Полный текст (1 417 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الموجودين أن يروا عني كذا، فالظاهر أنها تقبل؛ لأنها مثل الإجازة لموجود معين.
وأمّا إذا قيل المجيز: أجزت لنسل بني فلان، أو أجزت لمن يوجد من بني فلان، ففيه خلاف واضح؛ لأن إجازة الموجود المعين إذا كان مختلفاً فيها، كان إجازة غير الموجود أولى بالاختلاف.
واستدل المصنف على جواز الرواية بالإجازة: بأن الظاهر أن الراوي يعني المخبر العدل لا يروي إلا بعد علم أو ظن بصحة ما أجاز به، وقد أذن له أن يروي عنه فيحصل ظن صحة ما أجازه، فتجوز الرواية.
وفيه نظر؛ لأن الكلام ليس في رواية المخبر، ولا في إذنه، وإنما الكلام في جواز رواية المجاز له مع عدم العلم أو الظن بما يروي، فإن في ذلك إضاعة للأحاديث بالإنكار على الإجازة، وفيه من الفساد ما لا يخفى.
قال: وأيضاً ــ فإنه ــ ﷺ ــ كان يرسل كتبه مع الآحاد وإن لم يعلموا ما فيها.
стр. 632
وفيه نظر؛ لأن باب الكتابة والرسالة غير باب الإجازة، فإنهما بعدما ثبت عند السامع أنهما من عند فلان كانتا بمنزلة الخطاب، لما عرف في موضعهما فكان خلط أحد البابين بالآخر خبطأ.
واستدل المصنف لأبي حنيفة: بأن الإجازة لا تكون إخباراً بالحدث فلو قال الراوي: ﴿﴿أخبرني وحدثني﴾﴾، كان كذباً؛ لأنه لم يحدثه، وليس باستدلالٍ صحيح، ولم يقل به أبو حنيفة؛ لأن المجاز له إذا كان عالماً بما في الكتاب، فإنه يصح أن يقول: ﴿﴿أخبرني وحدثني﴾﴾، والمعنى المذكور موجود فيه.
وأجاب المصنف بما معناه: أن صريح الإجازة وإن لم يوجد فقد وجدت ضمناً، كقراءة الراوي على الشيخ؛ فإنه وإن لم يكن إخباراً بالحديث صريحاً، لكنه أجاز به ضمناً.
وفيه نظر؛ لأنه مبني على ذلك الدليل الفاسد، والبناء على الفاسد فاسد، ولأن الاعتماد على الإخبار الضمني غير صحيح؛ لإفضاله إلى خلل في باب التبليغ، كما مرّ.
وأمّا قراءة الراوي على الشيخ فشرط الرواية فيها أن يقول القارئ للشيخ بعد ما قرأ عليه: أهو كما قرأت؟ فيقول: نعم.
وحينئذٍ ليس الإخبار ضمناً.
стр. 633
وقال ــ أيضاً ــ قالوا ــ يعني الحنفية ــ: ﴿﴿ظن﴾﴾. أي الرواية بمجرد الإجازة ظن، فلا يجوز الحكم به، كالشهادة فإن الحكم بها لا يجوز إذا كان ظناً.
والجامع بينهما كون كل منهما يوجب الحكم الشرعي، وهذا فاسدٌ، وافتراء على الحنفية؛ فإنهم قاطعون بأن باب الرواية أوسع من باب الشهادة، فكيف يقيسون إحداهما على الأخرى.
ثم أجاب: بالفرق بأن الشهادة أكد من الرواية، ولهذا اشترط الحرية في الشهادة دون الرواية، وهو ــ أيضاً ــ فاسد؛ لأنه مبني على فاسد ولأنه مبني على الفرق، وهو غير مسموع كما مرّ غير مرة.
* ... * ... *
стр. 634
نقل الحديث بالمعنى
ص ــ مسألة: الأكثر على جواز نقل [١١٦/ب] الحديث بالمعنى للعارف.
وقيل: بلفظ مرادف.
وعن ابن سيرين منعه.
وعن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء.
وحمل على المبالغة في الأولى.
لنا: القطع بأنهم نقلوا عنه أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد.
وأيضاً: ما روي عن ابن مسعود وغيره أنه قال ــ ﷺ ــ كذا ونحوه، ولم ينكره أحد.
وأيضاً أجمع على تفسيره بالعجمية، فالعربية أولى.
وأيضاً فإن المقصود المعنى قطعاً، وهو حاصل.
قالوا: ﴿﴿نضّر الله امرءاً﴾﴾.
قلنا: دعاء له؛ لأنه الأولى، ولم يمنعه.
قالوا: يؤدي إلى الإخلال، لاختلاف العلماء في المعاني وتفاوتهم، فإذا قدر ذلك مرتين [أو ثلاثاً] اختل بالكلية.
وأجيب: بأن الكلام فيمن نقل بالمعني سواء.
стр. 635
ش ــ لما فرغ من بيان الأمور الموجبة لقبول الخبر، ذكر الأمور المانعة منه، ومن جملتها عند بعض: النقل بالمعنى، وهو جائز عند الشافعي وعامة أهل الأصول مطلقاً، سواء كان بلفظ مرادف، أو بغيره إذا كان عارفاً بمعناه.
وقيل: إذا كان بلفظ مرادف، كإبدال لفظ التحريم بلفظ الحظر.
ونقل عن ابن سيرين منعه مطلقاً.
ونقل عن مالك أنه كان يشدد في الباء والتاء، يعني بالغ في المنع حتى لم يجوّز إبدال الباء بالتاء في القسم أن يقول بالله بدل تالله. قال المصنف هذا النقل منه محمول على المبالغة في الأولوية لا في الوجوب لجواز النقل بالمعنى عند مالك إذا كان عارفاً بمعناه.
حجة الأكثرين أوجه:
стр. 636
الأول: أنا نعلم قطعاً أنهم مقلوا حديثاً واحداً جرى في مجلس في واقعة بألفاظ مختلفة شائعة ذائعة بينهم، ولم ينكر أحد من الصحابة ــ ﵃.
[الثاني: ما روي عن ابن مسعود وغيره من الصحابة ــ ﵃ ــ] أنه ــ ﵇ ــ قال: كذا، أو نحواً منه.
ردّد الرواية بين عبارتين، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وقبلوا روايته، والقبول مع الشك في لفظ الرسول دليل الجواز.
الثالث: أجمعوا على جواز تفسير الحديث بالعجمية، فجواز تفسيره بالعربية أولى؛ لأن العربية أقرب إلى لفظ الرسول.
وفيه نظر؛ لأن التفسير عبارة عن أن يذكر لفظ يراد بيانه بما هو أوضح في أداء المراد، وليس النقل كذلك.
الرابع: أنا نعلم قطعاً أن الألفاظ غير مقصودة بل المقصود هو المعنى وهو
стр. 637
حاصل إذا نقل بلفظ آخر فلا أثر لاختلاف اللفظ.
وفيه نظر؛ لأنه إنما يصح إذا كان بلفظ مرادف، وهو ليس مذهب الأكثرين.
واستدل للمانعين بوجهين:
أحدهما: أنه ــ ﷺ ــ قال: ﴿﴿نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها﴾﴾. وذلك يدل على وجوب نقل الحديث بلفظه لأنه هو أداء المقالة كما سمع.
وأجاب: بأنه لا دلالة على الوجوب، بل هو دعاء للناقل كما سمع. وغايته الدلالة على الأولوية.
الثاني [١١٧/أ] أن النقل بالمعنى، يؤدي إلى الإخلال بالمعنى المقصود؛ لاختلاف العلماء في درك المعاني المقصودة، وتفاوتهم في فهمها فلا يبعد أن يغفل الناقل عن إدراك بعض دقائقها بنقله بلفظ آخر لا يدل عليها. فلو قدر ذلك مرتين، أو ثلاثاً اختل المعاني المقصودة بالكلية.
وأجاب: بأن الكلام فيمن ينقل بالمعنى سواء من غير زيادة ولا نقصان.
وفيه نظر؛ لاستلزامه المترادف كما تقدم.
стр. 638
إذا كذب الأصل الفرع سقط
ص ــ إذا كذب الأصل الفرع سقط؛ لكذب واحد غير واحد معين، ولا يقدح في عدالتهما.
فإن قال: لا أدري، فالأكثر: يعمل به، خلافاً لبعض الحنفية ولأحمد: روايتان.
لنا: عدل غير مكذب، كالموت والجنون.
واستدل: أن سهيل بن أبي صالح روى عن أبيه عن أبي هريرة أنه قضى باليمين مع الشاهد.
ثم قال لربيعة: لا أدري. فكان يقول: حدثني ربيعة عني.
قلنا: صحيح. فأين وجوب العمل.
قالوا: لو جاز، لجاز في الشهادة.
قلنا: الشهادة أضيق.
قالوا: لو عمل به لعمل الحاكم بحكمه إذا شهد شاهدان، ونسي.
قلنا: يجب ذلك عند مالك وأحمد وأبي يوسف، وإنما يلزم الشافعية.
ش ــ إذا كذب الأصل الفرع، سقط القبول ؛ لكذب أحدهما لا بعينه، وذلك يستلزم ردّ ما رواه الفرع.
أمّا إذا كذب الفرع فظاهر. وإن كَذَبَ الأصلُ في التّكْذِيب كان مجروحاً لكن لا يقدح ذلك في عدالتهما؛ لثبوتهما بيقين لا يزول بالشك. هذا إذا كذبه جزماً.
стр. 639
وأمّا إذا قال: لا أدري صحة ما قاله الفرع ففي وجوب العمل به خلاف.
فالأكثر: يعمل به. خلافاً لبعض الحنفية. ولأحمد روايتان:
إحداهما، في العمل به، والأخرى في عدمه.
والدليل للأكثر: أن المقتضي للعمل، وهو عدالة الفرع موجود والمانع وهو التكذيب منتف؛ فإن قول الأصل: لا أدري ليس بتكذيب؛ لاحتمال النسيان فصار كموت الأصل، وجنونه في عدم المانعية.
وقد استدل لهم: بأن سهيل بن أبي صالح روى عن أبيه عن أبي هريرة أنه قضى باليمين مع الشاهد. رواه عن سهيل ربيعة، ثم قال سهيل لربيعة:
стр. 640
لا أدري صحة ذلك. وكان بعد ذلك يقول سهيل: حدثني ربيعة عنّي، واشتهر ذلك، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعاً على قبوله.
وأجاب المصنف: بأن هذا الحديث على الوجه المذكور صحيح الرواية، وليس فيه ما يدل على وجوب العمل به.
وفيه نظر؛ لأنه إذا لم ينكره صار كخبر واحدٍ سالم عن توهم ما يمنع العمل به، فكان كسائر أخبار الآحاد الموجبة للعمل.
وقال المانعون للعمل به: لو جاز العمل برواية الفرع مع نسيان الأصل، لجاز العمل بشهادة الفرع مع نسيان الأصل، والتالي باطل بالاتفاق.
وأجاب: بمنع الملازمة؛ فإن الشهادة أضيق وأكد من الرواية، كما مرّ.
وقالوا ــ أيضاً ــ: لو جاز العمل بذلك لعمل الحاكم بشهادة شاهدين [١١٧/ب] شهدا على حكمه وهو ناسٍ.
والتالي باطل بالاتفاق.
وأجاب: بمنع انتفاء التالي؛ فإنه يجب على الحاكم العمل بشهادتهما على حكمه عند مالك، وأحمد، وأبي يوسف.
стр. 641
وإنما يلزم الشافعية، فإنهم يمنعون ذلك.
ص ــ إذا انفرد العدل بزيادة والمجلس واحد . فإن كان غيره لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة، لم تقبل.
وإلا فالجمهور: تقبل.
وعن أحمد: روايتان.
لنا: عدل جازم، فوجب قبوله.
قالوا: ظاهر الوهم، فوجب رده.
قلنا: سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع، بعيد، بخلاف سهوه عما سمع، فإنه كثير.
فإن تعدد المجلس قبل باتفاق.
فإن جهل فأولى بالقبول.
ولو رواها مرة، وتركها مرةـ فكراويين.
وإذا أسند وأرسلوه، أو رفعه ووقفوه، أو وصله وقطعوه فكالزيادة.
ش ــ إذا روي العدول حديثاً وانفرد منهم عدل برواية زيادة على ما رووه. فإمّا أن تكون منافية للمزيد عليه، كما إذا قال: في أربعين شاة شاة، وزاد واحد في أربعين شاة نصف شاة، أو نفى غيره تلك الزيادة كما إذا قال الغير: سمعت رسول الله قال: ﴿﴿في أربعين شاة شاة﴾﴾ ولم يزد وكنت أرصده. وهذان القسمان لا يقبلان، ولهذا لم يتعرض لهما المصنف.
وقسم آخر وهو المذكور، أي يروي جماعة أن رسول الله ــ ﷺ ــ
стр. 642
دخل البيت، ونفرد واحد منهم بزيادة قوله: ﴿﴿وصلى﴾﴾ وهو على ثلاثة أقسام:
إمّا أن يكون مجلس التحمل واحداً أو متعدداً، أو مجهولاً وحدته وتعدده.
فإن كان المجلس واحداً، فإمّا أن يكون غير ذلك المنفرد من الرواة جمعاً لا يغفل مثلهم عن مثل تلك الزيادة عادة، أو لا.
فإن كان الأول، لم تقبل الزيادة بالاتفاق، وإن كان الثاني: فالجمهور تقبل.
وعن أحمد روايتان في الرد والقبول.
واحتج للجمهور: بأن المقتضي للقبول، وهو إخبار العدل الجازم بما أخبر موجود، والمانع ــ وهو كون ما رواه الآخرون منافياً للزيادة ــ منتفٍ، وإذا تحقق المقتضي وانتفى المانع، وجب العمل بلا خلاف.
واحتج الخصم بأن قول المنفرد ظاهر الوهم فيما رواه من الزيادة إذ يجوز أنه
стр. 643
لم يسمع ووهم أنه سمعه، أو سمع من غير الرسول وتوهم أنه سمع منه.
وأجاب: بأن سهو الإنسان بأنه سمع ولم يسمع بعيد عن الوقوع بخلاف سهوه عمّا سمع فإنه كثير شائع. فكان احتمال الوهم في حق من لم يرو الزيادة أكثر.
وفيه نظر؛ فإن الاحتمال في الأول من وجهين: وهو أنه سمع أو لم يسمع، وسمع منه أو من غيره.
وفي الثاني من وجه واحد، والواحد نصف الاثنين.
وإن كان المجلس متعدداً تقبل الزيادة اتفاقاً.
وإن جهل الواحدة، والتعدد فهو أولى بالقبول مما إذا اتحد.
وأمّا إذا روى الراوي الزيادة مرة وتركها أخرى، فحكمه حكم الراويين فحيث اتحد المجلس اتحاداً في الزمان جاء الخلاف.
وحيت تعدد [١١٨/أ] ثبت الاتفاق ــ وحيث جهل كان أولى بالقبول.
وإذا أسند وأرسل الباقون، أو رواه مرفوعاً إلى النبي ــ ﵇ ــ ورووه موقوفاً على صحابي أو وصله لم يخل براوٍ في البين، وقطعوه. فحكم هذه الصور حكم الزيادة؛ لأنه يظهر عند التأمل أن المُسْنِدَ والرافع والواصل يزيد بالنسبة إلى المرسل والواقف والقاطع.
стр. 644
جواز حذف بعض الخبر
وخبر الواحد فيما تعم به البلوى
ص ــ مسألة: حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه مثل: ﴿﴿حتى تزهي﴾﴾، و ﴿﴿إلا سواء بسواء﴾﴾ فإنه ممتنع.
مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
كابن مسعود في مس الذكر، وأبي هريرة في غسل اليدين ورفع اليدين.
مقبول عند الأكثر، خلافاً لبعض الحنفية.
لنا قبول: الأمة له في تفاصيل الصلاة.
وفي نحو الفصد والحجامة.
وقبول القياس، وهو أضعف.
قالوا: العادة تقضي بنقله متواتراً.
ردّ: بالمنع، وتواتر البيع والنكاح والطلاق والعتق اتفاق. أو كان مكلفاً بإشاعته.
ش ــ حذف بعض الخبر جائز إن لم يكن مخلاً لحكم الباقي، كقوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿هو الطهور ماؤه والحل مميتته﴾﴾ فإن حذف قوله: ﴿﴿حل مميتته﴾﴾ لا يخل للباقي.
стр. 645
وإن كان مخلاً، كحذف الغاية في قوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿لا تبيعوا الثمار حتى تزهي﴾﴾.
وحذف الاستثناء في قوله ــ ﵇ ــ: ﴿﴿لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء﴾﴾ لا يجوز بالاتفاق.
لاختلال المعنى بلزوم منع بيع الثمار مطلقاً، ومن بيع البر بالبر مطلقاً وذلك باطل.
ومما يمنع القبول وقوع خبر فيما لم يختص به قوم دون آخرين بل هو مما يحتاج إليه عموم الناس، وهو المراد بقوله: ﴿﴿عموم البلوى﴾﴾ فإنه مما لا يقبله بعض
стр. 646
الأئمة، وذلك كخبر ابن مسعود ــ ﵁ ــ في انتفاض الوضوء بمس الذكر. وخبر أبي هريرة في غسل اليدين قبل أن يدخلهما الإناء إذا استيقظ المتوضي من منامه.
стр. 647
وخبره في رفع اليدين عند الركوع.
وقبله الأكثرون، محتجين: بأن الأمة أجمعوا على قبول خبر الواحد في تفاصيل الصلاة؛ أي أركانها وشرائطها؛ لأنها وإن كانت متواترة في الجملة لم تتواتر تفاصيلها، ولذلك وقع فيها خلاف العلماء، وهي مما تعم به البلوى.
وأجمعوا ــ أيضاً ــ على قبول خبر الواحد في الفصد والحجامة.
стр. 648
وأجمعوا على قبول القياس فيما تعم به البلوى، وهو أضعف من خبر الواحد، وإذا كان الضعيف مقبولاً، كان القوي أولى.
ولقائل أن يقول: ما ورد من الخبر في تفاصيل الصلاة، فهو بيان لمجمل الكتاب، والحكم في مثله مضاف إلى الكتاب أو يتقوى به، فليس مما نحن فيه.
وما ورد في الفصد والحجامة قد نقله جماعة.
سلمناه، لكن لم يرد فيه إنكار، بخلاف خبر ابن مسعود، فإنه روى عن عائشة ــ ﵂ ــ أن رسول الله ــ ﷺ ــ سئل عن مسّ الذكر فقال: ﴿﴿ما أبالي أمسسته أم مسست أنفي﴾﴾.
وروي عن قيس بن طلق أنه قال: قلت يا رسول الله، أفي مس الذكر
стр. 649
الوضوء؟ فقال: ﴿﴿أو غير ذلك﴾﴾ [١١٨/ب] فكان حديث ابن مسعود مستنكراً، وحكم المستنكر عند الحنفية أنه غير حجة، يحتمل أن يكون حجة، كما في حديث أبي هريرة في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، ولم يعمل بخبره في رفع اليدين؛
стр. 650
للأحاديث الدالة على نفيه على ما عرف في موضعه.
وقبول القياس في ذلك ممنوع.
سلمناه، ولكنه يستند إلى أصل غير مستنكر.
واستدل المصنف للحنفية: بأن العادة تقضي بتواتر ما تعم به البلوى، ولذلك تواتر البيع والنكاح، والطلاق، والعتق. فإذا لم تتواتر دل على عدم صدقه.
وأجاب: بالمنع؛ أي لا نسلم أن العادة تقضي بالتواتر فيما تعم به البلوى، بل يجوز أن يكتفي في ثبوته بما يفيد الظن.
وتواتر مثل البيع، والنكاح، والطلاق، والعتاق إنما وقع اتفاقاً. أو لأن الرسول ــ ﷺ ــ كلف بإشاعتها، لا لأن عموم البلوى اقتضى تواترها.
ولقائل أن يقول: لم يقل الحنفية إن عموم البلوى يقتضي تواتره، بل قالوا: يقتضي النقل عن وجه يفيد الظن، وهو لا يفيده مع اشتهار الحادثة وخفاء الخبر. ألا ترى أنه كيف اشتهر في الخَلَفِ.
فإذا شذّ الحديث مع اشتهار الحادثة كان ذلك أمارة زيفه.
وإذا كان ما ذكره من الاستدلال لهم فاسد، كان ما بني عليه من الجواب
стр. 651
كذلك. على أن تكليف الرسول ــ ﷺ ــ بإشاعة البيع ونحوه، إمّا أن يكون معللاً، أو لا. والثاني خلاف الأصل؛ لأن الأصل التعليل، والأول تكون العلة فيه اشتهار الحكم فيما تعم به البلوى؛ لانتفاء غيره ظاهراً. وهي موجودة فيما نحن فيه. فلو كان الخبر صحيحاً أشاع حكمه.
ص ــ مسألة: [خبر] الواحد في الحد مقبول، خلافاً للكرخي، والبصري.
لنا: ما تقدم.
قالوا: ﴿﴿ادرؤا الحدود بالشبهات﴾﴾ والاحتمال شبهة.
قلنا: لا شبهة، كالشهادة، وظاهر الكتاب.
ش ــ خبر الواحد في حد من الحدود، كحد الزنا والقذف وغيره مقبول خلافاً للكرخي، وأبي الحسين البصري.
والدليل على القبول إطلاق الحجة الدالة على كون خبر الواحد حجة من غير تخصيص في صورة دون أخرى.
واحتج الخصم: بأن خبر الواحد يفيد الظن، والظن يبقى معه احتمال النقيض، واحتمال النقيض شبهة، والحد يندفع بالشبهة، لقوله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿ادرؤا الحدود بالشبهات﴾﴾.
стр. 652
وأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أن احتمال النقيض شبهة يندفع به الحد وإلا لا ندفع بشهادة الشهود الأربعة، وبظاهر الكتاب؛ لوجود الاحتمال فيهما.
ولقائل أن يقول: الشهادة صارت حجة بالنص الذي لا شبهة فيه، قول الله ــ تعالى ــ: ﴿فَاستَشهِدُوا عَلَيهِنَّأَربَعَةمِّنكُم﴾ على خلاف القياس وبالإجماع ــ أيضاً ــ فلا يجوز القياس عليها، ولا الإلحاق بها، بالدلالة لأنه ليس في معناها من كل وجه، لعدم توقفه على الذكورة، والحرية [١١٩/أ] والبصر، وتوقفا عليها.
وظاهر الكتاب قطعي المتن دون خبر الواحد، فلا يلحق به.
* ... * ... *
стр. 653
حمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه
ص ــ مسألة: إذا حمل الصحابي ما رواه على أحد محمليه، فالظاهر حمله عليه بقرينة.
فإن حمله على غير ظاهره، فالأكثر على الظهور. وفيه قال الشافعي: ﴿﴿كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته﴾﴾.
فلو كان نصاً فيتيعن نسخه عنده.
وفي العمل نظر.
وإن عمل بخلاف خبر أكثر الأمة فالعمل بالخبر، إلا إجماع المدينة.
ش ــ الخبر إمّا أن يكون مجملاً، أو ظاهراً، أو نصاً.
فإن كان مجملاً وحمل الصحابي الراوي على أحد محتمليه، فالظاهر أنه حمله عليه لقرينة مخصصة، وإنما قال: ﴿﴿الظاهر﴾﴾ أنه لا يجوز أن يكون حمله عليه باجتهاده، وحينئذٍ جاز للمجتهد أن يخالفه بالإجتهاد.
стр. 654
وإن كان ظاهراً وحمله على غير الظاهر، فالأكثر على أنه يحمل على الظهور لا على ما حمل إليه الراوي، وفي مثل هذا قال الشافعي ــ ﵀ ــ: ﴿﴿كيف اترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته﴾﴾.
وباب المفاعلة كان أولى بالذكر فتأمل.
ومنهم. من قال: يحمل على ما حمل عليه الراوي. محتجاً بأنه لو لم يجد دليلاً راجحاً، لكان حمله على غير الظاهر قدحاً في عدالته.
وأجيب: بأنه يجوز أن يكون الدليل راجحاً باجتهاده، ولم يكن راجحاً في نفس الأمر.
وإن كان الخبر نصاً، وعمل الراوي بخلافه، تعين أن يكون الخبر منسوخاً عنده، وإلا لما عمل بخلافه. وفي جواز العمل بهذا النص نظر، كأنه يريد بهذا أن لا يترك العمل به؛ لأن النص أقوى من الظاهر، والظاهر لا يكون متروكاً عند الأكثر، إذا ترك الراوي العمل به، فالنص أولى أن لا يترك.
وردّ: بأنا لا نسلم أن النص أولى بأن لا يترك؛ لأن دلالته قطعية، لا تحتمل
стр. 655
غير معناه. فلا يكون ترك الراوي إيّاه إلاّ [ا] لنص راجح.
بخلاف الظاهر، فإنه لمّا احتمل غير معناه جاز أن يكون تركه باجتهاده.
وأجيب: بأن النص بالعمل أولى؛ لأن المقتضي للعمل به متحقق بخلاف عمل الراوي؛ فإنه يجوز أن تكون مخالفته لنص آخر ظنه الراوي ناسخاً وليس في الواقع كذلك.
وإذا عمل أكثر الأمة على خلاف خبر الواحد، فالعمل بخبر الواحد لا بعمل أكثر الأمة، لما علمت أن قول الأكثر لا يكون حجة فضلاً عن أن يكون راجحاً على خبر الواحد. إلا إذا كان الأكثر العامل أهل المدينة، فإنه يتعين العمل بعمل أهل المدينة؛ لأنه ثبت أن اتفاق أهل المدينة إجماع، وهو مقدّم على خبر الواحد. وقد تقدم الكلام على ذلك.
стр. 656
الخبر المخالف للقياس
ص ــ مسألة: الأكثر على أن الخبر المخالف للقياس من كل وجه مقدم.
وقيل: بالعكس.
أبو الحسين: إن كانت العلة بقطعي فالقياس، وإن كان الأصل مقطوعاً به، فالاجتهاد.
والمختار: إن كانت العلة بنص راجح على الخبر [١١٩/ب] ووجودها في الفرع قطعي فالقياس.
فإن كان وجودها ظنياً، فالوقف. وإلا فالخبر.
لنا: أن عمر ترك القياس في الجنين بالخبر، وقال: ﴿﴿لولا هذا لقضينا فيه برأينا﴾﴾.
وفي دية الأصابع باعتبار منافعها، بقوله: ﴿﴿في كل اصبع عشر﴾﴾.
وفي ميراث الزوجة من الدية، وغير ذلك. وشاع وذاع ولم ينكره أحد.
وأمّا مخالفة ابن عباس خبر أبي هريرة ﴿﴿توضؤا مما مست النار﴾﴾ فاستبعاد لظهوره.
وكذلك هو وعائشة في: ﴿﴿إذا استيقظ﴾﴾.
ولذلك قالا: فكيف [نصنع] بالمهراس.
وأيضاً: أخر معاذ العمل بالقياس، وأقرّه.
стр. 657
وأيضاً: لو قدم لقدم الأضعف.
والثانية إجماع؛ لأن الخبر يجتهد فيه في العدالة والدلالة، والقياس في ستة: حكم الأصل، وتعليله، ووصف التعليل، ووجوده في الفرع، ونفي المعارض فيهما.
وإلى الأمرين ــ أيضاً ــ إن كان الأصل خبراً.
ش ــ خبر الواحد المخالف للقياس، إن كان الجمع بينهما ممكناً بوجه فسيأتي وإن لك يكن، فالأكثر على أن خبر الواحد مقدم على القياس مطلقاً.
وقيل: بالعكس، أي يقدم القياس مطلقاً.
وقال أبو الحسين: إن كانت العلة منصوصة بنص قطعي فالقياس مقدم؛ لأن النص على العلة كالنص على حكمها، وإن لم يكن كذلك، فإن كان الأصل مقطوعاً به خاصة فموضع اجتهاد يقدم ما تقدم بالاجتهاد والترجيح. وإلا فالخبر؛ لاستواء النصين في الظن، وترجيح الخبر بالدلالة على الحكم بلا واسطةٍ.
стр. 658
وإن كانت العلة مستنبطة، فحكم الأصل إن كان بخبر واحد كالخبر، أو بدليل مقطوع به فموضع اجتهاد. وتوقف القاضي.
واختار المصنف، التفصيل قال: إن كانت العلة ثابتة بنص راجح على الخبر سواء كان النص قطعياً أو ظنياً، ووجود العلة في الفرع قطعياً فالقياس مقدم.
وإن كان وجودها في الفرع ظنياً فالوقف.
وإن لم تكن العلة ثابتة بنص راجح على الخبر، فالخبر مقدم.
واحتج على تقدم الخبر إذا لم تثبت العلة بنص راجح بأوجه:
الأول: أن عمر ترك العمل بالقياس في دية الجنين بحديث حمل ابن مالك حيث قال: ﴿﴿كنت بين ضرتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنيناً ميتاً، فقضى رسول الله ــ ﷺ ــ بالغرة﴾﴾ فقال عمر ــ ﵁ ــ: ﴿﴿لولا هذا لقضينا برأينا﴾﴾.
стр. 659
وأيضاً: ترك العمل بالقياس وأخذ في دية الإصبع، فإنه قصد إيجاب دية الأصابع على قدر منافعها، حتى روى واحد من الصحابة: ﴿﴿في كل أصبع عشر من الإبل﴾﴾.
وأيضاً: اجتهد عمر واستقر رأيه على أن زوجة المقتول لا ترث من دية زوجها، فلما نقل عن الرسول توريث الزوجة من دية زوجها ترك الاجتهاد، وأخذ
стр. 660
بالخبر، وشاع ذلك وذاع، ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع.
فإن قيل: لا نسلم أنه لم ينكر أحد تقديم الخبر على القياس؛ فإن [١٢٠/أ] ابن عباس ــ ﵄ ــ قدم القياس على الخبر. خبر أبي هريرة ــ ﵁ ــ: ﴿﴿توضؤوا مما مسته النار﴾﴾ فقال: ألسنا نتوضأ بالماء الحميم، فكيف نتوضأ بما نتوضأ عنه.
وخالف ابن عباس وعائشة ــ ﵄ ــ خبر أبي هريرة ــ أيضاً ــ ﴿﴿إذا استيقظ أحدكم من نومه﴾﴾ الحديث. لكونه مخالفاً للقياس.
أجاب المصنف: بأنا لا نسلم أن إنكار ابن عباس في الحديث الأول لترجيح
стр. 661
القياس على الخبر، بل كان لاستبعاده الحديث المذكور؛ لظهور الأمر على خلافه.
وكذلك إنكارهما للخبر الثاني.
ولذلك قالا: ﴿﴿كيف نصنع بالمهراس؟﴾﴾ وهو حجر منقور يتوضأ منه.
الثاني: أنه ــ ﷺ ــ لما بعث معاذا إلى اليمن، قال: ﴿﴿بم تقضي﴾﴾؟ قال:
стр. 662
بالكتاب. قال ــ ﵇ ــ: ﴿﴿فإن لم تجد؟﴾﴾ قال: بالسنة. قال: ﴿﴿إن لم تجد؟﴾﴾ قال: اجتهد برأيي. قال رسول الله ــ ﷺ ــ: ﴿﴿الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضى به رسوله﴾﴾، جعل معاذ العمل بالقياس مشروطاً بعدم وجدان الحكم في السنة أعم من أن يكون متواتراً، أو مشهوراً، أو آحاداً، وأقره رسول الله ــ ﷺ ــ على ذلك وحمد. فلو لم يكن الخبر مقدماً على القياس لم يكن كذلك.
الثالث: لو [قدم] القياس على خبر الواحد، لزم تقدم الأضعف على الأقوى.
والثاني: إجماع، أي التالي باطل بالإجماع.
وبيان الملازمة: بأن الخبر يتوقف على مقدمات أقلّ من القياس.
وما كان أقل مقدمات كان أبعد عن وقوع الخطأ فيه، وما كان كذلك فهو أقوى في الحجية.
وبيان ذلك: أن الخبر يجتهد فيه في أمرين: عدالة الراوي، ودلالته على ما هو المراد.
والقياس يجتهد فيه في ستة أمور: ثبوت حكم الأصل، وتعليل حكم الأصل، والوصف الصالح له، ووجود ذلك الوصف في الفرع، وعدم المعارض في الأصل وعدمه في الفرع.
إذا لم يكن الأصل ثابتاً بالخبر. فإن كان، احتاج القياس إليها وإلى الأمرين ــ أيضاً ــ، أي العدالة والدلالة.
ص ــ قالوا: الخبر محتمل للكذب والكفر والفسق والخطأ والتجوّز والنسخ.
وأجيب: بأنه بعيد.
стр. 663
وأيضاً فمتطرق إذا كان الأصل خبراً.
وأمّا تقديم ما تقدم؛ فلأنه يرجع إلى تعارض خبرين عمل بالراجح منهما.
والوقت لتعارض الترجيحين.
فإن كان أحدهما أعم، خصّ بالآخر، وسيأتي.
ش ــ احتج من قدم القياس على الخبر، بأن القياس أقوى من الخبر لأن الخبر يحتمل الكذب، لعدم عصمة الراوي، ويحتمل كفر راوٍ من الرواة، وفسقه. ويحتمل الخطأ؛ لجواز ذهول أحد الرواة.
والتجوّز، والنسخ. والقياس لا يحتمل شيئاً منها فكان أقوى، والأقوى أقدم.
أجاب المصنف: بأن هذه الاحتمالات بعيدة مع ظهور عدالة الراوي ويتطرق إذا كان أصله خبراً.
فإن قيل: لو كان ما ذكرتم صحيحاً لم يتقدم خبر على قياس أصلاً؛ لوجود ما ذكرتم فيه، لكن ليس كذلك بالاتفاق فيما إذا كانت العلة منصوصة بنص راجح على الخبر، ووجودها في الفرع قطعياً [١٢٠/ب] أجاب المصنف، بما تقريره: أن حاصل التعارض في هذه الصورة يرجع إلى تعارض خبرين دلّ أحدهما على العلة، والآخر على الحكم؛ إذ العلة موجودة في الفرع قطعاً، فيجب العمل بالخبر الراجح، وهو الدال على العلة؛ إذ التقدير أنه راجح على الخبر الدالّ على الحكم.
واحتج المصنف على الوقف في الصورة التي تكون العلة في القياس منصوصاً عليها بنص راجح على الخبر، ووجودها في الفرع ظنياً، بأن كل واحد من القياس والخبر راجح من وجه، ومرجوح من وجه؛ لأن القياس من حيث أن نص العلة راجح
стр. 664
على الخبر يقتضي الرجحان، ومن حيث أن وجود العلة في الفرع ليس بقطعي يقتضي المرجوحيّة؛ لأنه من هذه الجهة يتطرق إلى القياس مفسدة لم تتطرق إلى الخبر.
والخبر راجح من حيث أن مقدماته أقل من مقدمات القياس، كما تقدم.
ومرجوح بالنسبة إلى النص الدال على علة الحكم، وإذا كان كذلك تساويا فوجب الوقف.
ولقائل أن يقول: جهة الرجحان في القياس واصلة إلى حد القطع دون الخبر وجهة المرجوحية تقتضي التساوي مع جهة الرجحان في الخبر، لعدم بلوغهما إلى حد القطع، فكان القياس راجحاً فيقدم.
قوله: ﴿﴿فإن كان أحدهما أعم﴾﴾ هو الشق الأول من الترديد، وهو أن يمكن الجمع بين القياس والخبر بوجه مّا.
وذلك إنما يكون إذا كان أحدهما أعمّ والآخر أخصّ.
وطريق الجمع بينهما تخصيص العام، قياساً كان أو خبراً.
وسيأتي ذلك في التخصيص.
ص ــ مسألة: المُرْسَلُ: قال غير الصحابي: قال ــ ﷺ ــ.
ثالثها: قال الشافعي: إن أسنده غيره، أو أرسله وشيوخهما مختلفة أو عضده قول صحابي، أو أكثر العلماء أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل، قُبِلَ.
ورابعها: إن كان من أئمة النقل قُبِلَ، وإلا فلا. وهو المختار.
لنا: أن إرسال الأئمة من التابعين كان مشهوراً مقبولاً، ولم ينكره أحد، كابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والحسن وغيرهم.
стр. 665
فإن قيل: يلزم أن يكون المخالف خارقاً للإجماع.
قلنا: خرق الإجماع الاستدلالي أو الظني لا يقدح.
وأيضاً: لو لم يكن عدلاً عنده، لكان مدلساً في الحديث.
قالوا: لو قبل، لقبل مع الشك؛ لأنه لو سئل لجاز أن لا يعدل.
قلنا: في غير الأئمة.
قالوا: لو قُبِلَ، لقبل في عصرنا.
قلنا: لغلبة الاختلاف فيه.
أمّا إن كان من أئمة النقل، ولا ريبة تمنع قُبِلَ.
قالوا: لا يكون للإسناد معنى.
قلنا: فائدته في أئمة النقل تفاوتهم ورفع الخلاف.
ش ــ الخبر المرسل: هو أن يقول غير الصحابي: قال النبي ــ ﷺ ــ.
واختلفوا فيه على أربعة أقوال:
أحدها: قبوله مطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه.
وثانيها: عدمه مطلقاً، وهو مذهب أهل الظاهر، وجماعة من المحدثين [١٢١/أ].
стр. 666
وثالثها: أنه إن أسند ذلك المرسل مرة أخرى، أو أسنده غير المرسل، أو أرسله غيره بشرط أن يختلف شيوخ المرسلين.
أو عضد المرسل قول صحابي، أو قول أكثر العلماء، أو عُرِفَ أن المرسل لا يرسل إلا عن عدل قُبِلَ.
فإن لم يتحقق أحد هذه الشروط لم يقبل، وهو قول الشافعي.
ورابعها: أن المُرسِلَ إن كان من أئمة النقل، كسعيد بن المسيب، والنخعي، والشعبي، ومكحول، وغيرهم قُبِلَ، وإلا فلا وهو مذهب عيسى بن
стр. 667
أبان، واختاره المصنف، واحتج عليه بوجهين:
أحدهما: أن إرسال أئمة النقل من التابعين كان مشهوراً، قال ابن سيرين: ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة. وكان مقبولاً من غير نكير فكان إجماع على قبوله.
وأورد: بأنه لو كان إجماع لكان المخالف خارقاً للإجماع، وهو يوجب القدح.
وأجاب: بأن الموجب للقدح خرق الإجماع القطعي، وأمّا خرق الإجماع الاستدلالي، والظني فلا يقدح في خارقه.
والثاني: أن لو لم يُقْبَل المرسل لم يقبل؛ لكون الأصل غير عدل عند المرسل؛ إذ لا مانع عن القبول غيره، لكنه لو كان كذلك وقد روى عنه كان مدلساً، فلا يكون عدلاً، والفرض عدالته.
وفيهما نظر؛ لأن عدم الإنكار ممنوع. لا يقال لو أنكر لنقل؛ لأنه ليس مما تتوفر الدواعي على النقل، لأن في المسانيد كثرة وبها عن المرسل مندوحة.
стр. 668
سلمناه، لكن عدمه لم يكن؛ لأنهم من أئمة النقل، بل لأنهم ما كانوا يروون إلا عن عدل كما قال الشافعي.
ولأنه يستلزم القبول من كل عدل، وإن لم يكن من أئمة النقل فكان مشترك الإلزام.
واحتج المانعون مطلقاً بأوجه ثلاثة:
الأول: أنه لو كان مقبولاً، لقبل الخبر مع الشك في عدالة الراوي فإن المرسل لم يذكر الأصل، ولو سئل عنه جاز أن لا يعدله، فكان مشكوك العدالة، لكن لا يجوز ذلك بالاتفاق.
وأجاب المصنف: بأن المرسل إذا كان من أئمة النقل لا يروي إلا عن عدل، فلا يمكن أن لا يعدل الأصل.
ولقائل أن يقول: عدم إمكان عدم تعديل الأصل لا يثبت إلا إذا كان عدم التعديل فسقاً ليلزم خلاف الفرض المحال وهو ليس بثابت.
الثاني: لو كان الْمُرْسَلُ مقبولاً لقبل في عصرنا؛ لأن علة القبول ظهور عدالة المرسل، وأنه لا يروي إلا عن عدل، وهو معنى لا يختص بالمرسلين في غير عصرنا، بل هو مشترك، لكن لا يقبل في عصرنا بالاتفاق.
وأجاب بالفرق، فإن غلبة الخلاف وكثرة المذاهب تمنعه منه.
ولئن سُلّم عدم الفرق فلا نسلم نفي التالي؛ فإن مراسيل أئمة النقل تقبل في عصرنا ــ أيضاً؛ لأنهم عارفون بالشيوخ فلا يروون إلا عن عدل.
стр. 669
وفيه نظر؛ لأن الفرق غير مسموع، كما تقدم. وصار المدار الرواية عن عدل، وهي مشتركة بين أئمة النقل، وغيرهم.
الثالث: أنه لو قبل لم يكن للإسناد فائدة وهو ظاهر.
وأجاب بمنع الملازمة؛ فإن فائدة [١٢١/ب] الإسناد في غير أئمة النقل ظاهرة، وهي زوال الاشتباه في عدالته، وفي أئمة [النقل] معرفة تفاوت درجاتهم ورفع الخلاف الواقع في المرسل.
وفيه نظر؛ لأن معرفة تفاوت الدرجات يحتاج إليها لدفع التعارض، والكلام في نفس القبول، والعدالة فيه كافية؛ ولأن رفع الخلاف لو صلح فائدة وجب الإسناد؛ لأنه يقطع النزاع والخصام وتحكم الشريعة باتفاق العلماء على الحكم، وإذا وجب لم يقبل مرسل أئمة النقل ــ أيضاً ــ لكنه ليس كذلك عندكم.
ص ــ القابل مطلقاً: تمسكوا بمراسيل التابعين.
ولا يفيدكم تعميماً.
قالوا: إرسال العدل يدل على تعديله.
قلنا: نقطع أن الجاهل يرسل ولا يدري من رواه.
وقد أخذ [على] الشافعي، فقيل: إن أسند فالعمل بالمسند.
وهو وارد. وإن لم يسند، فقد انضم غير مقبول إلى مثله.
ولا يرد؛ فإن الظن قد يحصل أو يقوى بالانضمام.
والمنقطع: أن يكون بينهما رجل. وفيه نظر.
والموقوف أن يكون قول الصحابي أو من دونه.
ش ــ أي الذين يقبلون المرسل مطلقاً تمسكوا بوجهين:
стр. 670
أحدهما: قبول مراسيل التابعي على الوجه الذي قررناه.
وأجاب المصنف: بأن ذلك لا يفيدهم قبول كل مرسل على التعميم؛ لجواز اختصاص التابعين بمعنى يوجب قبول مراسيلهم.
وفيه نظر؛ لأن التساوي في الرواة من جميع الوجوه غير ملتزم والمؤثر في القبول هو العدالة للقطع بعدم قبول مسند الغير العدل فضلاً عن مرسله، والعدالة مشتركة فيجب القبول.
الثاني: أن إرسال العدل يدل على تعديل الأصل، وعدالته توجب القبول.
وأجاب بمنع الدلالة على تعديله مستنداً بأن الجاهل مرسل ولا يدري من رواه، فضلاً عن عدالته.
وفيه نظر؛ لأنه إذا أرسل وهو عدل فكأنه قال: حدثني عدل وذلك مقبول، ولو فرض خلافه كان مجازفاً لا يقبل.
وقد أخذت الحنفية على الشافعي في قوله: المرسل يقبل بالشروط المذكورة.
قالوا: المرسل إذا أسند من وجه آخر كان القبول حينئذٍ لكونه مسنداً وليس الكلام فيه. واعترف المصنف بوروده.
وإذا تحقق معه شرط آخر من الشروط المذكورة، ولم يسند انضم غير مقبول إلى مثله فأنّى يفيد القبول.
وردّ: بأنه قد لا يحصل الظن بواحد منهما، ويحصل بانضمام أحدهما إلى
следующие страницы →