Полный текст (1 417 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
كنيسة، فلا أثر للسكوت، أي عدم إنكاره، لا يدل على جواز ذلك الفعل بالإتفاق.
وإن لم يكن كذلك، بأن يكون الفعل قابلا للنسخ.
فإن لم يسبق تحريمه، دل السكوت على جوازه. وإن سبق تحريمه كان السكوت ناسخاً، وإلا لزم ارتكابه -صل الله عليه وسلم- فعلا محرماً؛ لأن ترك إنكاره ما هو محرم مع القدرة حرام لا يصدر عنه ﵇.
فقوله: (وإلا لزم ارتكاب محرم) دليل للقسمين. فإن استبشر ﵇ بذلك الفعل مع عدم الإنكار كان ذلك دليلاً أوضح على جوازه. ولهذا تمسك الشافعي ﵀ في القيافة بالاستبشار وترك الإنكار لقول المدلجي حيث
стр. 422
نظر إلى زيد وأسامة وهما تحت قطيفة ظهرت منها أقدامهما، فقال: (إن هذه الأقدام بعضها من بعض). فذكر ذلك لرسول الله -صل الله عليه وسلم- فاستبشر بقوله ولم ينكره.
ولولا أن القيافة حجة في ثبوت النسب لما استبشر بها ولأنكره -صل الله عليه وسلم-.
ولقائل أن يقول: لو [٨٢/ب] صدر قول المدلجي لإثبات النسب لأنكره، لعدم صلاحية القيافة للحجية فيه ولما لم يصدر لذلك لم يوجد ما يوجب الإنكار فلم ينكره. واستبشر لدفع طعن الخصوم.
وقد أورد القاضي أبو بكر على الشافعي: بأن ترك الإنكار لقول المدلجي لا يدل على جواز إثبات النسب بالقيافة؛ لأنه إنما ترك لموافقة قوله للحق، وهو ظاهر
стр. 423
الشرع المقتضي لثبوت النسب، لا لأن النسب يثبت بالقيافة.
واستبشاره بقوله ﵇ إنما كان لأجل إلزام الخصم بطريقه؛ فإن القيافة كانت حجة عندهم. وطعنهم في نسب أسامة كان يندفع به، فاستبشر بذلك.
وأجيب عنه: بأن موافقة الحق في الحكم لا تنافي الإنكار على الطريق إذا كان منكراً، بل يجب الإنكار لئلا يتوهم حقيه الطريق.
ولقائل أن يقول: قول المدلجي لم يصدر منه طريقاً لثبوت النسب؛ فإنه لم يعلم المنسوب من المنسوب إليه، ولابد من ذلك في إثبات النسب، وحينئذٍ لا يتوجه الإنكار لا حكما ولا طريقاً.
وقوله: (وإلزام الخصم) جواب عن قوله: (والاستبشار بما يلزم الخصم على أصله).
وتقريره: إلزام الخصم إنما حصل بالقيافة المقررة عنده، وإنكار الرسول القيافة لم يكن يرفع الإلزام؛ لأن إلزام الخصم بما تقرر عنده جائز وإن كان الملزم منكراً لذلك وحينئذٍ لا يصلح الإلزام أن يكون مانعاً من الإنكار. فلو كان منكراً لأنكره ولم يستبشر به.
ولقائل أن يقول: إلزام الخصم بالقيافة المتقررة عنده إنما حصل في دفع الطعن، وأما النسب فإنه كان ثابتاً بدليله، وهو الفراش القائم، وليست القيافة في دفع الطعن منكرة فينكره.
واستبشاره لإلزام الخصم ودفع طعنه.
ص- مسألة: الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل؛ لجواز الأمر في وقت،
стр. 424
والإباحة في آخر. إلا أن يدل دليل على وجوب تكرير الأول له أو لأمته فيكون الثاني ناسخاً.
ش- المسألة الرابعة: في التعارض بين أفعال النبي ﵇ وبينها وبين الأقوال.
والتعارض هو: تقابل الحجتين نفياً وإثباتاً في زمان واحد.
فما لا تقابل بينهما لا تعارض بينهما، وما لم يكن التقابل في زمان واحد كذلك.
فالصوم والصلاة لا يتعارضان، والصوم والإفطار يتعارضان لأنهما لا يجتمعان في زمان واحد. وحينئذٍ لا يخلو إمّا أن يجب تكرير الأول بدليل. أو لا.
والثاني: لا تعارض فيه، تكرر الثاني أو لم يتكرر؛ لجواز تعلق الأمر بأحدهما في وقت، والإباحة في وقت آخر.
والأول: لا يخلو إمّا أن يجب التكرر في حقه ﵇ أو في حق أمته، أو في حقهما.
стр. 425
فإن كان الأول نسخ وجوب التكرير بالنسبة إليه ﵇ ولا تعارض في حق الأمة إن لم يدل دليل على وجوب التأسي به في الأول.
وإن دلّ ووقوع الثاني بعد تأسي الأمة به.
فلا تعارض -أيضاً- في حقهم.
وقبل التأسي يكون [٨٣/أ] الثاني ناسخاً للأول في حق الأمة -أيضاً- إن دل الدليل على وجوب التأسي به في الثاني، وإلا فلا تعارض في حقهم -أيضاً.
وإن كان الثاني فلا تعارف بالنسبة إلى النبي ﵇ ولا بالنسبة إلى أمته إن لم يدل دليل على وجوب تأسيهم به في الثاني، وإلا كان الثاني ناسخاً للأول في حق الأمة وإن كان الثالث، تكرر الأول أو الثاني له ولأمته كما تقدم.
ص- فإن كان معه قول ولا دليل على تكرر ولا تأس به، والقول خاص به وتأخر فلا تعارض.
فإن تقدم فالفعل ناسخ قبل التمكن عندنا.
فإن كان خاصاً بنا فلا تعارض، تقدم أو تأخر.
فإن كان عاماً لنا وله فتقدم الفعل أو القول له ولأمته، كما تقدم، إلا أن يكون العام ظاهراً فيه، فالفعل تخصيص كما سيأتي.
ش- إذا وقع التعارض بين فعله وقوله ﵇ فإمّا أن لا يدل دليل
стр. 426
على وجوب تكرر الفعل في حقه، ولا على وجوب تأسي الأمة به، أو يدل على وجوب كل منهما، أو يدل على وجوب التكرر دون وجوب التأسي، أو بالعكس.
فتلك أربعة أقسام:
أمّا الأول: هو شمول العدم فإمّا أن يكون القول خاصاً به أو بنا، أو عاماً. فإن كان خاصاً به، فإمّا أن يتأخر القول عن الفعل أو ينعكس أو يجهل التاريخ. فإن تأخر القول، كما إذا فعل فعلاً ثم قال بعد ذلك فوراً أو تراخياً: لا يجوز مثل هذا الفعل في مثل ذلك الوقت، فلا تعارض بين القول والفعل، لا في حقه ولا في حق أمته؛ أمّا في حقه فلأن القول لم يتناول الزمان الذي وقع فيه الفعل، وكذلك العكس، فلا يكون أحدهما رافعاً لحكم الآخر.
وأما في حق أمته؛ فلأنه لم يتعلق بهم شيء من القول والفعل. وإن تقدم القول، مثل أن يقول: يجب على فعل كذا في وقت كذا، ثم اشتغل بضد مقتضى القول، مثل أن يقول: يجب علي فعل كذا في وقت كذا، ثم اشتغل بضد مقتضى القول قبل التمكن من الإتيان بمقتضاه، فالفعل ناسخ للقول بناء على جواز النسخ قبل التمكن من الإتيان بمقتضاه، فالفعل ناسخ للقول بناء على جواز النسخ قبل التمكن عندنا.
وقالت المعتزلة: لا يتصور صدور مثل هذا الفعل بعد القول؛ لأن النسخ قبل التمكن لا يجوز عندهم. فكان معصية، وهي لا تجوز وإن كان الفعل ببعد التمكن من العمل بمقتضى القول، لا يكون الفعل ناسخا للقول، إلا أن يدل دليل على وجوب تكرر مقتضى القول، فإنه حينئذ يكون الفعل ناسخا لتكرار مقتضى القول وإن جهل التاريخ، فحكمه مثل القسم الذي دل دليل على وجوب التكرر والتأسي
стр. 427
والقول خاص به وجهل التاريخ. على ما يجيء فيما يلي هذا القسم.
وإن كان خاصاً بنا فلا تعارض سواء تقدم الفعل أو تأخر؛ لعدم اجتماع القول والفعل في محل واحد؛ لأن الفعل خاص به، لعدم وجوب التأسي؛ إذ هو المفروض، والقول خاص بنا وإن كان القول عاماً، فإمّا أن يكون شاملاً له بطريق التنصيص، كما إذا قال: وجب عليّ وعليكم فعل كذا، أو بطريق الظاهر، كما إذا قال: وجب على المسلمين كذا. فإن كان الأول، فحكم تقدم القول أو الفعل له وللأمة، كما تقدم، يعني إن كان القول متأخراً، كما لو فعل فعلاً ثم قال: لا يجوز لي ولا لأمتي مثل هذا الفعل في ذلك الوقت، فلا تعارض أصلاً، لا في حقه ولا في حقها؛ لعدم وجوب تكرر الفعل، وعدم وجوب التأسي به.
وإن كان الفعل متأخراً، فلا تعارض بالنسبة إلينا، لعدم وجوب التأسي. وأما بالنسبة إليه، فإن كان التلبس بالفعل قبل التمكن فعلى الخلاف. عندنا ناسخ. وعند المعتزلة: لا يتصور الفعل إلا على سبيل المعصية وإن كان بعد التمكن فلا تعارض بالنسبة إليه ــ أيضاً إلا أن يقتضي القول التكرار.
وإن كان الثاني، فبالنسبة إلينا كما تقدم، وبالنسبة إليه يكون الفعل مخصّصاً لذلك القول، كما سيأتي في باب التخصيص أن فعله ــ ﷺ ــ مخصص للعموم.
ص ــ فإن دلّ على تكرر وتأس، والقول خاص به فلا معارضة في الأمة.
وفي حقه، المتأخر ناسخ.
فإن جهل فثالثها المختار: الوقف؛ للتحكم.
فإن كان خاصاً بنا فلا معارضة فيه.
وفي الأمة، المتأخر ناسخ.
فإن جهل فثالثها المختار: يعمل بالقول؛ لأنه أقوى؛ لوضعه لذلك ولخصوص الفعل بالمحسوس، وللخلاف فيه، ولإبطال القول به جملة.
стр. 428
والجمع، ولو بوجه أولى.
قالوا: الفعل أقوى؛ لأنه يتبين به القول؛ مثل: ﴿﴿صلوا﴾﴾ و ﴿﴿خذوا عني﴾﴾ وكخطوط الهندسة وغيرها.
قلنا: القول أكثر.
ولو سّلم التساوي رجح بما ذكرناه.
والوقف ضعيف للتعبد. بخلاف الأول.
وإن كان عامّاً فالمتأخر ناسخ.
فإن جُهِلَ فالثلاثة.
ش ــ القسم الثاني: وهو شمول الوجود، وهو الذي يدل الدليل على وجوب التكرر في حقه، ووجوب التأسي في حق الأمة ــ أيضاً ــ على ثلاثة أقسام:
إمّا أن يكون القول خاصاً به أو بنا أو عامّاً.
فإن كان خاصاً به، فلا معارضة في حق الأمة، تقدم القول أو تأخر؛ لأن القول لم يتناولهم.
وفي حق الرسول ــ ﷺ ــ المتأخر ناسخ، قولاً كان أو فعلاً، إلا أن يتقدم القول على الفعل، والفعل بعد التمكن من مقتضى القول، ولم يقتض القول التكرار، فإنه حينئذٍ لا معارضة في حقه ــ أيضاً ــ وإن جُهِلَ التاريخ فلا معارضة في حق الأمة؛ لعدم تناولهم القول، وفي حق الرسول ــ ﵇ ــ ثلاثة مذاهب.
الأول: أنه يجب العمل بالقول: لأن الفعل يحتاج إليه في بيان وجه وقوعه.
стр. 429
الثاني: أنه يجب العمل بالفعل؛ لأنه أقوى في البيان.
الثالث: وهو اختيار المصنف: الوقف إلى أن يتبين التاريخ، لاحتمال تقدم كل واحد منهما وعدم الترجيح، فالجزم بوجوب العمل بأحدهما على التعيين تحكم.
والمصنف أشار إلى المذاهب الثلاثة بقوله: ﴿﴿فثالثها المختار، الوقف﴾﴾.
وإن كان خاصاّ بنا فلا معارضة في حقه ــ ﷺ ــ تقدم القول أو تأخر؛ لعدم تناوله القول.
وأمّا في حق الأمة، فإن المتأخر ناسخ، سواء كان القول متقدماً أو متأخراً إلا أن يتقدم القول على الفعل، والفعل بعد التمكن من مقتضى القول، والقول لم يقتض التكرار، فإنه إذ ذاك في حقنا أيضاً.
وإن جهل المتأخر ففيه المذاهب الثلاثة. والمختار عند المصنف في هذا العمل بالقول، لوجوه:
أحدها: أن القول أقوى دلالة؛ لأن دلالته على الوجوب وغيره بلا واسطة؛ لأنه وضع لذلك، بخلاف الفعل.
الثاني: أن الفعل لا ينبئ عن المعقول، والقول يدل عليه وعلى المحسوس فكان أعمّ فائدة.
الثالث: أن القول متفق عليه في الدلالة. واختلف في دلالة الفعل.
стр. 430
الرابع: أن العمل بالفعل يبطل القول بالكلية، أمّا في حقه ــ ﵇ ــ فلعدم تناول القول له، وأمّا في حق الأمة فلوجوب العمل بالفعل حينئذٍ والعمل بالقول لا يبطل الفعل بالكلية؛ لبقاء العمل بالفعل في حقه ــ ﵇ ــ، فلو عملنا بالقول أمكن الجمع بينهما من وجه، ولو عملنا بالفعل لم يمكن. والجمع بين الدليلين ولو بوجه أولى من إهمال أحدهما.
والقائلون بوجوب العمل بالفعل قالوا: الفعل أقوى دلالة من القول؛ لأن الفعل يُبَيّنُ يه القول؛ لأن مثله قوله ــ ﵇ ــ ﴿﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾﴾ و ﴿﴿خذوا عني مناسككم﴾﴾ يتبين بفعله وكذلك خطوط الهندسة تدل على أن الفعل مبين للقول؛ فإن بيان دعاوي الهندسة إنما هو بفعل الخطوط والسطوح والدوائر، فيكون أولى.
وأجاب المصنف: بأن البيان بالفعل وإن كان واقعاً، لكن البيان بالقول أكثر فهو أولى.
وإن سلّم تساويهما في البيان، لكن القول أرجح بالوجوه المارة.
وأمّا القول بالوقف فضعيف؛ لأنا متعبدون بوجوب العمل بأحدهما، أي القول والفعل؛ لأن كلاً منهما بالنسبة إلينا، ولا يمكن العمل بهما، وقد ثبت رجحان القول على الفعل، فتعين المصير [إلى] العمل به.
стр. 431
بخلاف الصورة الأولى التي حكمنا فيها. فإنا لسنا متعبدين بواحد منهما؛ لأنهما بالنسبة إلى الرسول ــ ﷺ ــ. ولا يجب الحكم علينا بوجوب العمل بأحدهما بالنسبة إلى الرسول ــ ﵇ ــ. فالحكم بالوقف فيها أولى.
وإن كان عاماً، فإن علم التاريخ وتأخر القول، فهو ناسخ؛ لوجوب تكرار الفعل في حقه، ولوجوب التأسي في حقنا.
وإن تأخر الفعل واشتغل به قبل التمكن من الإتيان بمقتضى القول، نسخ الفعل القول عندنا، إلا أن يتناوله القول ظاهراً، فإنه حينئذٍ يكون الفعل مخصوصاً للقول.
وعند المعتزلة لا يتصور هذا إلا على سبيل المعصية.
وإن اشتغل بالفعل بعد التمكن من الإتيان به، فإن لم يقتض القول التكرار، فلا معارضة، لا في حقه ولا في حقنا.
وإن اقتضى القول التكرار فالفعل ناسخ للتكرار.
والمصنف لم يفصل وحكم بأن المتأخر ناسخ للمتقدم مطلقاً.
وإن جهل التاريخ فالمذاهب الثلاثة: الوقف، العمل بالقول، والعمل بالفعل.
والمختار: الوقف في حقه، والعمل بالقول في حق الأمة. كذا في بعض الشروح.
ص ــ فإن دلّ دليل على تكرر في حقه لا تأسٍ، والقول خاص به، أو عام فلا معارضة في الأمة، والمتأخر ناسخ في حقه.
فإن جهل بالثلاثة.
فإن كان خاصاً بالأمة فلا معارضة.
стр. 432
ش ــ القسم الثالث، وهو ما يدل دليل على وجوب التكرار في حقه دون وجوب التأسي به على ثلاثة أقسام:
إمّا أن يكون القول خاصاً به أو بنا أو عاماً.
فإن كان خاصاً به أو عامّاً فلا معارضة في حق الأمة، تقدم الفعل أو تأخر لعدم تناول الفعل إياهم، والمتأخر ناسخ للمتقدم في حقه ــ ﵇ ــ إن عُلِمَ التاريخ، وإن جُهِلَ فالمذاهب الثلاثة.
والمختار: الوقف.
وإن كان خاصاً بنا فلا معارضة في حقه ولا في حقنا، تقدم الفعل أو تأخر؛ لعدم تواردهما على محل واحد.
ص ــ فإن دلّ الدليل على تأسي الأمة به، دون تكرره في حقه، والقول خاص به، وتأخر فلا معارضة.
فإن تقدم فالفعل ناسخ في حقه.
فإن جهل فالثلاثة.
فإن كان خاصاً بالأمة فلا معارضة في حقه، والمتأخر ناسخ في الأمة. فإن جهل فالثلاثة.
فإذا كان القول عاماً فكما تقدم.
ش ــ القسم الرابع هو عكس الثالث، وفيه الأقسام الماضية.
стр. 433
فإن كان القول خاصاً به، وتأخر فلا معارضة. أمّا في حقه فلعدم وجوب التكرر، وأمّا في حقنا؛ فلعدم تواردهما على محل واحد.
وإن تقدم فالفعل ناسخ قبل التمكن من الإتيان بمقتضى القول خلافاً للمعتزلة.
وإن جُهِلَ التاريخ، فالمذاهب الثلاثة. والمختار الوقف.
وإنكان خاصاً بنا فلا معارضة في حقه، تقدم القول أو تأخر لعدم تواردهما على محل واحد. وفي حقنا المتأخر ناسخ، قولاً كان أو فعلاً.
فإن جُهِلَ التاريخ، فالمذاهب الثلاثة. والمختار: العمل بالقول.
وإن كان عامّاً، فحكمه ما تقدم من أن الفعل إن تقدم فلا معارضة في حقه؛ لعدم وجوب التكرر. وأمّا في حقنا فالقول ناسخ قبل وقوع التأسي به، وبعده ناسخ للتكرار في حقهم، إن دلّ دليل على وجوب التكرر في حقهم.
وإن تقدم القول فالفعل ناسخ للقول في حقه ــ ﵇ ــ قبل التمكن من الإتيان بمقتضى القول، إلا أن يتناوله العموم ظاهراً، فإنه يكون الفعل تخصيصاً للقول، كما تقدم.
وفي حق الأمة، إن كان الدليل على وجوب التأسي مخصوصاً بذلك الفعل، فنسخ، وإلا فتخصيص.
وبعد التمكن لا معارضة في حقه، ولا في حق الأمة، إن لم يقتض القول التكرار، والله أعلم. [٨٥/أ].
стр. 434
الإجماع
ص ــ الإجماع: العزم والاتفاق.
وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر.
ومن يرى انقراض العصر يزيد ﴿﴿إلى انقراض العصر﴾﴾.
ومن يرى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميّت أو حيّ وجوّز وقوعه يزيد ﴿﴿لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر﴾﴾.
الغزالي: اتفاق أمة محمد ــ ﷺ ــ على أمر من الأمور الدينية ويرد عليه أنه لا يوجد ولا يطرد بتقدير عدم المجتهدين، ولا ينعكس بتقدير اتفاقهم على عقلي أو عرفي.
ش ــ لما فرغ من السنة شرع في بيان الإجماع، وذكر مقدمة في تعريفه وإثباته، وإثبات العلم به، وفي كونه حجة، ثم ذكر فيه اثنين وعشرين مسألة.
وهو في اللغة: العزم والاتفاق قال الله ــ تعالى ــ: ﴿فَأَجمِعُواأَمرَكُم﴾، أي اعزموا، ويقال: اجمعوا على كذا، أي اتفقوا.
وفي اصطلاح العلماء: اتفاق المجتهدين من هذه الأمة في عصر على أمر.
стр. 435
والاتفاق معلوم، والمراد به أعم من أن يكون في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو إطباق بعضهم على الاعتقاد وبعضهم على القول أو الفعل الدالين على الاعتقاد.
وخرج بقوله: ﴿﴿المجتهدين﴾﴾ اتفاق المقلدين، وبقوله: ﴿﴿من هذه الأمة﴾﴾ أعني أمة محمد ــ ﷺ ــ إتفاق المجتهدين من الأمم الماضية، وقال: ﴿﴿في عصر﴾﴾ ليدخل فيه اتفاق مجتهدي كل عصر، فإنه إجماع؛ لأن اتفاقهم في كل الأعصار ليس بشرط ويخرج اتفاق بعضهم في عصر.
وإنما قال: ﴿﴿على أمر﴾﴾ ليتناول النفي والإثبات، والقول، والفعل، والشرعي، والعقلي والعرفي.
وهذا التعريف لمن لم يشترط في الإجماع انقراض أهل العصر، ومن شرط ذلك يزيد فيه ﴿﴿إلى انقراض العصر﴾﴾.
ومن ذهب إلى أن الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من ميت أو حي وجوّز وقوعه، أي وقوع هذا الإجماع، أي إجماع أهل العصر الثاني بعد استقرار الخلاف بين أهل العصر الأول، يزيد ﴿﴿لم يسبقه خلاف مجتهد مستقر﴾﴾ ليخرج اتفاق أهل العصر الثاني؛ فإنه ليس بإجماع عنده.
ولقائل أن يقول: يجوز أن يكون انقراض العصر وعدم سبق الخلاف من شروطه فلا يلزم أخذه في التعريف.
وعرفه الغزالي بأنه: اتفاق أمة محمد ــ ﷺ ــ على أمر من الأمور الدينية.
وزيّفه المصنف بأنه يرد عليه عدم الإجماع أصلاً؛ لأن الأمة تتناول جميع المسلمين إلى يوم القيامة، ولا يتصوّر اجتماعهم، وعلى تقدير تخصيص ﴿﴿الأمة﴾﴾ بالموجود منهم في كل عصر، لا يطرد الحد بتقدير عدم المجتهدين في عصر. فإن غيرهم من الأمة إذا اتفقوا في عصر صدق الحد، وليس بإجماع.
стр. 436
وفيه نظر؛ لجواز أن يكون مراده بالأمة الموجودين منهم المجتهدين في كل عصر، وأن يمنع أنه إذا لم يكن في عصر مجتهد، واتفق على أمر من الأمور الدينية الأمة فيه أن لا يكون إجماعاً، ولا ينعكس ــ أيضاً ــ بتقدير اتفاق المجتهدين على أمر عقلي أو عرفي؛ لأنه إجماع، وليس الحد صادقاً عليه؛ لأنه ليس من الأمور الدينية.
وردّ: بجواز أن يكون تعريفه للإجماع الشرعي، وما عداه لا يكون عنده إجماعاً، فلا يلزم عدم الانعكاس.
ص ــ وخالف النظام وبعض الروافض في ثبوته .
قالوا: انتشارهم يمنع نقل الحكم إليهم عادة.
وأجيب: بالمنع لجدهم وبحثهم.
قالوا: إن كان عن قاطع فالعادة تحيل عدم نقله. والظني يمتنع الاتفاق عليه عادة؛ لاختلاف القرائح.
وأجيب: بالمنع فيهما؛ فقد يستغنى عن نقل القاطع بحصول الإجماع.
وقد يكون الظني جلياً.
قالوا: يستحيل ثبوته عنهم عادة؛ لخفاء بعضهم، أو انقطاعه أو أسره، أو خموله، أو كذبه، أو رجوعه قبل قول الآخر. ولو سلّم فنقله مستحيل عادة؛ لأن الآحاد لا تفيد، والتواتر بعيد.
وأجيب عنهما: بالوقوع. فإنا قاطعون بتواتر النقل بتقديم النص القاطع على المظنون.
ش ــ اتفق الجمهور على ثبوته، وخالفهم النظام من المعتزلة وبعض
стр. 437
الروافض، وقالوا: لا يثبت الإجماع أصلاً؛ لأن اتفاق المجتهدين على حكم لا يتصور قبل نقله إليهم، وذلك ممتنع؛ لانتشارهم شرقاً وغرباً، والانتشار يمنع الوصول إليهم عادة.
وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أن العادة تقضي بمنع الانتشار، ونقل الحكم إليهم؛ لأن المجتهدين لا يزالون يبحثون عن أدلة الأحكام جادين فيه، ومع البحث والجد لا يمتنع النقل إليهم وإن كانوا منتشرين.
وفيه ما فيه؛ لأن السير ما بين المشرق والمغرب إذا كان حثيثاً مستديماً ربما تزيد مدته على قرن، وفي ذلك فوات الحادثة لا محالة.
وقالوا ــ أيضاً ــ: اتفاقهم على أمرٍ لا عن سند لا يجوز، وإلا لكان خطأ فلا بد منه.
فإن كان قاطعاً لنقل إلينا في مل إجماع؛ لإحالة العادة عدم النقل فيما يتوفر الداعي إلى نقله من القطعيات، لكن لم ينقل إلينا المستند في كل إجماع.
وإن كان ظنياً توقف اتفاقهم على توافق آرائهم فيه، وتوافقها في الظني ممتنع
стр. 438
عادة؛ لاختلاف القرائح في مقتضى الظن.
وأجاب المصنف: بمنع المقدمتين، أمّا الأولى فأن يقال: لا نسلم أن اتفاقهم لو كان عن قاطع وجب نقله إلينا، والعادة إنما تحيل عدم نقل القاطع إن لم يستغن عن نقل القاطع، وهو ممنوع فقد يستغني عنه بحصول الإجماع.
وأمّا الثانية فأن يقال: لا نسلم أن الظني يمنع توافق الآراء عادة واختلاف القرائح إنما هو في الظني الخفي. وأما إذا كان جلياً فيجوز توافق القرائح فيه، فيكون موجباً للحكم في جميع القرائح.
وفيه نظر؛ لأنه إنما يتم لو انعقد ما انعقد من الإجماع بالسند الظني عن ظني جلي، وإثباته كإثبات أصل الإجماع.
وقالوا ـأيضاًـ: إن ثبت الإجماع [لا] يثبت إلا عن المجتهدين؛ لأن إجماعهم هو المعتبر، لكن يستحيل ثبوته عنهم عادة لخفاء بعض المجتهدين عند اتفاقهم بحيث لا يعلم وجود [هـ] أو لانقطاعه عن الناس لا يخالطهم بعد العلم بوجوده، أو لوقوعه أسيراً لم يتمكن من الالتحاق بالباقين، أو لخموله لا يعرف كونه مجتهداً، أو لكذبه بأن أفتى لتغير اجتهاده قبل إفتاء الآخر بذلك الحكم.
وإنما قيد بقوله: ﴿﴿قبل إفتاء الآخر﴾﴾؛ لأنه لو رجع بعده كان خرقاً للإجماع.
ولو سُلِّم ثبوته، لكن نقله مستحيل عادة؛ لأن الآحاد لا يفيد، والتواتر بعيد؛ لاحتياجه إلى خبر [جماعة] يستحيل تواطؤهم على الكذب أن جميع المجتهدين أفتوا بذلك.
وأجاب المصنف: بأنه واقع، وذلك يستلزم الثبوت والنقل جميعاً فإنا قاطعون بسبب تواترا لنقل أن الصحابة ــ ﵃ ــ أجمعوا على تقديم النص القاطع
стр. 439
على المظنون.
ولقائل أن يقول: هذا لا يدل على الثبوت ولا على النقل. أما النقل فلأنه يحتاج إلى خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب أن جميع الصحابة أجمعوا على ذلك
وأمّا على الثبوت؛ فلأن قطعية دلالات الألفاظ غير قطعيةٍ لاختلاف فيها، وإذا لم يوجد نص قاطع لا يثبت إجماعهم على تقديمه على المظنون.
ص ــ وهو حجة عند الجميع.
ولا يعتد بالنظام وبعض الخوارج والشيعة.
وقول أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، استبعاد لوجوده.
الأدلة:
منها: أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف.
والعادة تحيل إجماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في شرعي من غير قاطع، فوجب تقدير نص فيه. وإجماع الفلاسفة وإجماع اليهود وإجماع النصارى غير وارد.
لا يقال: أثبتم الإجماع بالإجماع، أو أثبتم الإجماع بنص يتوقف عليه؛ لأن المثبت كونه حجة ثبوت نص عن وجود صورة منه بطريق عادي لا يتوقف وجودها ولا دلالتها على ثبوت كونه حجة. فلا دور.
ومنها: أجمعوا على تقديمه على القاطع، فدل أنه قاطع، وإلا تعارض الإجماعان؛ لأن القاطع مقدم.
فإن قيل: يلزم أن يكون المحتج عليه عدد التواتر؛ لتضمن الدليلين ذلك.
قلنا: إن سُلّم فلا يضر.
ش ــ إجماع أهل الحل والعقد حجة شرعية عند جمهور
стр. 440
العلماء. إلا النظام وبعض الخوارج والشيعة، ولا معتبر بهم؛ لأنهم ليسوا من أهل الحق.
وقوله: ﴿﴿وقول أحمد﴾﴾ جواب عما يقال: أحمد بن حنبل من أهل الحق، وقد قال: ﴿﴿من ادعى الإجماع فقد كذب﴾﴾.
وتقريره: أن ذلك ليس إنكاراً منه لحجيّته بل استبعاد لوجوده وهذا إنما يستقيم
стр. 441
إذا ثبت عنه القول بحجيته.
والدليل على الحجية: أنهم أجمعوا على القطع بتخطئة مخالف الإجماع، وما لا يكون قاطعاً لا يجوز القطع بتخطئة مخالفه فالإجماع لا يجوز أن لا يكون قاطعاً.
أمّا الكبرى فظاهرة وأمّا الصغرى؛ فلأنه ثبت ذلك عنهم بالتواتر.
والعادة تحيل اجتماع لهذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في أمرٍ شرعي من غير قاطع يدل على ما أجمعوا على قطعه فوجب ــ بحكم العادة ــ تقدير نص قاطع يدل على القطع بتخطئة مخالف الإجماع. هذا تقرير الدليل، ولمّا تفطن لِمَا يَرِدُ عليه تعرض للدفع. أما الوارد عليه فأمران:
أحدهما: أن يقال: أجمع الفلاسفة على قِدَمِ العالم، واليهود على أن لا نسخ لشريعتهم، والنصارى على أن عيسى صلب وقطعوا بذلك، ولم يكن ثمة نص قاطع.
стр. 442
وأجاب: بأن ذلك غير وارد قيل: لأنهم ليسوا بجمع كثير ولا متفقين في أمرٍ شرعي، ولا قاطعين على ذلك. والعادة لا تحيل اجتماع الجمع القليل على غير أمر شرعي، غير قاطعين من غير قاطع.
وفيه نظر؛ فإن نفي الكثرة عن الفلاسفة واليهود والنصارى غير صحيح، وكذلك نفي القطع عنهم.
وكذلك كون النسخ والصلب غير شرعي فإنهما راجعان إلى الجواز وعدمه، مذكوران في التوراة والإنجيل.
وأن اجتماع هذا العلماء المحققين على [القطع] في شرعي يجوز أن يكون بظني، كخبر الواحد والقياس، كما سيجيئ في كلامه.
والثاني: أن يقال: أثبتم الإجماع، أي حجيته بالإجماع، والكلام في حجيته، الثاني كهو في الأولى.
وأثبتم حجية الإجماع بنص يتوقف على الإجماع، وكل ذلك دورٌ.
وأجاب: بأن المدعى كونه حجة، وأثبتاه بثبوت نص قاطع مستفاد من وجود صورة من الإجماع بطريق عادي، وتلك الصورة لا يتوقف وجودها على كون الإجماع حجة.
ودلالتها على ثبوت النص القاطع أيضاً لا يتوقف على كونه حجة. فلا يكون دوراً. فإن كون الإجماع حجة حينئذ يتوقف على ثبوت النص القاطع، وثبوت النص القاطع يتوقف على وجود صورة من صور الإجماع، ولم يتوقف وجود تلك الصورة
стр. 443
ودلالتها على ثبوت النص [على كون الإجماع حجة؛ لأن وجود تلك الصورة مستفاد من التواتر، ودلالتها على ثبوت النص] مستفادة من العادة.
ولقائلٍ أن يقول: في هذا الدليل خلل آخر غير الدور، والدور باقٍ أمّا بقاؤه؛ فلأنكم قلتم الإجماع حجة؛ لأنهم أجمعوا على القطع بتخطئة مخالف الإجماع، وهذا صورة من صوره لا محالة، فلا يثبت به شيء حتى تثبت حجيته.
وأمّا الخلل الآخر: فهو أنكم قلتم العادة تحيل إجماعهم على القطع بتخطئة المخالف من غير قاطع، والعادة ليست بحجة في عظائم الأمور والإجماع منها؛ لكونه أصلاً من أصول الشرع.
سلمناه، لكن لا نسلم اقتضاء قاطع؛ لأن المحتاج إليه سند الإجماع، ويجوز أن يكون أمراً ظنياً.
وأمّا الكلام على قطعية دلالة النص فقد مرّ.
قوله: ﴿﴿ومنها: أجمعوا﴾﴾ دليل آخر على كون الإجماع حجة قطعية.
وتقريره: أجمع العلماء المحققون على تقديم الإجماع على النص القاطع، ولولا أنه قاطع لما قدموه.
أمّا إجماعهم على ذلك فبالتواتر.
وأمّا بيان الملازمة فبدفع تعارض الإجماعين؛ فإنه ثبت بالتواتر ــ أيضاً ــ أنهم أجمعوا على أن القاطع مقدم على غيره. فهذا الإجماع يقتضي تقدم القاطع على غيره، والإجماع الأول يدل على تقدم الإجماع على القاطع، فلو لم يكن الإجماع قاطعاً كان أحدهما مقتضياً لجواز تقدم غير القاطع على القاطع. والآخر [يقتضي عدم تقدمه]، لوجوب تقدم القاطع على غيره، وذلك تعارض والعادة تحيل وقوع التعارض بين قولي مثل هذا العدد من العلماء المحققين.
стр. 444
وفيه نظر: أمّا أولاً؛ فلأن تقديم الإجماع على النص القاطع مستبعد جوازاً فضلاً عن الوقوع لا سيما وقد أنكر وجوده طائفة، وحجيته طائفة، وكونه قاطعاً طائفة أخرى.
وأمّا ثانياً: فلأن هذا الدليل معارض باستلزام تعارض الإجماعين. وذلك لأن الإجماع على تقدير كونه قاطعاً بتقديمه على النص القاطع بالإجماع يستلزم تقدم القاطع على القاطع، والإجماع منعقد على تقدم القاطع على غير القاطع فتعارض الإجماعان.
وأمّا ثالثاً: فلأن تعارض الإجماعين يندفع بجعل أحدهما ناسخاً للآخر، أو مخصصاً إن جُهِلَ التاريخ.
فإن قيل: كل واحد من الدليلين الدالّيْنِ على كون الإجماع حجة قطعية يقتضي أن يكون الإجماع المحتج به على كونه حجة ما بلغ المجمعون فيه عدد التواتر؛ لتضمن كل واحد منهما ذلك.
أمّا الأول: فلأن العادة إنما تحيل اجتماع العدد الكثير على القطع في شرعي من غير قاطع إذا بلغ عددهم عدد التواتر.
وأمّا الثاني: فلأن العادة إنما تقضي بامتناع التعارض بين أقوال مثل هذا العدد إذا بلغوا حد التواتر. وإذا كان كذلك، فلا يكون اتفاق من نقص عددهم عن عدد التواتر حجة. والاختصاص كونه حجة باتفاق المجتهدين، بل كل طائفة بلغوا عدد التواتر إجماعهم يكون حجة، وإن لم يكونوا مجتهدين.
أجاب المصنف: بمنع استلزام الدليلين لذلك؛ فإن العادة تحيل اجتماع المحققين على القطع في أمر شرعي بغير قاطع، بلغوا حد التواتر أو لا.
والعادة تحكم بامتناع التعارض بين أقوال جمع من المحققين بلغوا حد التواتر أو لا.
стр. 445
سلمنا استلزامهما لذلك، لكن لا يضر؛ لأن اللازم حينئذ كون القاطعين بتخطئة مخالف الإجماع، والقاطعين بتقدم الإجماع على النص عددهم عدد التواتر لا كون أهل الإجماع.
ولقائل أن يقول: إذا كان لازماً في القَاطِعِين فالخصم يمنع بلوغهم حد التواتر، فلا تثبت إذ ذاك حجية الإجماع؛ لبنائها عليهما فكان ضاراً.
ص ــ الشافعي: ﴿وَيَتَّبِع غَيرَسَبِيلِ المُؤمِنِينَ﴾.
وليس بقاطع؛ لاحتمال في متابعته أو مناصرته، أو الاقتداء به، أو في الإيمان، فيصير دوراً؛ لأن التمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، بخلاف التمسك بمثله في القياس.
ش ــ استدل الشافعي ــ ﵀ ــ على حجية الإجماع بقوله ــ تعالى ــ ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِمَاتَبَيَّنَلَهُالهُدَى وَيَتَّبِع غَيرَسَبِيلِ المُؤمِنِينَ﴾ ووجه ذلك أنه ــ تعالى ــ جمع في الآية بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد. فيجب أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً، وإلا لما جمع بينه وبين الحرام الذي هو المشاقة في الوعيد؛ لأن الجمع بين المباح والحرام في الوعيد لا يجوز. لا يصدر عن الحكيم ﴿﴿إن زنيت وشربت الماء عاقبتك﴾﴾، وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراماً كان اتباع سبيل المؤمنين واجباً. والحكم المجمع عليه سبيل المؤمنين؛ إذ المراد بالسبيل ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو فعل.
وزيّفه المصنف بأنه ليس بقاطع في الدلالة على المطلوب وهو متابعة الإجماع؛ لأن اتباع سبيل المؤمنين عام يتناول اتباعهم في متابعة الرسول ــ ﷺ ــ واتباعهم في
стр. 446
نصره ودفع الأعداء عنه. أو اتباعهم في الاقتداء بالرسول، أو اتباعهم في الإيمان به. ودلالة [العام] على فرد بعينه من أفراده ليس بقطعي؛ لجواز تخصيص العام وإخراج ذلك الفرد منه.
وإذا لم يكن قطعياً، وتمسك به في كون الإجماع حجة، لزم الدور. لأن غاية ما في الباب أنه يدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين ظاهراً. والظاهر إنما يثبت كونه حجة بالإجماع. فلو أثبتنا كون الإجماع حجة بها دار.
وهذا [بخلاف] التمسك بمثل هذا الظاهر في كون القياس حجة كالتمسك بقوله ــ تعالى ــ ﴿فَاعتَبِرُوايَاأُوْلِيالأَبصَارِ (٢)﴾ فإنه يستلزم الدور؛ لأن التمسك بالظاهر ما ثبت بالقياس.
والكلام على الآية التي استدل بها الشافعي على حجية الإجماع كثير جداً تصحيحاً وتزييفاً، وقد ذكرنا جملة من ذلك في التقرير شرح أصول الإمام فخر الإسلام.
стр. 447
ص ــ الغزالي بقوله: ﴿﴿لا تجتمع أمتي﴾﴾ من وجهين:
أحدهما: تواتر المعنى لكثرتها، كشجاعة على وجود حاتم. وهو حسن.
والثاني: تلقى الأمة لها بالقبول. وذلك لا يخرجها عن الآحاد.
واستدل: إجماعهم يدل على قاطع في الحكم؛ لأن العادة امتناع إجماع مثلهم على مظنون.
وأجيب: بمنعه في الجلي وأخبار الآحاد بعد العلم بوجود العمل بالظاهر.
ش ــ واستدل الغزالي ــ ﵀ ــ بقوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿لا تجتمع أمتي على الخطأ﴾﴾ من وجهين.
أحدهما: أنه تظاهرت الروايات عن رسول الله ــ ﷺ ــ في عصمة هذه الأمة عن الخطأ، كقوله: ﴿﴿لا تجتمع أمتي على الضلالة﴾﴾. و ﴿﴿سألت الله أن لا تجتمع أمتى على الضلالة فأعطانيها﴾﴾. و ﴿﴿يد الله على الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من
стр. 448
شذ﴾﴾.
وغير ذلك مما فيه كثرة، وكل واحد منها إن لم يصل إلى حد التواتر فالقدر المشترك فيها متواتر، كشجاعة علي، وجود حاتم، وإذا كان كذلك، وجب أن
стр. 449
يكون الإجماع حجة.
واستحسنه المصنف؛ لأنه أثبت حجيته بالتواتر المفيد للقطع.
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن هذا الوجه لا يربو على إجماع الصحابة على حجية الإجماع، ولا ينفع ما لم تثبت حجية الإجماع.
والثاني: إن أفاد لم يزد على كونه حجة، وأمّا على كونه حجة قطعية فلا. والنزاع في ذلك.
والآخر: أن الأمة قرناً بعد قرن تلقتها بالقبول، واحتج بها بعض، وأجاب عنها آخرون، وكل ذلك دليل صحتها.
وزيفه المصنف: بأن ذلك لا يخرجها عن الآحاد. فهي ظنية لا تفيد القطع، وفيه نظر؛ لكون التلقي في الصدر الأول، فكانت مشهورة وخرجت عن الآحاد، فجاز أن يستدل بها، لكن على الحجية لا على القطعية. ومن الناس من استدل: بأن إجماع المجمعين على الحكم يدل على دليل قاطع يستند الإجماع إليه؛ لأن العادة تحيل اجتماع مثل هذا الجمع الكثير من العلماء على المظنون.
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم صلوح العادة للغلبة في مثل هذا الأمر سلمناه، لكنها تفيد الظن لا اليقين.
وزيفه المصنف، بمنع إحالة العادة اجتماعهم على مظنون؛ فإن سند الإجماع إذا كان قياساً جلياً، أو خبر واحد، بعد العلم بوجوب العمل بالظاهر الذي هو مظنون، جاز أن ينعقد به الإجماع.
ولقائل أن يقول: هذا يناقض ما ذكره في الدليل الأول على حجية الإجماع.
ص ــ المخالف: ﴿تِبيَانالِّكُلِّشَيء﴾، ﴿فَرُدُّوهُ﴾ ونحوه.
стр. 450
وغايته الظهور.
وأجيب: بأنه لم يكن حينئذ حجة.
ش ــ المخالف استدل على عدم حجية الإجماع بالكتاب والسنة.
أمّا الكتاب، فقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَنَزَّلنَاعَلَيكَالكِتَابَتِبيَانالِّكُلِّشَيء﴾.
ووجهه: أن الحكم الذي يتوخى إثباته بالإجماع شيء، وهو ظاهر وكل ما هو شيء فالكتاب تبيان له، لقوله ــ تعالى ــ: ﴿تِبيَانالِّكُلِّ شَيء﴾ فلا يحتاج إلى الإجماع.
وقوله ــ تعالى ــ: ﴿فَإِن تَنَازَعتُمفِيشَيءفَرُدُّوهُإِلَاللَّهِوَالرَّسُولِ﴾.
ووجهه: أن الأحكام الشرعية مما تنازع فيه المجتهدون، أو آراء مجتهد واحد، وذلك ظاهر، وكل ما شابه ذلك فردوه إلى الكتاب والسنة بالآية، فلم يكن الإجماع محتاجاً إليه.
بل المصير إليه مخالفة الكتاب، وهي حرام.
وقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَمَا اختَلَفتُم فِيهِ مِن شَيءفَحُكمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. فليس إلى الإجماع.
وزيفه المصنف: بأن غايته؛ أي غاية هذا الاستدلال الظهور، فلا يعارض القطعي الدال على كون الإجماع حجة.
ولقائل أن يقول: الدليل الذي ذكره على حجية الإجماع لم يبلغ حد القطع، كما تقدم بيان كل في موضعه. فكان ظاهراً في مقابلة ظاهر وتعارضا.
стр. 451
وأمّا السنة: فحديث معاذ ــ ﵁ ــ وهو أنه حين وجهه إلى اليمن قاضياً سأله: ﴿﴿بم تقضي﴾﴾؟ قال: بكتاب الله. قال ــ ﵇ ــ: ﴿﴿فإن لم تجد﴾﴾؟ قال: بسنة رسول الله، قال: ﴿﴿فإن لم تجد﴾﴾؟ قال: اجتهد برأيي. ولم يذكر الإجماع.
وصوبه رسول الله ــ ﷺ ــ وقال: ﴿﴿الحمد لله الذي وفق رسول رسوله بما يرضي رسوله﴾﴾. ولو كان الإجماع حجة للقنه.
стр. 452
وأجيب: بأن الإجماع لم يكن في زمن النبي ــ ﷺ ــ حجة، فلذلك سكت عنه.
وقد ذكرنا في التقرير أجوبة عن استدلالهم بالكتاب والسنة فليطلب ثمة.
стр. 453
ص ــ مسألة: وفاق من سيوجد، لا يعتبر اتفاقاً.
والمختار أن المقلد كذلك.
وميل القاضي إلى اعتباره.
وقيل: يعتبر الأصولي.
وقيل: الفروعي.
لنا: لو اعتبر لم يتصور.
وأيضاً: المخالفة عليه حرام. فغايته مجتهد خالف وعُلِمَ عصيانه.
ش ــ هذه المسألة في بيان أهل الإجماع، اتفقوا على أن أهله، أهل الفقه. فإذا اتفقوا على حكم شرعي كان إجماعاً، ولا يعتبر فيه موافقة من سيوجد بعد انقراض عصرهم، أو وجد ولم يبلغ رتبة الاجتهاد في عصرهم بالاتفاق.
وأمّا موافقة المقلد، وهو من لا يكون مجتهداً ففيه خلاف.
والمقلد يتناول العامي الذي لا يعلم الفروع ولا الأصول، والذي يعلم الأصول دون الفروع، وعكسه.
والمختار عند المصنف أنه لا يعتبر بموافقته مطلقاً.
وميل القاضي إلى اعتباره مطلقاً.
ومنهم من اعتبر موافقة الأصولي الذي لا يعلم الفروع.
стр. 454
وقيل: يعتبر عكسه.
واستدل المصنف على عدم اعتباره بوجهين:
الأول: لو اعتبر موافقة المقلد فيه لم يتصور الإجماع؛ لأن المقلدين لكثرتهم، وتباين أماكنهم لا يتصور اتفاق كلمتهم لكن قد دلّ الدليل على وجوده.
وفيه نظر؛ لأن أهل الإجماع كذلك.
والثاني: أن المقلد يحرم عليه مخالفة العلماء، وكل من حَرُمَ مخالفته لا تعتبر موافقته في الإجماع.
أمّا الصغرى فظاهرة، وأما الكبرى، فكالمجتهد الذي لم يوجد وقت الانعقاد، فإنه يحرم عليه مخالفة الإجماع بعد علمه بالإجماع، وموافقته غير معتبرة، بل المقلد أولى؛ لأنه إذا لم تعتبر موافقة القادر على الاستنباط، وهو المجتهد الذي وجد بعد الإجماع، فلأن لا تعتبر موافقة غير القادر أولى.
وفيه نظر؛ لأن هذا المجتهد إنما لم تعتبر موافقته؛ لكونه لم يوجد وقت الإجماع، وانقراض العصر ليس بشرط على الصحيح، والمقلد كان موجوداً وقت الإجماع، فكان قياساً مع الفارق، وهو لا يجوز.
стр. 455
المبتدع
ص ــ مسألة: المبتدع بما تضمن كفراً، كالكافر عند المكفر وإلا فكغيره.
وبغيره، ثالثها يعتبر في حق نفسه فقط.
لنا أن الأدلة لا تنتهض دونه.
قالوا: فاسق، فيرد قوله كالكافر والصبي.
وأجيب: بأن الكافر ليس من الأمة، والصبي لقصوره، ولو سُلّم فيقبل على نفسه.
ش ــ المسألة الثانية: في اعتبار قول المبتدع في الإجماع ، وهو المخطئ من أهل القبلة في الأصول. وهو لا يخلو من أن يكون مبتدعاً بما يوجب الكفر بصريحه، كغلاة الروافض والمجسمة، أو لا. فإن كان الأول فلا نزاع في عدم
стр. 456
اعتبار خلافه ووفاقه؛ لأنه كافر، والإجماع كرامة لهذه الأمة خاصة.
وإن كان الثاني، فإن كان مبتدعاً بما تضمن كفراً، أي بما يوجبه لا بصريحه، وهو المخطئ في الأصول بتأويل ففيه الخلاف مَنْ كَفَّرَهُ لم يعتبر كالكافر الأصلي ومَنْ لم يُكَفِّرْهُ جعله كمجتهد مبتدع بغير ما تضمن كفراً، بل بفسق.
وإن كان مبتدعاً بغير ما يتضمن كفراً ففيه ثلاثة مذاهب:
الأول: الاعتبار مطلقاً، لا ينعقد الإجماع بمخالفته، ومال إليه المصنف.
والثاني: انه لا يعتبر مطلقاً؛ لأنه فاسق.
والثالث: أنه تعتبر موافقته في حق نفسه دون غيره، على معنى أنه يجوز له مخالفة الإجماع الذي انعقد بدونه، ولا يجوز لغيره واحتج المصنف على مختاره بما تقريره: أن الأدلة الدالة على الإجماع شاملة له، لكونه من المجتهدين فلا ينعقد بدونه.
стр. 457
وفيه نظر؛ لأن الأدلة هي المقتضية، لكن قيام المقتضي لا يكفي لاتحاد الحكم ما لم ينتف المانع ولم ينتف وهو الفسق المخرج له عن كونه وسطاً، أي عدلاً.
وقال ــ تعالى ــ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُمأُمَّةوَسَطالِّتَكُونُواشُهَدَاءَعَلَى النَّاسِ﴾. ولم تصر الأمة أهلاً للإجماع إلا بصفة العدالة.
وقال المانعون مطلقاً: إنه فاسق فَيُرَدُّ قوله، كالكافر والصبي لاشتراكهم في عدم التحرز عن الكذب.
وأجاب المصنف: بالفرق، بأن الكافر يرد قوله، لأنه ليس من الأمة بخلاف الفاسق؛ فإنه لا يخرج عن الأمة، والصبي يرد؛ لأنه ليس من أهل الاجتهاد بخلاف الفاسق فإن الفرض أنه منهم.
ولو سُلّمَ منع قوله في حق الغير للتهمة، لكنه لا تهمة بالنسبة إلى نفسه فيما اجتهدوا على ما هو له ولم يوافقهم فيقبل.
ولقائل أن يقول: عدم خروجه عن الأمة لا يستلزم، [قبول] قوله؛ إذ ليس كل من هو من الأمة من أهل الإجماع، وإن الفرق غير مرضي عند المحققين، وقد مرّ غير مرة.
وأنه إذا لم يكن من أهل الإجماع صار نفسه وغيره سواء.
ص ــ مسألة: لا يختص الإجماع بالصحابة.
وعن أحمد قولان:
لنا: الأدلة السمعية.
قالوا: إجماع الصحابة قبل مجيء التابعين وغيرهم. على أن ما لا قطع فيه سائغ فيه الاجتهاد. فلو اعتبر غيرهم خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان.
стр. 458
وأجيب: بأنه لازم في الصحابة قبل تحقق إجماعهم، فوجب أن يكون ذلك مشروطاً بعد الإجماع.
قالوا: لو اعتبر، لاعتبر مع مخالفة بعض الصحابة.
وأجيب: بفقد الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها.
ش ــ المسألة الثالثة: في أن الإجماع لا يختص بالصحابة ــ ﵃ ــ وهو مذهب المحققين، بل ينعقد إجماع مجتهدي كل عصر.
وذهب أهل الظاهر إلى اختصاصه بهم.
ونقل عن أحمد ــ ﵀ ــ قولان:
أحدهما: كما ذهب إليه المحققون.
والثاني: كما ذهب إليه الظاهريون.
دليل المحققين: أن الأدلة السمعية الدلة على الإجماع عامة في مجتهدي كل عصر، فلا وجه لاختصاصها بالصحابة.
ولقائل أن يقول: الأدلة السمعية المذكورة في هذا الكتاب زيفها المصنف سوى قوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿لا تجتمع أمتي على الضلالة﴾﴾ وقد عرفت ما فيه.
ودليل أهل الظاهر: أن الصحابة ــ ﵃ ــ قبل مجيء التابعين وغيرهم
стр. 459
من الأئمة المجتهدين، أجمعوا على ما لا قطع فيه، أي كل مسألة فيها دليل قاطع يجوز فيه الاجتهاد.
ولو كان إجماع غيرهم صحيحاً لزم مخالفة إجماع الصحابة، وتعارض الإجماعين، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم كذلك.
وبيان الملازمة: أن التابعين لو أجمعوا على مسألة اجتهادية لما جاز الاجتهاد فيها بعد إجماعهم، فيلزم مخالفة إجماع الصحابة لأن إجماعهم على الاجتهاد في كل مسألة اجتهادية جائز، ويلزم تعارض الإجماعين، أحدهما إجماع الصحابة على جواز الاجتهاد فيها، والآخر إجماع غيرهم على أنه لا يجوز الاجتهاد فيها.
وأجيب: بأن لذلك لازم في إجماع الصحابة ــ أيضاً؛ لأنهم قبل الإجماع على الحكم أجمعوا على جواز الإجتهاد فيه، وبعد إجماعهم لا يجوز الاجتهاد فيه، فلزم مخالفة إجماعهم، وتعارض إجماعهم وإذا كان كذلك كان الخلاص بأن يقال: إجماعهم على جواز الاجتهاد فيما لا قاطع فيه مشروط بعد الإجماع بعده، وإذا أجمع التابعون بعده زال شرطهم إجماعهم الأول، فيزول الإجماع الأول، فلا يلزم المخالفة، ولا تعارض الإجماعين.
ولقائل أن يقول: لا نسلم لزوم ذلك في إجماع الصحابة؛ لأنهم أجمعوا على جواز الاجتهاد فيما لا قاطع فيه، وإذا أجمعوا على الحكم وجد القاطع فيه فانتفى شرط جواز الاجتهاد فيه، فلا يلزم المخالفة ولا تعارض الإجماعين.
لا يقال: المراد بالقاطع النص القاطع؛ لأن قطعية دلالة النص غير قطعية كما تقدم.
وقالوا ــ أيضاً ــ لو اعتبر إجماع غير الصحابة، لاعتبر مع مخالفة الصحابة، يعني إذا كان في المسألة خلاف بين الصحابة، ثم أجمع التابعون، وجب أن ينعقد الإجماع؛ لأنه كما انعقد إجماعهم مع عدم قول الصحابة فيها فلأن ينعقد معه أولى.
стр. 460
وأجاب بأن من شرط في الإجماع عدم خلاف سابق يمنع الملازمة بأنه إنما لم ينعقد مع مخالفة الصحابة؛ لأن شرطه عدم الخلاف، ولم يوجد.
وأجاب من يشترط ذلك: بمنع بطلان التالي، فإن عنده ينعقد الإجماع.
ولقائل أن يقول لو لم يعتبر إجماع غير الصحابة، لم يعتبر إجماعهم واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم كذلك.
بيان الملازمة: أن الإجماع صار حجة، كرامة لهذه الأمة، وإدامة للحجة، وذلك مشترك بينهما؛ إذ الأمة ليست مقولة بالتشكيك، فإن اعتبر فيهما، وإن لم يعتبر لم يعتبر فيهما.
فإن قال: صار حجة لذلك، لكن يشترط كونه صحابياً. منعناه؛ لانتفاء إدامة الحجة باشتراطه.
ص ــ مسألة: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين، كإجماع غير ابن عباس ــ ﵄ ــ على العول، وغير أبي موسى ــ ﵁ ــ على أن النوم ينقض الوضوء لم يكن إجماعاً قطعياً؛ لأن الأدلة لا تتناوله.
والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف.
ش ــ المسألة الرابعة: في أن خلاف الواحد كخلاف الأكثر في عدم [الانعقاد] عند أكثر الأصوليين.
وذلك كخلاف ابن عباس ــ ﵄ ــ في العول في
следующие страницы →