← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

بالأداء والإعادة والقضاء. فالأداء: ما فعل في وقته المقدر له شرعاً أولاً. فما فُعِلَ: كالجنس، وقوله: ﴿﴿في وقته المقدر له﴾﴾ احتراز عما لا وقت له، وعن القضاء، وقوله: ﴿﴿شرعاً﴾﴾ لبيان أن خطاب الوضع ــ وهو ما يتعين به السبب والشرط وغيرهما ــ شرعي، وقوله: ﴿﴿أولاً﴾﴾ وهو متعلق بقوله: ﴿﴿فُعِلَ﴾﴾ احتراز عن الإعادة. والقضاء: ما فُعِل بعد وقت الأداء استدراكاً لما سبق له وجوب مطلقاً، أي بالنظر إلى انعقاد السبب للوجوب، لا بالنظر إلى المُسْتَدرَك، سواء وجب على المُسْتدرِك، أو لا. فقوله: ﴿﴿استدراكاً﴾﴾ احتراز عما أتى به بعد الوقت لا بقصد الاستدراك. وقوله: ﴿﴿لما سبق له وجوب﴾﴾ احتراز عن النوافل، وقوله: ﴿﴿مطلقاً﴾﴾ احتراز عن المذهب الآتي ذكره. وعلى هذا إذا وجد سبب وجوب الفعل سمي قضاءً سواء كان تأخيره عمداً كمن ترك الصلاة عمداً في وقته ثم أداها خارج الوقت، أو سهواً كمن تركها فيه ساهياً، ثم أتى بها خارج الوقت. وسواء كان متمكناً من الأداء كالمسافر في حق الصوم، أو لم يتمكن لمانع شرعي، كالحائض، أو عقلي كصلاة النائم. وعلى هذا لا يتوقف وجوب القضاء على وجوب الأداء على المستدرك بل يتوقف على انعقاد سبب وجوبه. وقيل: القضاء، ما فعل بعد وقته استدراكاً لما سبق وجوبه على المستدرك

стр. 282

وعلى هذا يتوقف وجوب القضاء على وجوب الأداء على المستدرك. ففعل الحائض والنائم قضاء على الأول؛ لانعقاد سبب الوجوب على المُسْتَدرِك، وإن لم يجب الأداء عليه وليس بقضاء على الثاني؛ لعدم وجوب الأداء عليه. قال المصنف: إلا على قول ضعيف، وهو قول من قال: الصلاة تجب على الحائض والنائم لأنهما شهدا الوقت. وقيل في وجْهِ ضَعْفِه: إن الفعل يمتنع صدوره عنهما، فيكون الوجوب عليهما تكليفاً بالممتنع. وفيه نظر؛ لأن القائل بالوجوب عليهما يعني نفس الوجوب والممتنع صدوره عنهما، إنما هو فعل الأداء، وامتناع لا يدل على عدم صلاحية الذمة لنفس الوجوب، وإنما يجب التكليف بالممتنع أن لو قال بوجوب الأداء. والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانياً لخلل. فقوله: ﴿﴿وقت الأداء﴾﴾ يخرج القضاء، وقوله: ﴿﴿ثانياً﴾﴾ يخرج الأداء، وقوله: ﴿﴿لخلل﴾﴾ قيل: أي لفوات ركن أو شرط، احتراز عن صلاة من صلى صلاة مستجمعه لشرائط الصحة مرة ثانية في وقته؛ فإنها لا تسمى إعادة؟ وقيل: الإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانياً لعذر. وهو أعم من الخلل. فصلاة من صلى مع الإمام بعد أن صلى صلاة صحيحة منفرداً، إعادة على الثاني دون الأول.

стр. 283

الواجب على الكفاية ص ــ مسألة: الواجب على الكفاية على الجميع، ويسقط بالبعض. لنا: اثم الجميع بالترك باتفاق. قالوا: يسقط بالبعض. قلنا: استبعاد. قالوا: كما أُمِرَ بواحدٍ [مبهم] أُمِرَ بعضٌ [مبهمٌ]. قلنا: إثم واحد مبهمٍ لا يعقل. قالوا: ﴿فلولا نفر﴾. قلنا: يجب تأويله على المسقط، جمعاً بين الأدلة. ش ــ اختلف الأصوليون في أن الواجب على الكفاية واجب على الجميع ويسقط الوجوب بفعل البعض، أو على بعض غير معين. فمنهم من ذهب إلى الثاني، ومنهم من ذهب إلى الأول، واختاره

стр. 284

المصنف واستدل بما تقريره: لو لم يجب على الجميع لما أثم الجميع بالترك؛ فإن التأثيم بترك ما لا يجب عليه ليس بحكمة، لكنه يأثم بالإجماع. واستدل الخصم بوجوه: الأول: الواجب على الكفاية يسقط بفعل بعض، والواجب على الجميع ليس كذلك، فالواجب على الكفاية ليس على الجميع. والصغرى ظاهرة، وبيان الكبرى: بأن الواجب على المكلف لا يسقط عنه بفعل غيره. ولقائل أن يقول: الواجب على الجميع لا يسقط بفعل بعض إذا كان فرض عين أو [٥٧/ب] فرض كفاية، والأول مسلم ولا يفيد والثاني عين النزاع. وأجاب المصنف: بأنه مجرد استبعاد، وهو لا يقتضي الامتناع، فيجوز أن يسقط الوجوب عن المكلف بفعل غيره. وفيه نظر؛ لأن الواجب إذا كان على الجميع فالواقع منه إنما هو عن الفاعل لا غير؛ لصرف ماله إلى ما عليه، فلا يقع عن غيره. وأما إذا كان الواجب على غير الفاعل، فوقوعه عنه مستبعد؛ لأنه في الماليات، وفي الحج عن الغير بالنص، وما نحن فيه من

стр. 285

الأول. والثاني: أن الأمر بواحد مبهم جائز، كخصال الكفار، فيجوز أمر واحد مبهمٍ قياساً عليه، والجامع تعدد متعلق الوجوب مع سقوط الوجوب بفعل البعض. وأجاب عنه المصنف بالفرق، وهو أن الإثم بترك واحد [مبهم] من أمور متعددة ممكن معقول. فجاز أن يتعلق به الوجوب. وأما إثم واحد مبهم فلا يعقل، فلا يتعلق به الوجوب. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ترك واحد مبهم معقول، إذ كل ما ترك منها معين فلا يكون متعلق الوجوب. سلمنا لكن الفرق باطل عند المحققين لاشتماله على التزام دليل المعلل، وهو خلل في المناظرة، ولا نتصابه معللاً بعد ما كان سائلاً وهو غصب. والثالث: قوله ــ تعالى ــ: ﴿فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَة مِّنهُم طَائِفَة لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فإنه يدل على أن الواجب على الكفاية على بعض غير معين؛ لأن طلب الفقه من فروض الكفاية، والآية أوجبت على كل فرقة أن ينفر منهم طائفة، وتلك الطائفة غير معينة، فيكون المأمور بعضها غير معين.

стр. 286

وأجاب عنه المصنف: بأن الطائفة كما يحتمل أن يكونوا هم الذين أوجب الله عليهم طلب الفقه، يحتمل أن يكونوا الذين يسقطون الوجوب بالمباشرة عن الجميع فتكون الآية حجة عليهم بعد ما كانت حجة لهم؛ لأن طلب الفقه حينئذٍ يكون واجباً على الجميع، ويسقط بفعل بعضهم. وقال: ﴿﴿جمعاً بين الأدلة﴾﴾، وفسروه بأن احتمال الثاني وإن كان مرجوحاً لكنه يحمل عليه جمعاً بين الأدلة، فأما لو حملنا الطائفة على الذين أوجب الله عليهم بطل دليلنا، وهو الإجماع على تأثيم الجميع بتركه ولو حملناها على المسقطين لم يبطل دليلنا ولا العمل بالآية فتعين المصير إليه؛ لأن إعمال الدليل واجب بقدر الإمكان. وفيه نظر؛ لأن تأثيم الجميع بتركه لا يدل على أنه واجب على الكل لأنا لو فرضنا أنه واجب على بعض مبهم أثموا بتركه بالإجماع.

стр. 287

الأمر بواحد من أمور متعددة ص ــ مسألة: الأمر بواحد من أشياء، كخصال الكفارة مستقيم. وقال بعض المعتزلة: الجميع واجب. وبعضهم: الواجب ما يفعل. وبعضهم: الواجب واحد [٥٨/أ] معين ويسقط به وبالآخر. لنا: القطع بالجواز، والنص دلّ عليه. وأيضاً وجوب تزويج أحد الخاطبين، واعتاد واحد من الجنس. فلو كان التخيير يوجب الجميع لوجب تزويج الجميع، ولو كان معيناً لخصوص أحدهما امتنع التخيير. ش ــ واختلفوا ــ أيضاً ــ في أن الأمر بواحد من أمور متعددة كخصال الكفارة مستقيم، أو لا. ويسميه الفقهاء الواجب المخير فذهب الأشاعرة إلى أنه مستقيم، والتعيين إلى المكلف بفعله. وقال بعض المعتزلة، يعني الجبائي وابنه: الكل واجب على

стр. 288

التخيير. وقال بعضهم: الواجب هو ما يفعله المكلف منها. وذهب آخرون: إلى أن الواجب واحد معين عند الله، لكن يسقط الوجوب به وبغيره من الأمور المتعددة. وحاصله: جوازه مقطوع به عقلاً، وكل ما هو كذلك وجب القول باستقامته. وفيه نظر؛ لأن العقل عند الأشاعرة غير مثبت لشيء فكان تحريره غير معتبر. والنص دلّ عليه، أي على جوازه سمعاً. أما الأول: فلأن السيد إذا قال لعبده: أمرتك أن تخيط هذا الثوب أو تسقي هذا البستان اليوم أيهما فعلت اليوم اكتفيت به، وإن تركتهما عاقبتك، وليس مرادي أن تجمع بينهما، بل أمرتك أن تفعل واحداً منهما لا بعينه، ولا يمكن في هذا أن يقال: إنه لم يأمر بشيء لأنه هدد بالعقاب على تركه، ولا أنه أمر بالجميع؛ لأنه صرح بنقيضه ولا واحداً بعينه؛ لأنه صرّح بالتخيير، فتعين أن يكون المأمور واحداً لا بعينه.

стр. 289

وأما الثاني: فقوله ــ تعالى ــ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية بكلمة التخيير. ولقائل أن يقول: ليس في الآية ما يدل على ذلك؛ لأن كلمة التخيير لبيان أن المكلف مختار في أن يسقط الوجوب بأيها شاء، وأمّا المكلف به فهو الجميع. واستدل المصنف بفرعين من الفقه وهما: أن الرجل إذا وكل بتزويج أحد الخاطبين، أو بعتق أحد عبديه على التخيير، ليس له أن يجمع بينهما ولو أوجب التخيير الجمع لوجب ذلك فدل على جواز تعلق الأمر بواحد لا بعينه، وهذا البيان أن التخيير لا يوجب الجميع. وقوله: ﴿﴿ولو كان مُعَيّناً﴾﴾ لبيان أن التخيير لا يوجب واحداً معيناً، كما أن لا يوجب الجميع. وبيانه: لو كان التخيير يوجب التعيين لبطل التخيير؛ لأنه حينئذٍ كان موجباً لنقيضه، لأن التخيير يُجَوّزُ ترك المعين، والتعيين لا يُجَوّزُه، وكل ما كان موجباً لنقيضه فهو ممتنع، لكن لا يجوز إبطاله لتنصيص المتكلم عليه. ولقائل أن يقول: على الأول، المدعى قاعدة كلية فلا يجوز إثباتها بصورة جزئية. سلمناه: لكن الاستدلال بالفرع على الأصل دور. سلمناه لكن المانع منع عن وجوب تزويج الخاطبين، وهو أن شرعية النكاح

стр. 290

لقطع التنازع في النساء ودفع اشتباه الأنساب ووجوبه يستلزم ذلك [٥٨/ب] فما فرض لقطع شيء ودفعه لا يكون كذلك. هذا خلف باطل. والجمع في الاعتاق إضرار منهي عنه. وعلى الثاني، بأن التخيير يوجب الخصوص بالنظر إلى المكلف. وأحدهما لا بعينه بالنسبة إلى المكلف [به] على ما هو مذهب بعضهم فلا تنافي بينهما. ص ــ المعتزلة: غير المعين مجهول، ويستحيل وقوعه فلا يكلف به. والجواب: أنه معين من حيث هو واجب، وهو واحد من الثلاثة، فينتفي الخصوص فصح إطلاق غير المعين عليه. قالوا: لو كان الواجب واحداً، من حيث هو أحدها لا بعينه، مبهما لوجب أن يكون المخير فيه واحداً لا بعينه من حيث هو أحدها. فإن تعدد لزم التخيير بين واجب وغير واجب. وإن اتحدا لزم اجتماع التخيير والوجوب. وأجيب: بلزومه في الجنس وفي الخاطبين. والحق أن الذي وجب لم يخير فيه، والمخير فيه لم يجب لعدم التعيين. والتعدد يأبى كون المتعلقين واحداً. كما لو حرّم واحداً وأوجب واحداً. ش ــ قالت المعتزلة: غير المعين مجهول، والمجهول لا يكلف به، لأن الشعور بالمكلف به شرط صحة التكليف، وغير المعين يستحيل وقوعه، لأن الواقع مشخص البتة، وكل ما يستحيل وقوعه لا يكلف به، لئلا يلزم التكليف بالممتنع،

стр. 291

وهذان الوجهان مبنيان على عدم جواز التكليف بالمحال، والاختلاف فيه معروف، فكان رد المختلف على المختلف. وأجاب المصنف: بأن واحداً من الثلاثة معين من وجه، ومجهول من آخر من حيث أنه واجب معين، ويصح التكليف به من هذه الجهة، ومجهول من حيث أنه واحد من الثلاثة، ومن هذه الجهة ينتفي الخصوص ويصح إطلاق غير المعين عليه. وهذا فاسد؛ لأن الكلام في أن واحداً لا بعينه، هل يتعلق به الوجوب فيصير واجباً أو لا. فلو وصِف ذلك الواحد بالوجوب قبل تعلق الوجوب به لكان تحصيلاً للحاصل، وهو محال. وقالوا ــ أيضاً ــ: لو كان الواجب واحداً من حيث هو أحدها لا بعينه مبهماً لوجب أن يكون المخير فيه واحداً لا بعينه من حيث أحدها؛ لأن الكلام في الواجب المخير، فإذا كان الواجب المخير واحداً كان المخير فيه واحداً لكن التالي باطل؛ لأنه يستلزم أحد المحالين التخيير بين الواجب وغيره أو اجتماع التخيير والوجوب في أمر واحد، وما يستلزم المحال محال فالتالي محال، فالمتقدم مثله. وبيان ذلك: أن الواحد الذي هو الواجب، إمّا أن يكون هو الواحد المخير فيه أو غيره، والأول يستلزم الثاني، والثاني الأول، واستحالته من حيث أن المكلف إذا كان مخيراً بين الواجب وغيره جاز له اختيار [٥٩/أ] غير الواجب، وغير الواجب يجوز تركه، فيفضي إلى ترك الواجب مع انتفاء الإثم اللازم للوجوب المستلزم لانتفائه، فما فرضناه واجباً لم يكن واجباً. هذا خلف باطل.

стр. 292

واستحالة الأول للجمع بين المتنافيين في شيء واحد. ولقائل أن يقول: واحد لا بعينه من أمور لا يتعدد أصلاً. فقوله: ﴿﴿إن تعددا لزم التخيير﴾﴾ يكون فرض محال، فجاز أن يستلزم محالاً آخر، ولو فرض جواز تعدده بطل الملازمة، لفساد بيانه وهو قوله: الكلام في الواجب المخير، فإذا كان الواجب المخير واحداً كان المخير فيه واحداً. وقوله: يلزم التخيير بين الواجب وغيره، غير مستقيم؛ لأن شيئاً منها قبل التخيير لم يكن واجباً، حتى يلزم التخيير بين الواجب وغيره، والجمع بين المتنافيين في شيء واحد محال إذا اتحدت الجهة، وما نحن فيه ليس كذلك على ما سيظهر. وأجاب المصنف بما معناه: ما ذكرتم يلزمكم في التوكيل بإعتاق واحد من أوقاته، وتزويج المرأة من أحد الخاطبين، فإن الواجب اعتاق واحد لا بعينه، وتزويجها من أحدهما لا بعينه، وكل ما هو جواب لكم عن هاتين الصورتين فهو جوابنا عن صورة النزاع. ولقائل أن يقول: كلامهم في الواجب المخير وليس في الصورتين وجوب؛ لأن التوكيل عقد غير لازم، ولهذا جاز للمأمور أن لا يفعل شيئاً من ذلك، ويجوز أن تكونا متفرعتين على أصل آخر غير هذا الأصل، وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك. وقال: ﴿﴿والحق أن الذي وجب لم يخير فيه﴾﴾ لما كان جوابه إقناعياً، أشار إلى ما هو الحق، يعني أن الواجب غير مخير فيه؛ لأن الواجب واحد من الثلاثة من حيث هو واحد لا بعينه، والمخير فيه معين وهو كل من الثلاثة على التعيين وهو غير واجب. ولقائل أن يقول: الكلام في الواجب المخير، ولا يجوز أن يكون المخير في غير الواجب؛ لأن جر صفة على الواجب، ولا يجوز أن يشتق لشيء والفعل غير قائم

стр. 293

به، وقد تقدم. فإن تعدد عاد ترديدهم المتقدم في بطلان التالي فلا يصح الجواب بالتزام التعدد. ولعل الحق فيه المصير إلى الاتحاد، ويجتمع الوجوب والتخيير باعتبارين: فالوجوب يكون من حيث أن واحداً منها لا بد منه جزاءً للجناية والتخيير من حيث أن المكلف له أن يعين ذلك المبهم بجعله أحد المعنيين فكان واحداً لا بعينه واجباً، والمكلف مخير في ذلك الواحد المبهم أن يجعله معيناً بما شاء منها. وقوله: ﴿﴿والتعدد يأبى﴾﴾ دليل آخر على أن الواجب والمخير فيه لا يتحدان. وتقريره: الوجوب والتخيير متنافيان، وكل متنافيين تأبى وحدة المتعلق؛ لأن المتعلَّق لازم للمُتَعلَّق، وتنافي اللوازم يدل على تنافي الملزومات كما لو حرّم الشارع أمراً وأوجب آخر. ولقائل أن يقول: سلمنا أن تعدد المُتَعلّق يستلزم تعدد المُتَعلَّق [٥٩/ب] لكن المُتَعلَّق فيما نحن فيه متعدد كما ذكرنا، وذلك كافٍ. ألا ترى إلى الصلاة في أرض مغصوبة تعلق بها الوجوب والحرمة باعتبارين لا يقال: ذلك مبني على الحسن والقبح بالوجه والاعتبار وذلك غير ملتزم كما تقدم. لأنا نقول: ذلك مذهبهم، فهم ملتزموه. ص ــ قالوا: يعم ويسقط وإن كان بلفظ التخيير، كالكفاية.

стр. 294

قلنا: الإجماع ثمة على تأثيم الجميع، وههنا بترك واحد وأيضاً: فتأثيم واحد لا بعينه غير معقول. بخلاف التأثيم على ترك واحد من ثلاثة. قالوا: يجب أن يعلم الآمر الواجب. قلنا: يعلمه [حسبما] أوجبه. فإذا: أوجب غير معين وجب أن يعلمه غير معين؟ ش ــ ما تقدم كان دليلاً للمعتزلة على نفي مذهب الخصم، وهذا دليل لهم على إثبات مذهبهم، وهو: أن الكل واجب. تقريره: الواجب المخير يعم الجميع، ويسقط بفعل البعض كما في الواجب على الكفاية، والجامع الاشتراك في الوجوب مع سقوطه بفعل البعض، وورود النص بلفظ التخيير لا ينافي عموم الوجوب وسقوطه بفعل البعض، فيكون لفظ التخيير لبيان الواجب الذي هو الجميع يجوز أن يسقطه المكلف بما شاء من الأمور المتعددة. ولقائل أن يقول: سقوط الواجب على الجميع بفعل البعض على خلاف القياس بفعل النبي ــ ﷺ ــ فلا يجوز القياس عليه.

стр. 295

وأجاب المصنف بالفرق من وجهين: الأول: أن الاجماع منعقد على أن الواجب على الكفاية يأثم الجميع بتركه وههنا إنما يأثم المكلف بترك واحد. والثاني: أن تأثيم مكلف واحد لا بعينه غير معقول؛ إذ لا يمكن عقاب أحد الشخصين لا على التعيين، بخلاف تأثيم المكلف على ترك واحد لا بعينه فإنه معقول، لجواز العقاب على أحد الفعلين. ولقائل أن يقول: الاستدلال بكونه غير معقول تناقض؛ لأن مذهب المجيب أن العقل ليس بمثبت أحد الفعلين لشيء وقد تقدم الكلام على الفرق واستحالة ترك المبهم. وقالوا ــ أيضاً ــ الواجب يجب أن يعلمه الآمر، وكل ما يعلمه الآمر لا يكون غير معين، والمعين هو الجميع فيجب. أمّا بيان الصغرى: فلأن الآمر طالب للمأمور به وهو الواجب، وطلب المجهول محال. وأمّا بيان الكبرى: فلأن المعلوم غير متميز عن غيره، والمتميز يكون متعيناً. وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أن كل ما يعلمه الآمر لا يكون غير معين، لأن الآمر يعلم الواجب على الوجه الذي أوجبه، وإذا أوجب واحداً غير معين وجب أن يعلم غير معين، وكون المعلوم معيناً باعتبار تميزه عن غيره في العقل لا ينافي عدم تعينه باعتبار كونه واحداً من الثلاثة. ولقائل أن يقول: هذا بناءً [٦٠/أ] على أن العلم تابع للمعلوم وهو ههنا ليس

стр. 296

بصحيح؛ لأن الواجب ما تعلق به الوجوب وهو حادث، وتبعيّة العلم القديم للواجب الحادث محال. ص ــ قالوا: علم ما يفعل فكان الواجب. قلنا: فكان الواجب لكونه واحداً منها لا بخصوصه للقطه بأن الخلق فيه سواء. ش ــ هذا دليل القائلين بأن الواجب واحد معين وهو ما يفعله المكلف. وتقريره: علم الله ما يفعل المكلف من خصال الكفارة، وكل ما علم الله متعين في علمه، فما يفعل العبد متعين في علمه، والوجوب تعلق به وإلا كان تكليفاً بما لا يقع، لاستحالة وقوع ما لا يعلمه الله وكل ما تعلق به الوجوب فهو واجب، وهو إنما يصح إذا سلم عن الاعتراض بعدم العلم بالجزئيات على الوجه الجزئي، والمناظر لا يتقيد بمذهب فله أن يعترض به. وأجاب المصنف: بأن الواجب ما يفعله، وهو قول بموجب العلة، أي سلمنا أن الواجب ما يفعله المكلف، لكن من حيث هو أحدها لا بعينه، لا من حيث خصوصيته، وإلاّ يلزم تفاوت المكلفين فيه، فإنه إذا فعل أحد المكلفين واحداً منها والآخر غيره، فإذا قلنا: الواجب هو ما فعله بخصوصه لا من حيث أحدها، كان الواجب على هذا المكلف غير الواجب على ذلك، فيلزم تفاوت المكلفين، وهو باطل؛ للقطع بتساويهم وفيه نظر؛ لأن وجوب التساوي في

стр. 297

التكليف بالواجب المخير إما أن يكون قبل الفعل أو بعده، والأول مسلّم؛ لعدم العلم بالواجب على كل واحد من المكلفين. وأما الثاني فممنوع. لِمَ لا يجوز أن يكون التفاوت موجوداً لحكمة يعلمها لنفس التخيير، ويتبين لنا ذلك بعد الفعل.

стр. 298

الموسع ص ــ الموسع. الجمهور: أن جميع وقت الظهر، ونحوه وقت لأدائه. القاضي: الواجب: الفعل أو العزم، ويتعين آخراً وقيل: وقته أوله. فإن آخره فقضاء. بعض الحنفية: آخره، فإنه قدمه فنفل يسقط الفرض. الكرخي: إلا أن يبقى بصفة المكلف فما قدمه واجب. لنا: أن الأمر قيّد بجميع الوقت. فالتخيير والتعيين تحكم. وأيضاً: لو كان معيناً لكان المصلي في غيره مقدماً، فلا يصح أو قاضياً، فيعصى، وهو خلاف الإجماع. القاضي: ثبت في الفعل والعزم حكم خصال الكفارة. وأجيب: بأن الفاعل ممتثل لكونها صلاة قطعاً، [لا لأحد] الأمرين ووجوب العزم في كل واجب من أحكام الإيمان. الحنفية: لو كان واجباً أولا عصى بتأخيره؛ لأنه ترك. قلنا: التأخير والتعجيل فيه كخصال الكفارة. ش ــ قيل: الواجب الموسع في التحقيق راجع إلى المخير؛ إذ الصلاة

стр. 299

المرادة في كل جزء من أجزاء الوقت غير المرادة في غيره بحسب الشخص، والواجب [٦٠/ب] أحد الأشخاص المتميزة بالأوقات من حيث هو واحد لا بعينه، كخصال الكفارة، فلذلك لم يفرده بجعله مسألة على حدة. وفيه نظر؛ لأن المصلي في أثناء الوقت إنما يصلي الصلاة الفريضة عليه لا إحدى الصلوات الفائتة عليه. واعلم أن الواجب المؤقت إمّا أن يكون بمقدار الوقت أو زائداً عليه أو ناقصاً عنه. والأول: يسمى معياراً كوقت الصوم، والثاني: ليس بواقع، والتكليف به تكليف بالمحال، والثالث: هو الواجب الموسع الذي نحن فيه، ويسمى ظرفاً، وقد اختلف فيه، فذهب الجمهور من أصحاب الشافعي: إلى أن جميع الوقت، كوقت الظهر للظهر، أو العصر للعصر، وقت لأداء الواجب.

стр. 300

وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني: إلى أنه وقت لأداء الفعل الواجب أو العزم والواجب في أوله أحدهما، ويتعين الفعل في آخره. وذهبت طائفة: إلى أن الوقت هو أوله، فإن أخره وأتى به في آخره فهو قضاء. وقال بعض الحنفية: الوقت آخره، فإن أتى به في أوله كان نفلاً يسقط به الفرض. وقال الكرخي: المأتى به في أوله موقوف، فإن بقى الآتي به على صفة المكلفين فما قدمه صار فرضاً، وإن لم يبق كان نفلاً.

стр. 301

والدليل على المذهب المختار، على ما ذكره المصنف وجهان: الأول: أن الأمر بصلاة الظهر قيّد بجميع وقت الظهر، ولم يتعرض لتخصيصه بجزء من أجزاء ذلك الوقت، وليس في ذات الأجزاء ما يقتضي ترجيح بعض على غيره فكان الجميع في الوقتية سواء والتعيين للمكلف في إيقاع الفعل في أيها شاء. فالتخيير بين الفعل والعزم في أوله، وتعيين أول الوقت أو آخره تحكم صرف. ولقائل أن يقول: تعيين أول الوقت أو آخره جاز أن يسمى تحكماً وأمّا إدخال العزم في البين بدلاً فوضع للشرع ابتداءً، وهو باطل لا يسمى تحكماً. وأن يقول: الوقت شرط للأداء لا محالة، وهو اسم لجميع الأجزاء لا محالة، والشرط مقدم على المشروط لا محالة، وذلك يقتضي أن يقع الأداء بعد الوقت تحقيقاً لتقدم الشرط، فما فرضناه أداءً كان [أو] قضاءً، وذلك خلف باطل.

стр. 302

والثاني: أنه لو كان جزء من أجزاء الوقت معيناً لم تصح الصلاة إن قدمت عليه، ولصار قضاءً إن أُخِّرت عنه، وكان عصياناً، واللازم بقسميه باطل بالإجماع. وللخصم أن يقول: الجزء معين على تقدير وقوع الفعل فيه، فإن لم يقع انتقل إلى جزء آخر إلى آخر الوقت؛ لكونه واجباً موسعاً، وحينئذٍ لا تثبت الملازمة. وشبهه القاضي: ما أشار إليه المصنف بقوله: ﴿﴿ثبت في الفعل والعزم، ــ أي قبل آخر الوقت ــ حكم [٦١/أ] خصال الكفارة﴾﴾ من حيث هو وجوب أحدهما لا بعينه وذلك؛ لأن العل لما جاز تركه بلا بدل، فيكون الواجب في أوّل الوقت أحدهما. وهذا فاسد؛ لأن الحكم بثبوت حكم الكفارة للعزم مسبوق بكون العزم ثابتاً شرعاً من حيث هو أحدهما، وليس ذلك بثابت. وأجاب المصنف: بأن الفاعل في أول الوقت ممتثل، لكونها صلاة واجبة لا لكونها أحد الأمرين. وللخصم أن يقول: جعلت العزم بدلاً عند خلو أول الوقت عن الفعل وإذا وجد الفعل فيه فلا بدل فكيف يتصور أحد الأمرين. وقوله: ﴿﴿ووجوب العزم﴾﴾، يعني إن سلمنا أن العزم واجب فليس ذلك لكونه بدلاً عن الفعل بل من حيث أن كل حكم من أحكام الإيمان فيجب العزم على فعله إذا [كان] واجباً، لقوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿إنما الأعمال بالنيات﴾﴾.

стр. 303

وقالت الحنفية: لو كان الفعل واجباً في أول الوقت لعصى المكلف بتأخيره الواجب عن وقته، لكنه ليس بعاصٍ بالإجماع. وأجاب المصنف: بأن التأخير والتعجيل في الواجب الموسع، كخصال الكفارة فكما أن تارك أحد الخصال لا يعصى إذا أتى بغيره. كذلك تارك الواجب الموسع في أول الوقت لا يعصى إذا أتى به في آخره. وهذا كما ترى لا تعلق له بشرطية الخصم لا بمنع الملازمة ظاهراً ولا بمنع بطلان التالي. ولعله معارضة، وهي أسوأ حال المناظرة. فإن تُكُلّفَ بجعله منعاً للملازمة مستنداً بالتشبيه فاسد؛ لأن المصلي إنما يصلي فرضاً عليه لا أحد الأمور على سبيل البدل وقد تقدم مثله.

стр. 304

عصيان من أخر الواجب الموسع ص ــ مسألة: من أخر مع ظن الموت قبل الفعل، عصى اتفاقاً. فإن لم يمت ثم فعله في وقته فالجمهور: أداء. وقال القاضي: قضاء. فإن أراد وجوب نية القضاء فبعيد. ويلزمه لو اعتقد [انقضاء] الوقت قبل الوقت فعصى بالتأخير. ومن أخّر مع ظن السلامة فمات فجأة، فالتحقيق لا يعصى بخلاف ما وقته العمر. ش ــ لم يفرد المصنف الواجب الموسع بذكر ﴿﴿مسألة﴾﴾ وجعله تبعاً للواجب المخير مع بعد فيه، وأفرد هذه المسألة عن الواجب الموسع مع شدة اتصالها به، وذلك تقريب للبعيد وتبعيد للقريب. القائلون بالواجب الموسع أجمعوا على أن من أخّر الواجب الموسع عن أول الوقت مع ظن موته قبل الفعل عصى؛ لأن أول الوقت بناءً على ظنه صار كآخره، ومن أخّر عن آخره عصى فكذا من أخر عن أوله.

стр. 305

فإن لم يمت ثم فعل الواجب الموسع في الوقت [٦١/ب] فالجمهور على أنه أداء؛ لأنه فعل في وقته المقدر له أولاً شرعاً. وقال القاضي: هو قضاء؛ لأنه تضيق عليه الوقت بظنه وصار كآخره فكان الفعل بعد انقضاء الوقت وذلك قضاء لا محالة. وزيفه المصنف: بأنه إن أراد بكونه قضاء: وجوب نية القضاء فبعيد؛ لأن القضاء ما يؤتى به خارج وقته المقدر له شرعاً وهذا ليس كذلك؛ لأن الشرع جعل الكل وقتاً. فإن قال: جعل الشرع ظنه دليلاً على كون البعض وقته، ولهذا صار عاصياً بتركه فيه بالاتفاق، فكان الفعل خارجاً عن الوقت المقدر شرعاً فكان قضاءً. أجيب: بأن الظن دليل إذا لم يظهر خطؤه بيقين وقد ظهر. ولم يذكر المصنف الشق الآخر من الترديد وهو يوهم فساد التزييف؛ لجواز أن يكون ذلك الشق جائز الإرادة فلا يكون التزييف صحيحاً، ولعل الشق الآخر هو المعروف، وهو أن يقال: وإن أراد غيره فلا بد من البيان، ليتصور ثم يتكلم عليه. ولعمري أن ما ذهب إليه القاضي ظاهر الفساد؛ لأنه إذا صلى بعد ذلك فإمّا

стр. 306

أن يرفع عصيان التأخير، أو لا. فإن رفع لم يكن قاضياً؛ لأن عصيان القاضي لا يرتفع، وإن لم يرفع لزم عقاب من أطاع الله فيما أوجب عليه من العبادة في الوقت المقدر لها شرعاً، وذلك خلاف الشرع والعقل. وقال المصنف: ويلزمه يعني القاضي أن المكلف لو اعتقد قبل دخول الوقت أن الوقت قد دخل، وأنه إن [لم] يشتغل بالواجب انقضى الوقت فأخر، فعصى بالتأخير. وصلى بعده في الوقت المقدر له شرعاً كان ما فعله في الوقت المقدر شرعاً بعد ظهور خطئه بيقين قضاء؛ لأنه تضيق الوقت عليه بناءً على اعتقاده. فوقوعه بعد ذلك في الوقت المقدر له شرعاً يكون خارجاً عن وقته المضيق. ولقائل أن يقول: لا يلزمه ذلك؛ لأن الوقت إذا لم يدخل كان عملُ الظنّ جَعْلُ غير الوقت الشرعي وقتاً، وذلك فرع إلى الشركة في وضع الشرع وهو باطل. وأمّا فيما نحن فيه فإن عَملَ الظن تضييق ما كان موسعاً عليه، وفي تشديد في الاحتياط في باب العبادة، وهو مشروع. وقوله: ﴿﴿ومن أخر مع ظن السلامة﴾﴾ معطوف على قوله: ﴿﴿ومن أخّر مع ظن الموت﴾﴾ يعني إذا أخّر الواجب الموسع عن أول وقته على ظن السلامة، فمات فجأة في الوقت، فالتحقيق أنه لا يعصى؛ لجواز تركه إذا لم يظن موته إلى آخر الوقت. وقد أجمع السلف على ذلك، وهذا بخلاف ما وقته العمر كالحج، فإنه لو أخر مع ظن السلامة ومات عصى؛ لأن البقاء [٦٢/أ] إلى سنة أخرى ليس بغالب على الظن.

стр. 307

ما لا يتم الواجب إلا به ص ــ مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به وكان مقدوراً شرطاً شرعياً واجب. والأكثر: وغير شرط. كترك الأضداد في الواجب، وفعل ضد في المحرم، وغسل جزء الرأس. وقيل: لا فيهما. لنا: لو لم يجب الشرط لم يكن شرطاً. وفي غيره لو استلزم الواجب وجوبه لزم من تعقل الموجب له ولم يكن تعلق الوجوب لنفسه، ولا امتنع التصريح بغيره، ولعصى بتركه، ولصح قول الكعبي في نفي المباح، ولو جبت نيته. ش ــ ما لا يتم الواجب إلا به إمّا أن يكون مقدوراً للمكلف، أو لا.

стр. 308

والثاني كالقدرة على الفعل، واليد للكتابة، والرجل للمشي. لا يكون واجباً بل عدمها يمنع الوجوب عند من لم يجوز التكليف بالممتنع. والأول: قد اختلف الناس فيه، وهو ينقسم إلى شرط وغيره. واختار المصنف: أنه إن كان شرطاً شرعياً للواجب، كالضوء وجب بوجوب الواجب، وإلا فلا. وعند أكثر الأصوليين: لا تفرقة بين الشرط وغيره في الوجوب سواء كان الغير سبباً كالنار للإحراق أو غيره. إمّا ترك ضد الواجب الذي لا يتم الواجب إلا به، أو فعل ضد المحرم الذي لا يتم ترك الحرام إلا به، أو طريق إلى الإتيان بالواجب، كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه فإنه لا يمكن إلا بغسل جزء من الرأس أو طريق إلى العلم بإتيان الواجب، كالإتيان بخمس صلوات إذا ترك واحدة منها مجهولة. ومن الناس من ذهب إلى أن وجوب الشيء لا يوجب وجوب شيء من ذلك شرط أو غيره.

стр. 309

واستدل المصنف على ما اختاره قال: لو لم يجب الشرط لوجوب مشروطه لم يكن شرطاً فكان خلفاً باطلاً. وبيان الملازمة ببيان الشرط؛ فإنه المتوقف عليه وجود المشروط فلو لم يكن واجباً جاز عدمه مع تحقق المشروط فلم يكن متوقفاً عليه. وفيه نظر؛ لأن هذا وجوب عقلي وليس الكلام فيه. واستدل على غير الشرط من وجوه ستة: الأول: لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط مما لا يتم الواجب إلا به لزم تعقل المُوجِب ــ أي الآمر ــ لغير الشرط؛ لاستحالة إيجاب الشيء مع الذهول عنه. والمُوجِب قد يغفل عما يتوقف عليه. وفيه نظر؛ لأن كلامنا في المُوجب الذي هو شارع، وذلك لا يجوز عليه على أنه منقوض بالشرط. والثاني: أنه لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط لم يكن تعلق الوجوب الذي هو طلب الوجود مع منع النقيض ــ بغير الشرط لنفس الوجوب؛ لتوقف تعلق الوجوب على تعلقه بما يستلزمه، لكن تعلق الطلب بغير المطلوب غير متصور. وهو منقوض بوجوب الشرط.

стр. 310

والثالث: أنه لو استلزم الواجب وجوب غير الشرط، لامتنع التصريح بغير وجوبه، أي التصريح بأن غير الشرط لا [٦٢/ب] يكون واجباً؛ لأنه يناقض الحكم بكون الواجب مستلزماً وجوبه، لكن يصح أن يقول الشارع: أوجبت عليكم غسل الوجه وما أوجبت عليكم غسل شيء من الرأس. وفيه نظر؛ لأن التصريح أقوى في الدلالة فيكون رافعاً لا دافعاً. والرابع: لو كان الواجب مستلزماً لوجوب غير الشرط لعصى المكلف بتركه وهو ظاهر لكن ليس كذلك؛ فإن تارك الصوم يعصى بترك الصوم لا بترك إمساك جزء من الليل. وفيه نظر؛ فإن مصادرة؛ لأن ترك جزء ترك ما لا يتم الواجب إلا به فإن كان واجباً يعصى بتركه وإلا فلا. والخامس: لو استلزم وجوبه لصح قول الكعبي في نفي الفعل المباح في الشرع، لأن المباح يحصل به ترك الحرام، وما يحصل به ترك الحرام واجب. وفيه نظر؛ لأن ترك الحرام لم ينحصر في الفعل المباح. والسادس: أنه لو كان واجباً وجب بنية، لكون عبادة، وليس كذلك بالإجماع. وفيه نظر؛ فإن الملازمة ممنوعة، وكونه عبادة

стр. 311

كذلك. ص ــ قالوا: لو لم يجب لصح دونه، ولما وجب التوصل إلى الواجب والتوصل واجب بالإجماع. وأجيب: إن أريد بلا يصح، و ﴿﴿واجب﴾﴾ لا بد منه فمسلم. وإن أريد مأمور به فأين دليله؟ وإن سُلّمَ الإجماع على أن التوصل واجب ففي الأسباب بدليل خارجي. ش ــ استدل القائلون بوجوب ما لا يتم الواجب إلا به مطلقاً بوجهين: أحدهما: أنه لو لم يجب لصح دونه؛ لجواز ترك ما ليس بواجب الإجماع لكنه لا يصح؛ لأنه واجب بتمامه ولا تمام بدونه. والثاني: أنه لو لم يجب [لصح دونه]، لما وجب التوصل إلى الواجب؛ لأن التوصل إلى الواجب به، لكنه واجب بالإجماع. وأجاب المصنف: بأنه إن أرادوا بقولهم في نفي التالي: ﴿﴿لكن لا يصح الواجب بدونه﴾﴾، وبقولهم في نفي تالي الملازمة الثانية: ﴿﴿لكنّ، أي التوصل به إلى الواجب واجب﴾﴾: أن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد منه في تحصيل الواجب، فنفي التالي مسلّم. لكن لا يلزم من كونه لا بد منه أن يكون مأموراً به، وكلامنا في وجوب مأمور به؛ لأن الإيجاب العقلي غير معتبر.

стр. 312

وإن أرادوا أنه مأمور به، فأين دليله؟ وإن سُلّم أن التوصل إلى الواجب واجب، لكنه إنما يصح ذلك القول في الأسباب بديل خارجي وهو الإجماع. ولقائل أن يقول: المراد بقولهم: لا يصح بدونه أنه مأمور به، والدليل عليه أن الواجب الذي يستلزمه مأمور به لا محالة، والأمر به أمر بما يستلزمه اقتضاءً. وأمر الشارع تارة يكون عبارة، وتارة إشارة، وتارة يكون دلالة، وتارة يكون اقتضاء، وأن الفرق بين الأسباب وغيرها [٦٣/أ] تحكم.

стр. 313

أحكام الحرام ص ــ مسألة: يجوز أن يحرَّم واحد لا بعينه. خلافاً للمعتزلة. وهي كالمخير. ش ــ لما فرغ من أحكام الوجوب شرع في بيان أحكام الحرام، وذكرها في مسألتين: الأولى: أن تحريم واحد لا بعينه من أشياء متعددة هل يجوز أو لا يجوز. فذهبت الأشاعرة إلى جوازه، واستدلوا بجواز أن يقول السيد لغلامه حرمت عليك الكلام بأحد هؤلاء الجماعة لا بعينه، ولم أحرم عليك الكلام بجميعهم أو بواحد منهم معين. فليس المحرم مجموع كلامهم، ولا كلام معين للتصريح بنقيضه فلم يبق إلا واحدٌ لا بعينه. وفيه نظر؛ لأنه تجويز عقلي، والمصنف لم يعتبره. وذهبت المعتزلة: إلى منعه، والكلام عليه شبهة وجواباً، كما تقدم في الواجب المخير. ص ــ مسألة: يستحيل كون الشيء واجباً حراماً من جهة واحدة ، إلا عند بعض من يجوز التكليف بالمحال.

стр. 314

وأما الشيء الواحد له جهتان، كالصلاة في الدار المغصوبة فالجمهور: تصح. والقاضي: لا تصح، ويسقط الطلب عندها. وأحمد وأكثر المتكلمين: لا تصح، ولا يسقط. لنا: القطع بطاعة العبد وعصيانه بأمره بالخياطة ونهيه عن مكان مخصوص للجهتين. وأيضاً: لو لم تصح لكان لاتحاد المتعلقين؛ إذ لا مانع سواه اتفاقاً، ولا اتحاد؛ لأن الأمر للصلاة، والنهي للغصب. واختيار المكلف جمعهما لا يخرجهما عن حقيقتهما. واستدل: لو لم تصح لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه؛ لتضاد الأحكام. وأجيب: بأنه إن اتحد الكون مُنِعَ، وإلا لم يفد؛ لرجوع النهي إلى وصف منفك. واستدل: لو لم تصح لما سقط التكليف. قال القاضي: و [قد] سقط بالإجماع؛ لأنهم لم يأمروهم بقضاء الصلوات. وردّ بمنع الإجماع مع مخالفة أحمد وهو [أقعد] بمعرفة الإجماع. ش ــ الثانية أن الشيء الواحد وحدة شخصية إما أن يكون ذا جهتين أو جهة واحدة، والثاني يستحيل أن يكون واجباً حرماً لتنافيهما، إلا عند بعض من يجوز التكليف بالمحال، وهم الذين يجوزونه شرعاً وعقلاً. وأما مجوزوه عقلاً لا شرعاً فلا يجوزونه، لقوله ــ تعالى ــ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ

стр. 315

نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا﴾. وأما الأول ك الصلاة في الدار المغصوبة فإن لها جهتين: كونها صلاة وكونها غصباً، وكل من الجهتين معقول بدون الأخرى. فقد اختلفوا فيه فذهب أكثر الفقهاء إلى جواز اجتماعهما فيه، فتصح الصلاة المرادة في دار مغصوبة. وذهب القاضي: إلى عدم جوازه، فلا تصح الصلاة المذكورة، لكنه قال: يسقط الطلب عن المكلف عند الصلاة لا بها. وذهب أحمد بن حنبل وأكثر المتكلمين، إلى أنه لا يجوز ذلك، ولا تصح إذا أتى بها ولا يسقط عنه الطلب. واستدل المصنف على مذهب الجمهور [٦٣/ب] بوجهين: أحدهما: أنا نقطع بطاعة العبد وعصيانه إذا أمره المولى بالخياطة، ونهاه عن أن تكون الخياطة في مكان مخصوص للجهتين فكان واجباً وحراماً فكذلك الصلاة

стр. 316

في الدار المغصوبة. وفيه نظر؛ لأنه إنما يتم على تقدير كون العقل حجة وأن الحسن والقبح يكونان بالوجوه والاعتبارات، والمصنف لم يقل بهما. والثاني: أنه لو لم يصح اجتماعهما لكان عدم الصحة؛ لاتحاد متعلقي الوجوب والحرمة؛ لانتفاء غيره بالاتفاق، والتالي باطل؛ لعدم اتحاد المتعلقين؛ لأن متعلق الأمر الصلاة، ومتعلق النهي كونها في الدار المغصوبة، واحدهما غير الآخر. واختيار المكلف الجمع بينهما، أي بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة لم يخرجهما عن حقيقتهما لتتحد الجهتان، وهذا ــ أيضاً ــ مبني على كون الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات، وهو مناقض لما تقدم من نفيه. واستدل على المذهب بما تقريره. لو لم يصح اجتماع الوجوب والتحريم بجهتين لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه؛ لأن التضاد بين الوجوب والكراهة كهو بينه وبين التحريم. فكما أنه منع الجمع بينهما يمنع بين الوجوب والكراهة، لكن الصلاة في معاطن الإبل والأودية والحمّام نص الشارع على كراهتها. وأجاب المصنف: بأنه إن اتحد الكون، أي الجهة التي تعلق بها الوجوب والكراهة فلا نسلم ثبوت صلاة مكروهة تكون جهة وجوبها وكراهتها متحدة، ولا

стр. 317

صوم كذلك، وإلا، أي وإن لم تتحد الجهة المذكورة لم يفد الدليل؛ لأن النهي عن الصلاة المكروهة حينئذٍ يكون راجعاً إلى وصف جائز الانفكاك عنها، كالتعرض لنفار الإبل في أعطانها، ولخطر السيل في بطن الوادي، ولخوف الرشاش في الحمام والأمر راجع إلى الصلاة مطلقاً، فيجوز تعلق الوجوب والكراهة بهاتين الجهتين المتغايرتين. وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فإن الجهة التي تعلق النهي بها وهو كونها في الدار المغصوبة لا تنفك عن الصلاة فلم يلزم من جواز اجتماع الوجوب والكراهة جواز اجتماع الحرمة والوجوب، وهو ليس بصحيح؛ لأن متعلق الوجوب في الصلاة في الدار المغصوبة مطلق الصلاة ومتعلق الحرمة بها في الدار المغصوبة، وهو ينفك عن الصلاة فكان النهي في الصورتين راجعاً إلى وصف الصلاة، ومتعلق الحرمة جائز الانفكاك فلا فرق بينهما. واستدل ــ أيضاً ــ: بأنه لو لم تصح الصلاة في الدار المغصوبة لما سقط التكليف؛ أنه إنما سقط بإتيان المأمور به، وما لم يكن صحيحاً لا يكون إتياناً بالمأمور به، لكنه يسقط بالإجماع على ما قاله القاضي، ويدل ــ أيضاً ــ على تحقق الإجماع. أن السلف لم يأمروا بقضاء الصلوات المؤداة في الدار المغصوبة. وأجاب [٦٤/أ] المصنف: بمنع الإجماع؛ فإن أحمد خالف الفقهاء في سقوط التكليف بأداء الصلاة في الدار المغصوبة وهو أقعد بمعرفة الإجماع من غيره؛ لأنه قد بالغ في تفتيش النقل ومع مخالفته ضعف دعوى الإجماع. وفيه نظر؛ لأنه نقل عن أحمد أنه قال: من ادعى الإجماع فقد كذب فيجوز

стр. 318

أن يكون قوله بعدم سقوط التكليف بناءً على ذلك، فلا يكون معتبراً، وإلا بطل الإجماعات. ص ــ قال القاضي والمتكلمون: لو صحت لاتحد المتعلقان؛ لأن الكون واحد، وهو غصب. وأجيب: باعتبار الجهتين بما سبق. قالوا: لو صحت لصح صوم يوم النحر بالجهتين. وأجيب: بأن صوم يوم النحر غير منفك عن الصوم بوجه فلا يتحقق جهتان. أو بأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إلا بدليل خاص فيه. ش ــ قال القاضي والمتكلمون: لو صحت الصلاة في الدار المغصوبة لاتحد متعلق الأمر والنهي؛ لأن الكون الذي هو الصلاة في الدار المغصوبة نفسه الغصب، لكن لا يصح ذلك لئلا يلزم التكليف بالمحال، وهو الإتيان بشيء يكون واجباً وهو بعينه حرام. وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم اتحاد المعلقين؛ لأن الكون المخصوص له جهتان جهة الصلاة وجهة الغصب، ولا شك في تغايرهما وجواز انفكاك أحدهما عن الآخر، فبالأولى متعلق الأمر، وبالأخرى متعلق النهي. وفيه نظر؛ لأن اعتبار الجهة في الحسن والقبح ههنا مناقض لما تقدم؛ ولأن إحدى الجهتين إن كانت مما ينفك عن الأخرى كان مناقضاً ــ أيضاً ــ لما تقدم من الفرق بين الصلاة المكروهة في معاطن الإبل وأمثالها فإنه فرق بينهما هناك بكون

стр. 319

الوصف منفكا فيها دون صلاة في الأرض المغصوبة. وان كانت مما لا ينفك اتحد الجهتان. والحق أنه ينفك؛ لأن متعلق الامر مطلق الصلاة وهي تتحقق في المسجد. وقالوا-أيضا-لو صحت الصلاة في الدار المغصوبة للجهتين لصح الصوم يوم النحر كذلك لأن المصحح وهو تعدد الجهة موجود في الصوم - أيضا- قالوا: لكن التالي باطل بالإجماع. وفيه نظر؛ لان المراد بعد الصحة ان كان البطلان فدعوى الاجماع باطلة؛ لان أبا حنيفة لم يقل به؛ وان كان عدم الجواز مع الكراهة فكذلك؛ لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون بالجواز مع الكراهة، وان كان غير ذلك فلابد من البيان. وأجاب المصنف بوجهين: أحدهما: بالفرق بين المسألتين، بأن الجهتين في الصوم لا تنفك إحداهما عن الأخرى؛ لأن جهة الأمر كونه صوما، وجهة النفي كونه صوما يوم النحر، وصوم يوم النحر لا ينفك عن الصوم، لاستلزام الأخص الأعم، والشيء الواحد إنما يتعلق به الأمر والنهى باعتبار جهتين تنفك إحداهما عن الأخرى كالصلاة في الدار المغصوبة. ولقائل أن يقول: تعدد الجهة ليس بمنحصر فيما ذكرتك؛ لجواز أن تكون إحداهما الصوم والأخرى الإعراض عن الضيافة في يومها، فمتعلق الوجوب مطلق الصوم، ومتعلق الحرمة الإعراض عن الضيافة، واحداهما تنفك عن الأخرى، فإن الصوم يوجد بلا إعراض، والإعراض قد يوجد بلا صوم بأن لا يفطر بشيء من غير نيه الصوم أو الاحتماء أو لغير ذلك. والثاني: أن نهى صوم يوم النحر نهي تحريم، والمنهى عنه نهي التحريم لا

стр. 320

يعتبر فيه تعدد الجهتين إلا بدليل خاص فيه، وليس بموجود في صوم يوم النحر، وهذا لأن نهي التحريم يقتضي الانتهاء قطعا، واعتبار تعدد الجهة يقتضي جواز الإتيان وهما متنافيان، فإذن لا يجوز اعتبار الجهتين في نهي التحريم إلا بدليل خارجي وقد دل في الصلاة فإن قوله: (أقم الصلاة) دل على اعتبار جهة الصلاة، وقوله-? -: "من غضب شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة" الحديث دل على اعتبار جهة الغصب فاعتبر تعددها بالدليل الخارجي وليس في صوم يوم النحر ما يدل على ذلك. وهذا ليس بشيء فان قوله - تعالى -: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ دل على اعتبار الصوم، وفي الأحاديث الدالة على ذلك كثرة، وقوله -? -: " فإنها أيام اكل وشرب وبعال" دل على اعتبار ترك الصوم في يوم النحر فكانا سواء. ص- وأما من توسط أرضا مغصوبه فحظ الأصولي فيه بيان استحالة تعلق الأمر
следующие страницы →