Полный текст (1 417 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
واحتجت الحنفية على قبول رواية المجهول بأوجه:
منها: أن سبب التثبت هو الفسق بالنص، وهو فيه منتفٍ؛ لأن الأصل عدمه، فينتفي التثبت ويجب القبول.
وأجاب المصنف: بمنع انتفاء الفسق، بل إنما ينتفي إذا عُلِمَ عدم فسقه بالخبرة، أو التزكية.
ولقائل أن يقول: اشتراط العلم في ذلك متعذر قطعاً، والظن حاصل بالزمن.
ومنها [١١١/ب] قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿نحن نحكم بالظاهر﴾﴾.
ومجهول الحال الظاهر منه لا من حاله العدالة فيحكم بقوله.
وأجاب بمنع ظهور العدالة من المسلم، فإن الفرض أنه مجهول الحال.
وفيه نظر؛ لأنه لم يقل: إن الظاهر من حاله العدالة، بل قال: الظاهر من المسلم العدالة والفرق بيّن، على أن منع ظهور العدالة عن المسلم إمّا أن يكون في زماننا، أو في زمان أبي حنيفة، أو مطلقاً، والثالث سوء ظن بالصحابة. والثاني رَدٌّ لشهادة النبي ــ ﷺ ــ والأول ليس بمراد لأبي حنيفة.
وقال: ــ وأيضاً ــ مُعَارَضٌ بقوله ــ تعالى ــ ﴿وَلَا تَقفُمَالَيسَلَكَبه عِلمٌ﴾ فإنه يدل على عدم اعتبار قوله، لعدم العلم به.
وفيه نظر؛ لما تقدم أن الاستدلال بهذه الآية لا يتم، على أنها تدل على اشتراط العلم، وهو ليس بشرط بالاتفاق.
стр. 597
ومنها: أن مجهول الحال ظاهر الصدق فيما رواه كما أنه ظاهر الصدق في إخباره بكون اللّحم مذكى، وطهارة الماء ونجاسته، وَرِقَّ جاريته وقول ظاهر الصدق مقبول.
وأجاب بالفرق من وجهين:
الأول: أن إخباره فيما ذكرتم من الصور مقبول مع الفسق، فكذا مع كونه مجهول الحال. بخلاف روايته فإنه لا تقبل مع الفسق، فكذلك مع الجهل بحاله.
وفيه نظر، أمّا أولاً: فلأن مبناه الفرق، وقد علمت ما فيه.
وأما ثانياً: فلأن الفاسق إذا أخبر بما ذكر من الصور بحكم رأي المبتلى به لا يقبل مثله.
وأمّا ثالثاً: فلأن قوله: بخلاف روايته؛ فإنها لا تقبل مع الفسق، فكذلك لم تقبل مع الجهل ظاهر الفساد.
والثاني: أن الرواية أعلى رتبة من الإخبار فيما ذكرتم من الصور ولا يلزم من قبول إخبار مجهول الحال فيما هو أدنى رتبة، قبوله فيما هو أعلى رتبة.
وفيه نظر؛ لأن كل واحد منهما متعدٍ إلى الغير، وفي ذلك سيّان في المرتبة؛ ولأن مبناه على الفرق.
ص ــ مسألة: الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشهادة.
وقيل: لا فيهما.
وقيل: نعم فيهما.
الأول: شرط فلا يزيد على مشروطه، كغيره.
стр. 598
قالوا: شهادة فيتعدد.
وأجيب: بأنه خبر.
قالوا: أحوط.
أجيب: بأن الآخر أحوط.
والثالث: ظاهر.
ش ــ اختلف العلماء في أن الجرح والتعديل هل يثبت بخبر الواحد أو لا؟
فالأكثر أنهما يثبتان به الرواية دون الشهادة.
وقيل: لا يثبتان به فيهما.
وقيل: يثبتان به فيهما.
حجة الأكثرين: أن الرواية تثبت بخبر الواحد، وكل من الجرح والتعديل شرط الرواية، والشرط لا يزيد على مشروطه في طريق إثباته كما في غير محل النزاع.
وإنما قيل: في طريق إثباته؛ لأن الشرط قد يزيد على مشروطه في طريق تحصيله، كما في النكاح؛ فإنه سنة، وحضور الشاهدين شرطه، وهو واجب.
стр. 599
وأمّا الشهادة فلا بد فيها من التعدد، ولا تثبت بخبر الواحد وحجة النافين فيهما جميعاً: أن الجرح والتعديل شهادة فلا بد [١١٢/أ] من تعدد الجارح والمعدل، كسائر الشهادات.
وأجيب: بأنهما من باب الإخبار دون الشهادة، ولا يشترط التعدد.
ولقائل أن يقول: لو كان كذلك ثبتا به في الشهادة، فكان حجة على الأكثرين.
وقالوا ــ أيضاً ــ: اعتبار العدد فيهما أحوط، والعمل به أولى.
وأجيب: بأن عدم التعدد أحوط؛ لاحتمال تضييع الأحكام عند اشتراط العدد. وإذا كان كذلك وقع التعارض بين جهتي الترجيح ولا مرجح فيسقط الدليل.
ولقائل أن يقول: الترجيح الأول راجع إلى ذات الجرح والتعديل، والثاني إلى حالٍ من أحوالهما. والأول أولى لا محالة.
وحجة المذهب الثالث: ظاهر مما سبق، وهو أن الجرح والتعديل خبر فلا يحتاج إلى التعدد مطلقاً.
ص ــ مسألة: قال القاضي: يكفي الاطلاق فيهما.
وقيل: لافيهما.
وقال الشافعي: في التعديل.
وقيل: بالعكس.
وقال الإمام: إن كان عالماً كفى فيهما وإلا لم يكف.
القاضي: إن شهد من غير بصيرة لم يكن عدلاً. وفي محل الخلاف، مدلس.
стр. 600
وأجيب: بأنه قد يبني على اعتقاده. أو لا يعرف الخلاف.
الثاني: لو اكتفى لأثبت مع الشك للالتباس فيهما.
أجيب: بأنه لا شك مع إخبار العدل.
الشافعية: لو اكتفى في الجرح، لأدى إلى التقليد للاختلاف فيه.
العكس: العدالة ملتبسة لكثرة التصنع، بخلاف الجرح.
الإمام: غير العالم يوجب الشك.
ش ــ واختلفوا ــ أيضاً ــ في أنه هل يكفي في التعديل والجرح إطلاق العدالة، والفسق بدون ذكر السبب، أو لا؟
فقال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما.
وقيل: لا يكفي في واحد منهما.
وقال الشافعي: يكفي في التعديل دون الجرح.
وقيل: بالعكس.
стр. 601
وقال إمام الحرمين: إن كان المعدل والجارح عالمين بسبب الفسق والعدالة كفى الإطلاق فيهما، وإلا فلا.
واستد القاضي: بأن الكلام في إطلاق العدل، وحاله لا يخلو عن ثلاثة: عن عدم علم بالسبب، وعلم به وهو مختلف فيه، وعلم به وهو متفق عليه.
والأول: يفضي إلى عدم عدالته؛ لأنه تكلم بغير بصيرة، والعدل لا يفعله، فمن فرضناه عدلاً لم يكن كذلك، هذا خلف.
والثاني: يفضي إلى التدليس، والمدلس، أي الملبس ــ لا يكون عدلاً فتعين الثالث، فكان إطلاقه دليلاً على العلم بالعدالة أو عدمهما.
وأجيب: بأنه قد يبني المعدل أو الجارح على اعتقاده العدالة أو الفسق بأمر ظنه سبباً ولم يكن سبباً، أو أطلق بناء على سبب ولم يعرف الخلاف، فلا يكون مدلساً.
وفيه نظر؛ لأنه صدق عليه حينئذٍ أنه شهد من غير بصيرة وهو قادح في العدالة.
واستدل من قال: لا يكفي الإطلاق فيهما، بأنه لو كفى وقع الإلتباس الموجب للشك؛ لجواز أن يكون الإطلاق عن سبب، وعن ما ظُنّ أنه سبب وليس بسبب، والحمل على السبب ترجيح بلا مرجح، فلزم الالتباس.
وأجيب: بأنه لا يشك عند إخبار العدل [١١٢/ب] فإن فرض عدالته ترجح كونه عن سبب.
وفيه نظر؛ فإن الذي ذكره المصنف جواباً للقاضي إن صح فهو وارد على هذا، وإن لم يصح، صح مذهب القاضي.
واستدلت الشافعية: بأنه لو اكتفى في الجرح، أدى إلى تقليد المجتهد؛ لأن الاختلاف واقع في سبب الجرح، فالمجتهد إذا اكتفى بقول الجارح أنه مجروح، ولم
стр. 602
يعرف ما هو سبب الجرح عند الجارح مع جواز أن يكون ما هو عند الجارح سبب، لا يكون سبباً عند المجتهد، لزم تقليد المجتهد الجارح في ذلك، وذلك غير جائز على ما سيأتي.
وهذا بخلاف أسباب التعديل، فإنها لكثرتها لا تنضبط فلا يمكن ذكرها فيكتفي فيه بالإطلاق.
وفيه نظر؛ لأن فرض العدالة يقتضي أن يكون الجرح بما هو سبب متفق عليه، وإلا كان مدلساً.
واستدل من قال بعكس مذهب الشافعي: بأن العدالة متلبسه يتعسر الاطلاع عليها؛ لكثرة التصنع فربما يظهر الرجل صلاحية بالتصنع. بخلاف الجرح فإنه لا يمكن التصنع فيه. فلا بد في العدالة من ذكر سببها، لدفع الإلتباس. فلا يجب ذكره في الجرح لعدم الالتباس.
وفيه نظر؛ لأن من امتثل الأوامر واجتنب النواهي كان عدلاً، وإظهار الصلاحية غير قادح، إلا إن كان على خلاف ما في باطنه، وذلك أمر لا يطلع عليه.
واحتج الإمام بأن المعدل أو الجارح إن كان غير عالم، ولم يذكر السبب فيهما يكون قوله موجباً للشك؛ لأنه إذا كان غير عالم، احتمل أن يجعل ما هو موجب للجرح موجباً للعدالة، وبالعكس. فلم يحصل الجرح والتعديل بتعديله وجرحه.
ولقائل أن يقول: التعديل عند عدم العلم بأسباب العدالة ممن فُرِضَ عدلاً غير متصوّر، والإقدام على الجرح والتعديل ممن لا يعلم أسبابه قادح في عدالته، فكان وجه الإمام ضعيفاً في جانبيه.
ص ــ مسألة: الجرح مقدم.
وقيل: الترجيح.
стр. 603
لنا: أنه جمع بينهما. فوجب.
أمّا عند إثبات معّين ونفيه باليقين فالترجيح.
ش ــ إذا وقع التعارض بين الجرح التعديل، فقال قوم: يقدم الجرح مطلقاً.
وقال آخرون: لا بد من الترجيح في كل صورة، فأيهما ترجح قُدم على الآخر.
واختار المصنف التفصيل فقال: إذا عين الجارح سبب الجرح، ونفاه المعدل بطريق يقيني، قُدّم أحدهما على الآخر بالترجيح. وذلك مثل أن يقول الجارح: رأيته قتل فلاناً. ويقول المعدل: رأيت فلاناً المدَّعَى قَتْلَه، حيّاً وإذا لم يعين الجارح سبب الجرح، أو عينه ولم ينفه المعدّل، أو نفاه بطريق غير يقيني، فالجرح مقدم.
واستدل بما تقريره: إن تقديم الجرح في الصور الثلاث جمع بين الترجيح وتقديم الجرح، فوجب تقديم الجرح.
وإنما قلنا: إن تقديم الجرح في الصور الثلاث جمع بين الترجيح وتقديمه؛ لأن الجرح في الصور الثلاث راجح.
أمّا في الأولى؛ فلأن الجارح اطّلَع على ما لم يعرفه المعدل ولم ينفه.
وأمّا في الثانية؛ فلأن المعدل لم يتعرض لنفي ما أثبته الجارح.
وأمّا في الثالثة؛ فلأنه لم ينفه بطريق يقيني.
وأمّا في غير الصور الثلاث وهو الصورة التي عيّن فيها الجارح سبب الجرح،
стр. 604
ونفاه المعدل بطريق يقيني فيقدم أحدهما على الآخر بالترجيح.
والترجيح يتحقق بكثرة العدد وشدة الورع والتحفظ. هذا ما ذكره شيخي ــ العلامة ﵀. ودلالة لفظ المصنف عليه حقيقة.
ومن الشارحين من حمل كلام المصنف على أن العمل بالجرح في غير صورة التعيين، فيكون جمعاً بينهما، فيكون أولى.
أمّا إذا عين سبب الجرح ونفاه المعدل بطريق يقيني فلا يمكن الجمع والعمل بأحدهما من غير مرجح لا يجوز، فلا بد من الترجيح، وهو مثله فكان في دلالة لفظ المصنف اختلال.
стр. 605
هل العمل بالشهادة والرواية يكون تعديلاً
ص ــ مسألة حكم الحاكم المشترط العدالة بالشهادة تعديل باتفاق .
وعمل العالم مثله.
ورواية العدل، ثالثها المختار: تعديل، إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل.
وليس من الجرح ترك العمل في شهادة ولا رواية؛ لجواز معارض.
ولا لحد في شهادة الزنا؛ لعدم النصاب.
ولا بمسائل الاجتهاد ونحوهما مما تقدم.
ولا بالتدليس على الأصح، كقول من لحق الزهري: قال الزهري موهماً أنه سمعه.
ومثل: وراء النهر، يعني [غير] جيحان.
ش ــ الحاكم الذي يشترط العدالة في الشهادة إذا حكم بشهادة شاهد كان الحكم بشهادته تعديلاً، لذلك الشاهد بالاتفاق.
وكذلك العالم الذي [لم] يشترط العدالة في الرواية إذا عمل برواية [ر] اوٍ
стр. 606
كان عمله بروايته تعديلاً.
والعدل إذا روى عن شخص فروايته هل تكون تعديلاً لذلك الشخص، أو لا؟ فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: التعديل مطلقاً.
الثاني: عدمه مطلقاً.
الثالث، وهو مختار المصنف: التفصيل، وهو أن ذلك العدل، إن كان عادته أن لا يروي إلا عن عدل، فتعديل، وإلا فلا.
أمّا الأول: فلأنه لو لم يكن ذلك الشخص عدلاً يلزم خلاف ما عهد عليه من العادة، وهو خلاف الأصل.
وأمّا الثاني: فلأنه يجوز أن يروي العدل عن فاسق.
وإذا ترك الحاكم العمل بشهادة شاهد، لم يلزم جرح ذلك الشاهد، وكذلك إذا ترك العالم العمل برواية [ر] اوٍ؛ لأن أسباب ترك العمل بشهادة الشاهد، ورواية الراوي كثيرة، وليس في الترك دلالة على شيء منها، فجاز أن يكون ترك العمل بها لوجود معارض لا يجرح الشاهد والراوي.
стр. 607
وإذا حد الحاكم شاهد الزنا لا يكون ــ أيضاً ــ جرحاً له، لجواز ثبوت عدالة ذلك الشاهد مع وجوب الحد عليه، فإن العدالة لا تنافي وجوب الحد؛ لجواز أن يحد لانتفاء كمال النصاب، دون العدالة.
وإذا ترك الراوي العمل بالمسائل الاجتهادية ونحوها، كالحنفي إذا شرب [١١٣/ب] النبيذ ولم يعمل بالقياس المحرم، أو صلى بعد اللمس ولم يتوضأ، لا يكون جرحاً له.
وكذلك التدليس، كقول من أدرك الزهري مثلاً ــ ولم يصاحبه ــ: قال الزهري، كذا، فإنه يوهم أنه سمعه.
وكقول من قال: سمعت فلاناً فيما وراء النهر، موهماً أنه نهر جيحان ومراده غيره.
стр. 608
ص ــ مسألة: الأكثر على عدالة الصحابة.
وقيل: كغيرهم.
وقيل: إلى حين الفتن، فلا يقبل الداخلون؛ لأن الفاسق غير معين.
وقالت المعتزلة: عدول إلا من قاتل علياً.
لنا: ﴿والذين معه﴾، ﴿﴿أصحابي كالنجوم﴾﴾ وما تحقق بالتواتر عنهم من الجد في الامتثال.
وأمّا الفتن فتحمل على اجتهادهم.
ولا إشكال بعد ذلك على قول المصوبة وغيرهم.
ش ــ الصحابة ــ ﵃ ــ كلهم عدول، لا حاجة إلى تعديلهم عند الأكثرين.
وقيل: هم كغيرهم، يحتاجون إلى التعديل.
وقيل: كانوا عدولاً إلى ظهور الفتن، وهو آخر عهد عثمان ــ ﵁.
ثم ما روى بعد ذلك، من دخل فيها لم تقبل إلا بعد التعديل؛ لأن إحدى الطائفتين منهم فاسقون لا على التعيين.
стр. 609
وقالت المعتزلة كلهم عدول إلا من قاتل علياً ــ ﵁ ــ.
والحق ما عليه الأكثرون.
والدليل عليه قوله ــ تعالى ــ: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُعَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُبَينَهُمتَرَاهُمرُكَّعاسُجَّدا﴾ الآية. مدحهم، وغير العدول لا يمدح.
وقوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم﴾﴾ جعل الاقتداء بهم هدى، والاقتداء بغير العدل ليس بهدى.
وأيضاً: ثبت بالتواتر جدهم في أمر الدين وامتثال أمر الرسول ــ ? ــ ونهيه، ولا نعني بالعدل إلا ذلك.
فإن قيل: وقوع الفتن بينهم ينافي العدالة.
أجاب المصنف بقوله: وأمّا الفتن الواقعة بينهم فتحمل على اجتهادهم، وظنّ كل فريق منهم أنهم مصيبون، لوجوب الكف عن الطعن فيهم. وحينئذٍ لم يبق إشكال.
أمّا على قول المصوبة فظاهر. وأمّا على قول غيرهم؛ فلأن الخطأ عن المجتهد موضوع، بل هو مثاب على اجتهاده.
ص ــ مسألة: الصحابي من رآه ــ ﵇ ــ وإن لم يرو [و] لم تطل.
وقيل: إن طالت.
وقيل: أن اجتمعا.
وهي لفظية، وإن ابتنى عليها ما تقدم.
لنا: تقبل التقييد بالقليل والكثير فكان للمشرك، كالزيارة، والحديث.
ولو حلف أن لا يصحبه حنث بلحظة.
стр. 610
قالوا: أصحاب الجنة، أصحاب الحديث، للملازم.
قلنا: عرف في ذلك.
قالوا: يصح نفيه عن الوافد والرائي.
قلنا: نفي الأخص لا يستلزم [نفي] الأعم.
ش ــ لما ذكر الصحابي في المسألة المتقدمة، أراد أن يبين من هو وقد اختلفوا فيه:
فذهب بعضهم: إلى أنه من رأى الرسول ــ ﷺ ــ لحظة، وإن لم يرو عنه، وهو مختار المصنف.
وذهب آخرون: إلى أنه من طالت صحبته معه، وإن لم يرو عنه.
وآخرون: إلى أنه من طالت صحبته وروى عنه. وإليه أشار بقوله: ﴿﴿وقيل: [١١٤/أ] إن اجتمعا﴾﴾.
وهذه المسألة لفظية. وقيل: هذه الاختلافات لفظية، وإن ابتنى عليها مسألة معنوية، وهي التي تقدمت في بيان عدالة الصحابة، فإنه يجوز أن تبتني المسائل
стр. 611
المعنوية على اللفظية.
واستدل للمختار من وجهين:
أحدهما: أن الصحابي مشتق من الصحبة، وهي تطلق على القليل والكثير، يقال: صحبته ساعة وسنة فتكون القدر المشترك دفعاً للاشتراك والمجاز. كالزيارة والحديث، يقال: زارني، وحدثني فلان وإن لم يزره، ولم يحدثه إلا مرة واحدة.
الثاني: إذا حلف الرجل أن لا يصحب فلاناً، حنث بلحظة.
واستدل من قال: الصحابي من طالت صحبته ــ أيضاً ــ بوجهين:
أحدهما: ما هو المشهور في قول الناس: أصحاب الجنة، أصحاب الحديث للملازمين لهما. فكان المراد بالصحبة في هذه الصورة الملازمة، فيكون في غيرها ــ أيضاً ــ كذلك، دفعاً للاشتراك، والمجاز.
وأجاب المصنف: بأن ذلك معنى عرفي، والكلام في اللغوي.
وفيه نظر؛ وأن مبنى الأيْمَان ــ أيضاً ــ على العرف.
وقد استدل به ــ أيضاً ــ للمذهب الأول.
والثاني: أنه لو كان حقيقة فيمن صحب لحظة لما صح نفيه عن الوافد [أ] ي الوارد، والرائي لحظة؛ لأنهما صحباه لحظة، لكن يصح نفي الصحبة عنهما.
стр. 612
وأجاب: ما يصح نفيه هو الصحبة الطويلة، وهي الأخص، ولا يلزم من نفيه نفي الأعم.
ص ــ مسألة: لو قال المعاصر العدل: أنا صحابي، احتمل الخلاف.
ش ــ إذا قال العدل المعاصر للنبي ــ ﷺ ــ: أنا صحابي يحتمل الخلاف، أي يحتمل أن يكون مقبولاً؛ لأنه عدل، وهو لا يكذب ويحتمل أن لا يكون؛ لكونه متهماً بدعوى رتبة لنفسه، كما لو شهد لنفسه، أو زكاها. وهذه المسألة لا تتعلق بأصول الفقه ولا تبع لها فيه.
ص ــ مسألة: العدد ليس بشرط. خلافاً للجبائي فإنه اشترط خبراً آخر، أو ظاهراً، أو انتشاره في الصحابة، أو عمل بعضهم.
وفي خبر الزنا أربعة.
والدليل والجواب ما تقدم في خبر الواحد.
ولا الذكورة، ولا البصر، ولا عدم القرابة، ولا عدم العداوة، ولا الإكثار، ولا معرفة نسبه، ولا العلم بفقه أو عربية، أو معنى الحديث؛ لقوله: ﴿﴿نضّر الله امرءاً﴾﴾. ولا موافقة القياس، خلافاً لأبي حنيفة.
ش ــ جمهور العلماء: على أن العدد ليس بشرط في قبول الرواية. خلافاً للجبائي فإنه اشترط في قبول الرواية إمّا العدد، أي انضمام خبر آخر إلى خبره، أو موافقة المروى ظاهر آية، أو انتشاره بين الصحابة ــ ﵃ ــ أو عمل بعض
стр. 613
الصحابة بذلك المروي.
وشرط ــ أيضاً ــ في الخبر الذي يتعلق بأحكام الزنا، أن لا يكون المخبرون أقل من أربعة.
والدليل على أن العدد ليس بشرط، والجواب عن الخصم ما تقدم في خبر الواحد.
ولا تشترط الذكورة في الرواية؛ لأن الصحابة ــ ﵃ ــ أجمعوا على قبول رواية أمهات المؤمنين، وغيرهنّ ــ ﵅ ــ ولا البصر؛ لأن الصحابة ــ ﵃ ــ رووا عن عائشة ما سمعوا [١١٤/ب] منها، وكانوا [لا] يبصرونها. فلو كان البصر شرطاً لما رووا عنها؛ لأنهم كالأعمى في حقها.
ولا عدم القرابة؛ فإن الإجماع على قبول رواية الولد عن والده.
ولا عدم العداوة؛ لأن حكم الرواية لا يختص بواحدٍ معين، فلا تؤثر العداوة فيها.
ولا الإكثار من سماع الحديث؛ فإن الصحابة قبلوا رواية من لم يرو إلا خبراً
стр. 614
واحداً، كوابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق.
ولا معرفة نسب الراوي؛ فإنهم قبلوا خبر من لم يعرفوا نسبه.
ولا العلم بفقه الراوي، أو معنى الحديث؛ لأنه ــ ﷺ ــ قال: ﴿﴿نضّر الله امرءاً سمع مقالة فوعاها وأداها كما سمعها﴾﴾ دعا له، وأقرّ على الرواية مطلقاً.
стр. 615
ولا موافقة الحديث القياس إذا كان الراوي غير فقيه، خلافاً لأبي حنيفة ﵀ ــ فإنه يقول: إذا كان الراوي غير فقيه بالنسبة إلى الخلفاء الراشدين، والعبادلة، فإن شرط القبول أن لا يسد به باب القياس من كل وجه، كحديث أبي هريرة ــ ﵁ ــ في المصراة.
стр. 616
وقد ذكرناه في التقرير.
стр. 617
مستند الصحابي
ص ــ مسألة: إذا قال الصحابي: قال ــ ﷺ ــ حمل على أنه سمعه منه.
وقال القاضي: متردّد. فينبني على عدالة الصحابة.
ش ــ إذا قال الصحابي: قال رسول الله ــ ﷺ ــ حمل على أنه سمع منه؛ لأن الظاهر من حاله.
وقال القاضي: متردّد؛ فإنه ثبت أن بعض الصحابة كان يروي عن بعض آخر، كما روى أبو هريرة ــ ﵁ ــ قوله قال ــ ﷺ ــ: ﴿﴿من أصبح جنباً فلا صوم له﴾﴾ فلما اسْتُكْشِفَ قال: حدثني فضل بن عباس. وحينئذٍ ينبني قول القاضي على
стр. 618
عدالة الصحابة.
فإن قلنا: إنهم عدول، كان قوله: قال رسول الله محمولاً على السماع، وإن قلنا: إنهم كغيرهم، كان حكمه حكم مرسل التابعي.
ص ــ مسألة: إذا قال: سمعته أو أمر أو نهى.
فالأكثر: حجة؛ لظهوره في تحققه ذلك.
قالوا: يحتمل أنه اعتقد وليس كذلك عند غيره.
قلنا: بعيد.
ش ــ إذا قال الصحابي: سمعت رسول الله ــ ﷺ ــ أمر أو نهى فالأكثر على أنه حجة؛ لأن الظاهر من حاله أن يكون ما سمعه حقيقة للأمر والنهي؛ لعلمه بأوضاع اللغة، وعدالته.
وقيل: يحتمل أنه اعتقد أن ما سمعه أمر ولا يكون أمراً عند غيره فلا يكون حجة.
стр. 619
وأجاب المصنف: بأن هذا احتمال بعيد؛ لأن عدالته وعلمه بأوضاع اللغة، ومواضع الخلاف، منعه عن إطلاقها على مواضع الخلاف.
ولقائل أن يقول: هذه المسألة كانت أولى أن تبتنى على عدالة الصحابة من الأولى؛ لأنه إذا قال: قال رسول الله، ولم يسمع هو لم يكذب، بخلاف ما إذا قال: سمعته ولم يسمع.
стр. 620
أمرنا أو نهينا أو أوجب أو حرم
ص ــ إذا قال: أُمِرنا أو نُهِيّنَا أو أوجب، أو حرّم ، فالأكثر حجة، لظهوره في أنه الآمر.
قالوا: يحتمل ذلك، وأنه أمر الكتاب أو بعض الأئمة، أو عن استنباط.
قلنا: بعيد.
ش ــ إذا قال الصحابي: أُمِرْنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو أوجب علينا، أو حرّم.
فالأكثر: على أنه حجة [١١٥/أ]؛ لظهور قول الصحابي في أن الآمر هو الرسول.
وقال غيرهم: يحتمل ذلك، ويحتمل أن يريد أمر الكتاب، أو أمر بعض الأئمة أو أمراً عن استنباط صحابي، والمحتمل لا يصلح حجة.
وأجاب المصنف: بأنها احتمالات بعيدة فلا تَرُدّ الظاهر.
стр. 621
أمّا أمر الكتاب فلعدم اختصاصه بأحد، وأمّا أمر غيره فيستلزم تقليده القائل، وهو غير معلوم.
стр. 622
من السنة كذا
ص ــ مسألة: إذا قال: من السنة كذا .
فالأكثر: حجة، لظهوره في تحققها عنه. خلافاً للكرخي.
ش ــ إذا قال الصحابي: من السنة كذا، فالأكثر على أنه حجة، لظهوره في سنة رسول الله ــ ﷺ ــ وسنته حجة.
وقال الكرخي: ليس بحجة؛ لأنها تطلق على سنة غيره ــ ﵇ ــ قال: ? ــ: ﴿﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي﴾﴾.
والحق أن إطلاق الصحابي السنة، إن كان في عهد النبي ــ ﵇ ــ ينصرف إلى سنته ــ ﵇ ــ؛ لأن سنة الخلفاء إنما تظهر بعده وإن كان بعده ــ ﵇ ــ فالأمر محتمل.
стр. 623
كنا نفعل
ص ــ مسألة: إذا قال: كنا نفعل، أو كانوا .
فالأكثر حجة؛ لظهوره في عمل الجماعة.
قالوا: لو كان لما ساغت المخالفة.
قلنا: لأن الطريق ظني، كخبر الواحد النص.
ش ــ إذا قال الصحابي: كنا نفعل، كقول أبي سعيد الخدري ــ ﵁ ــ: ﴿﴿كنا نخرج في عهد رسول الله ــ ﷺ ــ صاعاً من تمرٍ﴾﴾. فالأكثر أنه حجة؛ لأنه ظاهر في كونه فعل الجماعة في عهده ــ ﷺ ــ ومثله حجة؛ لأنهم عملوا ولم ينكر عليهم.
وقيل: ليس بحجة؛ لأنه لو كانت حجة ما ساغت المخالفة لكونها مخالفة الإجماع، لكنها سائغة.
وأجاب المصنف: بأن جوازها؛ لكون الطريق ظنياً، كخبر الواحد النص؛
стр. 624
فإنه يجوز مخالفته.
واعلم أن الشارحين جعلوا هذه المسائل الست مراتب، وقالوا: إن كل مرتبة تقدمت فهي أعلى مما تأخرت عنها. وتكلفوا لذلك، ولمّا كان ذلك موضع المشاحّة لم أتعرض له.
стр. 625
مستند غير الصحابي في القراءة
والإجازة والمناولة وهي ستة
ص ــ ومستند غير الصحابي قراءة الشيخ، أو قراءته عليه، أو قراءة غيره عليه، أو إجازته، أو مناولته، أو كتابته بما يرويه.
فالأول أعلاها على الأصح إلا أنه إذا لم يقصد إسماعه قال: قال وحدث، وأخبر، وسمعته.
وقراءته عليه من غير نكير، ولا ما يوجب سكوتاً من إكراه، أو غفلة أو غيرهما معمول به. خلافاً لبعض الظاهرية.
لأن العرف تقريره، ولأن فيه إيهام الصحة.
فيقول: حدثنا، وأخبرنا مقيداً أو مطلقاً على الأصح.
ونقله الحاكم عن الأئمة الأربعة.
وقراءة غيره كقراءته.
ش ــ لما فرغ من مستند رواية الصحابي، بين مستند غيره، وهو ــ أيضاً ــ ستة.
стр. 626
الأول: قراءة الشيخ على الراوي ، سواء قصد إسماعه، أو لا.
الثاني: عكسه.
الثالث: قراءة غير الراوي على الشيخ.
الرابع: الإجازة.
الخامس: المناولة.
السادس: كتابة الشيخ بما يرويه، بأن يكتب الشيخ إجازة الرواية عنه.
والأول أعلى المراتب؛ لأنه طريقة رسول الله ــ ﷺ ــ وإنما قال: على الأصح؛ لأن منهم من ذهب إلى أن الثاني أعلى [١١٥/ب]؛ لأن رعاية الطالب أشد، وإنما كان ذلك للأول من النبي ــ ﷺ ــ أولى؛ لأنه كان مصوناً عن الخطأ وموصوفاً بدوام الحفظ. ثم إن الأول على قسمين:
أحدهما: أن يقصد الشيخ بقراءته إسماع الراوي.
والثاني: أن لا يقصده.
فإن كان الثاني، لا يجوز للراوي أن يقول حدثني وأخبرني؛ لأنه كذب، وإنما يقول: قال الشيخ، وحدث، وأخبر، وسمعته.
وأمّا الثاني، فإن لم يكن معها إنكار الشيخ ولا يوجب سكوت الشيخ من
стр. 627
إكراه أو غفلة أو غيرها، فهو معمول به، خلافاً لبعض أهل الظاهر، فإنه يقول: السكوت ليس بحجة.
والدليل على كونه معمولاً به وجهان:
أحدهما: أن العرف يقتضي بأن الراوي إذا قرأ على الشيخ وقصد بالقراءة أن يروي عنه وسكت الشيخ من غير حامل آخر على السكوت فإن سكوته تقريراً لما قرأه الراوي عليه.
الثاني: أنه لو لم يكن ما قرأه الراوي عليه صحيحاً كان السكوت إيهاماً للصحة، وهو غير جائز.
وكيفية الرواية في هذا الوجه، أن يقول: حدثنا، وأخبرنا مقيداً بقراءتي عليه، وأمّا إذا أطلق فقال: حدثنا، أو أخبرنا ففيه خلاف. والأصح جوازه.
стр. 628
وقد نقل الحاكم عن الأئمة الأربعة جوازه.
وأمّا قراءة غير الراوي على الشيخ فكقراءة الراوي عليه.
ص ــ وأمّا الإجازة للموجود المعين.
فالأكثر: على تجويزها.
والأكثر: على منع: ﴿﴿حدثني، وأخبرني﴾﴾ مطلقاً.
وبعضهم: ومقيداً.
وأنبأني، اتفاق للعرف.
ومنعها أبو حنيفة، وأبو يوسف.
ولجميع الأمة الموجودين، الظاهر قبولها، لأنها مثلها.
وفي نسل فلان، أو من يوجد من بني فلان، ونحوه، خلاف واضح.
لنا: أن الظاهر أن العدل لا يروي إلا بعد علم، أو ظن، وقد أذن له.
وأيضاً: فإنه ــ ﷺ ــ كان يرسل كتبه مع الآحاد و [إ] ن لم يعلموا ما فيها.
стр. 629
قالوا: كذب؛ لأنه لم يحدثه.
قلنا: حدثه ضمناً، كما لو قرئ عليه.
قالوا: ظن، فلا يجوز الحكم به، كالشهادة.
قلنا: الشهادة آكد.
ش ــ الإجازة لموجود معين، مثل أن يقول الشيخ لراو معين: أجزت لك أن تروي عني ما في هذا الكتاب. فالأكثر على تجويزها ولا يقول: حدثني، وأخبرني مطلقاً عند الأكثر؛ للإشعار بصريح نطق الشيخ، وهو كذب.
ومنهم من منع مقيداً ــ أيضاً ــ وهو أن يقول: حدثني إجازة.
وأمّا ﴿﴿أنبأني﴾﴾ فيصح الرواية فيه باتفاق المجوّزين؛ لأن الإنباء يطلق على هذا بحسب العرف.
قال المصنف: ومنع أبو حنيفة وأبو يوسف الرواية
стр. 630
بالإجازة وهو غلط بوجهين:
أحدهما: أن أبا حنيفة لم يمنعها مطلقاً، وإنما منعها إذا لم يكن المجاز له عالماً بما في الكتاب.
فأما إذا كان عالماً به قد نظر فيه وفهمه، فقال له المجيز: إن فلاناً قد حدثنا بما في هذا الكتاب على ما فهمه بأسانيده هذه، فأنا أحدثك به، وأجزت لك الحديث [١١٦/أ] به، فإنها تصح.
والثاني: أن المتفق مع أبي حنيفة في هذه المسألة هو محمد على الوجه الذي ذكرناه لا أبو يوسف، فإنه يجوّزها.
وأمّا الإجازة لجميع الموجودين، مثل أن يقول: أجزت لجميع الأمة
стр. 631
الموجودين أن يروا عني كذا، فالظاهر أنها تقبل؛ لأنها مثل الإجازة لموجود معين.
وأمّا إذا قيل المجيز: أجزت لنسل بني فلان، أو أجزت لمن يوجد من بني فلان، ففيه خلاف واضح؛ لأن إجازة الموجود المعين إذا كان مختلفاً فيها، كان إجازة غير الموجود أولى بالاختلاف.
واستدل المصنف على جواز الرواية بالإجازة: بأن الظاهر أن الراوي يعني المخبر العدل لا يروي إلا بعد علم أو ظن بصحة ما أجاز به، وقد أذن له أن يروي عنه فيحصل ظن صحة ما أجازه، فتجوز الرواية.
وفيه نظر؛ لأن الكلام ليس في رواية المخبر، ولا في إذنه، وإنما الكلام في جواز رواية المجاز له مع عدم العلم أو الظن بما يروي، فإن في ذلك إضاعة للأحاديث بالإنكار على الإجازة، وفيه من الفساد ما لا يخفى.
قال: وأيضاً ــ فإنه ــ ﷺ ــ كان يرسل كتبه مع الآحاد وإن لم يعلموا ما فيها.
стр. 632
وفيه نظر؛ لأن باب الكتابة والرسالة غير باب الإجازة، فإنهما بعدما ثبت عند السامع أنهما من عند فلان كانتا بمنزلة الخطاب، لما عرف في موضعهما فكان خلط أحد البابين بالآخر خبطأ.
واستدل المصنف لأبي حنيفة: بأن الإجازة لا تكون إخباراً بالحدث فلو قال الراوي: ﴿﴿أخبرني وحدثني﴾﴾، كان كذباً؛ لأنه لم يحدثه، وليس باستدلالٍ صحيح، ولم يقل به أبو حنيفة؛ لأن المجاز له إذا كان عالماً بما في الكتاب، فإنه يصح أن يقول: ﴿﴿أخبرني وحدثني﴾﴾، والمعنى المذكور موجود فيه.
وأجاب المصنف بما معناه: أن صريح الإجازة وإن لم يوجد فقد وجدت ضمناً، كقراءة الراوي على الشيخ؛ فإنه وإن لم يكن إخباراً بالحديث صريحاً، لكنه أجاز به ضمناً.
وفيه نظر؛ لأنه مبني على ذلك الدليل الفاسد، والبناء على الفاسد فاسد، ولأن الاعتماد على الإخبار الضمني غير صحيح؛ لإفضاله إلى خلل في باب التبليغ، كما مرّ.
وأمّا قراءة الراوي على الشيخ فشرط الرواية فيها أن يقول القارئ للشيخ بعد ما قرأ عليه: أهو كما قرأت؟ فيقول: نعم.
وحينئذٍ ليس الإخبار ضمناً.
стр. 633
وقال ــ أيضاً ــ قالوا ــ يعني الحنفية ــ: ﴿﴿ظن﴾﴾. أي الرواية بمجرد الإجازة ظن، فلا يجوز الحكم به، كالشهادة فإن الحكم بها لا يجوز إذا كان ظناً.
والجامع بينهما كون كل منهما يوجب الحكم الشرعي، وهذا فاسدٌ، وافتراء على الحنفية؛ فإنهم قاطعون بأن باب الرواية أوسع من باب الشهادة، فكيف يقيسون إحداهما على الأخرى.
ثم أجاب: بالفرق بأن الشهادة أكد من الرواية، ولهذا اشترط الحرية في الشهادة دون الرواية، وهو ــ أيضاً ــ فاسد؛ لأنه مبني على فاسد ولأنه مبني على الفرق، وهو غير مسموع كما مرّ غير مرة.
* ... * ... *
стр. 634
نقل الحديث بالمعنى
ص ــ مسألة: الأكثر على جواز نقل [١١٦/ب] الحديث بالمعنى للعارف.
وقيل: بلفظ مرادف.
وعن ابن سيرين منعه.
وعن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء.
وحمل على المبالغة في الأولى.
لنا: القطع بأنهم نقلوا عنه أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد.
وأيضاً: ما روي عن ابن مسعود وغيره أنه قال ــ ﷺ ــ كذا ونحوه، ولم ينكره أحد.
وأيضاً أجمع على تفسيره بالعجمية، فالعربية أولى.
وأيضاً فإن المقصود المعنى قطعاً، وهو حاصل.
قالوا: ﴿﴿نضّر الله امرءاً﴾﴾.
قلنا: دعاء له؛ لأنه الأولى، ولم يمنعه.
قالوا: يؤدي إلى الإخلال، لاختلاف العلماء في المعاني وتفاوتهم، فإذا قدر ذلك مرتين [أو ثلاثاً] اختل بالكلية.
وأجيب: بأن الكلام فيمن نقل بالمعني سواء.
стр. 635
ش ــ لما فرغ من بيان الأمور الموجبة لقبول الخبر، ذكر الأمور المانعة منه، ومن جملتها عند بعض: النقل بالمعنى، وهو جائز عند الشافعي وعامة أهل الأصول مطلقاً، سواء كان بلفظ مرادف، أو بغيره إذا كان عارفاً بمعناه.
وقيل: إذا كان بلفظ مرادف، كإبدال لفظ التحريم بلفظ الحظر.
ونقل عن ابن سيرين منعه مطلقاً.
ونقل عن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء، يعني بالغ في المنع حتى لم يجوّز إبدال الباء بالتاء في القسم أن يقول بالله بدل تالله. قال المصنف هذا النقل منه محمول على المبالغة في الأولوية لا في الوجوب لجواز النقل بالمعنى عند مالك إذا كان عارفاً بمعناه.
حجة الأكثرين أوجه:
следующие страницы →