Полный текст (1 417 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
في الدار المغصوبة. وفيه نظر؛ لأنه إنما يتم على تقدير كون العقل حجة وأن الحسن والقبح يكونان بالوجوه والاعتبارات، والمصنف لم يقل بهما.
والثاني: أنه لو لم يصح اجتماعهما لكان عدم الصحة؛ لاتحاد متعلقي الوجوب والحرمة؛ لانتفاء غيره بالاتفاق، والتالي باطل؛ لعدم اتحاد المتعلقين؛ لأن متعلق الأمر الصلاة، ومتعلق النهي كونها في الدار المغصوبة، واحدهما غير الآخر.
واختيار المكلف الجمع بينهما، أي بين الصلاة وكونها في الدار المغصوبة لم يخرجهما عن حقيقتهما لتتحد الجهتان، وهذا ــ أيضاً ــ مبني على كون الحسن والقبح بالوجوه والاعتبارات، وهو مناقض لما تقدم من نفيه.
واستدل على المذهب بما تقريره. لو لم يصح اجتماع الوجوب والتحريم بجهتين لما ثبت صلاة مكروهة ولا صيام مكروه؛ لأن التضاد بين الوجوب والكراهة كهو بينه وبين التحريم. فكما أنه منع الجمع بينهما يمنع بين الوجوب والكراهة، لكن الصلاة في معاطن الإبل والأودية والحمّام نص الشارع على كراهتها.
وأجاب المصنف: بأنه إن اتحد الكون، أي الجهة التي تعلق بها الوجوب والكراهة فلا نسلم ثبوت صلاة مكروهة تكون جهة وجوبها وكراهتها متحدة، ولا
стр. 317
صوم كذلك، وإلا، أي وإن لم تتحد الجهة المذكورة لم يفد الدليل؛ لأن النهي عن الصلاة المكروهة حينئذٍ يكون راجعاً إلى وصف جائز الانفكاك عنها، كالتعرض لنفار الإبل في أعطانها، ولخطر السيل في بطن الوادي، ولخوف الرشاش في الحمام والأمر راجع إلى الصلاة مطلقاً، فيجوز تعلق الوجوب والكراهة بهاتين الجهتين المتغايرتين.
وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فإن الجهة التي تعلق النهي بها وهو كونها في الدار المغصوبة لا تنفك عن الصلاة فلم يلزم من جواز اجتماع الوجوب والكراهة جواز اجتماع الحرمة والوجوب، وهو ليس بصحيح؛ لأن متعلق الوجوب في الصلاة في الدار المغصوبة مطلق الصلاة ومتعلق الحرمة بها في الدار المغصوبة، وهو ينفك عن الصلاة فكان النهي في الصورتين راجعاً إلى وصف الصلاة، ومتعلق الحرمة جائز الانفكاك فلا فرق بينهما.
واستدل ــ أيضاً ــ: بأنه لو لم تصح الصلاة في الدار المغصوبة لما سقط التكليف؛ أنه إنما سقط بإتيان المأمور به، وما لم يكن صحيحاً لا يكون إتياناً بالمأمور به، لكنه يسقط بالإجماع على ما قاله القاضي، ويدل ــ أيضاً ــ على تحقق الإجماع.
أن السلف لم يأمروا بقضاء الصلوات المؤداة في الدار المغصوبة.
وأجاب [٦٤/أ] المصنف: بمنع الإجماع؛ فإن أحمد خالف الفقهاء في سقوط التكليف بأداء الصلاة في الدار المغصوبة وهو أقعد بمعرفة الإجماع من غيره؛ لأنه قد بالغ في تفتيش النقل ومع مخالفته ضعف دعوى الإجماع.
وفيه نظر؛ لأنه نقل عن أحمد أنه قال: من ادعى الإجماع فقد كذب فيجوز
стр. 318
أن يكون قوله بعدم سقوط التكليف بناءً على ذلك، فلا يكون معتبراً، وإلا بطل الإجماعات.
ص ــ قال القاضي والمتكلمون: لو صحت لاتحد المتعلقان؛ لأن الكون واحد، وهو غصب.
وأجيب: باعتبار الجهتين بما سبق.
قالوا: لو صحت لصح صوم يوم النحر بالجهتين.
وأجيب: بأن صوم يوم النحر غير منفك عن الصوم بوجه فلا يتحقق جهتان. أو بأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إلا بدليل خاص فيه.
ش ــ قال القاضي والمتكلمون: لو صحت الصلاة في الدار المغصوبة لاتحد متعلق الأمر والنهي؛ لأن الكون الذي هو الصلاة في الدار المغصوبة نفسه الغصب، لكن لا يصح ذلك لئلا يلزم التكليف بالمحال، وهو الإتيان بشيء يكون واجباً وهو بعينه حرام.
وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم اتحاد المعلقين؛ لأن الكون المخصوص له جهتان جهة الصلاة وجهة الغصب، ولا شك في تغايرهما وجواز انفكاك أحدهما عن الآخر، فبالأولى متعلق الأمر، وبالأخرى متعلق النهي.
وفيه نظر؛ لأن اعتبار الجهة في الحسن والقبح ههنا مناقض لما تقدم؛ ولأن إحدى الجهتين إن كانت مما ينفك عن الأخرى كان مناقضاً ــ أيضاً ــ لما تقدم من الفرق بين الصلاة المكروهة في معاطن الإبل وأمثالها فإنه فرق بينهما هناك بكون
стр. 319
الوصف منفكا فيها دون صلاة في الأرض المغصوبة. وان كانت مما لا ينفك اتحد الجهتان.
والحق أنه ينفك؛ لأن متعلق الامر مطلق الصلاة وهي تتحقق في المسجد.
وقالوا-أيضا-لو صحت الصلاة في الدار المغصوبة للجهتين لصح الصوم يوم النحر كذلك لأن المصحح وهو تعدد الجهة موجود في الصوم - أيضا- قالوا: لكن التالي باطل بالإجماع.
وفيه نظر؛ لان المراد بعد الصحة ان كان البطلان فدعوى الاجماع باطلة؛ لان أبا حنيفة لم يقل به؛ وان كان عدم الجواز مع الكراهة فكذلك؛ لان أبا حنيفة وأصحابه يقولون بالجواز مع الكراهة، وان كان غير ذلك فلابد من البيان.
وأجاب المصنف بوجهين:
أحدهما: بالفرق بين المسألتين، بأن الجهتين في الصوم لا تنفك إحداهما عن الأخرى؛ لأن جهة الأمر كونه صوما، وجهة النفي كونه صوما يوم النحر، وصوم يوم النحر لا ينفك عن الصوم، لاستلزام الأخص الأعم، والشيء الواحد إنما يتعلق به الأمر والنهى باعتبار جهتين تنفك إحداهما عن الأخرى كالصلاة في الدار المغصوبة.
ولقائل أن يقول: تعدد الجهة ليس بمنحصر فيما ذكرتك؛ لجواز أن تكون إحداهما الصوم والأخرى الإعراض عن الضيافة في يومها، فمتعلق الوجوب مطلق الصوم، ومتعلق الحرمة الإعراض عن الضيافة، واحداهما تنفك عن الأخرى، فإن الصوم يوجد بلا إعراض، والإعراض قد يوجد بلا صوم بأن لا يفطر بشيء من غير نيه الصوم أو الاحتماء أو لغير ذلك.
والثاني: أن نهى صوم يوم النحر نهي تحريم، والمنهى عنه نهي التحريم لا
стр. 320
يعتبر فيه تعدد الجهتين إلا بدليل خاص فيه، وليس بموجود في صوم يوم النحر، وهذا لأن نهي التحريم يقتضي الانتهاء قطعا، واعتبار تعدد الجهة يقتضي جواز الإتيان وهما متنافيان، فإذن لا يجوز اعتبار الجهتين في نهي التحريم إلا بدليل خارجي وقد دل في الصلاة فإن قوله: (أقم الصلاة) دل على اعتبار جهة الصلاة، وقوله-? -: "من غضب شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة" الحديث دل على اعتبار جهة الغصب فاعتبر تعددها بالدليل الخارجي وليس في صوم يوم النحر ما يدل على ذلك.
وهذا ليس بشيء فان قوله - تعالى -: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ دل على اعتبار الصوم، وفي الأحاديث الدالة على ذلك كثرة، وقوله -? -: " فإنها أيام اكل وشرب وبعال" دل على اعتبار ترك الصوم في يوم النحر فكانا سواء.
ص- وأما من توسط أرضا مغصوبه فحظ الأصولي فيه بيان استحالة تعلق الأمر
стр. 321
والنهي معاً بالخروج، وخطأ أبى هاشم وإذا تعين الخروج للأمر قطه بنفي المعصية به بشرطه وقول الإمام باستصحاب حكم المعصية مه الخروج، ولا نهى، بعيد. ولا جهتين لتعذر الامتثال.
ش- لما فرغ عن اثبات كون مثل الصلاة في الدار المغصوبة مأمورا به ومنهيا عنه، أراد ان يفرق بينها وبين الخروج من الأرض المغصوبة؛ فإنه لا يصح ان يكون متعلق الامر والنهى معا، كذا قالوا. وفيه نظر؛ لأنه لاحظ للأصولي في بيان الفرق بل حظه ما نذكره:
اعلم أن من توسط أرضا مغصوبه فسئل الأصولي عن الحكم الشرعي فيه من الخروج والإقامة فليس له في ذلك حظ. بل ذلك موكول الى رأى الفقيه، وإنما حظ الأصولي أن يبين أن تعلف الأمر والنهى معا بالخروج عنها مستحيل؛ اذ بيس جهتان يتعلق الأمر بإحدييهما والنهي بالأخرى وكذلك حظ الأصولي فيه أن يبين خطأ مذهب أبى هاشم، وهو عصيانه بالخروج والإقامة جميعا، وذلك لأن الإقامة إذا كان عصيانا كانت منهيا عنها فيكون الخروج مأمورا به.
وإذا كان الخروج عنها عصيانا منها عنه كانت الإقامة مأمورا بها، فيلزم ان يكون كل واحد منها مأمورا به ومنهيا عنه بدون تعدد الجهة لما سنذكره وذلك محال فكان مذهب أبى هاشم خطأ.
وقوله: "وإذا تعين" جهة أخرى في بيان خطئه وهي: أنه إذا تعبن الخروج عند كون الإقامة معصيه لكونه متعلق الأمر وجب ان يقطع بنفي المعصية، إذ المأمور به لا يمكن أن يكون معصيه لكن بشرط نفى المعصية عن نفسه، وهو ان يقصد الخروج عن الغصب لا التصرف في ملك الغير ليصير الخروج مأمور به، فكان القول بكونه معصيه خطأ. إذا عرف أن المأمور به لا يكون، معصيه، فقول إمام الحرمين يتعين
стр. 322
الخروج لكونه مأمورا به، ولا يكون النهى متعلقا، ولكن يستصحب حكم المعصية مع الخروج؛ إذ الموجب لها وهو الغصب باق. بعيد؛ لأنه يلزم أن يكون المأمور به معصيه، لعد الموجب لها، وهو النهي.
ولقائل أن يقول: لعمري ان نسبه الإمام إلى الخطأ أحرى من أبي هاشم؛ لأن أبا هاشم قال بقيام المعصية، لقيام دليله وهو النهي.
وأما الإمام فقد أثبت المعلول ونفى العلة، وهو خطأ ظاهر.
وقوله: "ولا جهتن" جواب عما عسى أن يقال: يجوز تعلق الأمر والنهى معا بالخروج من جهتين كما في الدار المغصوبة.
وتقريره: لا جهتين للخروج حتى يتعلق الأمر والنهى بهما؛ لأنه يتعذر الامتثال بالخروج على تقدير كونه منهيا عنه ولو كان له جهتان لم يتعذر.
ولقائل أن يقول: الخروج من حيث أنه شغل الأرض المغصوبة في الحال ان يكون متعلق النهى، ومن حيث انه سعى في إزالة الغصب يكون متعلق الأمر، فكان له جهتان، وان كان الخروج بشرط نفى المعصية عن نفسه كما تقدم متعلق الأمر، ولا بشرط شيء يكون متعلق النهى، فكان له جهتان.
وأن الاستدلال بتعذر الامتثال غير صحيح؛ لأنه متفرع على اتحاد الجهة. وتصور الامتثال بعد تحقق التعدد كتصور في الصلاة في الأرض المغصوبة.
стр. 323
المندوب
ص - مسألة: المندوب مأمور به. خلافا للكرخي والرازي.
لنا: انه طاعة.
وأنهم قسموا الأمر الى إيجاب وندب.
قالوا: لو كان لكان تركه معصية؛ لأنها مخالفه الأمر، ولما صح: "لأمرتهم بالسواك".
قلنا: المعنى أمر الإيجاب فيهما.
مسألة: المندوب [ليس [بتكليف خلافا للأستاذ. وهي لفظية.
ش- الندب في اللغة: الدعاء، والمندوب المدعو.
وفي الشرع هو: ما يتعلق به الندب. وهو مأمور به عند العامة إلا
стр. 324
الكرخي، وأبا بكر الرازي منا.
واستدل المصنف للعامة بوجهين:
أحدهما: انه طاعة، وكل ما هو طاعة فهو مأمور به، أما الصغرى فبالإجماع، وأما الكبرى؛ فلأن الطاعة تقابل المعصية وهي مخالفه الأمر. فالطاعة امتثاله، فيكون مأمورا به، كما أنه المعصية منهى عنها. وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم أن كل طاعة مأمور بها، وذلك لأن المندوب طاعة عندنا وليس بمأمور به بل هو عين النزاع.
وقوله في دليله: لأن الطاعة تقابل المعصية، ممنوع بعين ما ذكرنا في الكبرى.
والثاني: أن الأمر ينقسم إلى أمر ايجاب وندب، ومورد القسمة مشترك بالضرورة. وحينئذ يكون مأمورا به لا مجاله وفيه نظر؛ لجواز أن يكون الإطلاق بالاشتراك اللفظي كما ذهب اليه بعض، أو بالمجاز لقول آخرين.
стр. 325
وقالا: إنه ليس بمأمور به لوجهين:
أحدهما: أنه لو كان مأمورا به لكان تركه؛ لأنها مخالفه الأمر، لقوله: ﴿أفعصيت أمري﴾ لكنه ليس بمعصيه وإلا لاستحق النار، لقوله - تعالى -: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾.
والثاني: لو كان مأمورا به لما صح قوله -? -: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة "؛ لأن " لولا" لانتفاء الشيء لوجود غيره، فكان الامر منفيا لوجود المشقة والسواك مندوب بالإنفاق، فلو كان مأمورا به لما صح نفى الامر عنه.
وأجاب المصنف عن الوجهين: بأن الأمر الذي يكون ترك معصية، والأمر المنفى عن السواك إنما هو أمر الإيجاب، ولا يلزم من انتفاء أمر الإيجاب انتفاء الأمر المطلق.
ولقائل أن يقول: هذا إنما يستقيم أن لو كان الأمر مشتركا بين الإيجاب والندب ولم يلتزمان ذلك، وأما إذا كان الأمر للوجوب فقط كما هو مذهبهما فلا يكون المندوب مأمورا به حقيقة فكان الخلاف واقعا عن عدم تجرير المبحث، وهو خبط بترك ما يجب في المناظرة.
وقوله: " مسألة المندوب ليس بتكليف " مسألة أخرى تتعلق ببحث المندوب،
стр. 326
وهو أن الندب تكليف أو لا؟
فالعامة على أنه ليس بتكليف، إلا عند ابى إسحاق الإسفراني فإنه جعله تكليفا.
ولقائل أن يقول: هذه المسألة تناقض ما قبلها؛ لأن العامة ذهبوا إلى أنه مأمور به، وكل أمر تكليف لا محاله، ثم يقولون انه ليس بتكليف.
فإن قيل: كل أمر تكليف، إن كان التكليف عباره عما يترجح فعله وأما إذا كان التكليف طلبا يمنع النقيض، فهو ليس بتكليف. وخلافهم نشأ من هذا.
قلت: إن كان كذلك عاد الخبط في تحرير المبحث، وكان قوله: "وهي لفظية" أي هي مسألة لفظيه النزاع معذره عن ذلك.
стр. 327
المكروه
ص- مسألة: المكروه منهى عنه، غير مكلف به، كالمندوب ويطلق أيضا على الحرام، وعلى ترك الأولى.
ش- المكروه ما تعلق به الكراهة، والخلاف في كونه منهيا عنه وعدمه ومكلفا به او غيره كالخلاف في المندوب في كونه مأمورا به أو لا، ومكلفا به أو لا وقد يطلق على الحرام، وعلى ترك الأولى، كترك الجمع بين الحجر والماء في الاستنجاء.
стр. 328
أحكام المباح
ص- مسألة: يطلق الجائز على المباح، وعلى ما لا يمتنع شرعا أو عقلا وعلى ما استوى الامران فيه وعلى المشكوك فيه [فيهما [بالاعتبارين.
مسألة: الإباحة حكم شرعي خلافا لبعض المعتزلة.
لنا: أنها خطاب الشارع.
قالوا: انتفاء الحرج، وهو قبل الشرع.
مسألة: المباح عير مأمور به، خلافا للكعبي.
لنا: أن الأمر طلب يستلزم الترجيح، ولا ترجيح.
قال: كل مباح ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وتأول الإجماع على ذات الفعل، لا بالنظر إلى ما يستلزم، جمعا بين الأدلة.
وأجيب بجوابين:
أحدهما: أنه غير متعين لذلك، فليس بواجب. وفيه تسليم أن الواجب واحد فما فعل فهو واجب قطعا.
الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام إذا ترك بها واجب، وهو يلتزمه باعتبار الجهتين.
ولا مخلص إلا بأن ما لا يتم الواجب إلا به من عقلي أو عادى فليس بواجب.
стр. 329
وقول الأستاذ: " الإباحة تكليف " بعيد.
مسألة: المباح ليس بجنس للواجب، بل هما نوعان للحكم.
لنا: لو كان جنسه لاستلزم النوع التخيير.
قالوا: مأذون فيهما، واختص الواجب.
قلنا: تركتم فصل المباح.
ش-ذكر أحكام المباح في أربع مسائل:
الأولى: في مفهوم المباح، والجائز. والمباح: ما تعلق به الإباحة، والجائز: يطلق على المباح الشرعي، وعلى ما لا يمتنع وجوده شرعا، فيتناول الواجب والمندوب والمباح والمكروه. وعلى ما لا يمتنع وجوده عقلا، فيتناول الواجب، والممكن الخاص. وعلى ما لا يمتنع وجوده وعدمه، وهو المراد بقوله:
"ما استوى الأمران فيه" وهو الممكن الخاص، فيكون أخص مما قبله. وعلى ما يشك فيه في الشرع والعقل باعتبار عدم الامتناع، وباعتبار الاستواء.
стр. 330
قال شيخي العلامة: المعنى أن الجائز يطلق: المعنى أن الجائز يطلق في الشرع على ما يشك أنه لا يمتنع شرعا، وعلى ما يشك أنه استوى الأمران فيه شرعا.
وفي العقل على ما يشك أنه لا يمتنع عقلا، وعلى ما يشك أنه استوى الأمران فيه عقلا.
والثانية: أن الإباحة حكم شرعي، خلافا لبعض المعتزلة.
دليل العامة: أن الإباحة خطاب الشارع بالتخيير بين الفعل والترك وقد سبق أنه حكم شرعي، لدخوله تحت حد الحكم.
وقالت المعتزلة: الإباحة انتفاء الحرج عن الفعل والترك، وهو كان قبل الشرع متحققا.
والسؤال الوارد على عدم تحرير المبحث فيما سبق وارد ههنا؛ لأن مراد المعتزلة: الإباحة لا على معنى ورود خطاب الشرع بها، والعامة تريد بها ما ورد به خطاب الشارع، فلو تحرر المبحث لارتفع الخلاف.
والثالثة: أن المباح مأمور به، أولا.
نفاه الجمهور، وأثبته الكعبي.
стр. 331
واستدل [٦٦/ب] الجمهور: بأن الأمر طلب يستلزم ترجيح الفعل على الترك وترجيح في المباح، فلا يكون مطلوبا، فلا يكون مأمورا به.
ولمعارض أن يقول: الأمر لطلب وجود المأمور به، وأدنى ذلك أن يكون جائز الإقدام عليه فتثبت الإباحة حتى يقوم الدليل على الزائد.
واستدل الكعبي على ان المباح مأمور به: بأنه واجب، وكل واجب مأمور به، أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فلأن كل مباح ترك حرام؛ اذ ما من فعل مباح إلا ويتحقق بمباشرته ترك حرام، وترك الحرام واجب بالإجماع، ولا يتم إلا بمباح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولقائل أن يقول: هذا يستلزم أن يكون المباح حراما؛ لأنه ما من فعل حرام إلا ويستلزم ترك مباح، وفعل الحرام حرام، ولا يتم بترك مباح، وما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام؛ لتوقفه عليه، فيلزم أن ترك المبارحة حراما، لكن ترك المباخر مباحا.
فإن قيل: ما ذكر الكعبي من الدليل إن صح افضى إلى خروق الإجماع؛ لأن العلماء أجمعوا على أن الأفعال التي تتعلق بها الأحكام خمسه: واجب ومندوب ومباح ومكروه وحرام، وإذا صار المباح واجبا، صار الأحكام أربعه، وهو خلاف الإجماع.
أجاب المصنف عنه: بأن الإجماع يأو بالحمل على ذات الفعل، يعنى ان الأقسام بالنظر إلى ذات الفعل مع قطع النظر عما يستلزم من كونه يحصل به ترك الحرام ينقسم الى خمسه، وحينئذ لا يخرج المباح عن كونه مباحا.
وأما بالنظر إلى ما يستلزمه من كون المباح يحصل به ترك الحرام، يصير واجبا، ولابد من هذا التأويل
جمعا بين الأدلة؛ فإن الإجماع لو حمل على كون الفعلمنقسما إلى الخمسة بالنظر إلى ما يستلزمه لزم
بطلان دليل الكعبي، ولوحملعلى ما ذكرنا عمل بالدليلين جميعا، فكان ذلك واجبا.
стр. 332
ولقائل أن يقول: هذا التأويل باطل؛ لأنه كون المباح قسيما للواجب حينئذ ذاتيللفعل فيكون بينهما
منافاة ذاتيه، والمنافي الذاتي لا يمكن أن يصير مما يتوقف عليه وجود قسيمه ولا صفه من صفاته سوى
المنافاة.
وأجيب عن دليل الكعبي بوجهين:
الأول: أن فعل المباح غير متعين لأن يحصل به ترك الحرام، لحصوله بالواجب والمندوب - أيضا- فلم يكن المباح على التعيين واجبا.
وزيفه المصنف: بأن فيه تسليم أن الواجب أحد ما يحصل به ترك الحرام، فمافعله - يعنى المباح- يكون واجبا؛ لأنه أحد ما يخصل به ترك الحرام.
ولقائل أن يقول: ما يحصل به ترك الحرام أحدها غير معين، وهو الواجب، وكل واحد على التعيين معين، وهو غير الامعين فلا يكون واجبا.
والثاني: أن ما ذكره يستلزم أن تكون الصلاة حراما إذا ترك بها واجب، كمنأخر العشاء يوم عرفه
بحيث أنه لو اشتغل بها فات الوقوف بعرفه، فكان الواجب الذي هو الوقوف لا يتم الا بترك الصلاة
فيكون تركها واجبا، وما كان تركه واجباكان فعله حراما.
وزيفه المصنف: بأن الكعبي يلتزم كون الصلاة واجبا حراما بالجهتين كالصلاة في الدار المغصوبة، ثم قال المصنف: ولا مخلص - يعنى من شبهه الكعبي-إلا بأن يقال: ما لا يتم الواجب إلا به إن كان شرطا شرعيا، كالوضوء للصلاة فهو واجب، وإن كان شرطا عقليا، كنصب السلم للصعود، أو عاديا كطلب الرفيق في السفر فليس بواجب شرعا. فحينئذ تندفع شبهة الكعبي، لكون ترك الأضداد من الشروط الواجبة عقلا فلا يلزم من وجوب الشيء شرعا وجوب ترك أضداده.
стр. 333
ولقائل أن يقول: إن الصعود والسفر واحد الأضداد إما أن يكون مأمورا به، أو لا. فإن كان الثاني فليس مما نحن فيه، وإن كان الأول كان الشرط شرطا شرعيا اقتضاء كما تقدم.
وتقدم أن الفرق بين الشرط وغيره تحكم لفساد الدلائل المذكورة فظهر أن ذلك ليس بمخلص، ولعله فيما ذكرنا.
وقوله: "وقول الأستاذ" إشارة إلى ما ذهب إليه أبو إسحاق الإسفراني: أن الإباحة تكليف هو بعيد؛ لأن التكليف إنما يتحقق بطلب ما فيه كلفة، ولا كلفة في التخيير؛ لأنه لم يطلب به شيء.
ولقائل أن يقول: تعريف التكليف بما ذكر من باب التفسير بالتشهي وإنما التكليف طلب شيء، وذلك يقتضي وجود المطلوب. وأدنى طرق تحصيله جواز الإقدام عليه وهو الإباحة فكان تكليفا.
والمسألة الرابعة: أن المباح جنس للواجب، أولا. وقد اختلفوا فيه واختار المصنف عدمه، وهو مذهب الأكثر. بل هما نوعان بحسب فعل المكلف الذي تعلق به الحكم الشرعي.
стр. 334
فقول الحكم بمعناه لمتعلق الحكم.
واستدل على ذلك بأنه لو كان المباح جنسا للواجب لاستلزم النوع، وهو الواجب التخيير؛ لأن التخيير لازم للمباح، والمباح لازم للواجب؛ لأنه جنسه، ولازم اللازم لازم، لكن لا يستلزمه والإد لكان ما فرضناه واجبا لم يكن واجبا، وهذا خلف.
ولقائل أن يقول: هذا يناقض ما قدمه أن ما لا يتم الواجب الإد به إذا لم يكن شرطا شرعيا لا يكون واجبا، واستلزام النوع لما يستلزمه الجنس ليس إلا امرا عقليا، قلا يكون مانعا عن الدخول فيه.
واستدل القائلون بكونه جنسا: بأن الواجب والمباح مأذون فيهما واختص الواجب بفصل " المنع من الترك "، فالمأذون الذي حقيقة المباح مشترك بين الواجب وغيره فيكون جنسا.
وزيفه المصنف: بأن المأذون مشترك بين الواجب الذي هو مأذون مع منع الترك، والمباح الذي هو المأذون مع عدم منع الترك والمأذون بهذا القيد ليس بمشترك بل مباين [٦٧/ب] للواجب.
وهو معنى قولنا من قبل: لو كان جنسا ما كان قسيما بالذات، لكنه قسيم بالإجماع فلا يكون جنساً.
стр. 335
خطاب الوضع
ص-خطاب الوضع، كالحكم على الوصف بالسببية الوقتيه، كالزوال والمعنوية، كالإسكار والملك والضمان والعقوبات، وبالمانع للحكم لحكمه تقتضي نقيض الحكم، كالأبوة في القصاص، وللسبب لحكمه تحل بحكمه السبب، كالدين في الزكاة. فإن كان المستلزم عدمه فهو الشرط فيهما، كالقدرة على التسلم والطهارة.
وأما الضح والبطلان والحكم بهما فأمر عقلي؛ لأنها إما كون الفعل مسقطا للقضاء، وإما موافقه أمر الشارع. والبطلان والفساد نقيضها.
الحنفية: الفاسد: المشروع بأصله، الممنوع بوصفه.
ش-لما فرغ من بيان خطاب الاقتضاء والتغيير شرع في بيان خطاب الوضع، وهو أقسام:
الأول: الحكم على الوصف المعين بكونه سببا .
وهو في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، قال الله - تعالى -: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ أي بحبل، لكونه مما يتوصل به إلى الشيء.
стр. 336
وفي الشرع: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل السمع على تعريفه للحكم الشرعي ولا يكون مؤثرا فيه.
واشترط كونه ظاهرا منضبطا؛ لأن الأسباب إنما وضعت معرفات للأحكام تسهيلا لاطلاع المكلف على أحكام الوقائع المتعسرة عليهم معرفتها خصوصا بعد انقطاع الوحي، وإنما نفى أن يكون مؤثرا؛ لأنه أمر وضعي حادث، فلا يمكن أن يكون مؤثرا وإلا لكان مؤثرا قبل الشرع، وهو باطل.
ثم إنه ينقسم إلى وقتي ومعنوي؛ لأنه إما أن يستلزم في تعريفه حكمه باعثه، أو لا. فإن لم يستلزم فهو الوقتي، كدلوك الشمس فإنه معرف لوفت وجوب الظهر، وإن استلزم فهو المعنوي، كالإسكار فإنه معنوي جعل معرفا للتحريم. والملك جعل سببا لإباحة الانتفاع. والضمان جعل سببا لمطالبه الضامن بالدين. والعقوبات جعلت معرفات للحدود والقصاص. وليس بالحكم الشرعي نفس الوصف المحكوم عليه بالسببية بل الحكم عليه بالسببية.
ولله - تعالى - في كل واقعه عرف الحكم فيها بالسبب حكمان:
أحدهما: نفس الحكم المعرف بالسبب، والآخر السببية المحكوم بها على الوصف المعرف للحكم.
والثاني: الحكم على الوصف المعين بالمانعين، إما للحكم وهو الوصف الوجودي الظاهر المنضبط المستلزم لحكمه تقتضي نقيض حكم السبب مع بقاء حكمة
стр. 337
السبب. كالأبوة في القصاص فإنها وصف وجودي ظاهر منضبط مانع لحكم القصاص مع القتل العمد العدوان لاشتمالها على حكمه تقتضي نقيض القصاص، وتلك الحكمة كون الأب سببا لوجود الابن في يجوز أن يكون سببا لعدمه.
وإما [لسبب [الحكم: وهذا المانع وهو الوصف الوجودي المقتضى لاختلال حكمه السبب، كالدين على مالك نصاب كامل فإنه وصف وجودي يقتضي اختلال حكمه سبب وجوب الزكاة. فإن سبب وجوبها تحقق النصاب الكامل، وجمته سد خلة الفقير. وحكمه المانع للسبب تخل بحكمه السبب؛ لأن سد خلته بإيفاء دينه أولى من سد خله غيره.
و الثالث: الحكم على الوصف بالشرطية . قال شيخي العلامة ﵀: قد ذكرنا أن الوصف المانع للحكم هو المستلزم وجوده لحكمة تقتضي نقيض الحكم. والوصف المانع لسبب الحكم هو المستلزم وجوده لحكمه تقتضي اختلال حكمه السبب. فإن كان الوصف مستلزم عدمه حكمه تقتضي نقيض الحكم، يسمى شرط الحكم. وإن كان الوصف مستلزم عدمه حكمه تقتضي اختلال حكمه سبب الحكم، يسمى شرط السبب.
стр. 338
مثال شرط السبب: القدرة على التسليم؛ فإن ثبوت الملك حكم وصحة البيع سبب , وإباحة ا] لا [نتفاع حكمه صحه البيع, والقدرة على التسليم شرط صحه البيع؛ لأن عدم القدرة على التسليم مستلزم عدم القدرة على الانتفاع الموجب لاختلال إباحة الانتفاع ومثال شرط الحكم: الطهارة في باب الصلاة, فإن حصول الثواب ودفع العقاب حكم, والصلاة سببه, وحكمة الصلاة التوجه الى جناب الحق, والطهارة شرط الصلاة؛ فإن عدم الطهارة مستلزم ما يقتضى نقيض الحكم, أعنى عدم حصول الثواب وعدم دفع العقاب مع بقاء حكمه الصلاة.
قوله: "وأما الصحة والبطلان "اعلم أنهم اختلفوا في الصحة والبطلان في كونهما من خطاب الوضع، أو ليسا بداخلين في الحكم الشرعي بل أمران عقليان، أو أنهما داخلان في الاقتضاء والتخيير.
فمنهم من ذهب إلى أنهما من خطاب الوضع؛ لكونهما من الأحكام وليسا بداخلين في الاقتضاء والتخيير؛ لأن صحة العبادة وبطلانها والحكم بها، وكذا بصحه المعاملات وبطلانها لا يتعلق بها اقتضاء ولا تخيير.
ومنهم من ذهب: إلى أن الصحة معناها: الإباحة. والبطلان معناه: الحرمة، فكانا داخلين في الاقتضاء والتخيير.
стр. 339
وذهب المصنف: إلى أنهما، والحكم بهما غير مستفاد من الشرع، وإنما ذلك أمر عقلي؛ لأن الصحة في العبادة إما كون الفعل مسقطا للقضاء، كما هو مذهب الفقهاء، أو كونه موافقا لأمر الشريعة، كما هو مذهب المتكلمين.
والحاكم بصحتها عند وجود الشرائط والأركان، وبعدمها عندهما على التفسيرين إنما هو العقل ليس إلا، فان ذلك أمرا عقليا ولم يتعرض لصحه المعاملات وبطلانها، وبمكن أن يقال: إنها - أيضا - كذلك؛ لأنها في المعاملات: كون الشيء بحيث يترتب عليه أثره. وإذا كان الشيء مشتملا على الشرائط والأركان، حكم العقل بترتب أثره عليه، سواء حكم الشارع بها أو لم يحكم.
стр. 340
وفيه نظر؛ لأن حكم العقل غير معتبر عنده كما تقدم. وحينئذ لا يحكم في الشرع لا بصحه عبادة ومعاملة ولا ببطلانهما.
قوله: "والبطلان والفساد عندنا نقيض الصحة. فهما مترادفان" إن أراد الترادف اللغوي فليس بصحيح، وإن أراد الاصطلاحي فلا نزاع لكن فيه ترك المناسبة في القسمة؛ لأن الفاسد مأخوذ من قولهم: فسد الجوهر إذا بقي أصله وبقي لمعانه وبياضه، وكذلك بقال: لحم فاسد إذا بقي أصله ولم يبق منتفعا به. وإنما المناسب هو أن يكون الفاسد قسما متوسطا بين الصحيح والباطل.
فالصحيح: ما شرع بأصله ووصفه.
стр. 341
والباطل ما لم يشرع بأصله ووصفه، كالملاقيح والمضامين.
والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، كعقد الربا، فإنه بأصله وهو أنه بيع مشروع، وبوصفه وهو اشتماله على زياده خاليه عما يقابله من العوض غير مشروع.
стр. 342
الرخصة والعزيمة
ص- وأما الرخصة: فالمشروع لعذر مع قيام المحرم لولا العذر كأكل الميته للمضطر , والقصر والفطر في السفر واجبا ومندوبا ومباحا.
ش-لما فرغ من بيان الأحكام وهي عزيمه ورخصه , أرادأن يبين العزيمة والرخصة
والرخصة في اللغة: التيسير.
وفي الشرع: عباره عن المشروع لعذر مع قيام المحرم.
احتراز عن أحد خصال كفاره الظهار بعد تعذر الأولى, كالإطعام فإنه
стр. 343
مشروع لعذر وهو عدم القدرة على الإعتاق, لكن مع عدم القيام المحرم؛ لأن عند فقد الرقبة لا يكون الاعتاق واجبا, وإذا لم يكن واجبا لم يكن محرم ترك الإعتاق قائما.
وإنما فيد بقوله: "لولا العذر" ليعلم أن قيام المحرم إنما كون على تقدير انتفاء العذر، وتركه كان أولى؛ لأنه يستلزم أن يكون الإطعام في كفاره الظهار عند فقد الرقبة رخصه؛ لأنه لولا العذر، وهو فقد الرقبة لكان المحرم قائما، وإنما مثل بأكل الميتة إشارة إلى نفي قول: إن المحرم للأكل [في [المخمصة غير قائم.
وقوله: "والقصر" يعنى للمسافر، وقوله:"والفطر"يعنى للمسافر والمريض والحائض.
وقوله: "واجبا ومندوبا ومباحا" راجع إلى الأمثلة، أي كأكل الميتة حال كونه واجبا، فإن ترك حتى مات أثم والقصر للمسافر حال كونه مندوبا، والفطر للمسافر حال كونه مباحا وكذا إذا كان مريضا لا حائضا بل هو حرام.
والعزيمة: مأخوذة من عزم على كذا إذا قصد مؤكدا قال - تعالى-:
стр. 344
﴿فنسى ولن نجد له عزما﴾.
وفي الشرع: عبارة عما لزم العباد بإلزام الله - تعالى، كالعبادات ونحوها.
стр. 345
المحكوم فيه الأفعال
ص- المحكوم فيه: الأفعال.
شرط المطلوب: الإمكان . ونسب خلافه إلى الأشعري. والإجماع على صحة التكليف بما علم الله أنه لا يقع.
لنا: لو صح التكليف بالمستحيل، لكان مستدعى الحصول؛ لأنه معنى الطلب. ولا يصح؛ لأنه لا يتصور وقوعه. واستدعاء حصوله فرعه لأنه لو تصور مثبتا لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته، وهو محال.
فإن قيل: لو لم يتصور لم يعلم إحالة الجمع بين الضدين؛ لأن العلم بصفه الشيء فرع تصوره.
قلنا: الجمع المتصور جمع المختلفات، وهو المحكوم بنفيه ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره مثبتا.
فإن قيل: يتصور ذهنا للحكم عليه ولا في الخارج.
قلنا: فيكون الخارج مستحيل، والذهني بخلافه.
وأيضا: فيكون الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل.
وأيضا: الحكم على الخارج يستدعى تصوره للخارج.
ش-الأصل الثالث هو المحكوم فيه، وهو الأفعال التي تعلقت بها
стр. 346
الأحكام. وهي إما أن تكون ممتنعه لذاتها، أو لا، والأول: لا يصح التكليف به عند العامة، وحكي عن أبى الحسن الأشعري جوازه.
والثاني: إما أن يكون ممتنعا لغيره، او لا. والثاني: لا نزاع لأحد في أن التكليف به صحيح؛ وكذا الأول بالإجماع.
وقد احتج المصنف على عدم صحة التكليف بالمحال. أي الممتنع لذاته بأنه لو صح التكليف بالمحال لكان مستدعى الحصول، لأن التكليف طلب، ومعنى الطلب استدعاء الحصول، لكنه لا يصح طلب حصوله؛ لأن طلب حصوله يستلزم تصور وقوعه لكونه فرعه، وتصور وقوعه منف؛ لأنه لو تصور مثبتا لزم تصور الأمر على خلاف ماهيته، فإن ماهية الممتنع هو ما لا يتصور وقوعه، وماهية الممكن هو ما يتصور وقوعه فلو تصور الممتنع مثبتا لزم قلب الحقائق.
قوله: "فإن قيل: لو لم تصور" معارضه لمقدمة المعلل.
стр. 347
تقريرها: لو لم يتصور وقوع المحال امتنع التصديق بإحالة الجمع بين الضدين؛ لأن التصديق بصفه الشيء فرع تصوره فالعلم بمعنى التصديق في الموضعين.
ولقائل أن يقول: المقدم إما أن يكون نفى التصور على ما هو الظاهر من لفظه، أو نفى تصور الوقوع. فإن كان الأول فليس مما نحن فيه؛ لأن كلامنا في وقوعه كما تقدم في مقدمه المعلل، وإن كان الثاني فالملازمة ممنوعه، فإن الحكم بإحالة الحم بين الضدين فرع على التصور الجمع لا على تصور وقوعه.
وأجاب المصنف: بأن الجمع المتصور، يعنى بين الضدين في الخارج جمع بين المختلفات، وهو المحكوم بنفيه فهو متصور من حيث النفي ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره مثبتا ليلزم تصور المحال على خلاف ماهيته. وإنما سمى ذلك مختلفات؛ لأنه لا تضاد بين الصور الحاصلة في الذهن.
والضمر في قوله: " ولا يلزم من تصوره منفيا " إن رجع الى الجمع بين المختلفات فليس بصحيح؛ لأنه ليس منفيا عن الضدين؛ لأنها ليست مضادة، وإن رجع الى الجمع بين الضدين لم يكن ذكر المختلفات مناسبا، لخفاء معناه، ولا يناسب في التحقيق إلا ذكره [٦٩/ب].
وقوله: ويلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره مثبتا ليس بصحيح؛ لأن تصور السلب موقوف على تصور الإيجابيات، إذ السلب المطلق غير معقول ابتداء.
ولهذا قيل: الإيجاب أبسط من السلب.
وقوله: " فإن قيل يتصور ذهنا للحكم عليه " منع، لقوله: "ولا يلزم من تصوره
стр. 348
منفياً تصوره مثبتا".
وتقريره: لا نسلم ذلك بل يلزم من تصوره منفيا تصوره مثبتا في الذهن؛ لأنه محكوم عليه فيه فلابد من تصوره، ولا يلزم في الخارج فيلزم تصور الشيء على خلاف ماهيته.
وأجاب عنه بثلاث أجوبه:
الأول: أنه إن كان كذلك فيكون الجمع بين الضدين في الخارج مستحيلا ولا يتصور ثبوته فيه بالاتفاق، وليس نزاعكم فيه ويكون الجمع بينهما في الذهن ممكنا ويتصور ثبوته فيه، وذلك تصور ثبوت ممكن لا محاله فلا يكون مما نحن فيه.
الثاني: أنه حينئذ يكون الحكم باستحالة الجمع بين الضدين حكما باستحالة ما ليس بمستحيل؛ لأن الجمع بينهما في الذهن هو المحكوم عليه.
الثالث: أن الجمع بين الضدين مستحيل في الخارج، والحكم على المستحيل في الخارج يستدعى تصور ثبوته في الخارج لا في الذهن، فالتصور الذهني لا يدل على ثبوت المجال الذي هو الجمع بين الضدين في الخارج.
ولقائل أن يقول: الحق أن التأمل في كلام المعلل عن الأصل يقطع هذا الشغب وذلك لأن معنى كلامه هناك: التكليف بالممكن لئلا يكون عبثا، والمستحيل ليس بممكن فلا يقع التكليف به.
ص-المخالف: لو لم يصح لم يقع؛ لأن العاصي مأمور، وقد علم الله - تعالى - أنه لا يقع.
وأخبر أنه لا يؤمن.
وكذلك من علم بموته، ومن نسخ عنه قبل تمكنه.
ولأن المكلف لا قدرة له إلا حال الفعل، وهو حينئذ غير مكلف فقد كلف غير مستطيع.
ولأن الأفعال مخلوقه لله - تعالى.
стр. 349
ومن هذين نسب تكليف المحال الى الأشعري.
وأجيب: بأن ذلك لا يمنع تصور الوقوع لجوازه منه، وهو غير محل النزاع.
وبأن ذلك يستلزم أن التكاليف كلها تكليف بالمستحيل وهو باطل بالإجماع.
ش-استدل المخالف على جواز التكليف بالمحال: بأنه لو لم يصح لم يقع؛ لأن الوقوع مسبوق بالإمكان، لكنه وقع وبينه بوجوه:
منها: أن العاصي بترك الفعل مأمور بالإتيان، وإلا لم يكن عاصيا بتركه، والإتيان به محال، لأن الله -تعالى-علم عدم وقوعه فلا يقع، وإلا صار علمه جهلا، وكان العاصي مكلفا بما لا يمكن وقوعه.
ومنها: أمر الكفار بالإيمان وأخبر أنهم لا يؤمنون بقوله - تعالى-: ﴿لقد حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون﴾ فلا يقع منهم الإيمان لئلا يلزم الكذب في خبره، فكان تكليفا بالممتنع.
ومنها: أن الله - تعالى - كلف من علم موته قبل تمكنه من الفعل وكذلك كلف من نسخ عنه الفعل قبل تمكنه منه وذلك تكليف بالمحال لا محالة.
ومنها: أن المكلف لا قدرة له على الفعل إلا حال صدور الفعل منه؛ لأنها
стр. 350
لو تقدمت تعلقت بغيره، لاحتياجها إلى متعلق موجود، فلا يكون قدرة لهذا الفعل، فالقدرة حال صدور الفعل، والفعل حينئذ غير مكلف به، لاستحاله التكليف بإيجاد الموجود فيكون التكليف قبل صدوره ولا قدرة حينئذ فكان التكليف بالمحال.
ولقائل أن يقول: هذا الوجه فاسد؛ لأن تمامه باستحالة التكليف بإيجاد الموجود وهو باطل؛ لأن الكلام في أن التكليف بالمستحيل جائز، فكما يجوز التكليف بإيجاد الممتنع يجوز الموجود؛ لأنهما في عدم طريان الموجود سيان.
ومنها: أن أفعال العبد مخلوقه لله - تعالى - على ما عرف في موضعه وكل ما [هو [مخلوق لله لا يكون مقدورا للعبد، وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقدره قادرين بقدرة الاختراع محال.
وإما بقدرتين: إحداهما قدره الاختراع، والأخرى الاكتساب فلا يسلم أنه محال.
ومذهب أبى الحسن الأشعري: أن لا قدرة للفاعل على الفعل إلا حال إيجاد الفعل، وأن أفعال العبد مخلوقة لله - تعالى -، ومن هذين نسب إليه جواز التكليف بالمحال؛ لأن القول بأحدهما يستلزمه فضلا عن القول بهما.
وأجاب المصنف عن ذلك بجوابين:
أحدهما: أن الصور المذكورة يمكن تصور وقوعها من المكلف، لجواز
стр. 351
صدورها منه بحسب الذات وان امتنع صدورها منه بأمر خارجي، وهو تعلق علم الله -تعالى- بعدم وقوعه فيكون غير محل النزاع؛ لأن النزاع إنما هو في الممتنع بالذات.
ولقائل أن يقول: وقوع التكليف بما لا يقع دل على المراد به ليس الامتثال بالفعل فالإمكان مع عدم الوقوع والامتناع سيان في جواز اعتقاد أن المكلف به لو كان ممكنا جائز الوقوع امتثل.
والثاني: أنه يلزم مما ذكرتم أن تكون التكاليف كلها تكيفا بالمحال وهو باطل بالإجماع.
أما استلزام كون القدرة مع الفعل، وكون الفعل مخلوقا لله - تعالى - إياه فظاهر. وأما استلزام علم الله -تعالى- ذلك؛ فلأنه لو وجب كل ما علم الله وقوعه وامتنع كل ما علم الله عدم وقوعه، كانت الأفعال إما واجبه أو ممتنعه، والتكليف بهما محال.
ولقائل أن يقول: هذا غير صحيح لعدم اتصاله بمحل النزاع؛ فإن الكلام في التكليف بالمحال وما علم الله وجوده ليس بمحال فيكون التكليف به تكليفا بالمحال.
وأما ما علم الله -تعالى- عدمه فالتكليف به تكليف بالمحال؛ لكونه محالا، وفيه النزاع بأنه يجوز أن يكلف به لا لوقوعه بل لاعتقاده أنه لو كان ممكنا خصل الامتثال، أو لا يجوز، ولا يلزم من ذلك أن يكون التكليف بذلك مستلزما لأنه تكون التكاليف كلها تكليفا بالمحال.
ص-قالوا: ملف أبا جهل [٧٠/ب] تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومنه أنه لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في ألا يصدقه وهو يستلزم أنه لا يصدقه.
والجواب: أنهم كلفوا بتصديقه.
وإخبار رسوله كإخبار نوح.
стр. 352
ولا يخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم.
نهم لو كلفوا بعد علمهم لانتفت فأئده التكليف، ومثله غير واقع.
ش-هذا دليل آخر لمجوزي التكليف بالمحال.
وتقريره: أن الله - تعالى - كلف أبا جهل تصديق رسول -? -في جميع ما جاء به؛ لأنه كلفه بالإيمان به، وهو تصديق بجميع ما جاء به، ومما جاء به أنه لا يصدقه، فكان مكلفا بتصديقه الرسول -?-في أنه لا يصدقه، وهذا الخبر يستلزم ألا يصدقه، وإلا لزم الكذب في خبر الله - تعالى - فكان مكلفا بالتصديق حال عدم تحقيقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين، فكان التكليف بالمحال واقعا.
ولقائل أن يقول: التكليف بتصديقه بجميع ما جاء به إما أن يكون قبل الإخبار بأنه لا يصدقه أو بعده. لا سبيل إلى الثاني؛ لانتفاء فأئده التكليف لكونه بعد العلم بأنه لا يصدقه كما يجئ فتعين الأول، وحينئذ لا يلزم التكليف بالجمع بالضدين؛ ولأن التكليف بالتصديق لا يصح إلا حال عدم التصديق، وليس ثمة جمع بين الضدين، وإنما كان كذلك أن لو كان مكلفا بالتصديق وعدمه، بل هو مكلف بالتصديق بما جاء به ومن جملته أنه لا يؤمن فكان الاستحالة باعتبار أنه مكلف بما أخبر أنه لا يحصل من المكلف لاعتبار الجمع بين الضدين، فكان ذكر هذا الدليل
стр. 353
مستدركاً؛ لأنه من قبيل أنه كلف الكافر بالإيمان وأخبر أنه لا يؤمن وقد تقدم فيما قبله.
وأجاب المصنف بما حاصله: أنه ليس بمحل نزاع؛ لأنه ممكن في ذاته ممتنع لغيره، ومحل النزاع الممتنع لذاته.
وتقريره على ما ذكره: أبو جهل وأمثاله كلفوا بتصديق الرسول فيما جاء به، وتصديق الرسول فيما جاء به أمر ممكن في نفسه، وإخبار الرسول ﵇ بأنهم لا يصدقونه، كإخبار نوح ﵇ في قوله - تعالى -: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن﴾ والممكن لا يخرج عن إمكانه بخبر الرسول بعدم وقوعه، وبعلم الله - تعالى - أيضا بعدم وقوعه. غاية ما في الباب أنه يكون ممتنعا بسبب الخبر والعلم.
والامتناع بالغير لا ينافي الإمكان فلا يكون تكليفهم بتصديق الرسول تكليفا بالممتنع بالذات الذي هو محل النزاع.
نعم لو كلفوا بتصديقه بعد علمهم أنهم لا يصدقونه، لانتفت فأئده التكليف؛ إذ الفائدة ابتلاء، وذلك مع العلم بعد صدور الفعل عن المكلف غير متصور، والتكليف بالفعل مع علم المكلف بعدم وقوع الفعل منه غير واقع.
ولقائل أن يقول: قوله: "كإخبار نوح".
لا مدخل له في الجواب أصلا.
وقوله: "ومثله غير واقع" يقتضي ألا يكون الكفار المنزل فيهم: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ بعد النزول وعلمهم بذلك مكلفين بالإيمان، وليس كذلك، وإلا لما جاز ذمهم وقتالهم وغير ذلك.
стр. 354
ص-مسأله: حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف قطعا، خلافا لأصحاب الرأي.
وهي مفروضة في تكليف الكفار بالفروع.
والظاهر [الوقوع [.
لنا: لو كان شرطا لم تجب صلاة على محدث وجنب، ولا قبل النية، ولا "الله أكبر " قبل النية، ولا السلام قبل الهمزة. وذلك باطل قطعا.
ش-ذكر في المحكوم فيه ثلاث مسائل:
الأولى: أن خصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف بالمشروط عند جمهور الأشعار والشافعية، وقال أصحاب الرأي، يعنى الحنفية: هو شرط.
وسماهم أصحاب الرأي؛ لأن رأيهم في هذه المسألة أظهر من رأي غيرهم.
والمرد بالشرط الشرعي: ما يتوقف عليه صحة المشروط شرعا. كالوضوء للصلاة.
стр. 355
وهذه المسألة فرضت في تكليف الكفار بالشرائع حاله الكفر، وإن كانت أعم من ذلك.
والظاهر عند المصنف: أن التكليف بالمشروط عند عدم الشرط الشرعي واقع واستدل: بأنه لو كان شرطا في صحة التكليف لم تجب صلاة على محدث وجنب، ولم تجب صلاة قبل النية، ولم يجب -أيضا- "الله أكبر" قبل النية، ولا السلام قبل الهمزة؛ لأن الطهارة عن الحدث الأصغر والأكبر والنية شرط شرعي لصحة الصلاة، والنية شرط لصحة التلفظ بالله أكبر. والهمزة شرط شرعي لصحة التلفظ بالسلام وإذا لم يحصل الشرط - الذي هو حصول هذه الشرائج - انتفى المشروط وهو وجوب هذه الأمور، واللازم باطل قاطعا، فالملزوم مثله.
ولقائل أن يقول: [الملازمة [ممنوعة، وإنما لزم أن لو لم تكن الأهلية قائمه مقامه شرعا؛ فإن المسلم بالإيمان حصل له أهلية حكم الآخرة، وهو الثواب فأقيمت مقام الشرط شرعا؛ لأن الظاهر من حاله أنه إذا خوطب بأداء ما التزمه بالإيمان يحصل شرطه [ولا أهلية] للكافر فافترقا.
следующие страницы →