← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اعتبار خلافه ووفاقه؛ لأنه كافر، والإجماع كرامة لهذه الأمة خاصة. وإن كان الثاني، فإن كان مبتدعاً بما تضمن كفراً، أي بما يوجبه لا بصريحه، وهو المخطئ في الأصول بتأويل ففيه الخلاف مَنْ كَفَّرَهُ لم يعتبر كالكافر الأصلي ومَنْ لم يُكَفِّرْهُ جعله كمجتهد مبتدع بغير ما تضمن كفراً، بل بفسق. وإن كان مبتدعاً بغير ما يتضمن كفراً ففيه ثلاثة مذاهب: الأول: الاعتبار مطلقاً، لا ينعقد الإجماع بمخالفته، ومال إليه المصنف. والثاني: انه لا يعتبر مطلقاً؛ لأنه فاسق. والثالث: أنه تعتبر موافقته في حق نفسه دون غيره، على معنى أنه يجوز له مخالفة الإجماع الذي انعقد بدونه، ولا يجوز لغيره واحتج المصنف على مختاره بما تقريره: أن الأدلة الدالة على الإجماع شاملة له، لكونه من المجتهدين فلا ينعقد بدونه.

стр. 457

وفيه نظر؛ لأن الأدلة هي المقتضية، لكن قيام المقتضي لا يكفي لاتحاد الحكم ما لم ينتف المانع ولم ينتف وهو الفسق المخرج له عن كونه وسطاً، أي عدلاً. وقال ــ تعالى ــ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُمأُمَّةوَسَطالِّتَكُونُواشُهَدَاءَعَلَى النَّاسِ﴾. ولم تصر الأمة أهلاً للإجماع إلا بصفة العدالة. وقال المانعون مطلقاً: إنه فاسق فَيُرَدُّ قوله، كالكافر والصبي لاشتراكهم في عدم التحرز عن الكذب. وأجاب المصنف: بالفرق، بأن الكافر يرد قوله، لأنه ليس من الأمة بخلاف الفاسق؛ فإنه لا يخرج عن الأمة، والصبي يرد؛ لأنه ليس من أهل الاجتهاد بخلاف الفاسق فإن الفرض أنه منهم. ولو سُلّمَ منع قوله في حق الغير للتهمة، لكنه لا تهمة بالنسبة إلى نفسه فيما اجتهدوا على ما هو له ولم يوافقهم فيقبل. ولقائل أن يقول: عدم خروجه عن الأمة لا يستلزم، [قبول] قوله؛ إذ ليس كل من هو من الأمة من أهل الإجماع، وإن الفرق غير مرضي عند المحققين، وقد مرّ غير مرة. وأنه إذا لم يكن من أهل الإجماع صار نفسه وغيره سواء. ص ــ مسألة: لا يختص الإجماع بالصحابة. وعن أحمد قولان: لنا: الأدلة السمعية. قالوا: إجماع الصحابة قبل مجيء التابعين وغيرهم. على أن ما لا قطع فيه سائغ فيه الاجتهاد. فلو اعتبر غيرهم خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان.

стр. 458

وأجيب: بأنه لازم في الصحابة قبل تحقق إجماعهم، فوجب أن يكون ذلك مشروطاً بعد الإجماع. قالوا: لو اعتبر، لاعتبر مع مخالفة بعض الصحابة. وأجيب: بفقد الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها. ش ــ المسألة الثالثة: في أن الإجماع لا يختص بالصحابة ــ ﵃ ــ وهو مذهب المحققين، بل ينعقد إجماع مجتهدي كل عصر. وذهب أهل الظاهر إلى اختصاصه بهم. ونقل عن أحمد ــ ﵀ ــ قولان: أحدهما: كما ذهب إليه المحققون. والثاني: كما ذهب إليه الظاهريون. دليل المحققين: أن الأدلة السمعية الدلة على الإجماع عامة في مجتهدي كل عصر، فلا وجه لاختصاصها بالصحابة. ولقائل أن يقول: الأدلة السمعية المذكورة في هذا الكتاب زيفها المصنف سوى قوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿لا تجتمع أمتي على الضلالة﴾﴾ وقد عرفت ما فيه. ودليل أهل الظاهر: أن الصحابة ــ ﵃ ــ قبل مجيء التابعين وغيرهم

стр. 459

من الأئمة المجتهدين، أجمعوا على ما لا قطع فيه، أي كل مسألة فيها دليل قاطع يجوز فيه الاجتهاد. ولو كان إجماع غيرهم صحيحاً لزم مخالفة إجماع الصحابة، وتعارض الإجماعين، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم كذلك. وبيان الملازمة: أن التابعين لو أجمعوا على مسألة اجتهادية لما جاز الاجتهاد فيها بعد إجماعهم، فيلزم مخالفة إجماع الصحابة لأن إجماعهم على الاجتهاد في كل مسألة اجتهادية جائز، ويلزم تعارض الإجماعين، أحدهما إجماع الصحابة على جواز الاجتهاد فيها، والآخر إجماع غيرهم على أنه لا يجوز الاجتهاد فيها. وأجيب: بأن لذلك لازم في إجماع الصحابة ــ أيضاً؛ لأنهم قبل الإجماع على الحكم أجمعوا على جواز الإجتهاد فيه، وبعد إجماعهم لا يجوز الاجتهاد فيه، فلزم مخالفة إجماعهم، وتعارض إجماعهم وإذا كان كذلك كان الخلاص بأن يقال: إجماعهم على جواز الاجتهاد فيما لا قاطع فيه مشروط بعد الإجماع بعده، وإذا أجمع التابعون بعده زال شرطهم إجماعهم الأول، فيزول الإجماع الأول، فلا يلزم المخالفة، ولا تعارض الإجماعين. ولقائل أن يقول: لا نسلم لزوم ذلك في إجماع الصحابة؛ لأنهم أجمعوا على جواز الاجتهاد فيما لا قاطع فيه، وإذا أجمعوا على الحكم وجد القاطع فيه فانتفى شرط جواز الاجتهاد فيه، فلا يلزم المخالفة ولا تعارض الإجماعين. لا يقال: المراد بالقاطع النص القاطع؛ لأن قطعية دلالة النص غير قطعية كما تقدم. وقالوا ــ أيضاً ــ لو اعتبر إجماع غير الصحابة، لاعتبر مع مخالفة الصحابة، يعني إذا كان في المسألة خلاف بين الصحابة، ثم أجمع التابعون، وجب أن ينعقد الإجماع؛ لأنه كما انعقد إجماعهم مع عدم قول الصحابة فيها فلأن ينعقد معه أولى.

стр. 460

وأجاب بأن من شرط في الإجماع عدم خلاف سابق يمنع الملازمة بأنه إنما لم ينعقد مع مخالفة الصحابة؛ لأن شرطه عدم الخلاف، ولم يوجد. وأجاب من يشترط ذلك: بمنع بطلان التالي، فإن عنده ينعقد الإجماع. ولقائل أن يقول لو لم يعتبر إجماع غير الصحابة، لم يعتبر إجماعهم واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم كذلك. بيان الملازمة: أن الإجماع صار حجة، كرامة لهذه الأمة، وإدامة للحجة، وذلك مشترك بينهما؛ إذ الأمة ليست مقولة بالتشكيك، فإن اعتبر فيهما، وإن لم يعتبر لم يعتبر فيهما. فإن قال: صار حجة لذلك، لكن يشترط كونه صحابياً. منعناه؛ لانتفاء إدامة الحجة باشتراطه. ص ــ مسألة: لو ندر المخالف مع كثرة المجمعين، كإجماع غير ابن عباس ــ ﵄ ــ على العول، وغير أبي موسى ــ ﵁ ــ على أن النوم ينقض الوضوء لم يكن إجماعاً قطعياً؛ لأن الأدلة لا تتناوله. والظاهر أنه حجة لبعد أن يكون الراجح متمسك المخالف. ش ــ المسألة الرابعة: في أن خلاف الواحد كخلاف الأكثر في عدم [الانعقاد] عند أكثر الأصوليين. وذلك كخلاف ابن عباس ــ ﵄ ــ في العول في

стр. 461

الفرائض لعامة الصحابة ــ ﵃. وكخلاف أبي موسى الأشعري ــ ﵁ ــ في كون النوم ناقضاً

стр. 462

للوضوء. وخالفهم بعض المعتزلة، ومحمد بن جرير الطبري. حجة الأكثرين: أن الأدلة الدالة على ثبوت الإجماع تفيد عموم المؤمنين فتخصيصه ببعض بلا ضرورة تحكم صرف. ثم القائلون: بأنه ليس بإجماع اختلفوا في كونه حجة. فنفاه بعض وأثبته الآخرون، واختاره المصنف وقال: والظاهر أنه حجة؛ لأن أحد القولين لا بد وأن

стр. 463

يكون حقاً، ويبعد أن يكون قول الأقل؛ إذ الغالب أن متمسك الأكثر راجح، فتركه إلى غيره لا يجوز. وفيه نظر؛ لأنه ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال؛ لأن مختار المصنف في الاستدلال أنه ثلاثة أقسام تلازم بين حكمين من غير تعيين علة جامعة، واستصحاب وشرع من قبلنا. فكان اختياره لحجيته مخالفاً لاختياره ما ذكره في آخر الكتاب. ص ــ مسألة: التابعي المجتهد معتبر مع الصحابة. فإن نشأ بعد إجماعهم فعلى انقراض العصر. لنا: ما تقدم. واستدل: لو لم يعتبر، لم يسوغوا اجتهادهم معهم، كسعيد بن المسيب، وشريح، والحسن، ومسروق، وأبى وائل، والشعبي، وابن جبير، وغيرهم. وعن أبي سلمة: تذاكرت مع ابن عباس وأبي هريرة في عدة الحامل للوفاة، فقال ابن عباس؛ أبعد الأجلين، وقلت أنا: بالوضع. فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. وأجيب: بأنهم إنما سوَّغوه مع اختلافهم. ش ــ المسألة الخامسة: في أن مخالفة التابعي المجتهد تمنع انعقاد

стр. 464

الإجماع، أو لا. ذهب أكثر الأصوليين إلى اعتبار موافقته، واختاره المصنف وذهب طائفة إلى عدمه، بل ينعقد الإجماع مع مخالفته. وهذا إذا كان التابعي مجتهداً وقت إجماعهم. وأما إذا بلغ رتبة الاجتهاد بعد إجماع الصحابة، فمن شرط في الإجماع انقراض العصر اعتبر موافقته، ومن لم يشترطه لا يعتبرها. وقال المصنف للمختار: لنا ما تقدم، يعني أن الدليل الدال على انعقاد الإجماع لا ينتهض دونه؛ لأن الصحابة بدونه بعض المؤمنين، والإجماع بالجميع. واستدل للمختار بدليل ضعيف، وهو أن الصحابة سوّغوا اجتهادهم معهم، ولو لم يعتبروا موافقتهم لما سوَّغوا؛ لأن غير المعتبر لا يصح تجويزه، فضلاً عن الرجوع إليه. وقد صح رجوع الصحابة إلى التابعين، كسعيد بن المسيب

стр. 465

وشريح، والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن

стр. 466

جبير، فإن عليّاً وعمر وليا القضاء شريحاً، ولم يعترضا عليه فيما خالفهما فيه. وحكم شريح على علي في خصومه له مع يهودي على خلاف رأي علي، ولم ينكر عليه. وروى عن ابن عمر أنه سئل عن فريضة فقال: ﴿﴿سلوا سعيد بن جبير فإنه

стр. 467

أعلم بها مني﴾﴾. وسئل الحسن بن علي ــ ﵄ ــ عن مسألة فقال: ﴿﴿سلوا الحسن البصري﴾﴾. وسئل ابن عباس عن النذر بذبح الولد، فأشار إلى مسروق ثم أتاه السائل بجوابه فتابعه.

стр. 468

وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: ﴿﴿تذاكرت مع ابن عباس وأبي هريرة ــ ﵄ ــ في عدة الحامل [٩٠/ب] المتوفي عنها زوجها، فقال ابن عباس: أبعد الأجلين من وضع الحمل، وانقضاء أربعة أشهر وعشر، فقلت أنا: بالوضع، فقال أبو هريرة أنا مع ابن أخي﴾﴾. وسوغ ابن عباس لأبي سلمة أن يخالفه مع أبي هريرة، وهو تابعي. وأمثال ذلك كثيرة. ووجه ضعفه ما ذكره المصنف أن الصحابة اعتبروا اجتهادهم فيما اختلف فيه الصحابة، فإن الصور المنقولة إنما هي صور وقع الخلاف فيما بين الصحابة لا فيما انعقد عليه إجماعهم، ولا يلزم من اعتبار قولهم في صور الخلاف اعتباره في صورة الإجماع. ولقائل أن يقول: اللازم أحد الشمولين إمّا شمول الاعتبار في [المجمع]

стр. 469

عليه والمختلف فيه، أو عدمه فيهما؛ لأن اعتبار قوله إمّا أن يكون لدليل أو لا. فإن كان الأول فاللازم شمول الاعتبار لا سيما وهو دافع لا رافع، وإن كان الثاني فاللازم شمول العدم؛ لأن اتباع الصحابة لغيرهم بغير دليل حرام. ص ــ مسألة: إجماع المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك ــ ﵀ ــ. وقيل: محمول على أن روايتهم متقدمة. وقيل: على المنقولات المستمرة، كالأذان والإقامة. والصحيح: التعميم. لنا: أن العادة تقضي بأن مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء الأحقين بالاجتهاد لا يجمعون إلا عن راجح. فإن قيل: يجوز أن يكون متمسك غيرهم أرجح، ولم يطلع عليه بعضهم. قلنا: العادة تقضي باطلاع الأكثر، والأكثر كاف فيما تقدم. ش ــ المسألة السادسة: في أن إجماع المدينة من الصحابة والتابعين حجة، أو لا. فذهب الأكثرون إلى أنه لا يكون حجة. ونقل عن مالك أنه حجة. واستبعد بعضهم هذا النقل عنه فأوّل كلامه بأنه محمول على أن روايتهم متقدمة على رواية غيرهم وآخرون قالوا: إنه محمول على أن إجماع أهل المدينة على المنقولات المستمرة، أي المكرر وقوعها، كالأذان والإقامة، حجة.

стр. 470

فإنهم لو أجمعوا على أن الإقامة فرادى كان حجة. ولو أجمعوا على ما لم يكن متكرراً، لم يكن حجة. قال المصنف: والصحيح التعميم، يعني أن مذهب مالك أن إجماع أهل المدينة حجة سواء كان على المنقولات المستمرة أو غيرها. واحتج لذلك: بأن العادة تقضي بأن مثل هذا الجمع من العلماء المنحصرين أي غير منتشرين في الآفاق، الأحقين بالاجتهاد بسبب مشاهدتهم التنزيل وسماعهم التأويل، وعرفانهم بأحوال الرسول، لا يجمعون على حكم من الأحكام إلا عن متمسك راجح، والمتمسك الراجح حجة لا محالة. فإن قيل: يجوز أن يكون متمسك غيرهم أرجح ولم يطلع عليه بعض أهل المدينة.

стр. 471

أجيب: بأن العادة تقضي باطلاع الأكثر، واطلاع الأكثر كاف في حجية قولهم، وإن لم يكن كافياً في كونه إجماعاً قاطعاً، كما تقدم أن مخالفة النادر للأكثر لا يمنع أن يكون اتفاق الأكثر حجة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن العادة تقضي بذلك، وأن كونه حجة غير صحيح. كما تقدم أنه ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا استدلال، والحجج الشرعية منحصرة في ذلك. ص ــ واستدل بنحو: ﴿﴿إن المدينة طيبة تنفي خبثها﴾﴾. وهو بعيد. وبتشبيه عملهم بروايتهم. وردّ: بأنه تمثيل، لا دليل. مع أن الرواية ترجح بالكثرة بخلاف الاجتهاد. ش ــ واحتج بعضهم على مذهب مالك بوجهين آخرين: أحدهما: قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿إن المدينة طيبة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد﴾﴾. و ﴿﴿طيبة﴾﴾ على وزن شيبة، اسم من أسماء المدينة.

стр. 472

ووجهه: أنه يدل على نفي الخبث، والخطأ خبث فيكون منفياً، وما ينتفى عنه الخطأ فهو حجة. قال المصنف: وهو بعيد؛ إذ لا دلالة على أن قول أهله يكون حجة أصلاً. الثاني: أن رواية أهل المدينة متقدمة، أي راجحة على رواية غيرهم فيكون عملهم كروايتهم، أي يكون اجتهادهم راجحاً على اجتهاد غيرهم قياساً عليها، فيكون إجماعهم حجة. ورده المصنف: بأنه مجرد تمثيل خالٍ عن الوصف الجامع، فلا يكون دليلاً، على أن الفرق بين الرواية والاجتهاد ثابت، فإن الرواية ترجح بكثرة الرواة دون الاجتهاد. وفيه نظر؛ فإن الفرق غير مسموع. كما تقدم غير مرة، ولا نسلم أن الرواية ترجح بكثرة الرواة، بل بالعدالة، والجامع مشاهدتهم للتنزيل وسماعهم التأويل، وعرفانهم بأحوال الرسول. ص ــ مسألة: لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم، خلافاً للشيعة، ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافاً لأحمد. ولا بأبي بكر وعمر عند الأكثرين. قالوا: ﴿﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي﴾﴾. ﴿﴿اقتدوا باللذين من بعدي﴾﴾. قلنا: يدل على أهلية اتباع المقلد. ومعارض بمثل ﴿﴿أصحابي كالنجوم﴾﴾ و ﴿﴿خذوا شطر دينكم عن الحميراء﴾﴾. ش ــ المسألة السابعة: في أن الإجماع هل ينعقد بأهل البيت علي والحسن

стр. 473

والحسين وفاطمة ــ ﵃ ــ، أو لا. جوزه الشيعة ونفاه الأكثرون.

стр. 474

احتجت الشيعة بالكتاب قول الله ـتعالاـ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَعَنكُمُالرِّجسَ أَهلَالبَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرا (٣٣)﴾ والخطأ رجس فيطهر أهل البيت عنه، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة. وبالسنة قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي﴾﴾. وأجيب عن الأول: بأن المراد بأهل البيت أزواجه ــ ﷺ ــ لأن سياق الآية وسياقها فيهم. وعن الثاني: بأنه من الآحاد، فلا يفيد القطع، والمسألة قطعية. سلمناه، ولكن لا دلالة له على أن قول العترة وحدها حجة. ومن الناس من ذهب إلى أن الإجماع ينعقد بالأئمة الأربعة: أبي بكر وعمر

стр. 475

وعثمان وعلي ــ ﵃ ــ، وهو رواية أحمد، ونفاه الأكثرون. ومنهم من ذهب إلى أنه ينعقد بقول الشيخين أبي بكر وعمر ــ ﵄ ــ ونفاه الأكثرون. استدل الأولون بقوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي﴾﴾ فإنه يدل على وجوب اتباعهم سنتهم، كوجوب اتباع النبي في سنته؛ لأن كلمة ﴿﴿على﴾﴾ للوجوب.

стр. 476

واستدل الآخرون بقوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر﴾﴾. والجواب عنهما جميعاً: أن الحديثين لا يدلان إلا على أن للأئمة الأربعة وللشيخين أهلية أن يتبعهم المقلدون لا على أن إجماعهم حجة. وفيه نظر؛ فإن ظاهر الحديثين يدل على وجوب الاقتداء بهم، ومن لم يكن قوله حجة لا يجب الاقتداء به. وأيضاً: الحديثان معارضان بمثل قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم﴾﴾ و ﴿﴿خذوا شطر دينكم عن الحميراء﴾﴾. مع أن قول كل واحد من الصحابة

стр. 477

وقولها ليس بحجة. وفيه نظر؛ فإن الحديث الأول ليس فيه ما يدل على وجوب الاقتداء حتى يستلزم حجية قول كل واحد منهم، غاية ما في الباب أن يدل على جواز الاقتداء، وذلك لا يستلزم أن يكون قوله حجة موجبة. والحديث الثاني: فيه ما يدل على أن المراد به المسموعات؛ فإن شطر الدين يستبعد أن يثبت بقولها وحدها، فيكون المراد به الرجوع إليها في الرواية. ص ــ مسألة: لا يشترط عدد التواتر عند الأكثرين. لنا: دليل السمع. فلو لم يبق إلا واحد ــ فقيل: حجة؛ لمضمون السمعي. وقيل: لا؛ لمعني الاجتماع. ش ــ المسألة الثامنة: في أن بلوغ أهل الإجماع حد التواتر شرط، أو لا. فمن جوّز الإجماع بالعقل واستحالة الخطأ بحكم العادة، لزمه الاشتراط. ومن جوزّه بالسمع، لم يشترطه. فلو فرض أنه لم يبق من أهله إلا واحد.

стр. 478

فقيل: حجة، بمضمون السمعي، فإن قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَيَتَّبِع غَيرَسَبِيلِ المُؤمِنِينَ﴾ وقوله ــ ﷺ ــ ﴿﴿لا تجتمع أمتي على الخطأ﴾﴾ عام يتناول عدد التواتر دونه، ولم يظهر مخصص فيجري على عمومه، والأمة قد تطلق على الواحد كما في قوله ــ تعالى ــ: ﴿إِنَّ إِبرَاهِيمَكَانَأُمَّةً﴾. وقيل: لا يكون حجة؛ لأن الإجماع إنما يتصوّر عند الاجتماع، وأقل ما يقع فيه اثنان، وفي كلام المصنف نظر؛ لأنه قال: لنا دليل السمع وهو ممن استدل على الإجماع بوجهين عقليين، كما تقدم في أوّل الإجماع واستحسن استدلال الغزالي في وجه، وقد عرفت ما فيه. ص ــ مسألة: إذا أفتى واحد وعرفوا به، ولم ينكره أحد قبل استقرار المذاهب، فإجماع أو حجة. وعن الشافعي: ليس بإجماع ولا حجة. وعنه خلافه. وقال الجبّائي: إجماع بشرط انقراض العصر. ابن أبي هريرة: إن كان فتياً، لا حكماً. لنا: سكوتهم ظاهر في موافقتهم، فكان كقولهم الظاهر، فينهض دليل السمع.

стр. 479

المخالف يحتمل أنه لم يجتهد، أو وقف، أو خالف فترَوَّى، أو وقّر، أو هاب. فلا إجماع ولا حجة. قلنا: خلاف الظاهر؛ لأن عادتهم ترك السكوت. الآخر: دليل ظاهر لما ذكرناه. الجبائي: انقراض [العصر] يضعف الاحتمال. ابن أبي هريرة: العادة في الفتيا لا في الحكم. وأجيب: بأن الفرض قبل استقرار المذاهب. وأمّا إذا لم ينتشر فليس بحجة عند الأكثر. ش ــ المسألة التاسعة: إذا ذهب واحد من المجتهدين إلى حكم في صورة، قبل استقرار المذاهب على حكم تلك الصورة، وعلموا صدوره عنه ولم ينكر أحد ففيه خلاف. قيل: إن علم أن سكوتهم عن رضى فهو إجماع قطعي، وإن لم يعلم فحجة، وهو مختار المصنف. ونقل عن الشافعي أنه ليس إجماعاً ولا حجة. ونقل عنه أيضاً ــ خلاف ذلك، وهو أنه حجة لا إجماع.

стр. 480

ونقل عن الجبائي أنه إجماع بشرط انقراض عصر المجتهدين وعدم إنكارهم عليه. وعن علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي أنه إجماع وإن كان فتياً، وليس بإجماع إن كان حكماً من حاكم. واستدل المصنف على ما اختاره: بأن سكوت أهل عصره من المجتهدين مع حرمته عليهم دليل ظاهر على موافقتهم إياه في ذلك الحكم فكان سكوتهم الظاهر كقولهم الظاهر فينهض دليل السمع على كونه إجماعاً ظاهراً. وهذا دليل كونه إجماعاً، وليس في كلامه ما يدل على الشق الآخر. وقد قيل: وحينئذٍ إن علمت موافقتهم باطناً كان إجماعاً قطعاً، وإلا كان حجة لأن العمل بالظاهر واجب. وقال المخالف القائل بما نقل عن الشافعي: أولاً: سكوتهم محتمل، والمحتمل ليس بحجة. أمّا الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فلأن سكوته قد يكون لأنه لم يجتهد بعد أو وقف في الحكم لم يصل اجتهاده إلى مبلغ. أو خالف في الحكم لكنه لم يظهره؛ لأنه تروّي، أي تفكر في طلب وقت يتمكن من إظهار الخلاف، أو وقّر القائل بترك الإنكار عليه، أو هابه

стр. 481

لعلمه أنه لا يلتفت إلى إنكاره، كما قال ابن عباس ــ ﵄ ــ في سكوته عن مسألة العول في حياة عمر حين سئل عنه: كان رجلاً مهيباً فهبته﴾﴾. وأجاب المصنف: بأن هذه الاحتمالات خلاف الظاهر؛ لأن عادتهم ترك السكوت عمّا أفتى به أحد إذا لم يكن موافقاً لهم. وفيه نظر؛ لأن عادتهم كانت ذلك إذا لم يكن ثمة مانع، وكل منها مستقل بالمنع. وقال الناقل عن الشافعي ــ ثانياً: دليل ظاهر؛ أي سكوتهم دليل ظاهر عند علمهم بحكم ذلك المبني على الموافقة، لرجحان احتمال الموافقة بحكم العادة فيكون حجة لا إجماعاً قطعاً، وهذا دون الأول لما ذكرنا على كونه حجة، وللنظر المذكور آنفاً. وقال الجبائي: هذه الاحتمالات وإن كانت قوية، لكن شرط انقراض عصر المجتهدين يضعفها فيتقوى احتمال الموافقة. ولقائل أن يقول: اشتراط انقراض العصر فاسد، لما سنذكره، وهذا مبني عليه، والبناء على الفاسد، فاسد. وقال علي بن أبي هريرة: العادة تقضي بأن ترك الإنكار في الفتيا للموافقة ظاهراً. بخلاف حكم الحاكم، فإن الفقهاء يحضرون مجالس الحكم ويشاهدون خطأهم في الأحكام، ويتركون الإنكار عليهم، لمهابتهم ولغير ذلك. وأجاب المصنف عنه: بأن الفرض قبل استقرار المذهب، وإذا لم يستقر المذهب يجوز إنكار قول الحاكم، كما يجوز إنكار قول المفتي فلا فرق بينهما إذاً. وفيه نظر؛ فإنه ليس الكلام في جواز الإنكار وعدمه، وإنما [٩٢/ب] الكلام في

стр. 482

تركهم الجائز لمهابته أو لغيره. وقوله: ﴿﴿وأمّا إذا لم ينتشر﴾﴾ معطوف على قوله في مطلع البحث ﴿﴿وعرفوا به﴾﴾، يعني هذه المذاهب فيما إذا أفتي واحد وعرف الباقون به، أي انتشر قوله بين أهل عصره. وأمّا إذا لم ينتش فليس بحجة عند الأكثرين؛ لاحتمال أن لايكون للباقين في ذلك الحكم قول؛ لعدم خطورة ببالهم، أو يكون له قول مخالف أو موافق، وهي احتمالات متساوية فلا يكون حجة. ص ــ مسألة انقراض العصر غير شرط عند المحققين. وقال أحمد وابن فورك: يشترط. وقيل: في السكوتي. وقال الإمام: إن كان عن قياس. لنا: دليل السمع. واستدل: بأنه يؤدي إلى عدم الإجماع للتلاحق. وأجيب: بأن المراد عصر المجمعين الأولين أو لا مدخل للاحق. ش ــ المسألة العاشرة: إذا اتفقت كلمة مجتهدي عصر في لحظة انعقد الإجماع عند المحققين. وقال أحمد وابن فورك: انقراض العصر شرط

стр. 483

انعقاده. وقيل: ذلك في الإجماع السكوتي، كالذي مرّ آنفاً. وقال إمام الحرمين: إن حصل الإجماع عن قياس يشترط ذلك وإلا فلا. واحتج المصنف للمحققين بالسمع؛ فإن الأدلة السمعية تدل على أن إجماع الأمة حجة من غير تقييده بموت وانقراض عصر، والأصل عدم التقييد، وقد تقدم على ذلك نظر فيذكر. واستدل ــ أيضاً ــ: بأن اشتراط الانقراض يؤدي إلى عدم الإجماع وما يؤدي إليه باطل قطعاً، وذلك لأنه لو أجمع الصحابة ــ ﵃ ــ ولحقهم التابعي في عصرهم يجوز له مخالفتهم، لعدم انعقاد إجماعهم، لعدم انقراض عصرهم. وحينئذٍ

стр. 484

لا يخلو إمّا أن يوافقهم التابعي، أو لا. فإن خالفهم لم يبق إجماعهم إجماعاً، وإن وافقهم ولحق تبع التابعين قبل انقراض عصر التابعين يجوز لهم مخالفتهم؛ لأنه لم ينعقد إجماعهم بعد، فإن خالفوا لم يكن إجماعهم إجماعاً، وهلم جرا إلى زماننا. فلم يتحقق إجماعٌ أبداً. وأجاب المصنف ــ ﵀ ــ بأن المراد انعقاد عصر المجمعين الأولين عند حدوث الواقعة، لا انقراض عصر من يتجدد بعدهم، فإذا انقرض عصرهم ولم يظهر منهم ولا من التابعين المدركين عصرهم خلاف، انعقد الإجماع ولم يؤثر حدوث تبع التابعين بعد انقراض عصر المجمعين الأولين. هذا إذا كان فائدة اشتراط انقراض العصر اعتبار موافقة من أدرك عصر المجمعين الأولين في إجماعهم، كما هو المختار عند بعض المشترطين. وأمّا إذا كان فائدة الاشتراط جواز رجوع بعض المجتهدين بسبب ظهور فكر أو تحصيل اجتهاد، كما هو المختار عند أحمد لا اعتبار موافقة من سيوجد في إجماعهم فلا مدخل للاحق فينعقد إجماع الأولين عند انقراضهم إذا لم يرجع واحد منهم، ولا تؤثر مخالفة من أدرك عصرهم من التابعين، وهو معنى قوله ﴿﴿أَوْلاَ [٩٣/أ] مدخل للاحق﴾﴾. ص ــ قالوا: يستلزم إلغاء الخبر الصحيح بتقدير [الاطلاع] عليه. قلنا: بعيد. وبتقديره فلا أثر له مع القاطع، كما لو انقرضوا. قالوا: لو لم يشترط لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده. قلنا: واجب لقيام الإجماع. قالوا: لو لم تعتبر مخالفته لم تعتبر مخالفة من مات؛ لأن الباقي كل الأمة. قلنا: قد التزمه بعض.

стр. 485

والفرق أن هذا قول بعض من وجد من الأمة، فلا إجماع. ش ــ قال الذين يشترطون انقراض العصر: لو لم يشترط لزم إلغاء الخبر الصحيح بتقدير الاطلاع عليه؛ فإن الاطلاع عليه ممكن والإجماع المنعقد لا ينقض فلزم أن يترك الخبر. لكن لا يجوز إلغاء الخبر الصحيح وإبقاء الإجماع لئلا يستمر الخطأ الظاهر. ولقائل أن يقول: كان اشتراط عدم ظهور خبر صحيح في عصرهم أولى من اشتراط انقراض العصر؛ لأنه شرط بالذات وهذا شرط بالعرض. وأجاب المصنف: بأن الإلغاء إنما يكون بظهور الخبر الصحيح والإطلاع عليه وذلك بعد البحث والتفتيش بعيد. سلمناه، ولكن لا أثر له؛ لأنه ظني والإجماع قطعي، والظني لا يؤثر مع القطعي، كما لو انقرض عصر المجمعين ثم اطلع أهل العصر الثاني على الخبر الصحيح المخالف للإجماع، فإنه لا أثر له حينئذ بالاتفاق. ولقائل أن يقول: لا يقاس ما قبل الانقراض على ما بعده، لجواز أن يؤثر قبله، لإمكان الرجوع قبله إن لم يكن سندهم أرجح من ذلك الخبر الصحيح وعدم إمكانه بعده. وقالوا ــ أيضاً ــ: لو لم يشترط لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده، لأن الرجوع عن الإجماع المنعقد خرق له، وهو ممنوع لكن جاز للمجتهد أن يرجع إذا تغير اجتهاده، فيكون الانقراض شرطاً. وأجاب بمنع بطلان التالي؛ فإن المجتهد لا يجوز له أن يرجع عن اجتهاده بعد الإجماع؛ لقيام الإجماع. وقالوا ــ أيضاً ــ لو لم تعتبر مخالفة مجتهد وجِدَ في عصر المجمعين بعد

стр. 486

إجماعهم لم تعتبر مخالفة من مات؛ لأن المجمعين في الصورتين كل الأمة، ومخالفة كل الأمة باطلة، لكنه اعتبرت مخالفة من مات بالاتفاق. ولقائل أن يقول: إنما اعتبر مخالفة من مات لبقائها بالاستصحاب في زمان الإجماع، ولا إجماع مع المخالفة. وليس مخالفة من يحدث كذلك. وأجاب المصنف أولاً: بمنع انتفاء التالي بناءً على قول بعض الأصوليين أنها غير معتبرة؛ لأن الباقي كل الأمة. وثانياً: بالفرق، فإن المجمعين في المقيس كل إذا لم يكن غيرهم موجوداً بخلافهم في المقيس عليه، فإن قولهم قول بعض من وجد من الأمة، إذا كان غيرهم عند اتفاقهم موجوداً، فلا يكون قولهم إجماعاً. ولقائل أن يقول: زال المانع عن الإجماع بموته، والموجود حينئذ كل الأمة في الصورتين. ص ــ مسألة: لا إجماع إلا عن مستند لأ [نه] يستلزم الخطأ؛ ولأنه مستحيل عادة. قالوا: لو كان عن دليل لم يكن له فائدة. قلنا: فائدته سقوط البحث وحرمة المخالفة، وأيضاً فإنه [٩٣/ب] يوجب أن يكون عن غير دليل ولا قائل به. ش ــ المسألة الحادية عشرة: في أن الإجماع لا يكون إلا عن مستند عند المحققين، سواء كان دليلاً أو أمارة.

стр. 487

وقال قوم: يجوز أن يكون لا عن مستند، واستدل للمحققين بوجهين: أحدهما: أن حصوله بغير مستند يستلزم خطأ الإجماع؛ لأن القول في الدين بلا دليل أمارة الخطأ. ولقائل أن يقول: الإجماع دليل في الدين فلا يحتاج إلى دليل آخر. والثاني: أن العادة يستحيل اجتماع الجمع الكثير من العلماء المجتهدين على حكم من غير سند. وفيه نظر؛ لكن الدلائل السمعية الدالة على حجيته لا تدل على شيء من ذلك، والعادة يستحيل الاجماع على حكم بغير سند، إذاً لم يكن قولهم حجة للاحتياج إذ ذاك إلى حجة. وأمّا من كان قولهم حجة فلا نسلم الإحالة بل طلب الدليل يكون مستحيلاً حينئذٍ؛ إذ الدليل لا يحتاج إلى دليل. فإن قيل: قولهم حجة إذا كان عن دليل. قلنا: قول النزاع. واستدل للآخرين: بأنه لو لم ينعقد إلا عن دليل لم يكن للإجماع فائدة للاستغناء به عنه. وأجاب: بأن فائدته سقوط البحث، وحرمة مخالفة ذلك الحكم بعد انعقاده. ولقائل أن يقول: سقوط البحث بين المجتهدين ليس أمراً مرغوباً فيه يجعل فائدة، بل هو حجر في واسع.

стр. 488

وأمّا حرمة المخالفة، فإمّا أن تكون مطلقة أو عند إجماع معارض والأول ممنوع، والثاني مسلّم، لكن مخالفة كل دليل لم يعارضه معارض حرام. ص ــ مسألة: يجوز أن يجمع عن قياس. ومنعت الظاهرية، الجواز. وبعضهم: الوقوع. لنا: القطع بالجواز كغيره. والظاهر، الوقوع كإمامة أبي بكر، وتحريم شحم الخنزير وإراقة نحو الشيرج. ش ــ المسألة الثانية عشرة: الموجبون للسند اختلفوا في جوازه عن قياس، فجوّزه الأكثرون، ومنعه الظاهرية ومن المجوّزين من منع الوقع عنه. استدل الأكثرون على الجواز: بأنه إذا فرض ذلك لم يلزم منه محال وهو أمارة الجواز. وعلى ظهور الوقوع، بإمامة أبي بكر ــ ﵁ ــ بالقياس على تقديم الرسول إيّاه في الصلاة، ثم أجمعوا

стр. 489

عليها. وكذلك أجمعوا على تحريم شحم الخنزير بالقياس على لحمه. وأجمعوا على إراقة نحو الشيرج من المائعات إذا وقعت فيه فأرة بالقياس على السمن. ص ــ مسألة: إذا أجمع على قولين وأحدث قول ثالث، منعه الأكثر. كوطيء البكر، قيل: بمنع الرد، وقيل: مع الأرش. فالرد مجاناً. ثالث. وكالجد مع الأخ، قيل: المال كله للجد، وقيل: المقاسمة. فالحرمان ثالث. وكالنية في الطهارات، قيل: تعتبر، وقيل: في البعض. فالتعميم بالنفي ثالث. وكالفسخ بالعيوب الخمسة، قيل: يفسخ بها، وقيل: لا. فالفرق ثالث. والصحيح: التفصيل. إن كان الثالث يرفع ما اتفقنا عليه فممنوع، كالبكر، والجد، والطهارات [٩٤/أ] وإلا فجائز، كفسخ النكاح ببعض، وكالأم؛ فإنه يوافق في كل صورة مذهباً. لنا: أن الأول مخالفة الإجماع فمنع. بخلاف الثاني. كما لو قيل: لا يقتل

стр. 490

مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب. وقيل: يقتل، ويصح، لِمَ يُمْنَع يقتل ولا يصح، وعكسه باتفاق. ش ــ المسألة الثالثة عشرة: إذا أجمع أهل العصر على قولين مختلفين في مسألة، واستقر رأي جميعهم فيها على المذهبين، لا يجوز لثالث أن يحدث قولاً ثالثاً مطلقاً عند الأكثرين. وجوّزه بعض الظاهرية والشيعة مطلقاً. ومنهم من فصل فقال: إن كان الثالث رافعاً لما اتفقا عليه كان باطلاً وإلا فلا. ومثل لذلك أمثلة: وذلك كما إذا وطيء المشتري بكراً، ثم وجد بها عيباً، فإنه قيل: لا يردها، وقيل: يردها وأرش البكارة.

стр. 491

فالقول بردها مجاناً، يعني بلا أرش باطل. وكالجد مع الإخوة في الميراث، قيل: المال كله للجد. وقيل: يقسم المال بينهم متساويا. فالقول بحرمان الجد قول ثالث. وكالنية في الطهارات، قيل: تعتبر في جميعها، أي الوضوء والغسل والتيمم. وقيل: تعتبر في بعض منها، وهو التيمم. فالقول بتعميم النفي بأن لا تعتبر في شيء منها، قول ثالث. وكفسخ النكاح بالعيوب الخمسة التي هي: البرص، والجذام،

стр. 492

والجنون، والجَبُّ، والعُنَّة في الزوج، والقَرَن والرَّتَق مع الثلاثة الأول في الزوجة. قيل: يفسخ بها. وقيل: لا يفسخ بشيء منها. فالفرق بالفسخ ببعض دون بعض قول ثالث. كالأبوين مع أحد الزوجين، قيل: للأم ثلث كل المال. وقيل: ثلث ما بقى بعد فرض أحد الزوجين. والقول بالتفصيل: بأن يكون

стр. 493

لها ثلث الجميع في إحدى الصورتين، وثلثما تبقى في أخرى قول ثالث. واختار المصنف التفصيل فقال في صورة البكر: الرد مجاناً يرفع ما اتفقا عليه؛ لأنهما اتفقا على امتناع الرد من غير أرش. وكالجد مع الأخ فإن حرمان الجد يرفع ما اتفقا عليه فإنهما اتفقا على عدم حرمان الجد. وكالطهارات فإن التعميم في النفي يرفع ما اتفقا عليه، فإنهما اتفقا على اشتراطها في بعض، فلا يجوز ذلك كله. وقال في صورة فسخ النكاح: إن القول الثالث، وهو الفسخ ببعض دون بعض لا يرفع ما اتفقا عليه، فإن يكون موافقاً لكل من القولين في صورة. وكالأم، فإن القول الثالث، وهو أن يكون لها ثلث الجميع مع الزوج وثلث ما تبقى مع الزوجة، ليس برافع لما اتفقا عليه فيكون جائزاً. ولقائل أن يقول: ليس بين الرافع وغيره فرق في المنع عن الجواز، وذلك لأنه يستلزم جواز اجتماع الأمة على الخطأ؛ لجواز أن يكون القول الثالث حينئذٍ حقاً فقد أجمعوا على الخطأ، وذلك باطل. واحتج المصنف لما اختاره: بأن الأول، أي القول الثالث الرافع لما اتفقا عليه مخالف فلإجماع، فيكون ممنوعاً؛ لأن خرق الإجماع لا يجوز بالاتفاق. بخلاف الثاني، أي الثالث الذي لا يرفع فإنه ليس [٩٤/ب] مخالفاً للإجماع فكان جائزاً. ونظر لذلك بما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب.

стр. 494

وقيل: يقتل مسلم بذمي، ويصح بيع الغائب، فإن القول الثالث، وهو أن يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب، وعكسه، لا يمنع بالاتفاق؛ لأنه لم يرفع ما اتفقا عليه بل يكون موافقاً لكل من القولين في مسألة دون أخرى. وقد علمت آنفاً أن مأخذ الامتناع ليس رفع ما اتفقا عليه وإنما هو استلزام جواز الخطأ على الأمة، وما ذكره ليس نظير ما نحن فيه؛ لأن ما نحن فيه في مادة واحدة وذلك في مادتين بل ذلك نظير ما يقال. قيل: لا تجب النية في الوضوء، ولا تحل المرأة المبانة بالوطء بنكاح فاسد. وقيل: تجب النية في الوضوء، وتحل المبانة بذلك، وليس ذلك مما نحن فيه، فإن ذلك كثير في أوضاع الفقه. ص ــ قالوا: فَصّلَ ولم يُفَصّل أحدٌ، فقد خالف الإجماع. قلنا: عدم القول به ليس قولاً بنفيه، وإلا امتنع القول في واقعة تتجدد. ويتحقق بمسألتي الذمي والغائب. قالوا: يستلزم تخطئة كل فريق، وهم كل الأمة. قلنا: الممتنع تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه.

стр. 495

ش ــ المانعون مطلقاً قالوا: الفصل بين عيب وعيب في جواز الفسخ مخالف للإجماع؛ لأنه لم يفصل بينهما أحد من الفريقين. وأجيبوا: بأن الفرقتين لم تقل واحدة منهما بالفصل، ولكن عدم القول بالفصل ليس قولاً بعدم الفصل، وإلا لامتنع القول بحكم واقعة متجددة لم يكن فيها قول لمن سبق؛ لأن عدم القول قول بالعدم، لكنه ليس كذلك، فلم يكن القول بالفصل مخالفاً للإجماع، ويتحقق ما ذكرنا أن عدم القول بالفصل لا يستلزم القول بنفي الفصل بمسألتي الذمي والغائب. فإن الفصل جوّز فيهما وإن لم يقل واحد من الفريقين به. ولقائل أن يقول: الكلام فيما اختلف أهل العصر على قولين: في مسألة واستقرت المذاهب على ذلك، هل يكون إجماعهم نفياً لثالث، أو لا. والواقعة المتجددة ليست من ذلك، وإن نفي الثالث ليس مستنداً إلى عدم قولهم حتى يقال: عدم القول ليس قولاً بالعدم وإنما هو مستند إلى استقرارهم على القولين، وذلك معنى آخر غير عدم القول بالضرورة. وأمّا مسألة الذمي والغائب فقد تقدم الكلام عليهما. وقال المانعون مطلقاً ــ أيضاً ــ القول بالفصل يستلزم تخطئة كل من الفريقين؛ لأن القول الثالث مخالف لكل منهما في بعض ما ذهبوا إليه، وذلك تخطئة لكل الأمة؛ لأن الفريقين كل الأمة، وذلك غير جائز؛ لأنهم معصومون عنها بما مرّ من السمع.
следующие страницы →