← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صدورها منه بحسب الذات وان امتنع صدورها منه بأمر خارجي، وهو تعلق علم الله -تعالى- بعدم وقوعه فيكون غير محل النزاع؛ لأن النزاع إنما هو في الممتنع بالذات. ولقائل أن يقول: وقوع التكليف بما لا يقع دل على المراد به ليس الامتثال بالفعل فالإمكان مع عدم الوقوع والامتناع سيان في جواز اعتقاد أن المكلف به لو كان ممكنا جائز الوقوع امتثل. والثاني: أنه يلزم مما ذكرتم أن تكون التكاليف كلها تكيفا بالمحال وهو باطل بالإجماع. أما استلزام كون القدرة مع الفعل، وكون الفعل مخلوقا لله - تعالى - إياه فظاهر. وأما استلزام علم الله -تعالى- ذلك؛ فلأنه لو وجب كل ما علم الله وقوعه وامتنع كل ما علم الله عدم وقوعه، كانت الأفعال إما واجبه أو ممتنعه، والتكليف بهما محال. ولقائل أن يقول: هذا غير صحيح لعدم اتصاله بمحل النزاع؛ فإن الكلام في التكليف بالمحال وما علم الله وجوده ليس بمحال فيكون التكليف به تكليفا بالمحال. وأما ما علم الله -تعالى- عدمه فالتكليف به تكليف بالمحال؛ لكونه محالا، وفيه النزاع بأنه يجوز أن يكلف به لا لوقوعه بل لاعتقاده أنه لو كان ممكنا خصل الامتثال، أو لا يجوز، ولا يلزم من ذلك أن يكون التكليف بذلك مستلزما لأنه تكون التكاليف كلها تكليفا بالمحال. ص-قالوا: ملف أبا جهل [٧٠/ب] تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومنه أنه لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في ألا يصدقه وهو يستلزم أنه لا يصدقه. والجواب: أنهم كلفوا بتصديقه. وإخبار رسوله كإخبار نوح.

стр. 352

ولا يخرج الممكن عن الإمكان بخبر أو علم. نهم لو كلفوا بعد علمهم لانتفت فأئده التكليف، ومثله غير واقع. ش-هذا دليل آخر لمجوزي التكليف بالمحال. وتقريره: أن الله - تعالى - كلف أبا جهل تصديق رسول -? -في جميع ما جاء به؛ لأنه كلفه بالإيمان به، وهو تصديق بجميع ما جاء به، ومما جاء به أنه لا يصدقه، فكان مكلفا بتصديقه الرسول -?-في أنه لا يصدقه، وهذا الخبر يستلزم ألا يصدقه، وإلا لزم الكذب في خبر الله - تعالى - فكان مكلفا بالتصديق حال عدم تحقيقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين، فكان التكليف بالمحال واقعا. ولقائل أن يقول: التكليف بتصديقه بجميع ما جاء به إما أن يكون قبل الإخبار بأنه لا يصدقه أو بعده. لا سبيل إلى الثاني؛ لانتفاء فأئده التكليف لكونه بعد العلم بأنه لا يصدقه كما يجئ فتعين الأول، وحينئذ لا يلزم التكليف بالجمع بالضدين؛ ولأن التكليف بالتصديق لا يصح إلا حال عدم التصديق، وليس ثمة جمع بين الضدين، وإنما كان كذلك أن لو كان مكلفا بالتصديق وعدمه، بل هو مكلف بالتصديق بما جاء به ومن جملته أنه لا يؤمن فكان الاستحالة باعتبار أنه مكلف بما أخبر أنه لا يحصل من المكلف لاعتبار الجمع بين الضدين، فكان ذكر هذا الدليل

стр. 353

مستدركاً؛ لأنه من قبيل أنه كلف الكافر بالإيمان وأخبر أنه لا يؤمن وقد تقدم فيما قبله. وأجاب المصنف بما حاصله: أنه ليس بمحل نزاع؛ لأنه ممكن في ذاته ممتنع لغيره، ومحل النزاع الممتنع لذاته. وتقريره على ما ذكره: أبو جهل وأمثاله كلفوا بتصديق الرسول فيما جاء به، وتصديق الرسول فيما جاء به أمر ممكن في نفسه، وإخبار الرسول ﵇ بأنهم لا يصدقونه، كإخبار نوح ﵇ في قوله - تعالى -: ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن﴾ والممكن لا يخرج عن إمكانه بخبر الرسول بعدم وقوعه، وبعلم الله - تعالى - أيضا بعدم وقوعه. غاية ما في الباب أنه يكون ممتنعا بسبب الخبر والعلم. والامتناع بالغير لا ينافي الإمكان فلا يكون تكليفهم بتصديق الرسول تكليفا بالممتنع بالذات الذي هو محل النزاع. نعم لو كلفوا بتصديقه بعد علمهم أنهم لا يصدقونه، لانتفت فأئده التكليف؛ إذ الفائدة ابتلاء، وذلك مع العلم بعد صدور الفعل عن المكلف غير متصور، والتكليف بالفعل مع علم المكلف بعدم وقوع الفعل منه غير واقع. ولقائل أن يقول: قوله: "كإخبار نوح". لا مدخل له في الجواب أصلا. وقوله: "ومثله غير واقع" يقتضي ألا يكون الكفار المنزل فيهم: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ بعد النزول وعلمهم بذلك مكلفين بالإيمان، وليس كذلك، وإلا لما جاز ذمهم وقتالهم وغير ذلك.

стр. 354

ص-مسأله: حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف قطعا، خلافا لأصحاب الرأي. وهي مفروضة في تكليف الكفار بالفروع. والظاهر [الوقوع [. لنا: لو كان شرطا لم تجب صلاة على محدث وجنب، ولا قبل النية، ولا "الله أكبر " قبل النية، ولا السلام قبل الهمزة. وذلك باطل قطعا. ش-ذكر في المحكوم فيه ثلاث مسائل: الأولى: أن خصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف بالمشروط عند جمهور الأشعار والشافعية، وقال أصحاب الرأي، يعنى الحنفية: هو شرط. وسماهم أصحاب الرأي؛ لأن رأيهم في هذه المسألة أظهر من رأي غيرهم. والمرد بالشرط الشرعي: ما يتوقف عليه صحة المشروط شرعا. كالوضوء للصلاة.

стр. 355

وهذه المسألة فرضت في تكليف الكفار بالشرائع حاله الكفر، وإن كانت أعم من ذلك. والظاهر عند المصنف: أن التكليف بالمشروط عند عدم الشرط الشرعي واقع واستدل: بأنه لو كان شرطا في صحة التكليف لم تجب صلاة على محدث وجنب، ولم تجب صلاة قبل النية، ولم يجب -أيضا- "الله أكبر" قبل النية، ولا السلام قبل الهمزة؛ لأن الطهارة عن الحدث الأصغر والأكبر والنية شرط شرعي لصحة الصلاة، والنية شرط لصحة التلفظ بالله أكبر. والهمزة شرط شرعي لصحة التلفظ بالسلام وإذا لم يحصل الشرط - الذي هو حصول هذه الشرائج - انتفى المشروط وهو وجوب هذه الأمور، واللازم باطل قاطعا، فالملزوم مثله. ولقائل أن يقول: [الملازمة [ممنوعة، وإنما لزم أن لو لم تكن الأهلية قائمه مقامه شرعا؛ فإن المسلم بالإيمان حصل له أهلية حكم الآخرة، وهو الثواب فأقيمت مقام الشرط شرعا؛ لأن الظاهر من حاله أنه إذا خوطب بأداء ما التزمه بالإيمان يحصل شرطه [ولا أهلية] للكافر فافترقا.

стр. 356

ص-قالوا: لو كلف بها لصحت منه. قلنا: غير محل النزاع. قالوا: لو صح لأمكن الامتثال. وفي الكفر لا يمكن وبعده يسقط. قلنا: يسلم ويفعل، [كالمحدث [. الوقوع. ﴿ومن يفعل ذلك﴾ و ﴿لم نك من المصلين﴾ قالوا: لو وقع لوجب القضاء. قلنا: القضاء بأمر جديد. فليس بينه وبين وقوع التكليف ولا صحته [ر [بط عقلي. ش-الحنفية قالوا: لو كلف الكافر بالشرائع لصح أداؤها منهم لئلا يكون التكليف بلا فأئده؛ فإنه عبث. وأجاب المصنف: بأنه غير محل النزاع، ووجه كلامه على وجهين: أحدهما: أن النزاع في أنهم مخاطبون بها على معنى استحقاقهم العذاب على ترك المشروط استحقاقهم إياه على ترك الشرط لا على أنهم مكلفون بالإتيان بالمشروط حال عدم الشرط وإذا لم يكن مكلفا به حال عدم الشرط لم يلزم أن يصح لو أتى به حال عدم الشرط. ولقائل أن يقول: هذا يستلزم أن تكون فائدة هذا التكليف عقوبتهم وهي لا تصلح أن تكون فائدة لأنها ما يكون الشيء به أحسن حالا كما

стр. 357

تقدم، ولا نسلم بأن التكليف بها أحسن حالا من تكليف تكون فائدته إذا ما كلف به، ويستلزم أن تكون العقوبة في مقابلة ترك الشرط أمرا معلوما بمقدار معلوم وفي مقابله ترك المشروط ترك المشروط غير ذلك، والعقل لا يهتدى إلى المقادير، والشرع لم يبينه، ومن ادعى البيان فعليه البيان. الثاني: أن النزاع في أن المكلف حال عدم الشرط يكون [مكلفا [بالفعل بأن يأتي به بعد إتيانه بالشرط وحينئذ لم يلزم من التكاليف بهذا المعنى صحة العبادة لو أتى بها قبل الشرط. ولقائل أن يقول: هذا يؤدى إلى ألا يكون للتكليف فائدة أصلا، لا أداء العبادة، ولا العقوبة على تركها؛ لأنه يكون مكلفا بها بشرط تقديم شرطها، فإذا لم يقدمه لم يعاقب على عدمها لأن عدمها لعدم شرطها، بل يعاقب على ترك شرطها، وهو عذاب الكفر. وأما الأداء فإنه ليس بفائدة هذا التكليف عندهم. وقالوا -أيضا-: لو صح تكليف الكافر بالشرائع لأمكن الامتثال، وإلا كان تكليفا بالمحال، لكنه لا يمكن؛ لأنه في حاله الكفر مستحيل لعدم شرطه وهو الإسلام، وبعدها كذلك؛ لأنها الإسلام يجب ما قبله. وأجاب المصنف باختيار الشق الثاني قال: يجوز أن يسلم ويفعل كالمحدث يتوضأ ويفعل. ولقائل أن يقول: حينئذ يكون تكليف بآخر لا الذي قبله.

стр. 358

قوله: " الوقوع" هو بيان ما ادعى في مطلع البحث أن الظاهر وقوعه وذلك بآيتين: إحداهما: قوله - تعالى-: ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ?يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ?﴾ ووجه ذلك أن الله - تعالى- ذكر المنتهين عن الشرك، وقتل النفس المحرم، والزنا، وعطف عليه قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ إلى آخره. وأشار بلفظ "ذلك" إلى جميع ما تقدم؛ لأن العود إلى البعض خلاف الظاهر، فيكون تضاعف العذاب والخلود فيه في مقابله الجميع. فلو لم يكن الكفار مكلفين بالفروع لما استحقوا العذاب بفعل هذه المحرمات. ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون ﴿يضاعف له العذاب﴾ من باب التمثيل شبه حال مرتكب الأمور بحال من جنى جنايات لكل منها عقوبة معينه يستحقها، وليس هناك في الحقيقة تضاعف؛ إذ ليس فيها ولا في غيرها بيان أن المستحق منها بالكفر ماذا؟ ليكون ما عداه في مقابلة ترك العبادات على أن التضاعف لا يتحقق فيما لا

стр. 359

يتناهى، وعذاب الكفار مما لا يتناهى. والثانية: قوله - تعالى-: ﴿قالوا لن نك من المصلين﴾. ووجه ذلك أن الله - تعالى-حكى عن الكفار: أنهم عللوا دخول النار بترك الصلاة والزكاة، ولم يكذبهم الله -تعالى-، ولم يحكم العقل، بكذبهم، فيكون الظاهر مرادا ويكون ترك الصلاة والزكاة عله لدخول النار. ولقائل أن يقول: معنى قوله: ﴿لم نك من المصلين﴾ لم نك من معتقدي فريضتها ولو لم يكن كذلك لكذبهم الله - تعالى -؛ لأن ترك العبادة مع الكفر ليس بعله لدخول النار بالدلائل التي قدمناها. وقوله: ولم يحكم العقل بكذبهم فاسد؛ لأنه ليس بحاكم عندهم. ومما يدل على صحة التأويل قولهم: ﴿من المصلين﴾ أسي الذين كانوا يصلون، والذين كانوا يصلون هم المؤمنون، فكأنهم قالوا: " لم نك من المؤمنين " فهو دليل لنا حينئذ. وقوله: وقالوا، يعنى الحنفية: لو وقع تكليف الكفار بالشرائع بموجب القضاء؛ لأن المكلف بالعبادة يلزمه الامتثال بالأداء، فإن لم يكن فبالقضاء، لكن لا يجب

стр. 360

القضاء. وأجاب المصنف: بأن القضاء بأمر جديد، ليس بمترتب على وجوب الأداء. وقوله: ليس بينه، أي بين وجوب القضاء وصحة التكليف ولا وقوعه ربط عقلي حتى يلزم من وقوع التكليف بالعبادات أو صحته قضاؤها، فإن التكليف قد يقع بالأداء دون القضاء كالجمعة، وبالعكس كصوم الحائض. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن وجوب القضاء لا يترتب على وجوب الأداء؛ فإن القضاء ما فعل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا، أي بالنظر إلى انعقاد سبب الوجوب لا بالنظر إلى المستدرك كما تقدم، فلو كانوا مكلفين بالشرائع لتحقق سبب الوجوب في حقهم كالمسلمين، ومن تحقق في حقه سبب الوجوب لزم القضاء وان سلمنا ذلك كان القضاء لازماللأمر الجديد على ما ذكرتك، وهو لازم للتكليف بالأداء في المسلمين فيما لا خلف له فلو كلف الكفار بذلك لزم الأمر الجديد أو التحكم أو الصرف وهو باطل.

стр. 361

وقوله: وليس بين وجوب القضاء وبين وقوع التكليف ولا صخته ربط عقلي فاسد؛ لأنه خلف عن الأداء، ولا يتصور بلا أصل، وبيانه بالانفكاك كذلك، لأنا نقول: الخلف لكونه فرعا يستلزم أصلا ولم نقل كل أصل يستلزم فرعا، فلا يلزم إيجاب الأداء في الجمعة دون القضاء. سلمناه، لكن الأداء يستلزم القضاء إذا لم [يكن [له خلف والظهر خلف الجمعة بعد فواتها. وأما صوم الحائض: فلما مر أن القضاء يستلزم سبب وجوب الأداء لا نفسه، وهو متحقق في حقها، على أن نقول: العقل لا يوجبه، ولكن ثبت بالنص على خلاف القياس. على ان حكم العقل مهدر عندهم أصلا، فالتمسك به تناقض ظاهر. ص- مساله: لا تكليف إلا بفعل . فالمكلف به في النهي: كف النفس عن الفعل. وعن أبى هاشم وكثير: نفي الفعل. لنا: لو كان لكان مستدعى حصوله منه، ولا يتصور؛ لأنه غير مقدور له. وأجيب: بمنع أنه غير مقدور له، كأحد قولي القاضي. ورد: بأنه كان معدوماً واستمر.

стр. 362

والقدرة تقتضي أثرا عقلا. وفيه نظر. ش-المسألة الثانية: في أن المكلف به هل يشترط أن يكون فعلا، أو لا. فذهب أكثر المتكلمين إلى أنه لا تكليف إلا بالفعل، وأن المكلف به في النهى كف النفس عن الفعل، وهو فعل، لا نفي الفعل، فإنه ليس بفعل. وذهب أبو هاشم وكثير من المتكلمين إلى جواز التكليف بنفي الفعل، وهو المكلف به في النهي. واستدل المصنف للأول أن نفسي الفعل لو كلف به لكان مستدعى الحصول؛ لأنه مطلوب، وكل مطلوب مستدعى حصوله، لكن لا يكون كذلك؛ لأن استدعاء الحصول فرع تصور وقوعه، ووقوع النفي غير متصور، لكونه غير مقدور عليه؛ لأنه نفي محض. وأجيب: بمنع أن نفى الفعل غير مقدور عليه كما ذهب إليه القاضي أبو بكر في أحد قوليه مستدلا بأن ترك الزنا يوجب مدح المكلف. ] ورد هذا الجواب بأن الفعل كان معدوما قبل وجود المكلف [واستمر العدم بعده فلم يكن العدم بقدرته؛ لأنها تقتضى أثرا عقلا, ولم يوجد. ثم قال: " وفيه نظر" أي في الرد، وذلك لأنا لا نسلم أن نفى الفعل غير مقدور

стр. 363

للمكلف؛ لأنه بعد ان وجد ودعاه نفسه إلى الفعل ولم يطعها وكف عن الفعل يتبع هذا الكف بقاء نفي الفعل، وهو أثر قدرته، فيجوز أن يكون نفي الفعل مكلفا به من هذا الوجه. ولقائل أن يقول: هذه المسألة هذه لا تتعلق بأصول الفقه؛ لأن الأصولي إذا وجد نهيا في كلام الشارع يستبت منه الحرمة أو الكراهة لا محال. وأما أن ذلك كان من حيث أن المكلف به فعل أو نفي لا تأثير له فيه، وإنما هي من مسائل الكلام فذكرها مختصر مثل هذا خبط. ص- مساله: قال الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه . ومنعه الإمام والمعتزلة. فإن أراد الشيخ أن تعلقه بنفسه فلا ينقطع بعده أيضا. وإن أراد أن تنجيز التكليف به باق فتكليف إيجاد الموجود وهو محال، ولعدم صحة الابتلاء فتنتفي فائدة التكليف. قالوا: مقدور حينئذ باتفاق، فيصح التكليف به. قلنا: قلنا بل يمتنع لما ذكرناه. ش-المسألة الثالثة: في أن التكليف بفعل هل ينقطع عن المكلف حال حدوث الفعل أو لا. فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا ينقطع. ومنعه إمام الحرمين والمعتزلة، واختاره المصنف، وزيف قول الشيخ،

стр. 364

قال إن أراد الشيخ بعدم انقطاع التكليف حال حدوث الفعل أن التكليف تعلق بالفعل لنفس التكليف، لزم ألا ينقطع بعد الحدوث أيضا؛ لأن ما بالذات لا يزول، لكنه ينقطع بالإجماع. وإن أراد أن تنجيز التكليف، أي كون المكلف مكلفا بالإتيان بالمكلف به [٧٣/أ]، باق حال حدوث الفعل لزم أن يكون مكلفا بإيجاد الموجود فإن التكليف تعلق بجميع أجزاء المكلف به فلو كان باقيا كان ما حصل من الأجزاء مكلفا به - أيضا-وهو إيجاد الموجود وهو محال. وأيضا لو كان كذلك عدم صحة الابتلاء؛ لأن الابتلاء إنما يصح قبل الشروع في الفعل فتنتفي فائدة التكليف؛ فإن فائدته إما الامتثال أو الابتلاء، وقد انتفيا جميعا. ولقائل أن يقول: القسمة غير حاصره، لجواز أن يكون مراده أن التكليف طلب مستمر منطبق على أجزاء المكلف به فما لم يفرغ بجميع أجزائه لا ينقطع التكليف. وأن قوله: "فتكليف بإيجاد الموجود " غير صحيح؛ لأن ما وجد منه عدم، لكونه لا يبقى فلا يكون بإيجاد الموجود. وقال الشيخ وأتباعه: الفعل حال حدوثه مقدور بالاتفاق فصح التكليف به. وفيه نظر لأنه إما أن يريد بالتكليف تكليفا جديدا، أو بقاء الأول ولا سبيل إلى

стр. 365

الأول؛ لأن النزاع في انقطاع الأول وبقائه، ولا إلى الثاني؛ لأنه المتنازع فيه فلا يوجد في الدليل؛ ولأن الفعل حال حدوثه جزءا فجزئا كل جزء منه واجب؛ لأنه ما لم يجب لم يوجد في يكون مقدورا اذ ذاك. وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم صحة التكليف حينئذ، بل يمتنع لما ذكرنا من لزوم عدم انقطاع بعد تمام الفعل، أو لزوم إيجاد الموجود وعدم الابتلاء، وقد عرفت سقم ذلك.

стр. 366

و المحكوم عليه: المكلف ص-المحكوم عليه المكلف. مسالة: الفهم شرط التكليف. وقال به بعض من جوز المستحيل لعد الابتلاء. لنا: لو صح لكان مستدعى حصوله منه طاعة، كما تقدم، ولصح تكليف البهيمة؛ لأنهما سواء في عدم الفهم. قالوا: لو لم يصح لم يقع، وقد اعتبر طلاق السكران وقتله وإتلافه. وأجيب: بأن ذلك غير تكليف بل من قبيل الأسباب، كقتل الطفل وإتلافه. قالوا: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. قلنا: يجب تأويله، إما بمثل "لا تمت وأنت ظالم". وإما على أن المراد الثمل لمنعه التثبيت، كالغضب. ش-الأصل الرابع: المحكوم عليه وهو المكلف، وفيه ثلاث مسائل. الأولى: الفهم شرط التكليف عند المحققين وبعض من يجوز التكليف بالمحال -أيضا- تركوا أصلهم، بناء على أن فائدة التكليف الابتلاء وهو إنما يكون بالتهيؤ للامتثال وإن لم يكن الامتثال والتهيؤ له لا يحصل بلا فهم فلو جاز انتفى فائدة التكليف.

стр. 367

واستدل المصنف للمحققين بوجهين: أحدهما: أنه لو صح بلا فهم الخطاب لكان مستدعى حصوله من المكلف على وجه الطاعة؛ لأن المكلف به مطلوب، والمطلوب مستدعى الحصول، لكن لا يصح ذلك؛ لأن الاستدعاء ممن لا يفهم عبث. والثاني: أن صحة ذلك تستلزم صحة تكليف البهيمة، لتساويهما في عدم الفهم، والتالي باطل بالإجماع. ولقائل أن يقول: عدم الفهم إن كان لعدم العقل صحت الملازمة، وإن كان [٧٣/ب] لغيره من العوارض فهي ممنوعة. واستدل المجاوزون بالوقود، فإنه لو لم يصح ما وقع؛ لأن الوقوع فرع الجواز، لكنه وقع، فإن طلاق السكران وقاله وإتلافه معتبر وهو غير فاهم. وأجيب: بأنا لا نسلم أنه تكليف بل هو من قبيل الأسباب التي هي أنواع خطاب

стр. 368

الوضع، كقتل الطفل وإتلاف البهيمة إذا أرسلت فأتلفت الزرع، فإن الضمان عليهما ليس باعتبار التكليف، بل من حيث أن فعلهما جعل سببا له فيؤدى الولي وصاحبها الضمان، أو الصبي إذا بلغ، كذلك جعل فعل السكران سببا لأفعاله الصادرة عنه. ولقائل أن يقول: سلمنا أن فعل الصبي والبهيمة سبب، لكن الضمان من حيث أن الولي والممالك مكلفان بالأداء، ألا ترى أن البهيمة لو انفلتت بغير إرسال فأتلفت، فلا ضمان، وكذلك البهائم الوحشية فدل أن السبب لا يستقل بوجوب الضمان ما لم يكن مكلفا، وليس غير السكران من يكون مكلفا دونه فكان مكلفا. واستدلوا -أيضا-بقوله-تعالى-: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ فإنه صريح في كون السكران مكلفا بالنهى عن الصلاة حاله السكر. وأجيب: بأن الآية مأكولة لئلا يبطل ما ذكرنا من الدليل على عدم جواز تكليف من لا يفهم، وفي تأويلها وجهان: أحدهما: أن النهى عن السكر حالة إرادة الصلاة إن نزلت قبل التحريم لا عن الصلاة حاله السكر، وذلك مثل ما بقال: لا تمت وأنت ظالم. فإن النهى عن الظلم عند الموت، لا عن الموت حاله الظلم. والثاني: أن المراد بالسكران: الثمل. وهو الذي ظهر منه مبادئ النشاط

стр. 369

والطرب وما زال عقله، وسمى سكرانا تسميه للشيء باسم ما يؤل إليه، وإنما نهى عن الصلاة في تلك الحالة، وإن كان فاهما، لعدم التثبت في الصلاة؛ لأنه يعسر عليه في تلك الحالة إتمام الخشوع ومحافظة أركان الصلاة على الوجه الصحيح، كالغضبان. وقوله - تعالى-: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ معناه حتى يتكامل فيكم العقل والفهم. ولقائل أن يقول: المصير إلى تأويل الآية إنما يصح إذا كان ما يقابلها في قوتها دفعا للتعارض، وما ذكر من الدليل رأى فلا يكون في القوة بحيث بحوج إلى تأويل النص الصريح، وأن الحقيقة في المستشهد به متعذرة، لكون النهى عن الموت عبثا؛ لأن المخاطب غير متمكن من كف النفس عنه أو تركه إياه فصار إلى المجاز ضرورة كما في قوله - تعالى -: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. بخلاف ما فيه من المثال، فإن النهى عن قربان الصلاة متصور فلا يصار إلى المجاز، على أن النهى عن السكر غير متصور، كالموت فيكون معناه: لا تشربوا الخمر قبل الصلاة، حتى لا تكونوا سكارى حالة الصلاة، فتكون الآية لتحريم الخمر، الفرض أنها نزلت قبل التحريم ولا يجوز أن يكون المراد به ثمل؛ لأنها حينئذ تكون مشتمله على مجازين: أحدهما: تسميه الثمل سكران [٧٤/أ]. والثاني: حمل قوله: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ على يتكامل فيكم العقل مع إمكان العمل بالحقيقة، وهو يمنع العمل بمجاز واحد فضلا عن المجازين على أن

стр. 370

عدم التثبت وعدم إتمام الخشوع وعدم محافظة أركان الصلاة في الثمل ممنوع. ص-مساله: قولهم: الأمر يتعلق بالمعدوم، وإن لم يرد تنجيز التكليف، وإنما أريد التعلق العقلي. لنا: لو لم يتعلق به لم يكن أزليا؛ لأن من حقيقته التعلق، وهو أزلي. قالوا: أمر ونهى وخبر من غير متعلق موجود محال. قلنا: محل النزاع وهو استبعاد. ومن ثمة قال ابن سعيد: إنما يتصف بذلك فيما لا يزال. وقال: القديم الأمر المشترك. وأورد: أنواعه فيستحيل وجوده. قالوا: يلزم التعدد. قلنا: التعدد باعتبار المتعلقات لا يوجب تعددا وجوديا. ش-المسألة الثانية: الأمر يتعلق بالمعدوم عند الأشعري لا على معنى أن المعدوم يجوز أن يكون مأمورا بالإتيان بالمأمور به حال كونه معدوما؛ فإنا المجنون والصبي ليسا بالمأمورين بالإتيان بالمأمور به فضلا عن المعدوم، بل على معنى أن الطلب القائم بذات الله - تعالى- يجوز أن يتعلق بالمعدوم الذي هو ثابت في علمه - تعالى - في الأزل، بحيث أنه إذا وجد واستعد لفهم الخطاب يكون مكلفا بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب. وقالت المعتزلة: لا يجوز أن يكون الأمر أزلياً.

стр. 371

واستدل المصنف على مذهب الأشعري: بأن الأمر لو لم يتعلق بالمعدوم بالمعنى المذكور، لم يكن الأمر أزلياً؛ لأن التعلق بالغير جزء من حقيقة الأمر، فإذا لم يتعلق بالمعدوم لم يكن التعلق موجوداً فلم يكن الأمر موجوداً؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه، لكنه أزلي لما بين في الكلام أن خطاب الله قديم. فقوله: ﴿﴿لأن من حقيقته التعلق﴾﴾ إشارة إلى بيان الملازمة. وقوله: ﴿﴿وهو أزلي﴾﴾ إشارة إلى نفي التالي. ولقائل أن يقول: هذه المسألة من مسائل الكلام فإيرادها ههنا خبط. واستدل المعتزلة: بأن خطاب الله في الأزل أمر ونهي وخبر والأمر والنهي والخبر من غير متعلق موجود محال، فخطاب الله في الأزل محال. أمّا الصغرى؛ فلأنه المفروض، وأمّا الكبرى فلأن كلاً منها يستحيل بدون متعلق موجود إخراجاً لها عن وصمة اللاغية. وقال المصنف: أنه محال النزاع، يعني أن استحالتها من غير متعلق موجود خارجي، عين النزاع. فإنا نقول: يجوز أن يكون متعلقاً عِلْمِيّاً لا يحتاج إلى خارج غاية ما في الباب استبعاد التعليق بدون متعلق خارجي، وهو لا يدل على الامتناع. قوله: ﴿﴿من ثمة﴾﴾ أي استعداد خطاب بلا سامع.

стр. 372

قال عبد الله بن سعيد: إن الأمر والنهي والخبر إنما يتصف بها كلام الله فيما لا يزال الذي يقابل الأزل. وقال القديم: هو الأمر المشترك بين الثلاثة الذي هو الكلام فقد جمع بين المصلحتين: إثبات الكلام في الأزل، والحكم بحدوث الأمر والنهي والخبر الموجب لرفع الاستبعاد. وَأُورِدَ عَلَى عبد الله بن سعيد أن الأمر والنهي والخبر أنواع الكلام ولا نوع له سواه، فحينئذٍ يستحيل وجود الكلام في الأزل على تقدير كون أنواعه حادثة؛ لأن الجنس لا يوجد إلا في أحد أنواعه، وإذا لم يتحقق شيء من أنواعه في الأزل لم يتحقق هو فيه. ولقائل أن يقول: هذه الأنواع، أنواع الكلام النفسي أو الكلام اللفظي، والثاني مسلّم، وليس الكلام فيه، والأول ممنوع. وقوله: ﴿﴿وقالوا﴾﴾ يعني المعتزلة استدلوا بدليل آخر على عدم خطاب الله في الأزل بما تقريره: لو كان كلام الله في الأزل كان متعدداً؛ لأنه عبارة عن الأمر والنهي والخبر، وذلك متعدد، لكن اتفق الجمهور على أن كلام الله واحد في الأزل لا تعدد

стр. 373

فيه كما أن علمه واحد، ومع وحدته محيط بجميع الأشياء. وأجيب: بمنع الملازمة. قوله: ﴿﴿لأنه عبارة عن الأمر والنهي والخبر﴾﴾. قلنا: ذلك تعدد اعتباري في المتعلقات، فإنها متعلقات كلام الله والتعدد باعتبارها لا يوجب التعدد في وجوده، والجمهور إنما اتفقوا على انتفاء التعدد في الوجود دون الاعتبار. ومعنى وحدة الكلام في ذاته وتعدده باعتبار المتعلقات: أن الكلام في نفسه واحد، وباعتبار أن يكون متعلقاً بما لو فُعِلَ استحق فاعله المدح، ولو ترك استحق الذم، يكون أمراً، وباعتبار تعلقه بما لو ترك استحق فاعله المدح، وإن فعل استحق الذم يكون نهياً. وباعتبار تعلقه بما لا طلب فيه، كان خبراً. ولقائل أن يقول: قوله: التعدد اعتباري لا يكاد يصح؛ لأن الاعتبار ينعدم بعدم المعتبر، والمعتبر غير موجود في الأزل فلا يكون في كلامه في الأزل أمر ولا نهي فلا يكون طلب، فلا يكون خطاب، والحال أن الطلب والخطاب قديم، وقد ذكرنا أن هذه المسألة من الكلام، بل سمي أصول الدين: علم الكلام بسبب هذا البحث فلا يليق إيراد [هـ] ههنا. ص ــ مسألة: يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته. فلذلك يعلم قبل الوقت. وخالف الإمام والمعتزلة. ويصح مع جهل الآمر اتفاقاً.

стр. 374

لنا: لو لم يصح لم يعص أحد أبداً؛ لأنه لم يحصل شرط وقوعه من إرادة قديمة أو حادثة. وأيضاً: لو لم يصح لم يعلم تكليف؛ لأنه بعده، ومعه ينقطع، وقبله لا يعلم. فإن فَرَضه متسعاً فرضنا زمناً زمناً، فلا يعلم أبداً. وذلك باطل. وأيضاً: لو لم يصح [لم] يعلم إبراهيم ــ ﷺ ــ وجوب الذبح والمنكر معاند. وقال القاضي: الإجماع على تحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن. ش ــ المسألة الثالثة: في أنه هل يصح التكليف بفعل علم الآمر انتفاء شرط وقوع ذلك الفعل عن المكلف عند وقته أو لا. فذهب الجمهور إلى صحته، وفرعوا على ذلك علم المكلف قبل وقت الفعل أنه مكلف به، فلو لم يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه من المكلف، لم يتمكن من العلم بكونه مكلفاً به قبل الوقت؛ ضرورة توقف العلم قبل الوقت بكونه مكلفاً به، على العلم بتحقق شرط وقوع الفعل منه عند الوقت. ولقائل أن يقول: إن أريد بالمكلف المقلد الذي لم يدرك هذا المعنى فمسلم، ولكنه لا يتناول الجميع فلا يصلح دليلاً، وإن أريد المجتهد الذي أدرك هذا المعنى فممنوع، لجواز أن لا يقطع بكونه مكلفاً قبل الوقت لتردده في وقوع شرط الفعل المكلف به. وأن يقول: إن هذه المسألة راجعة إلى أن الامتناع بالغير هل ينافي التكليف أو لا؟ وقد تقدم، فكانت يستغنى عنها. ?

стр. 375

وخالفهم إمام الحرمين والمعتزلة. وأمّا التكليف بما جهل الآمر انتفاء شرط وقوعه من المكلف عند الوقت فصحيح بالإتفاق، كما إذا قال السيد لعبده: ﴿﴿صم غداً﴾﴾ فإن هذا مشروط ببقاء العبد غداً، وهو مجهول للآمر. واستدل المصنف على مذهب الجمهور بثلاثة أوجه: الأول: لو لم يصح ذلك لم يعص أحد من المكلفين أبداً بترك ما أمر به أو نهي عنه؛ لأن وقوع كل فعل مشروط بإرادة قديمة هي إرادة الله ــ تعالى ــ كما هو مذهب أهل الحق، أو بإرادة حادثة هي إرادة الخلق كما هو مذهب المعتزلة. فإذا ترك المكلف الفعل فقد علم الله ــ تعالى ــ أنه لا يريد وقوع ذلك الفعل منه. والفرض أن لا تكليف عند العلم بانتفاء شرط وقوع الفعل، وإذ لا تكليف فلا عصيان، لكن التالي باطل بالإجماع فيلزم بطلان المقدم هذا على تقدير الإرادة القديمة. وأمّا على الإرادة الحادثة فيقال: علم الله ــ تعالى ــ أن المكلف لا يريد أن يفعل فيكون عالماً بانتفاءِ شرط وقوع الفعل فلا يكون مكلفاً بذلك الفعل فلا يكون عاصياً. والثاني: لو لم يصح، لم يُعْلم تكليف أصلاً؛ لأنه ينقطع بعد الفعل اتفاقاً ومعه عند المعتزلة، والمنقطع معدوم، والمعدوم لا يعلم تكليفاً وإلا لكان العلم على خلاف الواقع فلا يكون علماً. وقبل الفعل لا يجزم بوقوع الشرط عند وقت الفعل،

стр. 376

وإذا لم يجزم بوقوع الشرط لم يجزم بوقوع المشروط. فلا يعلم التكليف قبل الفعل. وإذا لم يعلم قبل الفعل ومعه وبعده لا يعلم أصلاً. قوله: ﴿﴿فإن فَرَضَهُ متسعاً﴾﴾ جواب عما يقال: لا نسلم الملازمة، لجواز أن نفرض التكليف بالفعل موسَّعاً، كالواجب الموسع، فإنه إذا انقضى من الوقت القدر الذي يمكن المكلف من الإتيان بالفعل الواجب فيه ولم يأت بعد، فقد علم التكليف بالفعل؛ لعلمه حينئذ بتمكنه من الفعل. وتقرير الجواب أن يقال: نفرض زمناً زمناً، أي يجري الوقت الموسع إلى ما قبل الفعل ومعه وبعده. ونقول: التكليف لم يعلم قبل أول الزمان الموسع، لعدم الجزم بتمكنه من الفعل، ولا مع أوّل الزمان الموسع، إن وقع الفعل فيه، ولا بعده، لانقطاع التكليف. وكذا في بقية الأجزاء. ولقائل أن يقول: لا نسلم عدم الجزم بوقوع الشرط قبل الفعل لم لا يجوز أن يكون الإنسان إذا بلغ أول جزء من الوقت ولم يجد نفسه عادماً شيئاً من الأفعال الاختيارية أن يجزم بوقوع شرط التكليف ويعلمه ويتمكن؟ سلمناه، لكن إذا مضى أوّل جزء من الفعل ينقطع معه التكليف، فلم لا يجوز أن يحصل معه العلم كما أنه ينقطع معه التكليف؟ سلمناه، لكن إذا انقضى الفعل وانقطع التكليف لم لا يجوز أن يتبين له أنه كان مكلفاً من أوّل الفعل؟ والجهل إنما يلزم أن لو علم نفسه مكلفاً بعد الانقضاء؛ لأنه خلاف الواقع، أمّا إذا علم أنه كان مكلفاً قبل الحال فهو مطابق للواقع. وأمّا فرض الوقت زمناً زمناً فليس بمجرد ظاهراً؛ لأنه بعد ما مضى الجزء الأول من الموسع علم أنه كان متمكناً ولم يأت به، فكان عالماً بالتكليف. ولا نسلم انقطاع التكليف بعد أوّل الزمان؛ لأن التكليف في جميع الوقت على

стр. 377

ذلك التقدير. والثالث: لو لم يصح ذلك لم يعلم إبراهيم ــ صلوات الله عليه وسلامه ــ وجوب ذبح ولده؛ لأن الله ــ تعالى ــ علم انتفاء شرط وقوعه، وإذا لم يكن مكلفاً به لم يكن عالماً به، لكنه علم به؛ لأنه أخذ في مقدماته من الإضجاع، وتلّ الجبين، وإمرار المُدْيَة. ومن أنكر علم إبراهيم ــ ﵇ ــ بوجوب الذبح فهو معاند. وفيه نظر؛ لأن هذا الوجه بعينه هو تكرار التفريع الذي ذكره في مطلع البحث بقوله: ﴿﴿فلذلك يعلم قبل الوقت﴾﴾ على أن في ذلك سراً آخر يذكر مشافهة. واحتج القاضي أبو بكر على صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه: بأن الإجماع منعقد قبل ظهور المخالف على أن كل واحد من الوجوب والتحريم قد تحقق قبل التمكن من الفعل؛ فإن البالغ العاقل مأمور بالطاعات، منهي عن المعاصي، وهما مع عدم الأمر والنهي محال. فلو لم يصح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه لم يتحقق الوجوب والتحريم قبل التمكن من الفعل، لجواز ظهور انتفاء شرط الوقع عند الوقت.

стр. 378

ولقائل أن يقول: معنى قولهم: مأمور الطاعات ومنهي عن المعاصي فيما علم الآمر شرط وقوع الفعل عند الوقت. [ولقائل أن يقول] فلم ينهض دليلاً على ذلك. ص ــ المعتزلة: لو صح لم يكن الإمكان شرطاً فيه. وأجيب: بإن الإمكان المشروط أن يكون مما يأتي فعله عادة عند وقته واستجماع شرائطه. والإمكان الذي هو شرط الوقوع محل النزاع. وأيضاً: يلزم أن لا يصح مع جهل الآمر. قالوا: لو صح لصح مع علم المأمور. وأجيب: بانتفاء فائدة التكليف. وهذا يطيع ويعصي بالعزم والبشر والكراهة. ش ــ قالت المعتزلة: لو صح التكليف بذلك لم يكن إمكان المكلف به شرطاً فيه؛ لأن الفعل الذي علم الآمر انتفاء شرط وقوعه ليس بممكن؛ لأن العلم بعدم الشرط لا يحتمل نقيضه، وإذا عدم الشرط عدم المشروط ضرورة فكان ممتنعاً، لكن إمكانه شرط بالإتفاق. ولقائل أن يقول: المراد بالامتناع الذاتي أو ما لغير. والأول ممنوع والثاني مسلّم؛ فإن شرط التكليف إمكان المكلف به، والامتناع بالغير لا ينافيه، كما تقدم.

стр. 379

وأجاب المصنف بجوابين: أحدهما: أن الإمكان الذي هو شرط صحة التكليف هو أن يكون المكلف به مما يأتي فعله عادة عند دخول وقته واستجماع شرائطه والفعل الذي علم الآمر انتفاء شرط وقوعه ممكن بهذا الإمكان، وامتناعه بسبب [انتفاء] شرط وقوعه لا ينافي هذا الإمكان، بل الإمكان الذي هو شرط وقوع الفعل ينافي امتناعه بسبب انتفاء شرط وقوعه وكون هذا الإمكان شرطاً لصحة التكليف محل النزاع. وحاصله أن للفعل إمكاناً من حيث التكليف به، وإمكاناً من حيث وقوعه، والأول لا ينافيه الامتناع بسبب انتفاء شرط وقوعه. والثاني ينافيه، ولكن ليس ذلك الإمكان شرط التكليف بل هو محل النزاع. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الفعل الذي علم الآمر انتفاء شرط وقوعه ممكن على معنى أنه عند دخول وقته واستجماع شرائطه يتأتى وقوعه من المكلف؛ لأن الاستجماع محال، والموقوف على المحال محال. فإن قيل: المراد لو فرض استجماع شرائطه. قلنا: ذلك فرض محال، والمحال جاز أن يستلزم محالاً آخر فلا يثبت به المطلوب. والثاني: لو صح ما ذكرتم لم يصح التكليف بما إذا جهل الآمر انتفاء شرط وقوعه؛ لأن مثل هذا الفعل قد يكون ممتنعاً، لجواز انتفاء شرط وقوعه وفيه نظر؛ فإنه يجوز أن تمنع الملازمة، لجواز أن لا يكون الفعل ممتنعاً. وقالت ــ أيضاً ــ المعتزلة: لو صح التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه، لصح بما علم المأمور انتفاء شرط وقوعه، قياساً عليه. والجامع كون كل واحد منهما معلوماً عدم حصوله. ولقائل أن يقول: العلم بعدم الحصول لا يصلح أن يكون جامعاً؛ لأن الجامع

стр. 380

لابد وأن يكون علة في الأصل، وههنا ليس كذلك؛ إذ لا يصح أن يقال: إنما كلفه به لعلمه بعدم الحصول. وأجاب المصنف: بالفرق. فإن محل الوفاق إنما لا يصح التكليف به لانتفاء فائدة التكليف، وهو الامتثال أو العزم عليه. وإذا علم المأمور امتناع الفعل، يمتنع الامتثال منه والعزم جميعاً. بخلاف ما إذا لم يعلم المأمور امتناع الفعل، فإنه قد يعزم فيطيع بالعزم والبشر، وقد يعصى بالترك والكراهة. وقد تقدم أن الفرق غير صحيح عند المحققين لوجهين مرّ ذكرهما.

стр. 381

الأدلة الشرعية ص ــ الأدلة الشرعية: الكتاب والسنة والإجماع، والقياس، والاستدلال . وهي راجعة إلى الكلام النفسي وهو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم. والعلم بالنسبة ضروري. ولو لم تقم [به] لكانت النسبة الخارجية؛ إذ لا غيرهما. والخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل المفردين. وهذه متوقفة. الأول الكتاب: القرآن، وهو الكلام المنزل للإعجاز بسورة منه. [و] قولهم: ﴿﴿ما نقل بين دفتي المصحف تواتراً﴾﴾ حد للشيء بما يتوقف عليه؛ لأن وجود المصحف ونقله فرع تصور القرآن. ش ــ لما فرغ من بيان المبادئ شرع في الأدلة الشرعية، أي السمعية، وقدمهاعلى الاجتهاد والترجيح؛ لأن الاجتهاد لمعرفة كيفية استنباط الحكم من الدليل، والترجيح لبيان قوة بعض الأدلة على بعض، وكلاهما مسبوق بالأدلة. ووجه حصرها في الخمسة المذكورة؛ أن الدليل إما أن يكون معجزاً أو لا. والأول: الكتاب، والثاني إما أن يكون من عند الرسول أو لا. والأول: السنة، والثاني إما أن يكون ممن يجوز عليه الخطأ أو لا. والثاني هو: الإجماع، والأول إما حمل فرع على أصل بعلة جامعة أو لا.

стр. 382

والأول هو: القياس، والثاني: الاستدلال، وكل ذلك راجع إلى الكلام النفسي؛ لأن أصله الكتاب. أما السنة فلقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْهُوَإِلَّاوَحْيٌيُوحَى (٤)﴾. وأما الإجماع؛ فلأن أصله الكتاب أو السنة، فهو راجع إلى الكتاب. وأما القياس والاستدلال؛ فلأن كلاً منهما راجع إلى معقول الكتاب أو السنة أو الإجماع. وعلى التقادير يلزم رجوعها. والكتاب هو الكاشف عن الكلام النفسي القائم بذات الله ــ تعالى ــ فيكون الكلام راجعاً إلى الكلام النفسي.

стр. 383

وعرف المصنف الكلام النفسي بأنه نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم. وقال: والعلم بالنسبة ضروري، أي كون الكلام النفسي نسبة، العلم به ضروري. واستدل على قيام النسبة بالمتكلم بأنها لو لم تقم به لكانت النسبة الخارجية، أي تكون خارجة عن المتكلم، لأنها إما أن تكون بنفس المتكلم أو لا تكون قائمة به، لا ثالث ثمة، لكنها ليست نسبة خارجة عن المتكلم، لأن النسبة الخارجية لا يتوقف حصولها على تعقل مفرديها وهذه النسبة يتوقف حصولها على تعقل

стр. 384

مفرديها. فالنسبة الخارجية لا تكون هذه النسبة فهي تكون قائمة بالمتكلم. ولقائل أن يقول: هذا التعريف صادق على الكلام اللفظي أيضاً. يجوز أن يقال: هو نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلم؛ إذ لو لم تقم به لكانت خارجة، لكنها ليست خارجة؛ لأن الخارجة لا تتوقف على حصول المفردين في العقل، وهذه النسبة يتوقف تعقل حصولها على مفرديها. وأيضاً، هو إثبات الحد بالبرهان، وهو غير جائز. ولعل الأولى أن يقال: الكلام النفسي هو: الصورة العلمية للكلام اللفظي وهو ما تضمن كلمتين بالإسناد. ذكر الأدلة على الترتيب الوضعي وذكر في الكتاب مقدمة وثلاث مسائل وخاتمة. وعرف الكتاب باسم أشهر، وهو القرآن، ولما كان مما يتوهم أن القرآن يطلق على الكلام النفسي مجازاً، تسمية للمدلول باسم الدال أزاله بقوله: ﴿﴿وهو الكلام المنزل﴾﴾. ليخرج النفسي، فإن الأصولي لا يبحث فيه. فقوله: ﴿﴿هو الكلام﴾﴾ كالجنس، وبقوله: ﴿﴿المنزل﴾﴾ يخرج غيره. وقوله: ﴿﴿للإعجاز﴾﴾ وهو إظهار صدق دعوى

стр. 385

النبي، يخرج الأحاديث [القدسية] والكتب المنزلة على الأنبياء الماضية إن لم يكن نزولها للإعجاز، وهو الظاهر. وقوله: ﴿﴿بسورة منه﴾﴾ وأراد بعضاً مخصوصاً يساوي في القدر، ﴿﴿الكوثر﴾﴾ التي هي أقصر سورة، يخرج الآية وبعضها، والكتب المنزلة إن نزلت للإعجاز؛ لأن الإعجاز لم يكن بسورة منه. وفيه نظر؛ لأنه جعل غاية الإنزال الإعجاز، وليس كذلك، بل غايته بيان التوحيد والشرائع، والحكمة العلمية والعملية ولزم من ذلك الإعجاز؛ ولأنه ليس بصادق على أقصر سورة أو آية منه؛ لأنه لم ينزل للإعجاز بسورة من أقصر سوره أو من آية. ثم زيّف تعريفاً للكتاب ذكره الغزالي في المستصفى وهو: ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً، بأنه حد للشيء بما يتوقف تصوره على ذلك الشيء؛ لأن تصور ما نقل إلينا بين دفتي المصحف موقوف على نقله إلينا وعلى وجود المصحف، والمصحف ما ثبت فيه القرآن، فالنقل موقوف على وجود المصحف وتصوره، ووجوده وتصوره موقوف على وجود القرآن وتصوره، وذلك دور. ودفع بالعناية بأن هذا التعريف إنما ذكره لغير المثبت، والإثبات والنقل لا يستدعيان تصور القرآن إلا بالنسبة إلى المثبت. ص ــ مسألة: ما نقل آحاداً فليس بقرآن للقطع بأن العادة تقضي بالتواتر في تفاصيل مثله. وقوة الشبهة في ﴿﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾﴾ منعت من التكفير من الجانبين. والقطع أنها لم تتواتر في أوائل السور قرآناً، فليست بقرآن فيها قطعاً، كغيرها.

стр. 386

وتواترت بعض آية في النمل فلا مخالف. قولهم: مكتوبة بخط المصحف. وقول ابن عباس: ﴿﴿سرق الشيطان من الناس آية﴾﴾. لا يفيد؛ لأن القاطع يقابله. ش ــ المسألة الأولى: ما نقل إلينا آحاداً فليس بقرآن. للقطع بأن العادة تقضي أن يكون مثل هذا الكتاب المعجز متواتراً في أصله وأجزائه ووضعه وترتيبه ومحله، إذ الدواعي [تتوفر] على نقله إلى أن يصير متواتراً. فما لم يبلغ حد التواتر لا يحكم بكونه قرآناً. ولقائل أن يقول: أراد بقوله: ﴿﴿تفاصيل مثله﴾﴾ مثل القرآن، فالقرآن لا مثل له، فإن نوعه منحصر في شخصه، وإن كان المثل زائداً، كما في قوله: ﴿﴿مثلك لا يبخل﴾﴾ فلا عادة فيه، ولو أخذ ﴿﴿التواتر﴾﴾ في حده استغنى عن هذه الخطابة في غير محلها. قوله: ﴿﴿وقوة الشبهة﴾﴾ جواب عما يقال: ثبت مما ذكر أن كل ما هو متواتر من المنزل فهو قرآن، والبسملة كذلك فهو قرآن، وذلك يستلزم إكفار من تردد فيه، وليس كذلك؛ فإن روي عن الشافعي أنه في غير سورة النمل تردد في كونها من القرآن في أول كل سورة أو لا. وكذلك نُقِلَ عن جميع الأصوليين والقاضي أبي بكر.

стр. 387

وفي الجملة إما أن تكون قرآناً في أوائل السور أو لا. فإن كانت لزم تكفير من تردد، وإن لم تكن لزم تكفير من جعلها فيها منه. وتقرير الجواب: قوة الشبهة من جانب المتردد والمثبت منعت من أن تكفر ?

стр. 388

إحدى الطائفتين، ثم ذكر مختاره بقوله: ﴿﴿والقطع أنها لم تتواتر في أوائل السور قرآناً فليست بقرآن فيها﴾﴾؛ لأنا نقطع بأنها لم تتواتر قرآناً فيها. وكل ما هو كذلك لا يكون قرآناً قطعاً، كغيرها الذي لم يتواتر وسوءُ تركيبه لا يخفى، فإنه لا تعلق له بما قبله أصلاً، وكان المناسب أن يقول بعد قوله: ﴿﴿ما نقل آحاداً فليس بقرآن﴾﴾ إلى قوله: ﴿﴿مثله﴾﴾ والبسملة لم تتواتر في أوائل السور، فلم يكفر المتردد فيه، ثم ذكر أنها تواترت بعض آية في النمل، فلا مخالف في أنها قرآن في سورة النمل؛ لأن المتواتر مقطوع، والمقطوع لا يخالف فيه ثم ذكر شبهة القائلين بكون التسمية في أوائل السور من القرآن بوجهين: أحدهما: أنها فيها مكتوبة بخط المصحف، ولم ينكره أحد من الصحابة فكانت فيها قرآناً، لمبالغتهم في الحفظ والصيانة عن [خلط] ما ليس منه به، حتى منعوا من كتبة أسامي السور والتعشير في القرآن حذراً عن الاختلاط. ولقائل أن يقول: عدم إنكارهم ذلك إن كان دليلاً لا يزيد على كونه إجماعاً سكوتياً، فيجوز أن لا يلتزم حجيته الخصم. والثاني: أنه نقل عن ابن عباس ــ ﵄ ــ أن قال: ﴿﴿سرق الشيطان من الناس آية﴾﴾ إشارة إلى ترك التسمية في أوائل السور ولم ينكر عليه أحد، فدل قوله ?

стр. 389

مع عدم الانكار على أنها من القرآن في أوائل السور. ثم أجاب عنهما جميعاً: بأنهما لا يفيدان؛ لأنهما ظنيان، وما يقابلهما ــ وهو أنها لو كانت قرآناً لتواترت ــ قطعي. والظني لا يفيد إذا كان مقابله قطعياً. فقوله: ﴿﴿قولهم﴾﴾ مبتدأ. وقوله: ﴿﴿لا يفيد﴾﴾ خبره. . ولقائل أن يقول: شرط كون القرآن متواتراً إنما أثبته بالعادة، وقد تقدم ضعفه، فلا يكون المقابل قطعياً. والعجب من حال هؤلاء أنهم يجعلون العادة دليلاً فيما هو من أعظم أمور الدين، ويعلمون أن دلالة العادة عقلية ثم يهملون العقل عن الدلالة أصلاً ورأساً. ص ــ قولهم: لا يشترط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله ضعيف، يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر. وجواز إثبات ما ليس بقرآن منه. مثل ﴿﴿ويل﴾﴾ و ﴿﴿فبأي﴾﴾. لا يقال: يجوز، ولكنه اتفق تواتر ذلك. لأنا نقول: لو قطع النظر عن ذلك الأصل لم يقطع بانتفاء السقوط ونحن نقطع بأنه لا يجوز. والدليل ناهض. ولأنه يلزم جواز ذلك في المستقبل. وهو باطل. ش ــ هذا إشارة إلى جواب إيراد على جوابه على الدليلين. تقريره: لا نسلم أن الدليل القطعي دال على أن التسمية في أوائل السور ليست بقرآن؛ فإن التواتر شرط متن القرآن دون المحل والوضع والترتيب، بل نقل الآحاد فيها كافٍ وقد ثبت بالتواتر أنها من القرآن، وإن لم يتواتر كونها قرآناً في أوائل ?

стр. 390

السور فلا يلزم أن لا تكون قرآنا في أوائلها. وتقرير الجواب: القول بأن التواتر لا يشترط في المحل والوضع ضعيف. يستلزم إسقاط ما هو من القرآن منه وإثبات ما ليس منه فيه في المكررات. وقوله: ﴿﴿يستلزم﴾﴾ جاز أن يكون استئنافاً دليلاً للضعف وهو الظاهر، وجاز أن يكون خبراً لمبتدأ ــ وهو ﴿﴿قولهم﴾﴾ ــ بعد خبر. وتقريره على الأول: أن قولهم ذلك ضعيف؛ لأنه يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر، مثل: ﴿وَيْلٌيَوْمَئِذٍلِّلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ و ﴿فَبِأَيِّآلَاءِرَبِّكُمَاتُكَذِّبَانِ (١٣)﴾؛لأنهإذالميشترطالتواترفيالمحلجازأنلايتواتركثيرمنالمكررات الواقعة في القرآن، وما لم يتواتر جاز أن لا يصل إلينا، وما جاز أن لا يصل إلينا جاز سقوطه. وجواز إثبات ما ليس بقرآن منها؛ أنه إذا تواتر بعض من القرآن بحسب المتن فبعد ذلك يجوز إثبات ذلك البعض في المواضع بنقل الآحاد، فجاز أن يكون بعض ?
следующие страницы →