← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17881

الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب

البابرتي

Полный текст (1 417 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فالقول بردها مجاناً، يعني بلا أرش باطل. وكالجد مع الإخوة في الميراث، قيل: المال كله للجد. وقيل: يقسم المال بينهم متساويا. فالقول بحرمان الجد قول ثالث. وكالنية في الطهارات، قيل: تعتبر في جميعها، أي الوضوء والغسل والتيمم. وقيل: تعتبر في بعض منها، وهو التيمم. فالقول بتعميم النفي بأن لا تعتبر في شيء منها، قول ثالث. وكفسخ النكاح بالعيوب الخمسة التي هي: البرص، والجذام،

стр. 492

والجنون، والجَبُّ، والعُنَّة في الزوج، والقَرَن والرَّتَق مع الثلاثة الأول في الزوجة. قيل: يفسخ بها. وقيل: لا يفسخ بشيء منها. فالفرق بالفسخ ببعض دون بعض قول ثالث. كالأبوين مع أحد الزوجين، قيل: للأم ثلث كل المال. وقيل: ثلث ما بقى بعد فرض أحد الزوجين. والقول بالتفصيل: بأن يكون

стр. 493

لها ثلث الجميع في إحدى الصورتين، وثلثما تبقى في أخرى قول ثالث. واختار المصنف التفصيل فقال في صورة البكر: الرد مجاناً يرفع ما اتفقا عليه؛ لأنهما اتفقا على امتناع الرد من غير أرش. وكالجد مع الأخ فإن حرمان الجد يرفع ما اتفقا عليه فإنهما اتفقا على عدم حرمان الجد. وكالطهارات فإن التعميم في النفي يرفع ما اتفقا عليه، فإنهما اتفقا على اشتراطها في بعض، فلا يجوز ذلك كله. وقال في صورة فسخ النكاح: إن القول الثالث، وهو الفسخ ببعض دون بعض لا يرفع ما اتفقا عليه، فإن يكون موافقاً لكل من القولين في صورة. وكالأم، فإن القول الثالث، وهو أن يكون لها ثلث الجميع مع الزوج وثلث ما تبقى مع الزوجة، ليس برافع لما اتفقا عليه فيكون جائزاً. ولقائل أن يقول: ليس بين الرافع وغيره فرق في المنع عن الجواز، وذلك لأنه يستلزم جواز اجتماع الأمة على الخطأ؛ لجواز أن يكون القول الثالث حينئذٍ حقاً فقد أجمعوا على الخطأ، وذلك باطل. واحتج المصنف لما اختاره: بأن الأول، أي القول الثالث الرافع لما اتفقا عليه مخالف فلإجماع، فيكون ممنوعاً؛ لأن خرق الإجماع لا يجوز بالاتفاق. بخلاف الثاني، أي الثالث الذي لا يرفع فإنه ليس [٩٤/ب] مخالفاً للإجماع فكان جائزاً. ونظر لذلك بما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب.

стр. 494

وقيل: يقتل مسلم بذمي، ويصح بيع الغائب، فإن القول الثالث، وهو أن يقتل مسلم بذمي، ولا يصح بيع الغائب، وعكسه، لا يمنع بالاتفاق؛ لأنه لم يرفع ما اتفقا عليه بل يكون موافقاً لكل من القولين في مسألة دون أخرى. وقد علمت آنفاً أن مأخذ الامتناع ليس رفع ما اتفقا عليه وإنما هو استلزام جواز الخطأ على الأمة، وما ذكره ليس نظير ما نحن فيه؛ لأن ما نحن فيه في مادة واحدة وذلك في مادتين بل ذلك نظير ما يقال. قيل: لا تجب النية في الوضوء، ولا تحل المرأة المبانة بالوطء بنكاح فاسد. وقيل: تجب النية في الوضوء، وتحل المبانة بذلك، وليس ذلك مما نحن فيه، فإن ذلك كثير في أوضاع الفقه. ص ــ قالوا: فَصّلَ ولم يُفَصّل أحدٌ، فقد خالف الإجماع. قلنا: عدم القول به ليس قولاً بنفيه، وإلا امتنع القول في واقعة تتجدد. ويتحقق بمسألتي الذمي والغائب. قالوا: يستلزم تخطئة كل فريق، وهم كل الأمة. قلنا: الممتنع تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه.

стр. 495

ش ــ المانعون مطلقاً قالوا: الفصل بين عيب وعيب في جواز الفسخ مخالف للإجماع؛ لأنه لم يفصل بينهما أحد من الفريقين. وأجيبوا: بأن الفرقتين لم تقل واحدة منهما بالفصل، ولكن عدم القول بالفصل ليس قولاً بعدم الفصل، وإلا لامتنع القول بحكم واقعة متجددة لم يكن فيها قول لمن سبق؛ لأن عدم القول قول بالعدم، لكنه ليس كذلك، فلم يكن القول بالفصل مخالفاً للإجماع، ويتحقق ما ذكرنا أن عدم القول بالفصل لا يستلزم القول بنفي الفصل بمسألتي الذمي والغائب. فإن الفصل جوّز فيهما وإن لم يقل واحد من الفريقين به. ولقائل أن يقول: الكلام فيما اختلف أهل العصر على قولين: في مسألة واستقرت المذاهب على ذلك، هل يكون إجماعهم نفياً لثالث، أو لا. والواقعة المتجددة ليست من ذلك، وإن نفي الثالث ليس مستنداً إلى عدم قولهم حتى يقال: عدم القول ليس قولاً بالعدم وإنما هو مستند إلى استقرارهم على القولين، وذلك معنى آخر غير عدم القول بالضرورة. وأمّا مسألة الذمي والغائب فقد تقدم الكلام عليهما. وقال المانعون مطلقاً ــ أيضاً ــ القول بالفصل يستلزم تخطئة كل من الفريقين؛ لأن القول الثالث مخالف لكل منهما في بعض ما ذهبوا إليه، وذلك تخطئة لكل الأمة؛ لأن الفريقين كل الأمة، وذلك غير جائز؛ لأنهم معصومون عنها بما مرّ من السمع.

стр. 496

وأجيبوا: بأن تخطئة كل الأمة بحيث تكون تخطئة بعضهم في أمرٍ، وتخطئة الآخرين في غير ذلك غير ممتنع، بل الممتنع تخطئتهم فيما اتفقوا عليه. والقول بالفصل لم يستلزم ذلك. وفيه نظر؛ لأن عدم الفصل متفق عليه، فلا يكون الجواب دافعاً. ص ــ الآخر: اختلافهم [٩٥/أ] دليل على أنها اجتهادية. قلنا: ما منعناه، لم يختلفوا فيه. ولو سلّم فهو دليل قبل تقرر إجماع مانع منه. قالوا: لو كان لأنكِرَ لمّا وقع. وقد قال ابن سيرين في مسألة الأم مع زوج وأب بقول ابن عباس. وعكَسَ آخَرُ. قلنا: لأنها كالعيوب الخمسة، فلا مخالفة لإجماع. ش ــ يعني الذي جوّز إحداث قول ثالث مطلقاً قال: اختلافهم في المسألة دليل على أنها اجتهادية، والاجتهادية يجوز فيها الأخذ بما أدى إليه الاجتهاد، والقول الثالث ما أدى إليه الاجتهاد، فيجوز الأخذ به. وأجيبوا: بأن ما منعناه من إحداث القول الثالث، كالردّ مجاناً لم يختلفوا فيه، فلا يكون ما يجوز فيه الأخذ بالاجتهاد. ولو سُلِّمَ أنه مختلف فيه، لكن الاختلاف دليل جواز الاجتهاد قبل تقرر إجماع من المجتهدين مانع عن الاجتهاد، والفرض وجوده. وفيه نظر؛ لأن الكلام في مانعيّة هذا الإجماع. وقالوا ــ أيضاً ــ: لو امتنع إحداث ثالث لأنكِرَ إذا وقع؛ لأن عادة المجتهدين إنكار المنهي عنه، لكنه لم ينكر؛ فإن الصحابة ــ ﵃ ــ اختلفوا في مسألة

стр. 497

زوج أو زوجة وأبوين، فقال ابن عباس للأم ثلث الجميع في الصورتين، وقال الباقون: ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين. وأحدث التابعون قولاً ثالثاً، فقال ابن سيرين: للأم في صورة الزوج ثلث الجميع، ومع الزوجة ثلث ما تبقى، وعكس تابعي آخر، ولم ينكر أحد. ولقائل أن يقول: لا نسلم عدم الإنكار، وعدم النقل لا يدل على عدمه؛ لأنها ليست من الحوادث المحتاجة إليه. ولو سُلِّمَ جاز أن يكون عدم الإنكار لعدم الالتفات إلى المخالفة؛ لعدمه وقوعها في محلها. وأجيبوا: بأنه إنما لم ينكر أحد؛ لأن هذه المسألة كالعيوب الخمسة في أن القول الثالث فيها لا يرفع ما اتفقا عليه. وفيه نظر؛ لأن فيه جهة أخرى للمنع غير رفع المتفق عليه، وقد تقدم. ص ــ مسألة: يجوز إحداث دليل آخر وتأويل آخر عند الأكثر. لنا: لا مخالفة لهم فجاز.

стр. 498

وأيضاً: لو لم يجز لأنكر. ولم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات. قالوا: اتبع غير سبيل المؤمنين. قلنا: مؤول فيما اتفقوا وإلا لزم المنع في كل متجدد. قالوا: ﴿تَأمُرُونَبِالمَعرُوفِ﴾. قلنا: معارض بقوله: ﴿وَتَنهَونَعَنِ المُنكَرِ﴾. فلو كان منكراً لنهوا عنه. ش ــ المسألة الرابعة عشرة: إذا استدل أهل الإجماع بدليل أو تأويل في حكم، هل يجوز لمن بعدهم إحداث دليل آخر أو تأويل آخر، أو لا. فإن كان الآخر قادحاً في دليل أهل الإجماع وتأويلهم، لم يجز بالاتفاق. وإن لم يقدح في ذلك فالأكثرون على جوازه. محتجين بأن إحداث الدليل الثاني، أو التأويل الثاني ليس مخالفة للإجماع، فجاز إحداثه. وبأنه لو لم يجز ذلك لأنكر السلف إذا وقع؛ إذ العادة تقضي بإنكار ما لا يجوز. لكن لم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات ولم ينكر عليهم أحد. ولقائل أن يقول: المانعون عن الجواز من المتأخرين، أو من المتقدمين وعلى كل تقدير ثبت الإنكار يصح قوله: ﴿﴿ولم ينكر أحد﴾﴾. وقال المانعون: إحداث ذلك اتباع لغير سبيل المؤمنين؛ لسكون أهل الإجماع عنه وذلك حرام توعد عليه.

стр. 499

وأجيبوا: بأن سبيل المؤمنين في الآية مأوّل بما اتفقوا عليه فيكون اتباع غير سبيل المؤمنين مخالفتهم فيما اتفقوا عليه لا احداث ما سكتوا عنه ولو لم يأوّل بذلك لزم المنع من كل متجدد سكت عنه المتقدمون، والكلام على منع المتجدد قد تقدم. وقالوا ــ أيضاً ــ: قوله ــ تعالى ــ: ﴿تَأمُرُونَبِالمَعرُوفِ﴾ خطاب مشافهة وهو لا يتناول إلا العصر الأول لعدم المشافهة في غيرهم فوجب أن يكون العصر الأول آمرين بكل معروف؛ لأن اللام للاستغراق وكل ما لم يأمروا به لم يكن معروفاً بل يكون منكراً. والدليل أو التأويل الآخر لم يأمروا به فيكون منكراً، فلا يجوز إحداثه. ولقائل أن يقول: وجب على العصر الأول الأمر بكل معروف إجمالاً أو تفصيلاً. والثاني متعذر بالضرورة، والأول مسلّم، لكن لِمَ لا يجوز أن يكون إحداث دليل أو تأويل آخر معروفاً داخل تحت أمرهم بالإجماع، فإن فيه تقوية واستظهاراً للأحكام الشرعية ولا شك أن ذلك معروف. وأجيبوا: بالمعارضة بقوله: ﴿وَتَنهَونَعَنِ المُنكَرِ﴾، فإنه يقتضي نهيهم عن كل منكلا للام فلو كان إحداث ذلك منكراً لنهو عنه. وهذا ضعيف؛ لأن المعارضة أسوأ حال المناظر؛ لتسليمه دليل الخصم ويجوز أن يجابوا بأن الواجب عليهم النهي عن المنكر إجمالاً فيجوز أن يكون إحداث الدليل أو التأويل الآخر منكراً لكونه على خلاف ما اتفقوا عليه فيكون داخلاً تحت نهيهم. ص ــ مسألة اتفاق العصر الثاني على أحد قولي العصر الأول بعد أن استقر خلافهم. قال الأشعري وأحمد والإمام والغزالي: ممتنع. وقال بعض المجوّزين: حجة.

стр. 500

والحق أنه بعيد إلا في القليل. كا [لا] ختلاف في أم الولد، ثم زال. وفي الصحيح أن عثمان كان ينهى عن المتعة. قال البغوي: ثم صار إجماعاً. الأشعري: العادة تقضي بامتناعه. وأجيب: بمنع العادة وبالوقوع. قالوا: لو وقع لكان حجة، فيتعارض الإجماعان؛ لأن استقرار خلافهم دليل إجماعهم على تسويغ كل منهما. وأجيب: بمنع الإجماع الأول. ولو سُلِّمَ فمشروط بانتفاء القاطع، كما لو لم يستقر خلافهم. ش ــ المسألة الخامسة عشرة: إذا اختلف العصر الأول في مسألة واستقر الخلاف بينهم بحيث صار أحد القولين مذهباً لبعض، والآخر مذهباً لغيره، هل يجوز أن يتفق العصر الثاني على أحد القولين، أو لا؟ فذهب الأشعري وأحمد وإمام الحرمين والغزالي إلى عدمه. وقالت الحنفية وبعض الشافعية والمعتزلة: يجوز. ثم المجوّزون اختلفوا، فقال بعضهم: إنه ليس بحجة، وقال آخرون: إنه حجة.

стр. 501

وقال المصنف: والحق أن اتفاق أهل العصر الثاني على أحد القولين بعيد، إلا في المخالف القليل؛ لأن اتفاقهم عليه لا يكون إلا [٩٦/أ] عن دليل قاطع، أو جلي والعادة تمنع عدم اطلاع الأكثر على القاطع، أو الجلي، وذلك كاختلاف الصحابة في بيع أم الولد على قولين: فذهب الأكثرون منهم إلى عدم الجواز، والأقلّون إلى الجواز، ثم أجمع التابعون على عدم الجواز.

стр. 502

وكذا اختلفوا في نكاح المتعة. فذهب الأكثرون إلى عدم جوازه. والأقلّون إلى جوازه. وجاء في الخبر الصحيح أن عثمان نهى عن المتعة، هكذا قال

стр. 503

البغوي، ثم صار عدم جوازه إجماعاً باتفاق التابعين.

стр. 504

واستدل الأشعري على المنع: بأن العادة تقضي بامتناع اتفاق أهل العصر الثاني على أحد القولين لامتناع تطابق الآراء على أحد القولين دون الآخر مع أن لكل منهما دليلاً. وأجاب: بمنع اقتضاء العادة؛ لجواز أن يكون سند أحدهما جلياً فيصار إليه.

стр. 505

وبأن مثل هذا الاتفاق واقع، كما مرّ، والوقوع دليل الجواز وقال غيره من القائلين: بالامتناع، لو وقع ذلك لكان حجة للدلائل السمعية الدالة على عصمة الأمة من الخطأ، ولو كان حجة لتعارض إجماع العصر الأول على تجويز كل من القولين؛ لأن استقرار خلافهم على القولين يدل على إجماعهم على تجويز كل منهما. وإجماع العصر الثاني على أحد القولين؛ فإنه يدل على عدم تجويز القول الآخر. وأجاب: بمنع الإجماع الأول، فإن اتفاقهم إجماع على عدم جواز إحداث قول ثالث. لا على أن العمل بكل منهما جائز، بل كل منهما يدعي أن العمل بغير ما ذهب إليه غير جائز. ولو سُلِّمَ أن اختلافهم على القولين دليل على إجماعهم على جواز الأخذ بكل منهما، لكن لا نسلم تعارض الإجماعين؛ لأن الإجماع الأول مشروط بانتفاء القاطع الذي هو الإجماع الثاني، كما لو لم يستقر خلافهم فإنه يدل على إجماعهم على تسويغ كل منهما بشرط انتفاء القاطع الذي هو الإجماع. وإذا كان الإجماع الأول مشروطاً بانتفاء القاطع زال عند الإجماع الثاني، لزوال شرطه، فلا تعارض بينهما. ولقائل أن يقول: أمّا المنع فهو صحيح، وأمّا التنزل بأن الأول إجماع بشرط انتفاء القاطع، وهو الإجماع الثاني، فليس بصحيح؛ لأن الإجماع الذي سبقه خلاف ليس بقاطع. ص ــ المجوّز: وليس بحجة. لو كان حجة لتعارض الإجماعان. وقد تقدم. قالوا: لم يحصل الاتفاق. وأجيب: بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم. قالوا: لو كان حجة لكان موت الصحابي المخالف يوجب ذلك؛ لأن الباقي كل الأمة الأحياء. وأجيب: بالالتزام. والأكثر ﴿﴿على خلافه﴾﴾.

стр. 506

الآخر: لو لم يكن حجة لأدى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على الخطأ والسمع يأباه. وأجيب: بالمنع. والماضي ظاهر الدخول، لتحقق قوله. بخلاف من لم يأت. ش ــ الذين قالوا بجواز اتفاق العصر الثاني على أحد القولين ولم يقولوا بحجيته، احتجوا بثلاثة أوجه: الأول: لو كان ذلك حجة لحصل اتفاق كل الأمة؛ لأنه الموجب لحجيته، لكنه لم يحصل؛ لأنه مسبوق لخلاف مستقر، وقول من مات لم يبطل لبقاء دليله. وأجاب: بأن ما ذكرتم إن صح لزم [٩٦/ب] عدم حجية اتفاقهم إذا لم يستقر خلاف الأولين؛ لأن الدليل ناهض فيه بعينه، ولمانعٍ أن يمنع نهوض الدليل فيما إذا لم يستقر الخلاف؛ لأن بطلان التالي بأنه مسبوق بالخلاف المستقر. وليس ذلك في صورة النقض موجوداً، وللاستقرار تأثير فيه؛ فإن غير المستقر غير معتدٍ به. والثالث: أنه لو كان اتفاق أهل العصر الثاني على أحد القولين حجة لكان موت الصحابي المخالف للباقين يوجب أن يكون قول الباقين حجة؛ لأن قول الباقين بعد موته قول كل الأمة الأحياء، كاتفاق أهل العصر الثاني على أحد القولين. وأجاب المصنف: بالإلتزام، أي بالتزام كون قول الباقي حجة بعد موت المخالف، فإنه مذهب لبعض، لكن الأكثر على خلاف هذا المذهب وهذا الالتزام لا

стр. 507

يكون جواباً من جهتهم. وأجيب من جهتهم: بالفرق، بأن قول المخالف الذي مات، قول من وجد في العصر الأول، فيجب اعتباره في إجماع أهل العصر الأول. وقول المنقرضين ليس قول من وجد في العصر الثاني، فلا يعتبر في إجماع أهل العصر الثاني. وقد مرّ الكلام على الفرق غير مرة. واحتج المجوّز القائل بحجيته: بأنه لو لم يكن حجة، لأدى إلى اجتماع الأمة الأحياء على الخطأ، وهو باطل؛ لأن الأدلة السمعية دالة على عصمة الأمة عن الخطأ. وبيان الملازمة: أن اجتماعهم إمّا أن يكون على الحق أو الخطأ. فإن كان الأول وجب اتباعه، وما ليس بحجة لا يجب اتباعه، فكان حجة. وإن كان الثاني، لزم اجتماعهم على الخطأ. وأجاب بمنع انتفاء التالي؛ لأن الأدلة السمعية لا تدل إلا على عصمة كل الأمة عن الخطأ، وليسوا كذلك؛ لأن الماضي، أي من مات داخل في الأمة ظاهراً لتحقق قوله. بخلاف من لم يأت بعد فإنه ليس بداخل في كل الأمة الموجودين لعدم تحقق قوله. ولقائل أن يقول: كل ممن مات ومن لم يأت ليس بداخل في كل الأمة الموجودين حقيقة، وإنما هو بطريق المجاز، وكلاهما في ذلك سواء، ولا أثر لتحقق قوله فيما مضى إذا كان الكلام فيما هو موجود من الأمة في الحال. ص ــ مسألة: اتفاق أهل العصر عقيب الاختلاف إجماع وحجة، وليس ببعيد. وأمّا بعد استقراره فقيل: ممتنع. وقال بعض المجوّزين: حجة. وكل من اشترط انقراض العصر، قال: إجماع. وهي كالتي قبلها، إلا أن كونه حجة، أظهر؛ لأنه لا قول لغيرهم على خلافه. ش ــ المسألة السادسة عشرة: اتفاق أهل عصر على حكم بعد اختلافهم فيه

стр. 508

وقبل استقراره، إجماع وحجة عند الأكثرين. قال المصنف: وليس وقوع هذا الإجماع بعيداً؛ لجواز أنهم بعد اختلافهم وقفوا على سند جلي أوجبهم الاتفاق. وأمّا إذا كان بعد استقرار خلافهم فقد اختلف فيه، فمن لم يشترط في الإجماع انقراض العصر، منهم من قال: بامتناعه. ومنهم من قال: بجوازه، وهو ليس بحجة. ومنهم من قال: بجوازه، وهو حجة. ومن شرط ذلك قال هو إجماع. وهذه المسألة كالتي قبلها اختلافاً واحتجاجاً واعتراضاً وجواباً. إلا أن كون هذا حجة أظهر من ثمة؛ لأن ههنا لا قول لغيرهم على خلاف ما اتفقوا عليه حتى يلزم أن لا يكون اتفاقهم اتفاق كل الأمة بخلاف ثمة، فإن أهل العصر الثاني بعض الأمة؛ لأن لغيرهم قولاً على خلاف ما اتفقوا عليه. ص ــ مسألة: اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبر أو دليل راجح إذا عمل على وفقه. المجوّز: ليس إجماعاً، كما لو لم يحكموا في واقعة. النافي: اتبعوا غير سبيل المؤمنين.

стр. 509

ش ــ المسألة السابعة عشرة: إذا كان في الواقع دليل أو خبر يقتضي حكماً على المكلفين، وليس لذلك الحكم دليل آخر، لا يجوز للأمة عدم العلم به؛ لأنه لا يخلو إمّا أن يعمل بذلك الحكم، أو لا. فإن عُمِلَ به كان عملاً بلا دليل، وهو لا يجوز. وإن لم يُعْمَل به كان تركاً للحكم المتوجه على المكلف. وإذا كان في الواقع دليل أو خبر راجح، أي بلا معارض وقد عُمِلَ على وفق ذلك الدليل أو الخبر بدليل آخر، فهل يجوز عدم علم الأمة به، أو لا؟ فمنهم من جوزه. واحتج بأن اشتراك جميعهم في عدم العلم بذلك الدليل أو الخبر الراجح لم يوجب محذوراً؛ إذ ليس ذلك إجماعاً يوجب المتابعة، بل عدم علمهم بذلك كعدم حكمهم في واقعة لم يحكموا فيها بشيء، فجاز أن يسعى غيرهم في طلب الدليل أو الخبر ليعلم. ومنهم من نفاه. واحتج بأنه لو جاز عدم علم جميعهم بذلك الدليل أو الخبر حرم تحصيل العلم به، لكن لا يحرم تحصيل العلم أبداً. وبيان الملازمة: أنه حينئذٍ يكون عدم علمهم به سبيل المؤمنين، فلو طلبوا العلم لاتبعوا غير سبيل المؤمنين. وردّ: بأن السبيل ما يختاره الإنسان لنفسه من قول أو عمل. وعدم العلم ليس مختاراً لأحد، فلا يكون سبيلاً لهم. ص ــ مسألة: المختار امتناع ارتداد الأمة سمعاً. لنا: دليل السمع.

стр. 510

واعترض: بأن الارتداد يخرجهم. وردّ: بأنه يصدق أن الأمة ارتدت، وهو أعظم الخطأ. ش ــ المسألة الثامنة عشرة: المختار امتناع ارتداد كل الأمة سمعاً؛ فإن الأدلة السمعية دالة على امتناع اجتماعهم على الضلال والخطأ، ولا ضلال وخطأ أعظم من الارتداد ــ والعياذ بالله. واعترض: بأنها تدل على امتناع الأمة على ذلك. وهم بالارتداد خرجوا عنها. وأجاب بما معناه: أنهم إذا ارتدوا صدق عليهم أنهم أجمعوا على الارتداد وهو أعظم خطأ. وتحقيقه أن زوال اسم الأمة عنهم إنما هو بعد الارتداد بالذات، لكونه معلول الارتداد، فعند حصول الارتداد هم من الأمة حقيقة. ص ــ مسألة: مثل قول الشافعي: إن دية اليهودي ثلث. لا يصح التمسك بالإجماع فيه.

стр. 511

قالوا: اشتمل الكامل، والنصف عليه. قلنا: فأين نفي الزيادة؟ فإن أبدى مانع أو نفي شرط أو استصحاب. فليس من الإجماع في شيء. ش ــ المسألة التاسعة عشرة: إذا اختلف في [٩٧/ب] ثبوت الأقل والأكثر في مسألة، لا يصح دعوى الإجماع في إثبات الأقل. وذلك مثل قول الشافعي ــ ﵀ ــ: دية اليهودي ثلث دية المسلم، لا يصح أن يتمسك في إثباته بالإجماع؛ لأن دعواه تشتمل على أمرين: أحدهما: إن كان مجمعاً عليه، وهو الثلث، فالآخر ليس كذلك وهو نفي الزيادة. ومنهم من صحح ذلك، وقال: ديته إمّا مثل دية المسلم أو نصفه أو ثلثه بالإجماع، والكامل والنصف يشتمل على الثلث، فالقول بالثلث ثابت بالإجماع. وأجاب عنه بدليل المانعين، وهو أن الثلث وإن كان مجمعاً عليه، لكن نفي الزيادة ليس كذلك، فالمجموع لا يكون مجمعاً عليه. والقائل بالثلث مطلوبه مركب من الأمرين جميعاً. فإن قال: نفي الزيادة ليس بثابت باعتبار مانع منها، أو بانتفاء شرط، أو هو ثابت بالاستصحاب لم يكن حينئذٍ نفي الزيادة بالإجماع. وهذا إنما يتم إذا كان مطلوب الخصم إثبات الأمرين بالإجماع، أمّا إذا كان

стр. 512

مطلوبه إثبات الثلث به، ويلزم من ذلك نفي الزيادة فإنه لا يتم. ص ــ مسألة: يجب العمل بالإجماع بنقل الواحد. وأنكره الغزالي. لنا: نقل الظني موجب [فا] لقطعي أولى. وأيضاً: نحن نحكم بالظاهر. قالوا: إثبات أصل بالظاهر. قلنا: التمسك الأول قاطع، والثاني مبني على اشتراط القطع. والمعترض مستظهر من الجانبين. ش ــ المسألة العشرون: الإجماع المنقول بنقل الآحاد إلينا يجب العمل به عند الأكثرين. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة، والغزالي: لا يجب العمل به. واحتج للأكثرين: بأن الظني، كالخبر إذا نقله الآحاد وجب العمل به فالقطعي، وهو الإجماع أولى. وفيه نظر؛ لأن الخبر من حيث الأصل كالإجماع، والظن وقع في طريقه فلا فرق بينهما، وبطل الأولية. وبقوله ــ ﵊ ــ: ﴿﴿نحن نحكم بالظاهر﴾﴾، فإنه يدل على

стр. 513

أنه ــ ﷺ ــ أنه يحكم بالظاهر، فوجب على الأمة أن يحكموا ــ أيضاً ــ بالظاهر؛ لأن الحديث صدر في معرض تعليم الأحكام، والظاهر يتناول الإجماع المنقول بطريق الآحاد؛ إذ اللام للاستغراق. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن اللام للاستغراق، ألا ترى أنه لم يحكم بشهادة الفرد العدل من أصحابه. فدل على أن المراد به معهود ليس نقل الإجماع لا محالة، بل الظاهر من الحديث نفي أن يحكم أحدٌ بما يعلمه الله من باطن الأمر ما لم يظهر ذلك ظهوراً شرعياً نفياً للتهمة. وقال المنكرون: الإجماع المنقول إلينا بالآحاد أصل من أصول الفقه وكل ما هو كذلك لا يثبت بالظاهر؛ لأنه قاعدة علميّة يتوصل بها إلى المسائل العلمية،

стр. 514

والظاهر لا يفيد العلم. وما ذكرتم من الدليلين ظاهر فلا يفيد المطلوب. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه قاعدة علميه، لاحتماله النقيض. سلمناه، ولكن يتوصل بها إلى مسائل ظنية، والظن فيها كاف. وأجاب المصنف: بأن التمسك الأول، وهو القياس الذي يستدل به أولاً قطعي؛ لأنه قياس بطريق الأولى، فلا يكون الإثبات به إثباتاً بالظاهر وفيه نظر؛ لأن الأولوية باطلة بما تقدم. والتمسك الثاني ــ وهو الحديث ــ ظاهر، وإثبات الأصل بالظاهر مبني على اشتراط القطع في أدلة الأصول. فمن شرط القطع فيها منع إثبات الأصل بالظاهر، فمنع إثبات الإجماع بالحديث المذكور. ومن لم يشترط لم يمنع. ثم قال المصنف: والمعترض مستظهر من الجانبين، أي متمكن من منع دليل النافي والمثب. أمّا المثبت، فبأن يقول: لا نسلم أن كل دليل ظني يجب العمل به. وأما النافي، فبأن يقول: لا نسلم امتناع ثبوت الأصل بالظواهر. ص ــ مسألة: إنكار حكم الإجماع القطعي. ثالثها المختار أن نحو العبادات الخمس، يكفر. ش ــ المسألة الحادية والعشرون في أن إنكار الإجماع القطعي يوجب الكفر، أو لا. وفيه ثلاثة مذاهب. الأول: أنه يوجبه مطلقاً؛ لأن إنكاره يستلزم إنكار سند قاطع، وذلك يستلزم

стр. 515

إنكار صدق الرسول الموجب للكفر. وفيه نظر؛ لأن إنكاره لا يستلزم إنكار سند قاطع، لكونه ليس بشرط. والثاني: أنه لا يوجبه مطلقاً؛ لأن أصل أدلة الإجماع لا تفيد القطع، فالفرق كذلك. والثالث، وهو مختار المصنف: أنه إن كان الإجماع في أمر عُلِمَ قطعاً كونه من الدين، كالعبادات الخمس، كان إنكار حكمه كفراً وإلا فلا. وفيه نظر؛ لأن الإجماع الظني ــ أيضاً ــ إنكار حكمه في مثل ذلك يكون كفراً. فلم يكن ذلك من جهة الإجماع بل من جهة ما دلّ قطعاً على كونه من أمور الدين. وعلى هذا كان القطعي والظني سواء، فتخصيصه بالقطعي هدر. ص ــ مسألة التمسك بالإجماع فيما لا تتوقف صحته عليه، صحيح. كرؤية الباري، ونفي الشريك. ولعبد الجبار في الدنيوية قولان. لنا: دليل السمع. ش ــ المسألة الثانية والعشرون: التمسك بالإجماع إنما يصح فيما لا يتوقف العلم بكون الإجماع حجة على العلم به، لئلا يدور. وذلك مثل رؤية الباري، ونفي

стр. 516

الشريك. فإن العلم بكون الإجماع حجة لا يتوقف على العلم بكونه مرئياً وواحداً؛ لإمكان أن تعلم حجية الإجماع قبل أن يعلم كل منهما. وللقاضي عبد الجبار في الأمور الدنيوية، مثل الآراء والحروب في صحة التمسك به قولان. قال المصنف: لنا، أن الدليل السمعي دلّ على التمسك به مطلقاً، فوجب المصير إليه؛ لأن الأصل عدم التقييد. * ... * ... *

стр. 517

في السند والمتن ص ــ ويشترك الكتاب والسنة والإجماع في السند والمتن. فالسند: الإخبار عن طريق المتن. والخبر قول مخصوص للصيغة والمعنى. فقيل: لا يحد لعسره. وقيل: لأنه ضروري من وجهين: أحدهما: أن كل أحد يعلم أنه موجود ضرورة. فالمطلق أولى. والاستدلال على أن العلم ضروري، لا ينافي كونه ضرورياً. بخلاف الاستدلال على حصوله ضرورة. ورُدّ بأنه يجوز أن يحصل ضرورة [ولانتصوره] أو بتقدم تصوره. والمعلوم ضرورة ثبوتها أو نفيها. وثبوتها غير تصورها. الثاني: التفرقة بينه وبين غير ضرورة]. وقد تقدم مثله. ش ــ لما فرغ من المباحث المخصوصة بكل واحد من الأدلة الثلاثة شرع في المباحث المشتركة بينها فقال: ﴿﴿ويشترك الكتاب والسنة والإجماع في السند والمتن﴾﴾. فالسند [٩٨/ب] الإخبار عن طريق المتن وذلك نوعان:

стр. 518

التواتر، والآحاد. ولما كان السند يحصل بالإخبار احتاج إلى ذكر الخبر فقال: ﴿﴿والخبر قول مخصوص الصيغة والمعنى﴾﴾. قيل: معناه اسم لقول له صيغة ومعنى مخصوصان. وفيه نظر؛ لأنه لا يفيد تمييزاً، فإن الطلب ــ أيضاً ــ كذلك. والظاهر أن المراد أنه يطلق على الصيغة والمعنى. فعلى الصيغة، كقولك: زيد قائم. وعلى المعنى أي الكلام النفسي. والصيغة أكثر، ولهذا يتبادر إلى الذهن. وقد يطلق على الإشارة الحالية مجازاً كما في قوله: وكم لسواد الليل عندك من يدٍ تُخَبّرُ أنَّ المانوية تكذب ولكن عبارة المصنف لا تساعده. واختلف الناس في تحديده: فقيل: لا يمكن تحديده لعسره. كما قيل في العلم. وقال فخر الدين الرازي ــ ﵀ ــ: لا يحد؛ لأنه ضروري بوجهين: الأول: أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه موجود، أي يعلم معنى قوله: أنا

стр. 519

موجود، من حيث وقوع النسبة على وجه يحتمل الصدق والكذب، وهو خبر خاص. فمطلق الخبر الذي هو جزؤه أولى أن يكون ضرورياً. فإن قيل: الاستدلال على أن مطلق الخبر ضروري ينافي دعوى ضروريّته؛ لأن الضروري هو الذي لا يتوقف على دليل ونظر. أجاب عن ذلك بقوله: ﴿﴿والاستدلال على أن العلم ضروري﴾﴾. وتقريره؛ أنا استدللنا على أن العلم بالخبر ضروري، لا على حصول الخبر ضرورة، والاستدلال على أن العلم بالخبر ضروري، لا ينافي كون الخبر ضرورياً؛ لأ [ن] توقف ضرورة العلم بالخبر على الدليل والنظر لا يستلزم توقف الخبر عليهما. بخلاف الاستدلال على حصول الخبر ضرورة، فإنه يكون منافياً لكون الخبر ضرورياً. وحاصله أنه يجوز أن يكون الشيء ضرورياً وطريق العلم بضروريته كسبية. وأجاب المصنف عن دليل الإمام: بأنه عُلِمَ حصول الخبر ضرورة، ولا يلزم من حصوله ضرورة تصوره، أو تقدم تصوره، فإن حصول الشيء لا يستلزم تصوره، والنزاع في تصور الخبر لا في حصوله. فإن قيل: إذا كان العلم بحصول الخبر ضرورياً، كان تصوره كذلك؛ لأن المعلوم ضرورة حينئذٍ ثبوت النسبة أو نفيها، والعلم بذلك عن تصوره، وهذا بناءً على أن الوجود زائد على الماهية في الذهن والخارج، وقد تقدم مثله في صدر الكتاب. والوجه الثاني: أنا ندرك بالضرورة التفرقة بين الخبر وغيره. والتفرقة بين

стр. 520

الشيئين لا يكون إلا بعد معرفتهما فيكون تصورهما بديهياً؛ لأن السابق على البديهي أولى أن يكون بديهياً. ورُدّ بأن التفرقة لا تقتضي التصور من حيث الحقيقة. وقيل: حوالة المصنف غير رابحة؛ لأنه لم يتقدم في هذا المختصر مثل هذا الدليل.

стр. 521

تعريف الخبر ص ــ قال القاضي والمعتزلة: الخبر الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. واعترض: بأنه يستلزم اجتماعهما، وهو محال [٩٩/أ] لا سيّما في خبر الله. أجاب القاضي: بصحة دخوله لغة. فورد أن الصدق: الموافق للخبر، والكذب نقيضه. فتعريفه به دور. ولا جواب عنه. وقيل: التصديق أو التكذيب، فيرد الدور. وأن الحد يأتي ﴿﴿أو﴾﴾. وأجيب: بأن المراد قبول أحدهما. وأقر بها قول أبي الحسين: كلام يفيد بنفسه نسبة. قال: ﴿﴿بنفسه﴾﴾ ليخرج نحو ﴿﴿قائم﴾﴾؛ لأن الكلمة عنده كلام، وهي تفيد نسبة مع الموضوع. ويرد عليه باب ﴿﴿قم﴾﴾ ونحوه؛ فإنه كلام يفيد بنفسه نسبة، إمّا لأن] القيام [منسوب، وإمّا لأن الطلب منسوب. والأولى: الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية. ونعني الخارج عن كلام النفس.

стр. 522

فنحو طلبت القيام، حكم بنسبة لها خارجي، بخلاف ﴿﴿قم﴾﴾. ش - قال القاضي والمعتزلة في تعريف الخبر: هو الكلام الذي يدخله الصدق والكذب. فالكلام - وهو ما تضمن كلمتين بالإسناد - جنس. وقوله: ﴿﴿الذي يدخله الصدق والكذب﴾﴾ يخرج الإنشاءات. واعترض على هذا التعريف: بأنه يستلزم اجتماع الصدق والكذب في كل خبر؛ لأن الواو يقتضي الجمع. لكن اجتماعهما محال؛ لأن الخبر قد يكون صادقاً ليس إلاّ، كأخبار الله، وقد يكون كاذباً كذلك كخبر مسيلمة عن نبوته. وأجاب القاضي: بأن الخبر الصادق جارٍ دخول الكذب عليه من حيث مفهومه لغة، مع قطع النظر عن خصوصية المادة. وكذا يصح دخول الصدق على الخبر الكاذب من حيث المفهوم لغة، فسقط الاعتراض. وورد عليه: أن الصدق: هو الخبر الموافق للمخبر، والكذب نقيضه، أي الخبر الغير الموافق للمخبر. فيتوقف الصدق والكذب على الخبر فتعريف الخبر بهما دور. قال المصنف: ﴿﴿ولا جواب عن لزوم الدور﴾﴾. وفيه نظر: لجواز أن يكون التعريف لفظياً. فيقال: نحن نعلم أن نوعاً من الكلام يوصف بدخول الصدق والكذب فيه، ونوع لا يوصف، ولا يعلم بأن أيّهما يسمى خبراً. فقال: الخبر هو الذي يدخله الصدق والكذب.

стр. 523

وفي عبارة المصنف تسامح؛ لأنه عرف الصدق بالموافق للمخبر وليس تظاهره مراد بالضرورة. فإن كان مراده لاعتقاد المخبر، فهو مذهب مرجوح. وإن كان المراد بالمخبر الواقع فليس فيه دلالة عليه. وقيل في تعريف الخبر: إنه الكلام الذي يدخله التصديق أو التكذيب. والاعتراض الوارد على ﴿﴿الواو﴾﴾ ساقط، ولكن الدور باقٍ؛ لأن التصديق هو الإخبار عن كون المتكلم صادقاً، فتوقف معرفته على الصادق، والصادق على الصدق، والصدق على الخبر وفيه الدور بتوقف الشيء على نفسه ثلاث مراتب. ويرد ــ أيضاً ــ أنه يشتمل على ﴿﴿أو﴾﴾ والحد يأباه. وأجيب بأن المراد أن الخبر يدخله أحدهما لا بعينه على التعيين وليس في ذلك تردد، بل التردد في دخول أيهما على التعيين وهو في الحد غير معتبر. قال المصنف: وأقرب الحدود المذكورة للخبر قول أبي الحسين البصري: كلام يفيد بنفسه نسبة [٩٩/ب] فالكلام كالجنس. وقوله: ﴿﴿يفيد بنفسه﴾﴾ يخرج ﴿﴿قائم﴾﴾ في ﴿﴿زيد قائم﴾﴾؛

стр. 524

لأ [ن] ﴿﴿قائماً﴾﴾ كلام؛ لأن الكلمة عنده كلام، ولكنه لا يفيد بنفسه بل بواسطة الموضوع. قوله: ﴿﴿نسبة﴾﴾ يخرج الإنشاءات؛ لأن المراد بالنسبة إضافة أمرٍ إلى أمر بنفي أو إثبات، بحيث يحسن السكوت عليه. قال: ويرد عليه باب ﴿﴿قم﴾﴾ أي فعل الأمر ونحوه، كالنهي وغيره، فإنه يصدق عليه أنه كلام يفيد بنفسه بنسبة؛ لأن ﴿﴿قم﴾﴾ يفيد بنفسه نسبة القيام إلى المخاطب، أو نسبة الطلب إلى الآمر. وفيه نظر؛ لأن المراد بالنسبة إضافة أمرٍ إلى أمرٍ، وليس في ﴿﴿قم﴾﴾ ذلك؛ لأن الإضافة تقتضي وجود المضاف وهو الأمر غير موجودة، وكذلك نسبة الطلب إلى الآمر ليست مما يدخل تحت قولهم: يحسن السكوت عليه. ثم قال: ﴿﴿والأولى﴾﴾ أي أولى الحدود: الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية. والمراد بالكلام: ما تضمن كلمتين بالإسناد. فيخرج عنه الكلمة، والمركب الإضافي والتقييدي؛ لأنه لا كلام فيها كذا قالوا. وفيه نظر؛ لأنه احتراز بالجنس؛ والمراد بالنسبة الخارجية الأمر الخارج عن كلام النفس المتعلق به هو بالمطابقة، واللامطابقة ﴿﴿كزيد قائم﴾﴾ فإنه يدل على حكم في النفس، وهو إسناد القيام إلى ﴿﴿زيد﴾﴾ بالإثبات، ويسمى ذلك كلام النفس، وله متعلق في الخارج يطابقه إن كان صادقاً، ولا يطابقه إن كان كذباً فيدخل فيه ﴿﴿طلبت

стр. 525

القيام﴾﴾؛ لأنه أخبر عن حكم موجود في النفس] في الزمان الما [ضي وله خارج، وهو الطلب الخارجي. فإن تقدم له طلب فيه كان صادقاً وإلا كان كاذباً. بخلاف ﴿﴿قم﴾﴾ فإنه ليس لنسبته الذهنية خارج يطابقه أو لا يطابقه فلا يكون خبراً. وفيه نظر؛ لأنه منقوض بمثل ﴿﴿أطلب القيام﴾﴾ فإنه خبر لا محالة، وليس له خارج ﴿﴿كقم﴾﴾.

стр. 526

تسمية غير الخبر إنشاءً وتنبيهاً ص ــ ويسمى غير الخبر إنشاءً وتنبيهاً. ومنه الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والقسم، والنداء. والصحيح أن نحو ﴿﴿بعت﴾﴾ و ﴿﴿اشتريت﴾﴾ و ﴿﴿طلقت﴾﴾ التي يقصد بها الوقوع، إنشاء؛ لأنها لا خارج لها. ولأنها لا تقبل صدقاً ولا كذباً. ولو كان خبراً لكان ماضياً ولم يقبل التعليق. ولأنا نقطع بالفرق بينهما، ولذلك لو قال للرجعية: طلقتك سئل. ش ــ الكلام الذي هو غير الخبر، يسمى: إنشاءً وتنبيهاً. جعل الإنشاء والتنبيه كالمترادفين، فجاز أن يكون الضمير في قوله: ﴿﴿ومنه﴾﴾ راجعاً إلى الإنشاء والتنبيه وغيره. قال: الكلام إن احتمل الصدق والكذب فهو خبر. وإلا فهو إنشاء، والإنشاء

стр. 527

إن وضع لطلب الفعل فهو أمرٌ، وإن وضع لطلب الكف فهو نهي، وإن وضع لطلب الإفهام فهو استفهام. وإن لم يوضع لطلب فهو التنبيه، ويندرج فيه التمني، والترجي، والقسم، والنداء. واختلفوا في أن الصيغ التي تستعمل في الشرع لتستحدث بها الأحكام، مثل ﴿﴿بعت﴾﴾ و ﴿﴿اشتريت﴾﴾ و ﴿﴿طلقت﴾﴾ أخبار وإنشاء؟ قال المصنف: الصحيح أنه إنشاء، وذلك لأربعة أوجه: الأول: أنه محكوم فيه بنسبة خارجية؛ لأنه لا [١٠٠/أ] خارج له. الثاني: أنه غير قابل للصدق والكذب، وهو خاصة متساوية للخبر فإذا انتفى، انتفى. وفيه نظر؛ لأن دعوى التساوي دعوى باطلة. الثالث: أنه لو كان خبراً كان ماضياً؛ لأن الصيغة صيغة الماضي ولم يوجد ﴿﴿. . .﴾﴾ ولو كان ماضياً لم يقبل التعليق؛ لأنه توقيف وجود أمرٍ على غيره والماضي وجد ومضى، فلا يتوقف وجوده على شيء. الرابع: أنا نقطع بالفرق بين ﴿﴿طلقت﴾﴾ إذا قصد به وقوع الطلاق، وبين ﴿﴿طلقت﴾﴾ إذا قصد بها الإخبار، ولهذا إذا قال الرجل للمطلقة الرجعية: طلقتك. سئل عنه، ماذا يريد الإيقاع أو الإخبار عن طلاق سابق، ولولا الفرق لما سُئِلَ.

стр. 528

تقسيم الخبر إلى صدق وكذب ص ــ الخبر صدق وكذب؛ لأن الحكم إمّا مطابق للخارجي، أو لا. الجاحظ: إمّا مطابق مع الاعتقاد ونفيه، أو لا مطابق مع الاعتقاد ونفيه. فالثاني فيهما ليس بصدق ولا كذب؛ لقوله: ﴿افترى على الله كذباً أم به جنّة﴾. والمراد الحصر، ولا يكون صدقاً؛ لأنه لا يعتقدونه. وأجيب بأن المعنى: افترى أم لم يفتر، فيكون مجنوناً؛ لأن المجنون لا افتراء له] أو ا [قصد أم لم يقصد للجنون. ش ــ لما فرغ من تعريف الخبر بأقسامه، وله تقسيمات باعتبارات ستذكر. ينقسم إلى صدق وكذب، ولا واسطة بينهما عند الجمهور؛ لأن الحكم الذي هو مدلول الخبر، إمّا أن يكون مطابقاً للواقع، أو لا. فإن كان فهو صدق، وإلا فهو كذب. وقال الجاحظ: ينقسم إلى صادق وكاذب، وإلى ثالث ليس

стр. 529

إياهما؛ لأن الخبر إمّا أن يكون مطابقاً، أو لا. فإن كان، فإمّا أن يكون معه اعتقاد المطابقة، أو لا. والثاني إمّا أن يكون معه اعتقاد اللا مطابقة، أو لا. وإن لم يكن فإمّا أن يكون معه اعتقاد اللامطابقة، أو لا. والثاني إمّا أن يكون معه اعتقاد المطابقة، أو لا. فذلك ستة أقسام: الأول منها: وهو المطابق للواقع والاعتقاد ــ صدق. والرابع: وهو غير المطابق له مع اعتقاد عدم المطابقة ــ كذب. والأربعة الباقية: ليست بصدق ولا بكذب. مثال الصدق: ﴿﴿زيد في الدار﴾﴾ إذا كان فيها مع اعتقاد أنه فيها. ومثال الكذب: ﴿﴿زيد في الدار﴾﴾ إذا لم يكن فيها مع اعتقاد أنه ليس فيها. احتج بقوله ــ تعالى ــ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةُم﴾. ووجهه أن النبي ــ ? ــ لما أخبر عن نبوته حصر الكفار إخباره ذلك بطريق منع الخلو في الافتراء وإخبار من به جنة. والافتراء هو الكذب. والإخبار حالة الجنون ليس بكذب؛ لأنهم أوقعوه قسيماً له، ولا صدق؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه.

стр. 530

وفيه نظر؛ لأن الاعتبار لاعتقاد المخبر لاعتقاد السامعين. وأجاب المصنف: بأن المعنى افترى أم لم يفتر فيكون مجنوناً؛ لأن المجنون لا افتراء له قصد أو لم يقصد؛ للجنون. وحاصل معناه: أن الترديد بين الكذب، وغير الخبر؛ لأن مؤداه افترى بل هو مجنون لم يفتر؛ لأنه يستلزم القصد، والمجنون لا قصد له. فكان معناه: إخباره كاذب أو ليس [١٠٠/ب] بخبر؛ لأن به جنّة. والمجنون قصد أم لم يقصد لا معتبر بخبره. وفيه نظر؛ لأن عبارته لا تساعده؛ ولأنه جعل الترديد بين الافتراء وعدمه، وأخبر بأن المجنون لا افتراء له قصد أو لم يقصد؛ لجنونه. فيكون معناه: افترى أم لم يفتر إن كانت متصلة، بل لم يفتر إن كانت منقطعة لأنه مجنون، ولا يلزم من ذلك أنه لم يخبر؛ لأن انتفاء الافتراء لجنونه لا يستلزم عدم إخباره، فلم يكن الترديد بين الافتراء وعدم الخبر. نعم لو قال: المعنى افترى أم لم يخبر؛ لأنه مجنون لا معتبر بخبره، كان أنسب وإن لم يخل عن مناقشة. والظاهر أن المعنى ــ والله أعلم ــ أتعمد الكذب أم مجنون لا يعلم ما يقوله. ص ــ قالوا: قالت عائشة: ما كذب ولكنه وهم. وأجيب: بتأويل ما كذب عمداً. ش ــ القائلون بالواسطة، احتجوا بقول عائشة ــ ﵂: ما كذب، ولكنه وهم. روى الترمذي أن ابن عمر ــ ﵄ ــ قال: إن النبي ــ ﷺ ــ
следующие страницы →