة الجنس، وذلك باطل.
وأما ثانياً: فإنه ينقسم للواجبات المؤقتة دون غيرها.
وأما ثالثاً: فلأنه لم يتناول الوجوب [بالكفاية].
وقوله: ﴿﴿وفي تسمية الكلام في الأزل خطاباً﴾﴾ إشارة إلى اختلاف الأصوليين فيها، فإن منهم من ذهب إلى أن الخطاب هو ما قصد به إفهام المتهيء للفهم فسماه خطاباً؛ لأنه يقصد به الإفهام في الجملة.
стр. 275
الوجوب
ص ــ الوجوب: الثبوت والسقوط.
وفي الإصلاح: ما تقدم.
والواجب: الفعل المتعلق للوجوب، كما تقدم.
وما يعاقب تاركه. مردود؛ لجواز العفو.
وما أوعد بالعقاب على تركه. مردود بصدق إيعاد الله وما يخاف. مردود بما يشك فيه.
القاضي: ما يذم تاركه شرعاً بوجه ما.
وقال: ﴿﴿بوجه ما﴾﴾ ليدخل فيه الواجب الموسع، والكفاية. حافظ على عكسه فأخل بطرده؛ إذ يرد الناسي والنائم والمسافر.
فإن قال: يسقط الوجوب بذلك.
قلنا: ويسقط بفعل البعض.
والفرض والواجب مترادفان.
الحنفية: الفرض: المقطوع به. والواجب: المظنون.
ش ــ الوجوب في اللغة هو: الثبوت والسقوط. قال ــ ﵇ ــ: ﴿﴿إذا وجب المريض فلا تبكين باكية﴾﴾، أي إذا ثبت واستقر وزال الاضطراب وقال
стр. 276
الله ــ تعالى ــ: ﴿فَإِذَا وَجَبَت جُنُوبُهَا﴾ أي سقطت.
وفي الاصطلاح، يعني عرف الفقهاء، وهو ما تقدم في قسمة الحكم الشرعي والواجب هو الذي تعلق به الوجوب، وهو فعل غير كف ينتهض تركه سبباً للعقاب.
وعرفه بعضهم: بما يعاقب تاركه. وهو مردود؛ لعدم انعكاسه فإن العفو عن العقاب بشفاعة أو غيرها جائز. فيصدق المحدود بدون الحد، ولا يتوهم أنه وارد على التعريف المختار للواجب؛ لأن الترك وإن كان سبباً لاستحقاق العقاب، لكن التخلف عنه جائز لمانع وهو العفو.
وآخرون: بأنه ما أوعد بالعقاب على تركه. وهو كذلك؛ لأن معنى قوله: ﴿﴿أوعد بالعقاب على تركه﴾﴾ عوقب على تركه؛ لأن إيعاد الله صدق؛ لعدم الخلف في
стр. 277
خبره، فبجواز العفو لا يكون منعكساً وفيه نظر؛ لأن هذا المعرّف يجوز أن يكون ممن يُجوّز الخُلْف في الوعيد والاختلاف معروف.
وآخرون بما يخاف على تركه وهو كذلك؛ لأن المندوب الذي يشك فيه قد يخاف على تركه، وهو غير واجب فلا يكون مطرداً.
والقاضي أبو بكر عرف الواجب: بما يذم تاركه شرعاً بوجه ما.
وقال: ﴿﴿شرعاً﴾﴾ إشارة إلى أن الوجوب شرعي، وقال: ﴿﴿بوجه ما﴾﴾ ليتناول الواجب الموسع، والواجب على الكفاية؛ لأن تاركهما إنما يذم بوجه ما أما في الموسع فإنما يذم إذا تركه في جميع وقته، وأما الكفاية فإذا ترك الكل.
والقاضي حافظ بهذا القيد على عكس التعريف، لكن أخل بطرده، لدخول ما ليس من المعرف فيه، كصلاة الناسي، والنائم، وصوم المسافر، فإنها ليست بواجبة، ويذم شرعاً بوجه ما، وهو ما إذا لم يقضها حتى الموت مع القدرة على القضاء.
فإن قال القاضي: لا نسلم أن هذه الأمور غير واجبة، حتي ينتقض بعدم الاطراد، بل هي واجبة لكن سقط وجوبها بذلك، أي بسبب النسيان والنوم والسفر.
стр. 278
أجاب المصنف: بأن جواز سقوط وجوبها بذلك، يغني عن ذكر هذا القيد؛ لأنه حينئذ يقال: الواجب بالكفاية إنما لم يذم تاركه؛ لأن الوجوب سقط بفعل البعض.
والواجب الموسع إنما لم يذم تاركه في أول الوقت؛ لأن دليل التوسع أسقط الوجوب في أول الوقت.
وحاصله: أن نقض الحد بعدم الطرد والعكس لا يندفع بوجود مانع عن ذلك، لئلا يصير المحدود غير محدود. وهو مفرغ من لا يرى تخصيص العلة في القياس، فإنه يلزم أن يصير ما فرض علة غير علة.
وقوله: ﴿﴿والفرض والواجب مترادفان﴾﴾ بيان الاصطلاح؛ فإنهم جعلوهما مترادفين في عرف الفقهاء.
والعلماء الحنفية قبلهم [٥٦/ب] كانوا اصطلحوا على التباين. جعلوا الفرض اسماً للمقطوع به، والواجب للمظنون، رعاية للمناسبة فإنها وإن لم تكن مستحقة
стр. 279
فهي مستحبة، وذلك أن الفرض في اللغة: القطع والتقدير، قال الله ــ تعالى ــ: ﴿فَنِصفُ مَا فَرَضتُم﴾، أي قدرتم، وقال ــ تعالى ــ: ﴿سُورَةٌ أَنزَلنَاهَاوَفَرَضنَاهَا﴾ أي قطعنا الأحكام فيها.
والواجب هو: الساقط من الوجوب وهو السقوط كما تقدم، فتسمية ما ثبت بدليل قطعي وهو مقدر شرعاً بما في مفهومه دلالة على ذلك مراعاة مناسبة في التسمية لا محالة.
وتسمية ما ثبت بدليل ظني، وهو ساقط علينا لم نعلم أن الله قدره علينا، أو لا. كذلك.
ومن هذا يعلم فساد قول من قال: تخصيص كل واحد من هذين اللفظين بأحد القسمين تحكم محض، على أنه إن لم تعتبر المناسبة جاز تخصيص أحدهما بأحدهما؛ إذ لا حجر في الاصطلاح لا سيما والمناسبة ليست بشرط.
стр. 280
الاداء
ص ــ الاداء: ما فعل في وقته المقدر له شرعاً [أولاً].
والقضاء: ما فعل بعد وقت الأداء، استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً أخَّره عمداً أو سهواً، تمكن من فعله، كالمسافر، أو لم يتمكن لمانع من الوجوب شرعاً، كالحائض، أو عقلاً، كالنائم.
وقيل: لما سبق وجوبه على المستدرك. ففعل الحائض والنائم قضاء على الأول، لا الثاني، إلا في قولٍ ضعيف.
والإعادة: ما فُعِلَ في وقت الأداء ثانياً لخلل.
وقيل: لعذر.
ش ــ الواجب ينقسم باعتبارات إلى أقسام متقابلة، وهذه قسمة له من حيث الوقوع في الوقت وعدمه.
وتقريرها: أن يقال: الواجب إما أن يكون مؤقتاً، أو لا.
والثاني لا يوصف بالأداء والقضاء والإعادة، كالنوافل، والأذكار والأول، إما أن يكون الوقت محدوداً أو لا. والثاني، يوصف بالأداء كالحج، والأول، يوصف
стр. 281
بالأداء والإعادة والقضاء.
فالأداء: ما فعل في وقته المقدر له شرعاً أولاً.
فما فُعِلَ: كالجنس، وقوله: ﴿﴿في وقته المقدر له﴾﴾ احتراز عما لا وقت له، وعن القضاء، وقوله: ﴿﴿شرعاً﴾﴾ لبيان أن خطاب الوضع ــ وهو ما يتعين به السبب والشرط وغيرهما ــ شرعي، وقوله: ﴿﴿أولاً﴾﴾ وهو متعلق بقوله: ﴿﴿فُعِلَ﴾﴾ احتراز عن الإعادة.
والقضاء: ما فُعِل بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً، أي بالنظر إلى انعقاد السبب للوجوب، لا بالنظر إلى المُسْتَدرَك، سواء وجب على المُسْتدرِك، أو لا.
فقوله: ﴿﴿استدراكاً﴾﴾ احتراز عما أتى به بعد الوقت لا بقصد الاستدراك.
وقوله: ﴿﴿لما سبق له وجوب﴾﴾ احتراز عن النوافل، وقوله: ﴿﴿مطلقاً﴾﴾ احتراز عن المذهب الآتي ذكره.
وعلى هذا إذا وجد سبب وجوب الفعل سمي قضاءً سواء كان تأخيره عمداً كمن ترك الصلاة عمداً في وقته ثم أداها خارج الوقت، أو سهواً كمن تركها فيه ساهياً، ثم أتى بها خارج الوقت. وسواء كان متمكناً من الأداء كالمسافر في حق الصوم، أو لم يتمكن لمانع شرعي، كالحائض، أو عقلي كصلاة النائم. وعلى هذا لا يتوقف وجوب القضاء على وجوب الأداء على المستدرك بل يتوقف على انعقاد سبب وجوبه.
وقيل: القضاء، ما فعل بعد وقته استدراكاً لما سبق وجوبه على المستدرك
стр. 282
وعلى هذا يتوقف وجوب القضاء على وجوب الأداء على المستدرك. ففعل الحائض والنائم قضاء على الأول؛ لانعقاد سبب الوجوب على المُسْتَدرِك، وإن لم يجب الأداء عليه وليس بقضاء على الثاني؛ لعدم وجوب الأداء عليه.
قال المصنف: إلا على قول ضعيف، وهو قول من قال: الصلاة تجب على الحائض والنائم لأنهما شهدا الوقت.
وقيل في وجْهِ ضَعْفِه: إن الفعل يمتنع صدوره عنهما، فيكون الوجوب عليهما تكليفاً بالممتنع.
وفيه نظر؛ لأن القائل بالوجوب عليهما يعني نفس الوجوب والممتنع صدوره عنهما، إنما هو فعل الأداء، وامتناع لا يدل على عدم صلاحية الذمة لنفس الوجوب، وإنما يجب التكليف بالممتنع أن لو قال بوجوب الأداء.
والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانياً لخلل.
فقوله: ﴿﴿وقت الأداء﴾﴾ يخرج القضاء، وقوله: ﴿﴿ثانياً﴾﴾ يخرج الأداء، وقوله: ﴿﴿لخلل﴾﴾ قيل: أي لفوات ركن أو شرط، احتراز عن صلاة من صلى صلاة مستجمعه لشرائط الصحة مرة ثانية في وقته؛ فإنها لا تسمى إعادة؟
وقيل: الإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانياً لعذر. وهو أعم من الخلل. فصلاة من صلى مع الإمام بعد أن صلى صلاة صحيحة منفرداً، إعادة على الثاني دون الأول.
стр. 283
الواجب على الكفاية
ص ــ مسألة: الواجب على الكفاية على الجميع، ويسقط بالبعض.
لنا: اثم الجميع بالترك باتفاق.
قالوا: يسقط بالبعض.
قلنا: استبعاد.
قالوا: كما أُمِرَ بواحدٍ [مبهم] أُمِرَ بعضٌ [مبهمٌ].
قلنا: إثم واحد مبهمٍ لا يعقل.
قالوا: ﴿فلولا نفر﴾.
قلنا: يجب تأويله على المسقط، جمعاً بين الأدلة.
ش ــ اختلف الأصوليون في أن الواجب على الكفاية واجب على الجميع ويسقط الوجوب بفعل البعض، أو على بعض غير معين.
فمنهم من ذهب إلى الثاني، ومنهم من ذهب إلى الأول، واختاره
стр. 284
المصنف واستدل بما تقريره: لو لم يجب على الجميع لما أثم الجميع بالترك؛ فإن التأثيم بترك ما لا يجب عليه ليس بحكمة، لكنه يأثم بالإجماع.
واستدل الخصم بوجوه:
الأول: الواجب على الكفاية يسقط بفعل بعض، والواجب على الجميع ليس كذلك، فالواجب على الكفاية ليس على الجميع.
والصغرى ظاهرة، وبيان الكبرى: بأن الواجب على المكلف لا يسقط عنه بفعل غيره.
ولقائل أن يقول: الواجب على الجميع لا يسقط بفعل بعض إذا كان فرض عين أو [٥٧/ب] فرض كفاية، والأول مسلم ولا يفيد والثاني عين النزاع.
وأجاب المصنف: بأنه مجرد استبعاد، وهو لا يقتضي الامتناع، فيجوز أن يسقط الوجوب عن المكلف بفعل غيره.
وفيه نظر؛ لأن الواجب إذا كان على الجميع فالواقع منه إنما هو عن الفاعل لا غير؛ لصرف ماله إلى ما عليه، فلا يقع عن غيره.
وأما إذا كان الواجب على غير الفاعل، فوقوعه عنه مستبعد؛ لأنه في الماليات، وفي الحج عن الغير بالنص، وما نحن فيه من
стр. 285
الأول.
والثاني: أن الأمر بواحد مبهم جائز، كخصال الكفار، فيجوز أمر واحد مبهمٍ قياساً عليه، والجامع تعدد متعلق الوجوب مع سقوط الوجوب بفعل البعض.
وأجاب عنه المصنف بالفرق، وهو أن الإثم بترك واحد [مبهم] من أمور متعددة ممكن معقول. فجاز أن يتعلق به الوجوب.
وأما إثم واحد مبهم فلا يعقل، فلا يتعلق به الوجوب.
ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ترك واحد مبهم معقول، إذ كل ما ترك منها معين فلا يكون متعلق الوجوب.
سلمنا لكن الفرق باطل عند المحققين لاشتماله على التزام دليل المعلل، وهو خلل في المناظرة، ولا نتصابه معللاً بعد ما كان سائلاً وهو غصب.
والثالث: قوله ــ تعالى ــ: ﴿فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَة مِّنهُم طَائِفَة لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فإنه يدل على أن الواجب على الكفاية على بعض غير معين؛ لأن طلب الفقه من فروض الكفاية، والآية أوجبت على كل فرقة أن ينفر منهم طائفة، وتلك الطائفة غير معينة، فيكون المأمور بعضها غير معين.
следующие страницы →