← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وتواترت بعض آية في النمل فلا مخالف. قولهم: مكتوبة بخط المصحف. وقول ابن عباس: ﴿﴿سرق الشيطان من الناس آية﴾﴾. لا يفيد؛ لأن القاطع يقابله. ش ــ المسألة الأولى: ما نقل إلينا آحاداً فليس بقرآن. للقطع بأن العادة تقضي أن يكون مثل هذا الكتاب المعجز متواتراً في أصله وأجزائه ووضعه وترتيبه ومحله، إذ الدواعي [تتوفر] على نقله إلى أن يصير متواتراً. فما لم يبلغ حد التواتر لا يحكم بكونه قرآناً. ولقائل أن يقول: أراد بقوله: ﴿﴿تفاصيل مثله﴾﴾ مثل القرآن، فالقرآن لا مثل له، فإن نوعه منحصر في شخصه، وإن كان المثل زائداً، كما في قوله: ﴿﴿مثلك لا يبخل﴾﴾ فلا عادة فيه، ولو أخذ ﴿﴿التواتر﴾﴾ في حده استغنى عن هذه الخطابة في غير محلها. قوله: ﴿﴿وقوة الشبهة﴾﴾ جواب عما يقال: ثبت مما ذكر أن كل ما هو متواتر من المنزل فهو قرآن، والبسملة كذلك فهو قرآن، وذلك يستلزم إكفار من تردد فيه، وليس كذلك؛ فإن روي عن الشافعي أنه في غير سورة النمل تردد في كونها من القرآن في أول كل سورة أو لا. وكذلك نُقِلَ عن جميع الأصوليين والقاضي أبي بكر.

стр. 387

وفي الجملة إما أن تكون قرآناً في أوائل السور أو لا. فإن كانت لزم تكفير من تردد، وإن لم تكن لزم تكفير من جعلها فيها منه. وتقرير الجواب: قوة الشبهة من جانب المتردد والمثبت منعت من أن تكفر ?

стр. 388

إحدى الطائفتين، ثم ذكر مختاره بقوله: ﴿﴿والقطع أنها لم تتواتر في أوائل السور قرآناً فليست بقرآن فيها﴾﴾؛ لأنا نقطع بأنها لم تتواتر قرآناً فيها. وكل ما هو كذلك لا يكون قرآناً قطعاً، كغيرها الذي لم يتواتر وسوءُ تركيبه لا يخفى، فإنه لا تعلق له بما قبله أصلاً، وكان المناسب أن يقول بعد قوله: ﴿﴿ما نقل آحاداً فليس بقرآن﴾﴾ إلى قوله: ﴿﴿مثله﴾﴾ والبسملة لم تتواتر في أوائل السور، فلم يكفر المتردد فيه، ثم ذكر أنها تواترت بعض آية في النمل، فلا مخالف في أنها قرآن في سورة النمل؛ لأن المتواتر مقطوع، والمقطوع لا يخالف فيه ثم ذكر شبهة القائلين بكون التسمية في أوائل السور من القرآن بوجهين: أحدهما: أنها فيها مكتوبة بخط المصحف، ولم ينكره أحد من الصحابة فكانت فيها قرآناً، لمبالغتهم في الحفظ والصيانة عن [خلط] ما ليس منه به، حتى منعوا من كتبة أسامي السور والتعشير في القرآن حذراً عن الاختلاط. ولقائل أن يقول: عدم إنكارهم ذلك إن كان دليلاً لا يزيد على كونه إجماعاً سكوتياً، فيجوز أن لا يلتزم حجيته الخصم. والثاني: أنه نقل عن ابن عباس ــ ﵄ ــ أن قال: ﴿﴿سرق الشيطان من الناس آية﴾﴾ إشارة إلى ترك التسمية في أوائل السور ولم ينكر عليه أحد، فدل قوله ?

стр. 389

مع عدم الانكار على أنها من القرآن في أوائل السور. ثم أجاب عنهما جميعاً: بأنهما لا يفيدان؛ لأنهما ظنيان، وما يقابلهما ــ وهو أنها لو كانت قرآناً لتواترت ــ قطعي. والظني لا يفيد إذا كان مقابله قطعياً. فقوله: ﴿﴿قولهم﴾﴾ مبتدأ. وقوله: ﴿﴿لا يفيد﴾﴾ خبره. . ولقائل أن يقول: شرط كون القرآن متواتراً إنما أثبته بالعادة، وقد تقدم ضعفه، فلا يكون المقابل قطعياً. والعجب من حال هؤلاء أنهم يجعلون العادة دليلاً فيما هو من أعظم أمور الدين، ويعلمون أن دلالة العادة عقلية ثم يهملون العقل عن الدلالة أصلاً ورأساً. ص ــ قولهم: لا يشترط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله ضعيف، يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر. وجواز إثبات ما ليس بقرآن منه. مثل ﴿﴿ويل﴾﴾ و ﴿﴿فبأي﴾﴾. لا يقال: يجوز، ولكنه اتفق تواتر ذلك. لأنا نقول: لو قطع النظر عن ذلك الأصل لم يقطع بانتفاء السقوط ونحن نقطع بأنه لا يجوز. والدليل ناهض. ولأنه يلزم جواز ذلك في المستقبل. وهو باطل. ش ــ هذا إشارة إلى جواب إيراد على جوابه على الدليلين. تقريره: لا نسلم أن الدليل القطعي دال على أن التسمية في أوائل السور ليست بقرآن؛ فإن التواتر شرط متن القرآن دون المحل والوضع والترتيب، بل نقل الآحاد فيها كافٍ وقد ثبت بالتواتر أنها من القرآن، وإن لم يتواتر كونها قرآناً في أوائل ?

стр. 390

السور فلا يلزم أن لا تكون قرآنا في أوائلها. وتقرير الجواب: القول بأن التواتر لا يشترط في المحل والوضع ضعيف. يستلزم إسقاط ما هو من القرآن منه وإثبات ما ليس منه فيه في المكررات. وقوله: ﴿﴿يستلزم﴾﴾ جاز أن يكون استئنافاً دليلاً للضعف وهو الظاهر، وجاز أن يكون خبراً لمبتدأ ــ وهو ﴿﴿قولهم﴾﴾ ــ بعد خبر. وتقريره على الأول: أن قولهم ذلك ضعيف؛ لأنه يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن المكرر، مثل: ﴿وَيْلٌيَوْمَئِذٍلِّلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ و ﴿فَبِأَيِّآلَاءِرَبِّكُمَاتُكَذِّبَانِ (١٣)﴾؛لأنهإذالميشترطالتواترفيالمحلجازأنلايتواتركثيرمنالمكررات الواقعة في القرآن، وما لم يتواتر جاز أن لا يصل إلينا، وما جاز أن لا يصل إلينا جاز سقوطه. وجواز إثبات ما ليس بقرآن منها؛ أنه إذا تواتر بعض من القرآن بحسب المتن فبعد ذلك يجوز إثبات ذلك البعض في المواضع بنقل الآحاد، فجاز أن يكون بعض ?

стр. 391

أفراد المكرر قرآناً، ثبت بالتواتر، وبعضها غير قرآن ثبت بنقل الآحاد، لكن كل من الجوازين منتف. وتقريره على الثاني قولهم: ذلك ضعيف؛ لأن العادة تقضي بتواتر المتن والمحل والوضع والترتيب فيما هو مثل القرآن بلا فرق وقولهم ذلك ــ أيضاً ــ يستلزم جواز سقوط كثير من القرآن إلى آخره ولقائل أن يقول: لا نسلم أن التواتر في المحل إن لم يكن شرطاً جاز أن لا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن؛ لأن الفرض أن المتن متواتر، بل الجائز أن لا يتواتر المحل، وعدم تواتره لا يستلزم سقوط متن القرآن. وكذلك يقال في جانب الإثبات: لا نسلم أن المحل والوضع والترتيب إذا لم تكن متواترة لزم إثبات ما ليس بقرآن؛ لأن الفرض أن المتن متواتر ففي أي محل وقع فهو قرآن لا يزيد ولا ينقص. وأما الكلام على العادة فقد تقدم. وأما شناعة لفظه في إطلاق ﴿﴿المكرر﴾﴾ على القرآن الذي اتفق المحققون على أنه لم يتكرر في ﴿﴿ألف﴾﴾ ولا غيرها من الحروف فهي صادرة عن قلة معرفة بحال القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ?

стр. 392

حميد. وقوله: ﴿﴿لا يقال﴾﴾ جواب إيراد على جوابه عن الإيراد الأول، وهو أن يقال: لا نسلم عدم جواز الإسقاط والإثبات، بل جاز ذلك إن لم يمنع مانع، لكنه قد منع عن ذلك اتفاق التواتر فيما هو مكرر. وذلك على وجهين: أحدهما: أن جواز الإسقاط إن تحقق، فلو قطعنا النظر عن ذلك الأصل ــ يريد اتفاق التواتر ــ لم يقط بانتفاء السقوط؛ لأن الفرض جوازه، لكنا نقطع بانتفاء جوازه، قطعنا النظر عن ذلك الأصل أو لم نقطع. ولقائل أن يقول: قطع النظر عن ذلك اعتبار الموجود معدوماً وهو محال، فلا نعبأ بفرضه، وعلى تقدير تحقق جواز الإسقاط، القطع بانتفاء الجواز قطع على خلاف الواقع فيكون جهلاً. وقوله: ﴿﴿والدليل ناهض﴾﴾ يريد به ما سبق من وجوب اشتراط التواتر فيما هو من القرآن. ولقائل أن يقول: الدليل ناهض في المتن أو في الوضع والمحل والأول، مسلم، غير مفيد. والثاني، ممنوع. [٧٨/ب]. ?

стр. 393

الثاني: أنه لو كان كما ذكرتم، لزم جواز ذلك، أي جواز كل واحد من السقوط والإثبات في المستقبل؛ لأن الجواز إن انتفى في الحال بسبب اتفاق التواتر، لكن يجوز أن ينتفي التواتر في المستقبل، فيلزم جواز السقوط والإثبات. ولقائل أن يقول: لا نسلم ذلك في المستقبل ــ أيضاً ــ؛ لأن قوله ــ تعالى ــ: ﴿إِنَّا نَحْنُنَزَّلْنَاالذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ ينافي ذلك، وهو ثابت قطعاً فينتفي ما ينافيه. ص ــ مسألة: القراءات السبع متواترة فيما ليس من قبيل الأداء، كالمد والإمالة وتخفيف الهمزة ونحوه. لنا: لو لم تكن لكان بعض القرآن غير متواتر، كملك ومالك ونحوهما. وتخصيص أحدهما تحكم باطل لاستوائهما. مسألة: العمل بالشاذ غير جائز مثل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّام متتابعات﴾. واحتجبهأبوحنيفة. لنا: ليس بقرآن ولا خبر يصح العمل به. قالوا: يتعين أحدهما، فيجب. قلنا: يجوز أن يكون مذهباً، وإن سلّم فالخبر المقطوع بخطئه لا يعمل به. ونقله قرآناً خطأ. المحكم والمتشابه. المحكم: المتضح المعنى. المتشابه: مقابله، إما لاشتراك أو إجمال أو ظهور تشبيه. والظاهر، الوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: لأن الخطاب بما لا يفهم بعيد. ش ــ المسألة الثانية: في أن القراءات السبع المنسوبة إلى القراء السبعة:

стр. 394

نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، ?

стр. 395

وعاصم، وحمزة، والكسائي ـمتواترة كلها، وإلا يصدق نقيضه، وهو أن يكون بعضها غير متواتر، ولا معين له فتعيين بعض تحكم. وبعض منهم يؤدي إلى جواز نفي التواتر عن الجميع، وهو ?

стр. 396

باطل. والمسألة الثالثة: في أن العمل بالشاذ غير جائز، وهو ما نقل آحاداً. ومثل لذلك بقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّام متتابعات﴾ بناءًعلازعمأنقوله: ﴿﴿متتابعات﴾﴾ نُقِلَآحاداً، فلايجوزأنيحتجبهعلاوجوبالتتابعفيصومكفارةاليمين. وجوز أبو حنيفة العمل بمثله، واحتج به على ذلك. واستدل المصنف على ما اختاره بأنه ليس بقرآن حيث لم يتواتر ولا خبر يصح العمل به؛ لأن ما يصح العمل به من الخبر: ما رواه الراوي خبراً عن الرسول. وهذا ليس كذلك. ?

стр. 397

وقالت الحنفية: يتعين إما القرآن، وإما خبر الواحد؛ لأنه إن ثبت كونه قرآناً فذاك، وإن لم يثبت لا يكون أقل من خبر الواحد فيجب العمل به. وأجيبوا: بأنا لا نسلم أنه إذا لم يثبت كونه قرآناً يكون خبر واحد؛ لأن الراوي ما رواه خبراً، فيجوز أن يكون مذهباً للراوي ذكره بياناً لمعتقده. وإن سلّم صحة كونه خبراً، فلا نسلم صحة العمل به؛ لأنه مقطوع بخطئه؛ لأنه نقله قرآناً وهو ليس بقرآن قطعاً، والخبر المقطوع خطئه لا يصح العمل به. ولقائل أن يقول: إن ذلك قراءة أبي، وابن مسعود، وكان مشهوراً في ?

стр. 398

القرن الثاني، مكتوباً في مصحفهما ومصحف كل من كتب من مصحفهما. فتسميته شاذاً ليس على ما ينبغي. وقوله: ﴿﴿يجوز أن يكون مذهباً للراوي﴾﴾ خطأ فاحش؛ إذ لا يظن بأحد من جهال العوام أن يدخل مذهبه في مصحفه ويدعي أنه قرآن، وهل هو إلا كفر ومراغمة. وكذلك نسبة الخطأ إلى الصحابة نعوذ بالله من الزيغ بعد الهدى. المحكم: المتضح، هو خاتمة بحث الكتاب بذكر المحكم والمتشابه ؛ لاشتمال الكتاب عليهما. قال الله ــ تعالى ــ ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَالْكِتَابَمِنْهُآيَاتٌمُّحْكَمَاتٌهُنَّأُمُّالْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وعرف المحكم بقوله: المتضح المعنى، والمتشابه: بما يقابله إما لاشتراك كقوله ــ تعالى ــ ﴿ثَلَاثَةَقُرُوءٍ﴾. أولإجمال، كقولهتعالاـ ﴿أَنتَذْبَحُوابَقَرَةً﴾،أوظهورتشبيهكمافيقوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، ?

стр. 399

وهذا القسم يناسب أن يسمى متشابهاً، وما عداه بغير مناسب بل المناسب فيه المشترك والمجمل دون المتشابه. وقوله: والظاهر الوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾. جواب عما يقال: إذا كان المشترك والمجمل متشابهاً، جاز أن يكون المتشابه مما يعلم. وقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَا يَعلَمُتَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يدل على أن المتشابه لا يعلم، فلم يكن المشترك والمجمل متشابهاً، وذلك باختيار مذهب الخلف، وهو الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ﴾، ليصير مما يعلم فيصح التفسير بالمشترك والمجمل. ?

стр. 400

في السنة وأفعاله ــ ﷺ ص ــ السنة. مسألة: الأكثر على أنه لا يمتنع عقلاً على الأنبياء معصية. وخالف الروافض. وخالف المعتزلة إلا في الصغائر. ومعتمدهم التقبيح العقلي والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام؛ لدلالة المعجزة على الصدق. وجوزه القاضي غلطاً، وقال: دلت على الصدق اعتقاداً. وأما غيره من المعاصي، فالإجماع على عصمته من الكبائر، وصغائر الخِسَّة. والأكثر على جواز غيرهما. ش ــ لما فرغ من بحث الكتاب، شرع في السنة، ذكر أحكامها في أربع مسائل. وجعل الأولى في بيان عصمة الأنبياء؛ لأنها كالمقدمة لما بعدها فإن السنة ?

стр. 401

تنقسم إلى أقوال وأفعال، فيجب أن يعلم بأنها حقة توجب التأسي وهو إنما يتحقق بعد بيان عصمتهم فيقل الخلاف الواقع فيها. ونُقِلَ عن أكثر الأصوليين أنه لا يمتنع عقلاً أن يصدر عنهم قبل البعثة صغيرة أو كبيرة، خلافاً للروافض فيهما، وللمعتزلة في الكبائر. ومعتمد الفريقين التقبيح العقلي؛ فإن إرسال من لم يكن معصوماً من الكبائر على رأي المعتزلة، أو منها ومن الصغيرة على رأي الروافض يوجب التنفير عنه، وهو مناف لمقتضى الحكمة، فيكون قبيحاً عقلاً، وأما بعد البعثة فالإجماع منعقد على ?

стр. 402

عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام، لدلالة المعجزة على صدقهم. وأما وقوع ذلك منهم غلطاً، فقد جوزه الباقلاني وقال: دلالة المعجزة إنما هي على صدقتهم فيها قصداً واعتقاداً. وأما ما يقع منهم غلطاً، فالمعجزة لا تدل على صدقهم فيه. وأما غير الكذب من المعاصي، فالإجماع منعقد على عصمتهم من الكبائر مطلقاً، والصغائر الدالة على خسة فاعلها ونقص مروءته كسرقة كسرة. وأما غير ذلك فالأكثر على جواز صدورهم منهم. ولقائل أن يقول: هذه المسألة من مسائل الكلام لا محالة فذكرها في أصول الفقه في غير موضعه، وقد تقدم أمثاله. ص ــ مسألة: فعله ــ ﷺ ــ ما وضح فيه أمر الجبلَّة، كالقيام والقعود، والأكل والشرب، أو تخصيصه، كالضحى، والوتر، والتهجد، والمشاورة، والتخيير، والوصال، والزيادة على أربع، فواضح. [وما سواهما]، إن وضح أنه بيان بقول أو قرينة، مثل ﴿﴿صلوا﴾﴾ و ﴿﴿خذوا﴾﴾. وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق اعتبر اتفاقاً. وما سواه، إن عُلِمَت صفته، فأمته مثله. وقيل: في العبادات. وقيل: كما لم تعلم. وإن لم تعلم فالوجوب، والندب، والإباحة، والوقف. والمختار: إن ظهر قصد القرينة فندب، وإلا فمباح. ش ــ المسألة الثانية: فيما يثبت بأفعاله ــ ﷺ ــ وهي على أقسام: ?

стр. 403

ما وضح فيه أمر الجبلة، كالقيام والقعود، والأكل والشرب والحكم فيه الإباحة. وما وضح تخصيصه به، كالضحى، والوتر، والتهجد،

стр. 404

والمشاورة، وتخيير نسائه بينه وبين زينة الدنيا، والوصال في ?

стр. 405

الصوم، والزيادة على أربع في النكاح، والحكم فيه تخصيصه به وعدم تعبدنا. وما لم يصح فيه شيء من ذلك، وهو لا يخلو من أن يتضح فيه أنه بيان لمجمل بمقارنة قول، كالأفعال الصادرة عنه ــ ﷺ ــ في الصلاة، والحج. فإنه وضح كونها بياناً ــ ﵇: ﴿﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾﴾ و ﴿﴿خذوا عني مناسككم﴾﴾ أو يتضح ذلك بقرينة، كما إذا ورد لفظ مجمل ولم يبينه حتى وقع الحاجة إلى بيانه، ففعل فعلاً صالحاً للبيان، فإن فعله ذلك يوضح كونه بياناً لذلك المجمل بقرينة الحال، كقطع يد السارق من الكوع، فإنه بيان لآية ?

стр. 406

السرقة بقرينة الحال. وكغسل الأيدي مع المرفق، فإنه بيان لقوله ــ تعالى ــ ﴿وَأَيْدِيَكُمْإِلَالْمَرَافِقِ﴾ وإن لم يصح كونه بياناً لقول مجمل فلا يخلو أن تعلم صفة الفعل من الوجوب، والندب، والإباحة، أو لا. فإن عُلِمَت وجب الاقتداء به على الوجه الذي فعله في العبادات وغيرها، وهو مختار المصنف. وقيل: في العبادات خاصة. وقيل: حكم ما عُلِمَت صفته كحكم ما لم يعلم. وإن لم تعلم صفته: ?

стр. 407

فمنهم من ذهب إلى: الوجوب، وهو مذهب الحنابلة، وبعض المعتزلة، وابن سريج، وابن أبي هريرة من الشافعية. ومنهم من ذهب إلى: الندب، وهو مذهب إمام الحرمين، وقيل: أحد قولي الشافعي. ومنهم من ذهب إلى: الإباحة، وهو مذهب مالك. ومنهم من وقف، وهو مذهب الغزالي، وجماعة من الشافعية. ?

стр. 408

ومنهم من فصل قال: إن ظهر قصد القربة، فندب، وإلا فمباح، وهو مختار المصنف. ص ــ لنا: القطع بأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته. وقوله ــ تعالى ــ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيد﴾ إلاخرها. وإذا لم تعلم وظهر قصد القربة ثبت الرجحان فلزم الوقوف عنده. والوجوب زيادة لم تثبت. وإذا لم يظهر، فالجواز، والوجوب والندب زيادة لم تثبت. وأيضاً لما نفى الحرج بعد قوله: ﴿زَوَّجنَاكَهَا﴾ فهمتالإباحةمعاحتمالالوجوبوالندب. ش ــ استدل المصنف على ما اختاره من القسمين: أما على الأول، وهو ما علم صفته فبوجهين: أحدهما: أن الصحابة ــ ﵃ ــ كانوا يرجعون إلى فعله الملعون صفته عند كل حادثة، ويقتدون به من غير نكير منهم، كرجوعهم إلى تقبيله ــ ﵇ ــ للحجر الأسود. وإلى تقبيله ــ ﵇ ــ لنسائه وهو ?

стр. 409

صائم. وذلك دليل إجماعهم على أن حكمهم حكمه ــ ﵇ ــ فيما عُلِمَ صفته، وإلا ما أفاد المراجعة. والثاني: قوله ــ تعالى ــ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيد مِّنهَا وَطَرا زَوَّجَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌفيأَزوَاجِأَدعِيَائِهِم﴾. ووجهالتمسكأناللهتعالاعللنفيالحرجعنالمؤمنينفينكاحأزواجأدعيائهمبتزويجرسوله زوجة دعيه زيد. فلو لم يكن حكم الأمة حكمه ــ ﵇ ــ في الفعل المعلوم صفته، لم يكن للتعليل معنى؛ لأنه لا يلزم من نفي الحرج عنه، نفيه عنهم. وأما على الثاني: وهو أن ما لم تعلم صفته، إن كان عبادة فندب، وإلا فمباح فبان ذلك الفعل. أما إن ظهر منه ــ ﵇ ــ أنه قصد حال الإتيان به القربة أو لم يظهر. فإن دل على رجحان فعله على الترك؛ لأن غير الراجح لا يقصد به قربة، فإن قصد القربة بالفعل إنما هو لإيجاده، فلزم الوقوف عند الرجحان، وهو القدر المشترك بين الواجب والمندوب. وخصوصية الوجوب ــ وهو الذم على الترك ــ زيادة لا تثبت إلا ?

стр. 410

بدليل، والفرض عدمه. وإذا كان الفعل راجحاً ولم يكن واجباً، تعين أن يكون مندوباً وإن لم يظهر قصد القربة، لم يكن فعله راجحاً على الترك. فأما أن يكون محظوراً، وهو نادر في فعله لا يحمل عليه، أو مباحاً لا حظر فيه، فتعين وخصوصية الوجوب والندب زيادة لم تثبت إلا بدليل، والفرض عدمه. وأيضاً لو لم تكن الإباحة راجحة في صورة عدم قصد القربة لما فهم الإباحة من قوله ــ تعالى ــ: ﴿زَوَّجنَاكَهَا﴾ الآية؛ لامتناع ترجيح المرجوح أو المساوي، لكنها فهمت فتعين أن يكون مباحاً، لكن مع احتمال الوجوب والندب. ص ــ الموجب: ﴿وَمَا آتَاكُمُالرَّسُولُ﴾. أجيب بأن المعنى: ما أمركم لمقابلة ﴿وَمَا نَهَاكُم﴾. قالوا: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. أجيب: في الفعل على الوجه الذي فعله، أو في القول، أو فيهما. قالوا: ﴿لَّقَد كَانَ﴾ إلاخرها، أي من كان يؤمن فله فيه أسوةً حسنة. قلنا: معنى التأسي: إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله. قالوا: خلع نعليه فخلعوا، وأقرهم على استدلالهم، وبين العلة. قلنا: لقوله: ﴿﴿صلوا﴾﴾ أو لفهم القربة. قالوا: لما أمرهم بالتمتع، تمسكوا بفعله. قلنا: لقوله: ﴿﴿خذوا﴾﴾ أو لفهم القربة. قالوا: لما اختلف في الغسل بغير إنزال، سأل عمرُ عائشة ــ ﵄ ــ فقالت: فعلته أنا ورسول الله ــ ﷺ ــ فاغتسلنا. قلنا: إنما استفيد من ﴿﴿إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل﴾﴾ أو لأنه بيان ﴿وَإِن كُنتُم جُنُبا﴾،أولأنهشرطالصلاةأولفهمالوجوب. قالوا: أحوط، كصلاة، ومطلقة لم تتعينا. والحق أن الاحتياط فيما ثبت

стр. 411

وجوبه. أو كان الأصل، كالثلاثين. أما ما احتمل لغير ذلك فلا. ش ــ القائلون بالوجوب فيما لم تعلم صفة فعله. استدلوا: بالكتاب والسنة والإجماع والقياس. أما الكتاب: فمنه قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَا آتَاكُمُالرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، أمر امتثال ما أتى به؛ لأن الأخذ ههنا مجازٌ عنه، والأمر للوجوب ومما أتى به فعله الذي لم تعلم صفته فكان امتثاله واجباً. وأجاب المصنف بأن معناه: وما أمركم، بدليل مقابلة، قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُم﴾ والأمرلايتناولالفعل، فلميتصلبمحلالنزاع. ومنه قوله ــ تعالى ــ: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، أمر بالمتابعة، وهي الإتيان بمثل فعله. فكان مثل فعله واجباً. وأجاب: بأن المتابعة في الفعل إنما هي إذا وقع على الوجه الذي فعله المُتَّبع، وذلك يقتضي العلم بصفة الفعل، والنزاع في خلافه أو المراد بالمتابعة: المتابعة في القول، وهي امتثال أمره ونهيه، أو المراد بها: المتابعة فيهما، أي في القول والفعل. وعلى كل تقدير لم يجب الفعل الذي لم تعلم صفته. ومنه قوله ــ ?

стр. 412

تعالى ــ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ظاهره يدل على أن التأسي بالرسول ــ ﵇ ــ من لوازم رجاء الله ــ تعالى ــ واليوم الآخر. والرجاء بهما هو الإيمان بهما، فكان مضمونه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فله أسوةً حسنة في رسول الله، فوجب التأسي بفعله ــ ﵇ ــ، وإلا لجاز تركه؛ لأن غير الواجب يجوز تركه، لكن تركه، ترك الإيمان بالله واليوم الآخر. وأجاب: بأن التأسي إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله، وذلك يستلزم العلم بالصفة، والفرض خلافه. واستدلوا بالسنة بدليلين: أحدهما: أنه ــ ﷺ ــ لما خلع نعليه في صلاة الجنازة فهموا الوجوب، فخلعوا نعالهم، فسألهم النبي ــ ﷺ ــ ﴿﴿لم خلعتم نعالكم﴾﴾؟ فقالوا: لأنك خلعت. فأقرهم على استدلالهم وبين علة اختصاصه بالخلع حتى حصل الفرق بينه وبينهم فقال: ﴿﴿أخبرني جبريل أن في أحدهما قذراً﴾﴾.فلولا أن الفعل الذي لم تعلم صفته واجب لما خلعوا، وما أقرهم الرسول ــ ﵇ ــ على استدلالهم، ولما احتاج إلي بيان علة اختصاصه به. ?

стр. 413

وأجاب المصنف: بأن فهم الوجوبلم يكن من فعله، بل من قوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾﴾ فإنه لما سبق هذا الكلام فهموا وجوب المتابعة. أو لأنهم خلعوا ندباً، لفهمهم قصد القرية بخلعه ــ ﵇ ــ وفيه نظر؛ لأنه يقتضي سبق قوله: ﴿﴿صلوا﴾﴾ والتاريخ مجهول؛ ولأنه إن سبق كان في الصلاة المطلقة، وصلاة الجنازة ليست كذلك؛ ولأن ظهور قصد القربة دليل على الندب لا الوجوب إذا كان الفعل صالحاً للقربة، وذلك في خلع النعال ممنوع. والثاني: أنه ــ ﷺ ــ أمر أصحابه عام الحديبية بالتمتع وهو لم يتمتع. فقالوا: مالك تأمرنا بالتمتع ولم تتمتع؟ وذلك دليل على أنهم فهموا من فعله وجوب المتابعة، والرسول ﵇ ــ لم ينكر، بل عين عذراً يختص به، ولو لم يكن فعله ?

стр. 414

موجباً لأنكر. وفيه نظر؛ لأنه ــ ﵇ ــ أمرهم بذلك فلم يفهموا منه الوجوب واعترضوا عليه فأنّي فهموه من فعله وهو أبعد من القول في الدلالة. وأجاب المصنف: بأنهم إنما فهموا وجوب المتابعة من قوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿خذوا عني مناسككم﴾﴾، أو فهموا الندب؛ لفهمهم قصد القربة من فعله دون الوجوب. وفيه نظر؛ لأن الأمر بالتمتع كان عام الحديبية، قوله: ﴿﴿خذوا عني﴾﴾ بعد ذلك عام حجة الوداع، فكيف يصلح دليلاً. واستدلوا بالإجماع ــ أيضاً ــ، وتقريره: أن الصحابة ــ ﵃ ــ لما اختلفوا في وجوب الغسل إذا التقى الختانان من غير إنزال، رجع عمر إلى قول عائشة ــ ?

стр. 415

رضي الله عنهما ــ إذ قالت: ﴿﴿فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا﴾﴾، فأجمعوا على وجوب الغسل بغير إنزال، فلو لم يتقرر عندهم أن فعله ــ ﵇ ــ موجب لم يجمعوا على ذلك. وفيه نظر؛ لأنه إجماع لاحق لمخالفة الأنصار، فقد لا يلتزم حجيته. ?

стр. 416

سلمناه، ولكن سند الإجماع يجوز أن يكون فعلاً منه ــ ﵇ مندوباً. وأجاب المصنف: بأن الوجوب استفيد من قوله ــ ﵇ ــ ﴿﴿إذا التقى الختانان وجب الغسل﴾﴾ وأنزل أو لم ينزل. وفيه نظر؛ لأنهم لو استفادوا منه ما رجعوا إليها. أواستفادوه من فعله لا من حيث هو موجب، بل اعتبار أنه وقع بياناً لقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَإِن كُنتُمْجُنُبًافَاطَّهَّرُوا﴾، ولا نزاع في كون مثله موجباً. وفيه نظر؛ لأن النص محكم متضح المعنى فلا يحتاج إلى [بيان]. سلمناه، ولكن بين بقوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿إذا التقى الختانان﴾﴾ فالبيان بعده تبيين المبين، وهو غير جائز، لكونه تحصيلاً للحاصل وبأن الغسل شرط الصلاة، وقد بين رسول الله ــ ? مساواته لأمته فيما يتعلق بالصلاة بقوله: ﴿﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾﴾ ففهموا وجوبه من ذلك لا لأن فعله موجب. وفيه نظر؛ لأن ذلك لو كان ما زاد على الدلالة على المساواة في الوجوب شيئاً فلا بد من دليل الوجوب في حقه لتساويه الأمة فيه. وقول عائشة، لم يدل إلا على وجود الفعل منه، فلم تكن صفته معلومة. فلولا أن ما لم تعلم صفته موجب لما أجمعوا [٨١/ب] على الوجوب. وبأن الصحابة ــ ﵃ ــ فهموا مما حكته عائشة الوجوب، فيكون من القسم الذي علمت صفته. ?

стр. 417

وفيه نظر؛ لأن حكاية عائشة ــ ﵂ ــ لم تدل على الوجود، والصحابة أوجبوا فدل على أن الفعل موجب، فهو عين النزاع. واستدلوا ــ أيضاً ــ بالقياس، وتقريره: فعله الذي لم تعلم صفته دار بين كونه للوجوب ولغيره، فالأحوط أن يحمل على الوجوب قياساً على قضاء خمس صلوات تركت منها واحدة ونسيت، فإن كل واحدة منها لما دارت بين أن تكون هي المتروكة وأن لا تكون وجب قضاء الجميع؛ لأنه أحوط. وقياساً على من طلق إحدى نسائه واشتبهت المطلقة بغيرها، فإن الأحوط الكف عن وطئهن جميعاً. وأجاب المصنف: بالفرق، وهو أن الاحتياط يتحقق في المقيس عليه دون المقيس؛ لأنه إنما يتحقق فيما ثبت وجوبه، كالصلاة الفائتة، والكف عن المطلقة، أو كان الوجوب هو الأصل فيبقى بالاستصحاب، كصوم يوم ثلاثين من رمضان، إذا غمّ ليلة الثلاثين فيحتاط في مثله على حفظ الوجوب. وأما ما احتمل أن يكون واجباً، وأن لا يكون كما في المقيس، فالاحتياط لا يوجب الوجوب. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن الاحتياط منحصرٌ فيما ذكرتم، لِمَ لا يجوز أن يحتاط في إيجاب ما دار بين أن يكون واجباً وغيره، وأن ما ذكرتم من الفرق باطل عند المحققين، وقد تقدم غير مرّة. ص ــ الندب: الوجوب يستلزم التبليغ، والإباحة منتفية بقوله: ﴿لَّقَد كَانَ ?

стр. 418

لَكُم﴾ وهو ضعيف. الإباحة هو التحقق، فوجب الوقوف عنده. أجيب: إذا لم يظهر قصد القربة. ش ــ استدل من قال بأن الفعل الذي لم تعلم صفته مندوب بدليل، تقريره: السبر والتقسيم، وهو أن ذلك الفعل، إما أن يكون حراماً أو مكروهاً أو واجباً أو ندباً أو مباحاً؛ لعدم غيرها بالإتفاق. ولا سبيل إلى الأول، والثاني كذلك، ولا إلى الثالث؛ لأن الوجوب يستلزم التبليغ لقوله ــ تعالى ــ: ﴿* يَاأَيُّهَاالرَّسُولُبَلِّغْمَاأُنزِلَإِلَيْكَ﴾. ولميبلغوإلالعلمصفته، وهوخلافالمفروض. ولا إلى الخامس، وهو الإباحة؛ لأن الكلام في الاقتداء، وهو حسن لقوله ــ

стр. 419

تعالى -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، والإباحة لا توصف بالحسن، فتعين الرابع وهو الندب. وضعفه المصنف، بأنا لا نسلم أن الوجوب يستلزم التبليغ، وقوله: (بلغ) ليس فيه ما يدل على اختصاص الوجوب به. سلمناه، ولكن لا نسلم أن هلم يبلغ، فإن قوله: (وَاتَّبِعُوهُ) يدل على التبليغ. سلمناه، لكن دليلكم ينفي الندب أيضاً، بأن يقال: لو كان للندب لاستلزم التبليغ لقوله -تعالى- (بلغ) ولم يبلغ، وإلا لعلم صفته. ولقائل أن يقول: إنكار استلزام الوجوب [٨٢/أ] التبليغ مكابرة لا تستحق الجواب. واختصاص الوجوب به، لأن التبليغ لإقامة الحجة يوم القيامة، وذلك فيما يكون تركه خللاً في أمر المعاد، ولا يتحقق ذلك إلا في الوجوب والحرمة. وقال الشارحون في وجه الضعف من جهة الإباحة: إنا لا نسلن انتفاء الإباحة. وقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ) الآية، لا يدل على حسن التأسي بل على حسن التأسي به، لأن الحسنة صفة الإسوة فجاز أن يكون للإباحة، ويكون التأسي بها حسناً، بأن يؤتي بها على الوجه الذي أتى به من غير اختلاف. وفيه نظر؛ لأن حسن التأسي باعتبار حسن المتأسى به، ألا ترى أن الفعل إن

стр. 420

كان زلة لم يجز الاقتداء؛ لأن المتأسي به ليس بحسن. وقال القائلون بالإباحة: الإباحة متحققة؛ لأن رفع الحرج عن الفعل وتركه ثابت، ولا يثبت الزائد إلا بدليل، ولم يوجد. وأجاب المصنف: بأن هذا إذا لم يظهر قصد القربة، أما إذا ظهر فإنه دليل على رجحان الفعل، كما تقدم. وفيه نظر لأن القصد أمر قلبي لا يظهر إلا بقرينة، فلم لا يجوز حينئذ أن يكون بما علم صفة الفعل، فلا يتصل بمحل النزاع. ص - مسألة: إذا علم بفعل ولم ينكره قادراً. فإن كان كمضي كافر إلى كنيسة فلا أثر للسكوت اتفاقا. وإلا دل على الجواز. وإن سبق تحريمه فنسخ، وإلا لزم ارتكاب محرم، وهو باطل فأن استبشر به فأوضح. وتمسك الشافعي ﵀ في القيافة بالاستبشار وترك الإنكار لقول المدلجي، وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. وأورد: أن ترك الإنكار لموافقة الحق. والاستبشار بما يلزم الخصم على أصله؛ لأن المنافقين تعرضوا لذلك. وأجيب: بأن موافقة الحق لا تمنع إذا كان الطريق منكرا. وإلزام الخصم حصل بالقيافة فلا يصلح مانعاً. ش- المسألة الثالثة: في التقرير إذا علم رسول الله ﷺ فعل مكلف ولم ينكره قادراً. فأن كان الفعل مما لا يجوز نسخه، كمضي كافر إلى

стр. 421

كنيسة، فلا أثر للسكوت، أي عدم إنكاره، لا يدل على جواز ذلك الفعل بالإتفاق. وإن لم يكن كذلك، بأن يكون الفعل قابلا للنسخ. فإن لم يسبق تحريمه، دل السكوت على جوازه. وإن سبق تحريمه كان السكوت ناسخاً، وإلا لزم ارتكابه -صل الله عليه وسلم- فعلا محرماً؛ لأن ترك إنكاره ما هو محرم مع القدرة حرام لا يصدر عنه ﵇. فقوله: (وإلا لزم ارتكاب محرم) دليل للقسمين. فإن استبشر ﵇ بذلك الفعل مع عدم الإنكار كان ذلك دليلاً أوضح على جوازه. ولهذا تمسك الشافعي ﵀ في القيافة بالاستبشار وترك الإنكار لقول المدلجي حيث

стр. 422

نظر إلى زيد وأسامة وهما تحت قطيفة ظهرت منها أقدامهما، فقال: (إن هذه الأقدام بعضها من بعض). فذكر ذلك لرسول الله -صل الله عليه وسلم- فاستبشر بقوله ولم ينكره. ولولا أن القيافة حجة في ثبوت النسب لما استبشر بها ولأنكره -صل الله عليه وسلم-. ولقائل أن يقول: لو [٨٢/ب] صدر قول المدلجي لإثبات النسب لأنكره، لعدم صلاحية القيافة للحجية فيه ولما لم يصدر لذلك لم يوجد ما يوجب الإنكار فلم ينكره. واستبشر لدفع طعن الخصوم. وقد أورد القاضي أبو بكر على الشافعي: بأن ترك الإنكار لقول المدلجي لا يدل على جواز إثبات النسب بالقيافة؛ لأنه إنما ترك لموافقة قوله للحق، وهو ظاهر

стр. 423

الشرع المقتضي لثبوت النسب، لا لأن النسب يثبت بالقيافة. واستبشاره بقوله ﵇ إنما كان لأجل إلزام الخصم بطريقه؛ فإن القيافة كانت حجة عندهم. وطعنهم في نسب أسامة كان يندفع به، فاستبشر بذلك. وأجيب عنه: بأن موافقة الحق في الحكم لا تنافي الإنكار على الطريق إذا كان منكراً، بل يجب الإنكار لئلا يتوهم حقيه الطريق. ولقائل أن يقول: قول المدلجي لم يصدر منه طريقاً لثبوت النسب؛ فإنه لم يعلم المنسوب من المنسوب إليه، ولابد من ذلك في إثبات النسب، وحينئذٍ لا يتوجه الإنكار لا حكما ولا طريقاً. وقوله: (وإلزام الخصم) جواب عن قوله: (والاستبشار بما يلزم الخصم على أصله). وتقريره: إلزام الخصم إنما حصل بالقيافة المقررة عنده، وإنكار الرسول القيافة لم يكن يرفع الإلزام؛ لأن إلزام الخصم بما تقرر عنده جائز وإن كان الملزم منكراً لذلك وحينئذٍ لا يصلح الإلزام أن يكون مانعاً من الإنكار. فلو كان منكراً لأنكره ولم يستبشر به. ولقائل أن يقول: إلزام الخصم بالقيافة المتقررة عنده إنما حصل في دفع الطعن، وأما النسب فإنه كان ثابتاً بدليله، وهو الفراش القائم، وليست القيافة في دفع الطعن منكرة فينكره. واستبشاره لإلزام الخصم ودفع طعنه. ص- مسألة: الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل؛ لجواز الأمر في وقت،

стр. 424

والإباحة في آخر. إلا أن يدل دليل على وجوب تكرير الأول له أو لأمته فيكون الثاني ناسخاً. ش- المسألة الرابعة: في التعارض بين أفعال النبي ﵇ وبينها وبين الأقوال. والتعارض هو: تقابل الحجتين نفياً وإثباتاً في زمان واحد. فما لا تقابل بينهما لا تعارض بينهما، وما لم يكن التقابل في زمان واحد كذلك. فالصوم والصلاة لا يتعارضان، والصوم والإفطار يتعارضان لأنهما لا يجتمعان في زمان واحد. وحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يجب تكرير الأول بدليل. أو لا. والثاني: لا تعارض فيه، تكرر الثاني أو لم يتكرر؛ لجواز تعلق الأمر بأحدهما في وقت، والإباحة في وقت آخر. والأول: لا يخلو إمّا أن يجب التكرر في حقه ﵇ أو في حق أمته، أو في حقهما.

стр. 425

فإن كان الأول نسخ وجوب التكرير بالنسبة إليه ﵇ ولا تعارض في حق الأمة إن لم يدل دليل على وجوب التأسي به في الأول. وإن دلّ ووقوع الثاني بعد تأسي الأمة به. فلا تعارض -أيضاً- في حقهم. وقبل التأسي يكون [٨٣/أ] الثاني ناسخاً للأول في حق الأمة -أيضاً- إن دل الدليل على وجوب التأسي به في الثاني، وإلا فلا تعارض في حقهم -أيضاً. وإن كان الثاني فلا تعارف بالنسبة إلى النبي ﵇ ولا بالنسبة إلى أمته إن لم يدل دليل على وجوب تأسيهم به في الثاني، وإلا كان الثاني ناسخاً للأول في حق الأمة وإن كان الثالث، تكرر الأول أو الثاني له ولأمته كما تقدم. ص- فإن كان معه قول ولا دليل على تكرر ولا تأس به، والقول خاص به وتأخر فلا تعارض. فإن تقدم فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا. فإن كان خاصاً بنا فلا تعارض، تقدم أو تأخر. فإن كان عاماً لنا وله فتقدم الفعل أو القول له ولأمته، كما تقدم، إلا أن يكون العام ظاهراً فيه، فالفعل تخصيص كما سيأتي. ش- إذا وقع التعارض بين فعله وقوله ﵇ فإمّا أن لا يدل دليل
следующие страницы →