Полный текст (1 417 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الجذع إليه.
وتسليم الغزالة عليه، وإفراد الإقامة، وإفراد الحج.
وترك البسملة في أول الفاتحة في الصلاة، بطريق الآحاد، مع أنها من
стр. 562
الوقائع التي تتوفر الدواعي إلى نقلها.
وأجاب المصنف: بأن العادة تقضي بامتناع اشتراك الجمع العظيم في الحامل على الكتمان، كما تقضي بامتناع اجتماع الجمع العظيم على مأكل واحدٍ.
والصور المذكورة لا تدل على مدعاكم؛ لأن كلام عيسى ــ ﵇ ــ في المهد إن لم يكن بحضور جمع كثير لم يرد نقضاً، وإن كان بحضورهم فقد نقل نقلاً قطعياً أولاً لما ذكرنا من الدليل، ثم لم ينقل بعد ذلك لاشتمال القرآن عليه، فاستغنى عن استمرار نقله بالقرآن.
وكذلك غيره من الصور المذكورة من المعجزات لم ينقل متواتراً؛ لعدم توفر الدواعي إلى نقلها، أو ضعفت؛ لأن المقصود الذي هو صدق رسالته قد حصل بالقرآن الذي هو أعظم المعجزات الدالة على صدقها؛ لبقائه على صفحات الدهر، فاستغنى به عن غيره.
وأمّا الفروع المذكورة فليست من ذلك، أي ما تتوفر الدواعي إلى نقلها.
وإن سُلّمَ فقد استغنى عن نقلها متواتراً، لكونها مستمرة في الأنام والأعوام. أو كان الأمران، أي إفراد الإقامة وتثنيتها، وإفراد الحج وقرانه، والبسملة وتركها
стр. 563
سائغين، فنقل كل ما ثبت عنده فلم يتواتر لذلك. كذا [١٠٦/ب] بعض الشروح.
وفيه نظر من أوجه:
الأول: أن محل النزاع ما إذا انفرد واحد بنقل ما تتوفر الدواعي إلى نقله، وذلك لا يستلزم أن ينقل متواتراً، بل إذا بلغ إلى حد الشهرة خرج عن محل النزاع.
الثاني: أن كلام عيسى ــ ﵇ ــ في المهد إن كان بحضور جمع عظيم لا يلزم أن ينقل نقلاً قطعياً، ودعوى ذلك دعوى بلا دليل.
والدليل المذكور مدفوع بوقوع ما ذكروا من كثرة الحوامل المقدرة.
الثالث: أن قوله ﴿﴿واستغنى عن الاستمرار بالقرآن الذي هو أشهرها غير مفيد؛ لأن الناقل هو النصارى، ولم يقولوا بصحة القرآن﴾﴾.
الرابع: أن الفروع المذكورة ليست مما تفرد بنقله واحد فلم يتصل بالمبحث فالتزام الجواب عنها التزام جهل.
الخامس: أن الجواب على الوجه المذكور في المتن، على تقدير صحته إنما هو عما استشهدوا به من النظائر، وأصل نكتتهم باقٍ، وهو ليس بصحيح عند المحصلين.
ص ــ مسألة: التعبد بخبر الواحد العدل جائز عقلاً. خلافاً للجبّائي.
لنا: القطع بذلك.
قالوا: يؤدي إلى تحليل الحرام وعكسه.
قلنا: إن كان المصيب واحداً، فالمخالف ساقط، كالتعبد بالمفتي، والشهادة.
وإلا فلا يرد.
وإن تساويا فالوقف أو التخيير يدفعه.
قالوا: لو جاز لجاز التعبد به في الإخبار عن الباري ــ تعالى ــ.
قلنا: للعلم بالعادة بأنه كاذب.
стр. 564
ش ــ المسألة الخامسة: ذهب الجمهور إلى التعبد بخبر الواحد العدل جائز عقلاً، خلافاً للجبائي.
لنا: القطع بأنا لو فرضنا ورود الشرع بالتعبد به لم يلزم منه محال، ولا نعني بالجواز العقلي إلا ذلك.
وقالوا: لو جاز ذلك أدى إلى تحليل الحرام، وتحريم الحلال؛ لجواز أن يخبر عدل بحرمة فعل، وآخر بحله. والفرض جواز العمل بقول كل منهما فيؤدي إلى ذلك لا محالة. وهذا لا يلزم إذا كان القول الواحد راجحاً يسقط به المرجوح كما تبين.
وأجاب المصنف: بأن المصيب في الإجتهاد إن كان واحداً كما هو مذهب عامة أهل السنة، سقط الدليل؛ لأن الحكم حينئذٍ واحد منهما، وهو الثابت في علم الله ــ تعالى ــ، والحكم المخالف لحكم المصيب ساقط ليس بحكم في علم الله.
وإن كان المجتهد مأموراً بالعمل بموجبه، كما في التعبد بالإفتاء، وشهادة الشاهدين؛ فإنه يجب العمل بهما، وإن كان خطأً. ولا يلزم من العمل به تحريم
стр. 565
ما حل، ولا عكسه؛ لأن حكمهما ليس بحكم ثابت في علم الله؛ لأن الحكم فيه أحدهما.
وإن كان كل مجتهد مصيباً فلا يرد ــ أيضاً ــ ما ذكرتم؛ لأن كل واحد من الحكمين ثابت في علم الله من غير أن يغير أحدهما الآخر.
قوله: ﴿﴿وإن تساويا﴾﴾ إشارة إلى الجواب عمّا يقال: ما ذكرتم إنما يتم إذا كان أحد الخبرين راجحاً. والآخر مرجوحاً [١٠٧/أ] ليسقط المرجوح المخالف للصواب الذي هو الراجح.
وأمّا إذا تساوى الخبران لزم اجتماع الحكمين المتنافيين في واقعة واحدة. وتقريره: لا نسلم اجتماع المتنافيين على ذلك التقدير؛ فإنه على ذلك التقدير يتوقف حتى يتبين الرجحان، كما هو مذهب بعض. أو يتخير بينهما كما هو مذهب بعض. وبذلك يندفع المحال.
وفيه نظر؛ لأن المصيب إذا كان واحداً، والحكم ما هو الثابت عند الله ينبغي أن لا يلتفت إلى الرجحان في الظاهر، لجواز أن يكون ذلك مرجوحاً في علم الله، والحكم عنده ما دلّ عليه المرجوح.
وقالت ــ أيضاً ــ الجبائية: لو جاز التعبد بخبر الواحد العدل عن
стр. 566
الرسول ــ ﷺ ــ، لجاز عن الباري ــ تعالى وتقدس ــ بأنه أرسله؛ لأن الموجب لجواز ذلك هو الظن بالصدق، وهو حاصل فيه حصوله في الأول، لكن لا يجوز التعبد بخبر الواحد عن الله بإرساله بدون معجزة دالة على صدقه.
ولقائل أن يقول: سلمنا أن الموجب في الأول هو الظن، لكنه لا يكفي في الثاني؛ لأنه من الاعتقادات، ولا بد فيها من القطع.
وأجاب المصنف: بالفرق، بأنه عُلِمَ بالعادة أن المخبر عن الله ــ تعالى ــ بالرسالة كاذب بدون معجزة تصدقه، ولا كذلك خبر العدل عن الرسول.
ولقائل: أن يقول: عُلِمَ بالعادة أن العدل لا يكذب، وإلا لم يكن عدلاً وذلك خلف فاستوى الصورتان، على أن الفرق غير معتبر عند المحققين، وقد تقدم غير مرة.
ص ــ مسألة: يجب العمل بخبر الواحد.
خلافاً للقاساني، وابن داود، والرافضة.
والجمهور بالسمع.
وقال أحمد، والقفال، وابن سريج، والبصري؛ بالعقل.
لنا: تكرر العمل به كثيراً في الصحابة والتابعين شائعاً ذائعاً من غير نكير. وذلك يقضي بالاتفاق عادة، كالقول قطعاً.
قولهم: لعل العمل بغيرها.
стр. 567
قلنا: عُلِمَ قطعاً من سياقها أن العمل بها.
قولهم: قد أنكر أبو بكر خبر المغيرة حتى رواه محمد بن مسلمة.
وأنكر عمر خبر أبي موسي الأشعري في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد.
وأنكر خبر فاطمة بنت قيس.
وأنكرت عائشة خبر ابن عمر.
وأجيب: إنما أنكروا عند الارتياب.
قالوا: لعلها أخبار مخصوصة.
قلنا: نقطع بأنهم عملوا لظهورها، لا لخصوصها.
ش ــ المسألة السادسة: القائلون بجواز التعبد بخبر الواحد العدل اختلفوا في وجوب التعبد به.
فذهب كثير من الأصوليين إلى وجوبه.
وذهب القاساني، وابن داود، والرافضة: إلى حرمة التعبد
стр. 568
به. والقائلون بالوجوب اتفقوا على أنه ثبت سمعاً.
وقال أحمد، والقفال، وابن سريج، وأبو عبد الله البصري: إنه يثبت بالعقل ــ أيضاً.
واحتج المصنف ـعلى وجوب العمل به سمعاً ــ بأنه تكرر العمل بخبر الواحد العدل في زمن الصحابة، والتابعين كثيراً شائعاً ولم ينكر منهم أحد وذلك يقضي عادة
стр. 569
باتفاقهم على وجوب العمل بذلك، كما أن قولهم بوجوب العمل يدل قطعاً [١٠٧/ب] على أنهم اتفقوا على وجوب العمل به.
وردّ: بأن تكرر العمل به يدل على الجواز، دون الوجوب.
وأجيب: بأن الجواز يدل على الوجوب؛ لعدم القائل بالفصل وفي كلامه نظر من وجهين:
أحدهما: أن الذي ذكره إنما هو قياس على السمع، والقياس على السمع ليس بسمع.
والثاني: أن الجواز والوجوب لو كانا متساويين في هذا الموضوع كان ذكر هذه المسألة مستدركاً؛ لأن الجواز عُلِمَ مما قبلها، وهو يستلزم الوجوب؛ لعدم القائل بالفصل.
وقالوا: لعل العمل بغيرها، يعني لا نسلم أن الصحابة عملوا بأخبار الآحاد، بل لعلهم عملوا بغيرها حين سمعوها، فلا ينهض دليلاً.
وأجاب: بأنه عُلِمَ قطعاً من سياق تلك الأخبار، وبقرينة الحال أنهم عملوا في تلك الصور لأجل تلك الأخبار، ولا يخفى على من اطلع على قرائن الأحوال.
وفيه نظر؛ لأن أقوالهم لا تفيد القطع ما لم تبلغ حد التواتر فضلاً عن قرائن الأحوال.
وقالوا ــ أيضاً ــ: سلمنا أنهم عملوا بخبر الواحد، لكنهم لم يجمعوا على ذلك، بل تحقق الإنكار من بعضهم؛ فإنه ثبت أن أبا بكر ــ ﵁ ــ أنكر خبر المغيرة،
стр. 570
وهو أن رسول الله ــ ﷺ ــ أعطى الجدة السدس حتى شهد له محمد بن مسلمة.
وأن عمر ــ ﵁ ــ أنكر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان وهو ما
стр. 571
روي أنه سمع رسول الله ــ ﷺ ــ يقول: ﴿﴿إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف﴾﴾ حتى رواه أبو سعيد الخدري ــ ﵁.
وأنكر عمر ــ ﵁ ــ أيضاً ــ خبر فاطمة بنت قيس في السكنى، وقال: ﴿﴿لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة ما ندري أصدقت أم كذبت، أحفظت أم نسيت﴾﴾.
стр. 572
وأن عائشة ــ ﵂ ــ أنكرت خبر ابن عمر ــ ﵄ ــ أن الميت ليعذب ببكاء أهله.
وأجاب: بأنهم إنما أنكروا عند الارتياب.
وتحقيقه: أنه ثبت منهم العمل، وثبت منهم الإنكار، فلا بد من التوفيق فيحمل الإنكار على الارتياب في الراوي، والعمل على غيره.
وفيه نظر؛ لأن الكلام في العدل، والارتياب في عدالة الصحابة زيغ نعوذ بالله منه.
وقالوا ــ أيضاً ــ: لعل الأخبار التي عملوا بها أخبار مخصوصة تلقوها بالقبول وذلك لا يستلزم وجوب العمل بخبر الواحد العدل مطلقاً.
وأجاب: بأنا نقطع أن الصحابة ــ ﵃ ــ عملوا لأجل ظهور تلك الأخبار صادقة، لا لخصوص تلك الأخبار، فحيث يظهر الصدق وجب العمل به.
وفيه نظر؛ لأنه دعوى قطع بلا قاطع.
ص ــ وأيضاً: التواتر أنه كان ينفذ الآحاد إلى النواحي لتبليغ الأحكام واستدل بظواهر.
مثل: ﴿فلولا نفر من﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يحذرون﴾.
﴿إن الذين يكتمون﴾، ﴿إن جاءكم فاسق﴾.
وفيه بعد.
стр. 573
ش ــ هذا دليل آخر على وجوب العمل بخبر الواحد.
وتقريره: تواتر أنه ــ ﷺ ــ كان ينفذ آحاد الصحابة إلى القبائل لتبليغ الرسالة [١٠٨/أ] والأحكام، فلو لم يجب العمل بخبر الواحد ما أفاد البعث.
وقد استدل ــ أيضاً ــ على وجوب العمل بخبر الواحد بآيات:
منها قوله ــ تعالى ــ: ﴿فَلَولَانَفَرَمِنكُلِّفِرقَةمِّنهُمطَائِفَةلِّيَتَفَقَّهُوافِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُمإِذَارَجَعُواإِلَيهِملَعَلَّهُميَحذَرُونَ (١٢٢)﴾.
ووجه التمسك بها أن الله ــ تعالى ــ أوجب الحذر بإخْبَارٍ مخوف يحصل من واحد، أو اثنين، ولولا أن خبر الواحد يوجب العمل، لما وجب الحذر به؛ وذلك لأن الفرقة ثلاثة، فتكون الطائفة واحداً أو اثنين، ولعل للترجي وهو على الله محال، فيحمل على الوجوب، لاشتراكهما في الطلب.
ومنها قوله ــ تعالى ــ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ﴾.
стр. 574
ووجهه: أن الله وعّد على كتمان الهدى، فيجب على من سمع من النبي ــ ﷺ ــ شيئاً ــ إظهاره، فلو لم يجب قبوله كان الاظهار كعدمه.
ومنها قوله ــ تعالى ــ: ﴿إِن جَاءَكُمفَاسِقُبِنَبَإفَتَبَيَّنُوا﴾.
ووجهه: أن الله ــ تعالى ــ أمر بالتبين في خبر الفاسق، وتعليق الحكم على الصفة مشعر بالعلية، فيجب أن لا يتبين خبر غير الفاسق؛ لانتفاء علته، فيجب العمل بخبره.
قال المصنف: ﴿﴿وفيه بعد﴾﴾. ووجه البعد إجمالاً: أن الآيات المذكورة ليست بقطعية الدلالة على المطلوب. فصارت في الدلالة، كخبر الواحد فلا يجب العمل بها، فكانت كالمتنازع فيه.
ص ــ قالوا: ﴿وَلَا تَقفُ﴾ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ وقد تقدم.
ويلزمهم أن لا يمنعوه إلا بقاطع.
قالوا: توقف رسول الله ــ ﷺ ــ في خبر ذي اليدين حتى أخبره أبو بكر وعمر.
قلنا: غير ما نحن فيه.
وإن سلّم فإنما توقف للريبة بالانفراد، فإنه ظاهر في الغلط ويجب التوقف في مثله.
ش ــ القائلون بعدم وجوب العمل بخبر الواحد تمسكوا بالآيتين، وقد تقدم وجه التمسك، والجواب في المسألة المتقدمة، فلا يحتاج إلى إعادته.
ويلزمهم من التمسك بالآيتين أن لا يمنعوا العمل بخبر الواحد إلا بدليل قاطع؛ لأنهما دلتا على أن التمسك بما لا يفيد العلم غير جائز فلا يجوز منع العمل بخبر الواحد بالآيتين؛ لعدم قطعية دلالتهما على ذلك.
стр. 575
وهنا بحث مشكل وهو: أن الأشاعرة عطلوا العقل عن الدلالة رأساً، وذهبوا إلى أن دلالة الألفاظ غير قطعية. فلزمهم من ذلك أن لا يكون شيءٍ مّا معلوماً لهم، لا في أصول الديانات، ولا في الفروع ولزمهم من ذلك أن لا يكفروا أحداً ممن ينكر شريعة من الشرائع؛ لكونها غير قطعية.
وقالوا ــ أيضاً ــ: توقف رسول الله ــ ﷺ ــ في خبر ذي اليدين، وقصته ما روى أن رسول الله ــ ﷺ ــ صلى إحدى صلاتي العشي ركعتين، وفي القوم أبو بكر، وعمر فقال ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ــ ﷺ ــ: ﴿﴿كل ذلك لم يكن﴾﴾ ثم قال: ﴿﴿أحق ما يقوله ذو اليدين﴾﴾؟ فقال أبو بكر، وعمر: نعم. فرجع وأتم الصلاة أربعاً، وسجد للسهو. ولو كان خبر الواحد يوجب العمل ما توقف
стр. 576
عليه السلام.
وأجاب المصنف بأن هذه الصورة [١٠٨/ب] ليست مما نحن فيه؛ لأن الكلام في أنه يوجب العمل علينا لا على رسول الله ــ ﵇.
سلمناه، ولكن توقف رسول الله ــ ﷺ ــ لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون الباقين، فإن ذلك ظاهر في غلطه، فتوقف لذلك.
واعلم أن حديث ذي اليدين يدل على أن صدق الخبر إنما هو بمطابقته لاعتقاد المخبر فهو حجة على الجمهور، وقد ذكرت ذلك والجواب عنه في الإشراق شرح مشارق الأنوار. فليطلب ثمة.
ص ــ أبو الحسين: العمل بالظن في تفاصيل المعلوم الأصل واجب عقلاً، كالعدل في مضرة شيء، وضعف حائط.
وخبر الواحد كذلك؛ لأن الرسول بعث للمصالح، فخبر الواحد تفصيل لها.
وهو مبني على التحسين.
سلمنا ولا نسلمه في الشرعيات.
سلمنا، وغايته قياس ظني في الأصول.
قالوا: صدقه ممكن فيجب احتياطاً.
قلنا: إن كان أصله المتواتر فضعيف.
وإن كان المفتي فالمفتي خاص وهذا عام.
سلمنا، لكنه قياس شرعي.
قالوا: لو لم يجب، لخلت وقائع.
رُدّ بمنع الثانية.
стр. 577
سلمنا، لكن الحكم: النفي، وهو مدرك شرعي بعد الشرع.
ش ــ احتج أبو الحسين على وجوب العمل بخبر الواحد عقلاً، بأنه إذا عُلِمَ أصل كلي كدفع المضار وجلب المنافع، وجب عقلاً العمل بالظن في تفاصيل ذلك الأصل المعلوم، فإذا أخبر واحد عدل عن مضرة شيء مخصوص، أو عن ضعف جدار، وجب على العاقل الاحتزاز عن ذلك الشيء عقلاً، والهروب عن الحائط كذلك، وهذا المعنى متحقق في خبر الواحد؛ لأن الرسول ــ ﷺ ــ بعث لتبيين الأحكام الشرعية المشتملة على مصالح العباد، وخبر الواحد يفيد الظن في تفاصيل تلك الأحكام والمصالح، فوجب العمل به عقلاً.
وأجاب المصنف: بأن هذا الدليل مبني على قاعدة التحسين العقلي وهي باطلة، كما تقدم.
سلمنا صحتها، لكن لا نسلم أن العمل بالظن، وتفاصيل الأصل المعلوم واجب في العقليات، بل العقليات أولى أن لا يجب فيها العمل بالظن.
سلمنا وجوبه في العقليات، لكن لا نسلم في الشرعيات؛ لجواز أن يكون خصوصية الصور العقلية شرطاً لوجوب العمل. أو خصوصية الصور الشرعية مانعة للوجوب.
سلمنا وجوبه فيها قياساً على العقليات، لكن غاية هذا الدليل قياس يفيد الظن. وهو مسائل في الأصول.
وقالوا: صدق خبر الواحد ممكن، وكل ما كان كذلك يجب العمل به، كالمتواتر، وقول المفتي.
وأجاب: بأن القياس على المتواتر ضعيف، لعدم الجامع؛ لأن وجوب العمل
стр. 578
بالمتواتر لإفادته العلم، لا لإمكان الصدق.
وعلى المفتي قياس مع الفارق؛ فإن وجوب العمل بقول المفتي شرع خاص لا يعم الأشخاص كلها، وبخبر الواحد عام يعمهم.
ولئن سلمنا صحة القياس عليهما، لكنه قياس شرعي؛ إذ العمل في الأصلين واجب بالدليل الشرعي فلا يتصل [١٠٩/أ] بمحل النزاع؛ لأن المطلوب إثبات وجوب العمل به عقلاً.
ولقائل أن يقول: كلام الخصم دليل عقلي من الشكل الأول، على الوجه الذي ذكر، والكلام على الفرق قد تقدم غير مرة.
وقوله: ﴿﴿قياس شرعي﴾﴾ إنما هو على تفسيره تفسير بالتشهي لا يلزم على الخصم به شيء.
وقالوا ــ أيضاً ــ: لو لم يجب العمل بخبر الواحد، لخلت وقائع عن الحكم والتالي باطل بالإجماع، فالمقدم كذلك.
وبيان الملازمة أنه إذا لم يوجد في الوقائع الحادثة من الدليل سوى خبر الواحد، ولم يوجب الحكم خلت عن الحكم بالضرورة.
وأجاب بمنع الثانية، أي التالي، يعني لا نسلم بطلان خلو بعض الوقائع عن الحكم؛ فإن التي اتفق على امتناع خلوّها عنه، هي التي لها دليل، لا التي لا دليل عليها.
سلمنا صحة نفي التالي، لكن لا نسلم الملازمة؛ فإنه إذا لم يوجب خبر الواحد العمل كان هناك نفي الحكم، ونفي الحكم حكم.
قوله: ﴿﴿وهو مدرك شرعي﴾﴾ بعد الشرع إشارة إلى جواب ما يرد على أن نفي الحكم حكم.
وتقريره: نفي الحكم ليس حكماً شرعياً؛ لأنه يستند إلى عدم الدليل وعدم الدليل عقلي.
стр. 579
وتقرير الجواب: أن عدم الحكم وإن كان ثابتاً عند عدم الدليل وقبل الشرع لكنه بعد ثبوت الشرع مدرك شرعي.
ولقائل أن يقول: عدم الحكم ليس وجوباً، ولا حرمة، ولا ندباً، ولا كراهة، ولا إباحة، والأحكام منحصرة فيها. وأن الظاهر أن المراد بالمدرك الشرعي: ما يدرك به حكم شرعي، وذلك منحصر في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، والاستدلال وعدم الحكم ليس منها بالضرورة. وإن كان المراد بالمدرك غير ذلك، فلا بد من تصوره أولاً.
стр. 580
شرائط الراوي أربعة
ص ــ الشرائط:
فمنها: البلوغ، لاحتمال كذبه، لعلمه بعدم التكليف.
وإجماع المدينة على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الدماء وقبل تفرقهم، مستثنى؛ لكثرة الجناية بينهم منفردين. والرواية بعده والسماع قبله مقبولة، كالشهادة، ولقبول ابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم في مثله، ولإسماع الصبيان.
ش ــ لما فرغ من إثبات وجوب العمل بخبر الواحد شرع في ذكر شرائط الراوي، وهي أربعة.
الأول: البلوغ ؛ لأن الصبي إن كان غير مميز لا يضبط ما يحتمل وإن كان مميزاً فقد لا ينزجر عن الكذب، لعلمه بعدم المؤاخذة به وإذا لم يتقبل رواية الصبي، فرواية المجنون [أ] ولى.
قوله: ﴿﴿وإجماع المدينة﴾﴾ إشارة إلى جواب دخل مقدر.
تقريره: أهل المدينة أجمعوا على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض في
стр. 581
الدماء، والجنايات قبل تفرقهم. وإذا قبلت شهادتهم وبابها أضيق، وجب قبول روايتهم بالطريق الأولى.
وتقرير الجواب؛ هذه الصورة مستثناة؛ لكثرة وقوع الجناية بينهم منفردين عن الرجال، والحاجة ماسة إلى معرفة ذلك ولا طريق إليها سوى شهادتهم، فوجب اعتبارها صيانة للدماء عن الهدر، وإنما شرط أن يكون الأداء قبل التفرقة دفعاً لتهمة التلقين [١٠٩/ب].
وفيه نظر؛ لأنا لا نسلم كثرة وقوعها بينهم؛ فإنا مدة عمرنا نيِّفاّ وخمسين سنة لم نشاهد ذلك، ولم نسمعهم فعلوا قتلاً أو ما يقربه؛ ولأنه مخالف لقوله ــ تعالى ــ: ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِمِنرِّجَالِكُم﴾. على اختلاف تقدم في حجية إجماع أهل المدينة خاصة وإذا كان السماع قبل البلوغ، والرواية بعده فهي مقبولة لوجهين:
أحدهما: القياس على قبول الشهادة، فإنه إذا تحمل الشهادة قبل البلوغ وأداها بعده قبلت بالاتفاق، فكذا الرواية، بل أولى؛ لأن بابها أضيق، ولهذا اختلفوا في قبول شهادة العبد، ولم يختلفوا في قبول روايته.
стр. 582
والثاني: الإجماع، فإن الصحابة ــ ﵃ أجمعوا على قبول رواية ابن عباس، وابن الزبير،
стр. 583
والنعمان بن بشير، وغيرهم من أحداث الصحابة في مثل ما ذكرنا، وهو ما تحملوا في حال الصبا وأدّوه بعده، وأيضاً: أجمع السلف على إحضار صبيانهم في مجالس الأحاديث، وإسماعهم إيّاها، وقبول رواية ما سمعوه حال
стр. 584
الصبا.
ص ــ ومنها: الإسلام؛ للإجماع.
وأبو حنيفة وإن قبل شهادة بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم.
ولقوله: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾. وهو فاسق بالعرف المتقدم.
واستدل: بأنه لا يوثق به، كالفاسق.
وضعف: بأنه قد يوثق ببعضهم لتدينه في ذلك.
والمبتدع بما يتضمن التكفير، كالكافر عند المكفر.
وأمّا غير المكفر فكالبدع الواضحة.
وما لا يتضمن التكفير إن كان واضحاً، كالخوارج ونحوه.
فرده قوم وقبله قوم.
الراد: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ وهو فاسق.
القابل: نحن نحكم بالظاهر.
والآية أولى؛ لتواترها وخصوصها بالفاسق وعدم تخصيصها.
وهذا مخصص بالكافر والفاسق المظنون صدقهما باتفاق.
ش ــ الشرط الثاني: الإسلام . فإن رواية مخالف الإسلام غير مقبولة لوجهين:
الأول: الإجماع.
قوله: ﴿﴿وأبو حنيفة وإن قبل شهادة بعضهم على بعض﴾﴾.
قيل: هو جواب عما يقال: كيف يصح دعوى الإجماع على عدم قبول روايته،
стр. 585
وأبو حنيفة يقبل شهادة بعضهم على بعض، والتأكيد في أمر الشهادة أكبر، كما تقدم.
وأقول: إن كان هذا مراد المصنف فكلامه فاسد؛ لأن النزاع في رواية الكافر، لا في شهادة بعضهم على بعض؛ فإن الرواية إذا قبلت صارت حجة على المسلمين، والكافر ساع في هدم الدين الحق، وهو عدوٌ للمسلمين، فكيف تكون روايته حجة؟ بخلاف الشهادة فيما بينهم، فإنها أمر لا يعدوهم.
الثاني: قوله ــ تعالى ــ: ﴿إِن جَاءَكُمفَاسِقُ﴾ الآية.
وجه ذلك: أن الكافر فاسق في العرف المتقدم. وتخصيص الفاسق بمسلم صدرت عنه الكبيرة، عُرْف متجدد، وإذا كان كذلك، لا تكون روايته معتداً بها.
وفيه نظر؛ لأن الآية تقتضي التوقف في خبره لا عدم القبول.
ومنهم من جعل الكافر غير الفاسق، وقاس عدم قبول رواية الكافر على الفاسق [١١٠/أ] بجامع عدم الوثوق بكل منهما.
стр. 586
وضعف هذا الاستدلال، أي القياس ــ بالفرق؛ فإن بعضهم الكفار لتدينه في دينه قد يوثق به، بخلاف الفاسق؛ فإنه لعدم تدينه لم يوثق به.
وفيه نظر؛ لأن الفرق باطل عند المحققين، كما مّر غير مرّة.
ولأنه يشم منه رائحة ترجيح الكافر على المسلم بوجه، وهو شنيع. بل علة عدم قبول رواية الكافر ما ذكرنا آنفاً من سعيه في هدم أمر الدين، لعداوته.
والمبتدع بما يوجب الكفر صريحاً فهو كالكافر اليهودي والنصراني اتفاقاً.
والمبتدع بما يتضمن الكفر وهو المخطئ في الأصل بتأويل، اختلف الناس فيه فمن أكفره جعله كالكافر، ومن لم يكفره جعله كالمبتدع الذى لا خفاء في بدعته.
والمبتدع بما لا يتضمن كفراً إن وضحت بدعته، كفسق الخوارج في إباحة دماء المسلمين وأموالهم بغير دليل.
وردّ روايته بعض، وقبلها آخرون.
стр. 587
حجة الأولين، قوله ــ تعالى ــ: ﴿إن جاءكم فاسق﴾ الآية، وهو واضح الفسق.
وحجة الآخرين قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿نحن نحكم بالظاهر﴾﴾. خص عنه الكافر والفاسق اللذان ظن صدقهما فيبقى حجة في الباقي؛ لأن غيرهما لا يعلم فسق نفسه، ويعظم أمر الدين، ويحترز عن الكذب، فنحكم بصدقه ظاهراً.
واختار المصنف المذهب الأول، وإليه أشار بقوله: ﴿﴿والآية أولى﴾﴾. بأوجه:
الأول: أن متنها متواتر، والحديث من الآحاد.
الثاني: أنها مخصوصة بالفاسق، والحديث غير مخصوص، والعمل بالمخصوص أولى؛ لاحتمال التخصيص في غير المخصوص.
الثالث: أنها لم تخص؛ لأنه لم يخرج منها فاسق، والحديث خص منه الكافر والفاسق المظنون صدقهما؛ لأن روايتهما غير مقبولة بالاتفاق.
ص ــ قالوا: أجمعوا على قبول قتلة عثمان.
ورد بالمنع.
أو بأنه مذهب بعض.
وأما نحو خلاف البسملة وبعض الأصول، وإن ادعى القطع، فليس من ذلك؛ لقوة الشبهة من الجانبين.
وأمّا من يشرب النبيذ ويلعب بالشطرنج ونحوه من مجتهد ومقلد فالقطع أنه ليس بفاسق، وإن قلنا: المصيب واحد؛ لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب.
стр. 588
وإيجاب الشافعي الحد لظهور أمر التحريم عنده.
ش ــ الذين ذهبوا إلى قبول رواية مثل الخوارج قالوا: أجمع الصحابة على قبول رواية قتلة عثمان ــ ﵁ ــ وظلمهم وبغيهم لا يخفى على أحد.
وردّ دعوى الإجماع: بأنا لا نعلم أن الصحابة كلهم اتفقوا على ذلك.
أو أن بعض الصحابة ذهب إلى أن قتلة عثمان لم يفسقوا بما فعلوا من الحق فهم الذين قبلوا.
وأمّا ما وقع فيه الخلاف بين الأئمة، كالاختلاف في كون البسملة من القرآن، أو لا. وفي الكلام النفسي، فليس مما يوجب ردّ الرواية وإن كان كل من الخصمين يقطع ببطلان مذهب الآخر؛ لقوة الشبهة من الجانبين، كما تقدم.
وأمّا ما كان من باب الفعل، كشرب النبيذ، وأكل متروك التسمية عامداً،
стр. 589
واللعب بالشطرنج ونحوه مما اختلف في حرمته بالقطع بأن [١١٠/ب] مباشره ليس بفاسق، وإن كان المصيب واحداً لئلا يلزم تفسيق مجتهد بما يجب عليه.
فإن قيل: شارب النبيذ لو لم يكن فاسقاً، لما أوجب الشافعي ــ ﵀ ــ عليه الحد؛ لأنه لا حد على غيره قطعاً.
أجاب المصنف: بأنه إنما أوجبه لظهور أمر التحريم عنده، لا لفسقه.
ولقائل أن يقول: إنه إمّا فاسق وإمّا غيره، لا يجتمعان ولا يرتفعان فإن لم يكن فلا حد قطعاً، وإن كان حُدّ لفسقه؛ لاطراده دون قيام دليل التحريم لتخلفه في أكل التراب.
ص ــ ومنها: رجحان ضبطه على سهوه لعدم حصول الظن.
ومنها: العدالة. وهي محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، ليس
стр. 590
معها بدعة.
وتتحقق باجتناب الكبائر وترك الاصرار على الصغائر وبعض الصغائر وبعض المباح.
وقد اضطرب في الكبائر. فروى ابن عمر الشرك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، والإلحاد في الحرم.
وزاد أبو هريرة: أكل الربا.
وزاد علي: السرقة، وشرب الخمر.
وقيل: ما توعد الشارع عليه بخصوصه.
وأمّا بعض الصغائر فما يدل على الخسَّة، كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة.
وبعض المباح كاللعب بالحمام، والاجتماع مع الأراذل، والحِرَف الدنية مما لا يليق له ولا ضرورة.
وأمّا الحريّة والذكورة وعدم القرابة والعداوة، فمختص بالشهادة.
ش ــ الشرط الثالث: رجحان ضبط الراوي على سهوه لعدم حصول الظن بانتفائه.
والشرط الرابع: العدالة ، وعرفها المصنف بأنها محافظة دينية تحمل على
стр. 591
ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة.
وفيه نظر؛ أمّا أولاً: فلأنه استعمل المفاعلة ولا بد له من ارتكاب المجاز في التعريف.
وأما ثانياً: فلأنه تعريف الشيء بما هو أخفى؛ لأنه يحتاج إلى معرفة الدين، وقد عرفه المحققون: بأنه وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات. وتقريره: يطلب في تقريرنا، شرح أصول الإمام فخر الإسلام.
وإلى معرفة التقوى والمروءة، مع الاختلاف الواقع في تفسيرهما.
أما ثالثاً: فلأنه قال: ﴿﴿ليس معها بدعة﴾﴾ فيكون التعريف مختصاً بمن لا يقبل رواية المبتدع.
والإطلاق في التعريف إمّا لازم أو حسن.
وتتحقق العدالة بالاجتناب عن الكبائر وترك الإصرار على الصغائر، وترك بعض الصغائر وترك بعض المباحات المخل للمروءة.
والكبائر هي ما ذكره المصنف، وهي تسع على رواية ابن عمر ــ ﵄ ــ الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وقذف المحصنة، والزنا، والفرار من
стр. 592
الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين والإلحاد في الحرم.
وزاد أبو هريرة: أكل الربا.
وزاد علي: السرقة، وشرب الخمر.
ولم يذكروا شهادة الزور، والذي ذكره مأخوذ [١١١/أ] من أحاديث ليس في حديث واحد.
وقد ذكرنا ذلك كله في ﴿﴿الإشراق شرح مشارح الأنوار﴾﴾.
стр. 593
ومن الناس من قال: كل ما توعد الشارع عليه بخصوصه فهو كبيرة.
والإصرار على الصغيرة كبيرة بالاتفاق. وله ضابط ذكرته في التقرير والإشراق، ولم أذكره ههنا مخافة التطويل.
وأما بعض الصغائر الذي لا بد للعدل من تركه فما يدل على الخسة، كسرقة لقمة، والتطفيف بحبة.
وأما بعض المباح، كاللعب بالحمام، والاجتماع مع الأراذل، والحرف الدنيّة إذا لم تكن ضرورة، كالحياكة، والدباغة؛ لأنها تخل بالمروءة.
وأمّا الحرية، والذكورة وعدم القرابة القريبة، وعدم العداوة، فليس محتاجاً إليه في الرواية، بل هي مختصة بالشهادة.
стр. 594
رواية مجهول الحال
ص ــ مسألة: مجهول الحال لا يقبل.
وعن أبي حنيفة قبوله.
لنا: الأدلة تمنع من الظن، فخولف في العدل فيبقى ما عداه.
وأيضاً: الفسق مانع فوجب تحقق ظن عدمه، كالصبا والكفر.
قالوا: الفسق سبب التثبت فإذا انتفى. انتفى.
قلنا: لا ينتفي إلا بالخبرة أو التزكية.
قالوا: نحن نحكم بالظاهر.
وردّ: بمنع الظاهر، وبنحو ﴿وَلَا تَقفُ﴾.
قالوا: ظاهر الصدق كإخباره بالذكاة، وطهارة الماء ونجاسته، ورِقّ جاريته.
وردّ: بأن ذلك مقبول مع الفسق، والرواية أعلى رتبة.
ش ــ إذا جهل حال الراوي من العدالة والفسق لم تقبل روايته عند أكثر العلماء.
وقبله أبو حنيفة ــ ﵀ ــ.
стр. 595
قالوا: الأدلة السمعية، كقوله ــ تعالى ــ: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَقفُمَالَيسَلَكَبه عِلمٌ﴾. وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغنِيمِنَ الحَقِّشيئا (٢٨)﴾ مانعة من العمل بالظن مطلقاً، لكن خولف في الظن الحاصل من قول العدل لاختصاصه بزيادة ظهور الثقة، وبعده عن التهمة فبقيت معمولاً بها في غير العدل لسلامته عن المعارض.
وفيه نظر؛ لأن ما ذكر من زيادة ظهور الثقة ونحوه لا يصلح معارضاً للقرآن لا محالة، فيجب العمل به مطلقاً، لكنه ليس كذلك فكان متروك الظاهر لا يصلح حجة.
ولأن أنا حنيفة ــ ﵀ ــ اعتمد على شهادة النبي ــ ﷺ ــ بخيرية القرن الذي كان فيه، فكانت العدالة ظاهرة في زمنه.
وقالوا ــ أيضاً ــ: الفسق مانع عن قبول رواية صاحبه، فوجب تحقق ظن عدمه، قياساً على الكفر والصبا. فإنهما لما كانا مانعين عن قبول رواية صاحبهما، وجب تحقق ظن عدمهما، دفعاً للمفسدة.
وفيه نظر؛ فإن الظن كان متحققاً في زمنه اعتماداً على شهادة النبي ــ ﵇ ــ.
стр. 596
واحتجت الحنفية على قبول رواية المجهول بأوجه:
منها: أن سبب التثبت هو الفسق بالنص، وهو فيه منتفٍ؛ لأن الأصل عدمه، فينتفي التثبت ويجب القبول.
وأجاب المصنف: بمنع انتفاء الفسق، بل إنما ينتفي إذا عُلِمَ عدم فسقه بالخبرة، أو التزكية.
ولقائل أن يقول: اشتراط العلم في ذلك متعذر قطعاً، والظن حاصل بالزمن.
ومنها [١١١/ب] قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿نحن نحكم بالظاهر﴾﴾.
ومجهول الحال الظاهر منه لا من حاله العدالة فيحكم بقوله.
وأجاب بمنع ظهور العدالة من المسلم، فإن الفرض أنه مجهول الحال.
وفيه نظر؛ لأنه لم يقل: إن الظاهر من حاله العدالة، بل قال: الظاهر من المسلم العدالة والفرق بيّن، على أن منع ظهور العدالة عن المسلم إمّا أن يكون في زماننا، أو في زمان أبي حنيفة، أو مطلقاً، والثالث سوء ظن بالصحابة. والثاني رَدٌّ لشهادة النبي ــ ﷺ ــ والأول ليس بمراد لأبي حنيفة.
وقال: ــ وأيضاً ــ مُعَارَضٌ بقوله ــ تعالى ــ ﴿وَلَا تَقفُمَالَيسَلَكَبه عِلمٌ﴾ فإنه يدل على عدم اعتبار قوله، لعدم العلم به.
وفيه نظر؛ لما تقدم أن الاستدلال بهذه الآية لا يتم، على أنها تدل على اشتراط العلم، وهو ليس بشرط بالاتفاق.
стр. 597
ومنها: أن مجهول الحال ظاهر الصدق فيما رواه كما أنه ظاهر الصدق في إخباره بكون اللّحم مذكى، وطهارة الماء ونجاسته، وَرِقَّ جاريته وقول ظاهر الصدق مقبول.
وأجاب بالفرق من وجهين:
الأول: أن إخباره فيما ذكرتم من الصور مقبول مع الفسق، فكذا مع كونه مجهول الحال. بخلاف روايته فإنه لا تقبل مع الفسق، فكذلك مع الجهل بحاله.
وفيه نظر، أمّا أولاً: فلأن مبناه الفرق، وقد علمت ما فيه.
وأما ثانياً: فلأن الفاسق إذا أخبر بما ذكر من الصور بحكم رأي المبتلى به لا يقبل مثله.
وأمّا ثالثاً: فلأن قوله: بخلاف روايته؛ فإنها لا تقبل مع الفسق، فكذلك لم تقبل مع الجهل ظاهر الفساد.
والثاني: أن الرواية أعلى رتبة من الإخبار فيما ذكرتم من الصور ولا يلزم من قبول إخبار مجهول الحال فيما هو أدنى رتبة، قبوله فيما هو أعلى رتبة.
وفيه نظر؛ لأن كل واحد منهما متعدٍ إلى الغير، وفي ذلك سيّان في المرتبة؛ ولأن مبناه على الفرق.
ص ــ مسألة: الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشهادة.
وقيل: لا فيهما.
وقيل: نعم فيهما.
الأول: شرط فلا يزيد على مشروطه، كغيره.
стр. 598
قالوا: شهادة فيتعدد.
وأجيب: بأنه خبر.
قالوا: أحوط.
أجيب: بأن الآخر أحوط.
والثالث: ظاهر.
ش ــ اختلف العلماء في أن الجرح والتعديل هل يثبت بخبر الواحد أو لا؟
فالأكثر أنهما يثبتان به الرواية دون الشهادة.
وقيل: لا يثبتان به فيهما.
وقيل: يثبتان به فيهما.
حجة الأكثرين: أن الرواية تثبت بخبر الواحد، وكل من الجرح والتعديل شرط الرواية، والشرط لا يزيد على مشروطه في طريق إثباته كما في غير محل النزاع.
وإنما قيل: في طريق إثباته؛ لأن الشرط قد يزيد على مشروطه في طريق تحصيله، كما في النكاح؛ فإنه سنة، وحضور الشاهدين شرطه، وهو واجب.
стр. 599
وأمّا الشهادة فلا بد فيها من التعدد، ولا تثبت بخبر الواحد وحجة النافين فيهما جميعاً: أن الجرح والتعديل شهادة فلا بد [١١٢/أ] من تعدد الجارح والمعدل، كسائر الشهادات.
وأجيب: بأنهما من باب الإخبار دون الشهادة، ولا يشترط التعدد.
ولقائل أن يقول: لو كان كذلك ثبتا به في الشهادة، فكان حجة على الأكثرين.
وقالوا ــ أيضاً ــ: اعتبار العدد فيهما أحوط، والعمل به أولى.
وأجيب: بأن عدم التعدد أحوط؛ لاحتمال تضييع الأحكام عند اشتراط العدد. وإذا كان كذلك وقع التعارض بين جهتي الترجيح ولا مرجح فيسقط الدليل.
ولقائل أن يقول: الترجيح الأول راجع إلى ذات الجرح والتعديل، والثاني إلى حالٍ من أحوالهما. والأول أولى لا محالة.
وحجة المذهب الثالث: ظاهر مما سبق، وهو أن الجرح والتعديل خبر فلا يحتاج إلى التعدد مطلقاً.
ص ــ مسألة: قال القاضي: يكفي الاطلاق فيهما.
وقيل: لافيهما.
وقال الشافعي: في التعديل.
وقيل: بالعكس.
وقال الإمام: إن كان عالماً كفى فيهما وإلا لم يكف.
القاضي: إن شهد من غير بصيرة لم يكن عدلاً. وفي محل الخلاف، مدلس.
стр. 600
وأجيب: بأنه قد يبني على اعتقاده. أو لا يعرف الخلاف.
الثاني: لو اكتفى لأثبت مع الشك للالتباس فيهما.
أجيب: بأنه لا شك مع إخبار العدل.
الشافعية: لو اكتفى في الجرح، لأدى إلى التقليد للاختلاف فيه.
العكس: العدالة ملتبسة لكثرة التصنع، بخلاف الجرح.
الإمام: غير العالم يوجب الشك.
ش ــ واختلفوا ــ أيضاً ــ في أنه هل يكفي في التعديل والجرح إطلاق العدالة، والفسق بدون ذكر السبب، أو لا؟
فقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما.
وقيل: لا يكفي في واحد منهما.
وقال الشافعي: يكفي في التعديل دون الجرح.
وقيل: بالعكس.
следующие страницы →