Полный текст (1 417 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
واحتج من قال إنه يقتضي المرة: بأنا قاطعون بأن السيد إذا قال لعبده ادخل فدخل مرة عد ممتثلا ولو كان للتكرار لما عد لأنه لم يأت به.
وأجاب بأنه إنما عد ممتثلا لإتيانه بفعل المأمور به فالمطلق وهو يتحقق فرد لا لكونه ظاهرا في المرة.
واحتج الواقف بأنه لو ثبت المرة أو التكرار فإما أن تكون " فإما أن " بدليل أو لا إلى أخره.
وتقريره وجوابه قد مر.
ص - مسألة: الأمر إذا علق على علة ثابتة وجب تكرره بتكررها اتفاقا , للإجماع على اتباع العلة لا للأمر. فإن علق على غير علة فالمختار لا يقتضي.
لنا: القطع بأنه إذا قال إن دخلت السوق فاشتر كذا عد ممتثلا بالمرة مقتصرا.
قالوا: ثبت ذلك في أوامر الشرع: (إذا قمتم) (الزانية والزاني) (وإن كنتم جنبا). قلنا في غير العلة بدليل خاص. قالوا: تكرر للعلة , فالشرط أولى لانتفاء المشروط بانتفائه. قلنا العلة مقتضية معلولها.
ش - هذه المسألة من فروع ما تقدم من اقتضاء الأمر التكرار إذا علق الأمر على صفة ثبتت عليتها. وجب تكرار المأمور به بتكررها لأن الإجماع منعقد على اتباع
стр. 702
العلة بمعنى تكرره بتكررها لا لأن الأمر يقتضي التكرار.
وعلى صفة لم تثبت عليتها. اختلفوا في وجوب تكرار الفعل بتكررها. والمختار عدمه , لأنا قاطعون بأن الرجل إذا قال لعبده إن دخلت السوق فاشتر اللحم فاشتراه مرة امتثل , وإن كرر الشراء بتكرار الدخول استحق اللوم , واقتضاء التكرار يمنع استحقاقه.
واحتج القائلون بأن تعليق الأمر بصفة مطلقا يقتضي التكرار بوجهين:
стр. 703
أحدهما: أنه ثبت في أوامر الشرع تكرره بتكرر ما علق عليها سواء كانت الصفات شروطا أو عللا كقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم) , وقوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا) وكقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإنها أفاد التكرار فيها.
وأجاب المصنف بما معناه أن ما كان علة فلا كلام فيه وما كان غيرها فبدليل خاص اقتضى ذلك لا لأجل التعليق.
ولقائل أن يقول لا بد من بيان الدليل لينظر في صحة الدلالة وعدمها.
والثاني: أن تكرر الفعل بتكرر العلة بلا خلاف , وذلك يوجب تكرره بتكرر الشرط بالأولى لأنه أقوى منها " فإن المشروط ينتفي عند انتفاء العلة تقتضي معلولها " فإنها كلما وجدت وجد المعلول بخلاف الشرط فإنه لا يقتضي مشروطه.
وحينئذ لا مدخل للشرط في الوجود أصلا وذلك واضح وكون المعلول النوعي لا ينتفي بعدم علة شخصية لا يبطل بمحل النزاع لأن كلامنا في أن وجود العلة يقتضي وجود المعلول , وذلك ثابت غير مدافع فيتكرر بتكرره قطعا.
وأما أن عدمها يقتضي عدم المعلول فلم يتعرض له , ولم يحتج إليه بخلاف الشرط فإن وجوده لا يقتضي وجود المشروط وذلك أيضا ثابت غير مدافع فلا يتكرر بتكرره قطعا.
ص - مسألة: القائلون بالتكرار قائلون بالفور. ومن قال: المرة تبرئ , قال
стр. 704
بعضهم للفور. وقال القاضي إما الفور أو العزم. وقال الإمام بالوقف لغة , فإن بادر امتثل. وقيل بالوقف , وإن بادر. وعن الشافعي ما اختير في التكرار. وهو الصحيح. لنا ما تقدم. الفور. لو قال: اسقني فأخر عد عاصيا. قلنا: للقرينة. قالوا: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر مثل زيد قائم. وأنت طالق. رد بأنه قياس. وبالفرق بأن في هذا استقبالا قطعا. قالوا: طلب , كالنهي والأمر نهي عن ضده. وقد تقدما. قالوا: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) فذم على ترك البدار.
قلنا لقوله: (فإذا سويته). قالوا: لو كان التأخير مشروعا لوجب أن يكون إلى وقت معين. ورد بأنه يلزم لو صرح بالجواز. وبأنه إنما يلزم أن لو كان التأخير معينا.
وأما في الجواز فلا لأنه متمكن من الامتثال.
قالوا: قال: (سارعوا) (فاستبقوا) قلنا محمول على الأفضلية , وإلا لم يكن مسارعا. القاضي ما تقدم في الموسع. الإمام الطلب متحقق والتأخير مشكوك فوجب البدار. وأجيب بأنه غير مشكوك.
ش - القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار يلزمهم القول بأنه يقتضي الفور لأن من ضرورة التكرار استغراق جميع الأوقات من وقت الأمر إلى أخر العمر. والذين قالوا بأن المرة تبرئ المكلف اختلفوا. فقال: بعضهم يقتضي الفور.
وقال القاضي: يقتضي أحد الأمرين: إما الفور أو العزم على الفعل.
وقال إمام الحرمين: بالوقف على معنى أنه لا يعلم لغة من غير قرينة أنه يقتضي الفور أو التراخي. فإن بادر المأمور وأتى بالمأمور به على الفور كان ممتثلاً.
стр. 705
وقيل بالوقف , وإن بادر المأمور وأتى بالمأمور به على الفور لم يقطع بكونه ممتثلا بل يتوقف فيه أيضا كما يتوقف على الفور. ونقل عن الشافعي ما اختير في التكرار. وهو أنه لا يقتضي الفور كما لا يقتضي التكرار. واختاره المصنف. والدليل عليه ما تقدم في التكرار. وتقريره أن مدلول الأمر تحصيل الفعل. والفور والتراخي خارجان عنه. والفور والتراخي من صفات الفعل , ولا دلالة للموصوف على الصفة.
وفيه نظر قد تقدم.
استدل القائلون بأنه يقتضي الفور بسبعة أوجه:
الأول: العرف فإن الرجل إذا قال لعبده اسقني ماء فإنه يفيد الفور قطعا ولهذا يذم على التأخير.
стр. 706
وأجاب بأن الفور مستفاد من القرينة يعني الحالية , والكلام في المجرد عنها.
الثاني: أن كل مخبر ومنشئ فإنما يقصد بإنشائه الزمان الحال كزيد قائم. وأنت طالق فكذا الأمر بأمره , لأنه قسم من الكلام.
وأجاب بأنه قياس في اللغة. وبالفرق بأن في الأمر استقبالا قطعا لأن الأمر لتحصيل ما ليس بحاصل في الحال , ولأنه مشتق من الفعل المستقبل.
وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه مبنى على الفرق وقد تقدم غير مرة.
والثاني: أنه مشتق من الفعل المضارع وهو يصلح للحال والاستقبال لا أنه مستقبل ألبتة والأمر لأن يحصل في الحال ما ليس بحاصل.
الثالث: أن الأمر طلب كالنهي يقتضي الوفر فكذلك الأمر.
الرابع: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الضد يستلزم الفور فكذا ما يستلزم النهي عن الضد فإن ملزوم الملزوم ملزوم.
وقد تقدم هذان الوجهان في المسألة المتقدمة مع الجواب عنهما.
الخامس: أنه أمر الله - تعالى - الملائكة وإبليس بالسجود لأدم وترك إبليس السجود فذمه الله - تعالى - على ترك السجود على الفور بدليل قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) لأنه ليس للاستفهام قطعا فيكون للذم. ولو لم يكن للفور لم
стр. 707
يتوجه الذم لمساغ أن يقول منعني كونه لم يجب على الفور. وأجاب بأنه اقتضى الفور بقرينة قوله: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له سجدين) فإنه دل على وجوب السجود عقيب التسوية ونفخ الروح ولا يلزم منه أن يكون الأمر المطلق مفيدا للفور.
وفيه نظر فإنه ليس في الآية إلا دلالة وقوع السجود من الملائكة عقيبهما , والوقوع عقيبهما إما أن يكون قبل الأمر أو بعده , والأول ليس مما نحن فيه لكونه غير مأمور به , والثاني يفيد المطلوب.
السادس: لو كان التأخير مشروعا لوجب أن يكون إلى وقت معين عند المكلف وإلا لزم تكليفه بعدم تأخير الواجب عن وقت لا يعلمه وهو تكليف بما لا يطاق لكن لا يجوز أن يكون التأخير إلى وقت معين لأن ذلك الوقت ليس إلا وقتا يغلب على ظن المكلف أنه لا يعيش بعده , لأن القائلين بالتراخي قائلون به لكن لا بد لغلبة ظنه من دليل وهو إما كبر السن أو مرض شديد لكن كثير من المكلفين يموتون دونهما.
وأجاب أولا: بنقض إجمالي وهو أن هذا الدليل منقوض بما إذا صرح للمكلف بجواز التأخير مثل أن يقول صل متى شئت , فإنه يطرد هذا الدليل فيه مع أنه للتراخي بالاتفاق.
وثانيا: بنقض تفصيلي منع الملازمة. وتقريره لا نسلم أنه إذا لم يجب التأخير إلى وقت معين عند المكلف لزم تكليف ما لا يطلق وإنما يلزم ذلك أن لو كان التأخير متعينا , وليس كذلك لجواز الاتيان بالمأمور به على الفور فإن المراد بالتراخي هو أن لا يكون الفور لازما لا أن لا يجوز.
السابع: أن يقال فعل المأمور به من الخيرات وسبب للمغفرة ومثله يجب الإتبان به على الفور لقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) أمر بالمسارعة والأمر للوجوب.
стр. 708
وأجاب بأن الأمر بذلك للندب على معنى أنها أفضل من التأخير وقرينته أنه لو لم يحمل على ذلك انتفى المسارعة لأنها عبارة عن مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به بعد ذلك فلو وجب الفور تضيق ولا مسارعة فيه.
وفيه نظر فإن للخصم أن يقول: المسارعة هي المسابقة إلى الشيء وأما جواز الإتيان به بعد ذلك فليس بداخل في مفهومه.
واستدل القاضي بما مر في الواجب الموسع من وجوب العزم في أول الوقت أو الإتيان بالمأمور به وقد تقدم مع جوابه ثمة.
واستدل إمام الحرمين بأن الطلب متحقق بورود الأمر والخروج عن العهدة بالتأخير مشكوك فيه فوجب ترك المشكوك فيه فتعين المبادرة.
وأجاب بما معناه أن الطلب على الفور متحقق أو على التراخي أو مطلقا لا سبيل إلى الأول لكونه مصادرة ولا إلى الثاني لأنه بعيد خلاف المقصود فتعين الثالث. والمطلق يحتمل البدار والتأخير من غير ترجيح فكما يخرج عن العهد بالبدار يخرج بالتأخير وحينئذ لا يكون مشكوكا.
ولكن كلامه في الدلالة على هذا البيان في حيز الإلغاز.
ص - مسألة: اختار الإمام والغزالي أن الأمر بشيء معين ليس نهيا عن ضده , ولا يقتضيه عقلا. وقال القاضي ومتابعوه نهي عن ضده. ثم قال: يتضمنه. ثم اقتصر قوم. وقال القاضي: والنهي كذلك فيهما. ثم منهم من خص الوجوب دون الندب.
ش - اختلفوا في أن الأمر بشيء معين هل هو بعينه نهي عن ضده أو لا؟
فذهب إمام الحرمين والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين لا يكون نهياً عن
стр. 709
ضده " ولا يقتضيه عقلا " أي لا يستلزمه والمراد بالضد ما يستلزم ترك المأمور به وقوله: معين - قيد اتفاقي.
وقال القاضي أبو بكر أولا: الأمر بشيء بعينه نهي عن ضده. ثم قال ثانيا: إن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده أي يستلزمه بكونه نهيا عن ضده " عن أن يقول والنهي عن الشيء أمر بضده أو مستلزم له.
وقال القاضي النهي كذلك فيهما أي النهي عن الشيء أمر بضده أو يقتضيه عقلاً.
стр. 710
ثم من القائلين بكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده أو مستلزما له من قال إن الأمر الذي هو نهي عن ضده أو مستلزم له هو أمر الإيجاب لا الندب. ومنهم من لم يخصه به.
ص - لنا لو كان الأمر نهيا عن الضد أو يتضمنه لم يحصل بدون تعقل الضد والكف عنه لأنه مطلوب النهي. ونحن نقطع بالطلب مع الذهول عنهما.
واعترض بأن المراد الضد العام. وتعقله حاصل لأنه لو كان عليه لم يطلبه.
وأجيب بأن طلبه في المستقبل. ولو سلم فالكف واضح.
ش - احتج المصنف على أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده ولا يقتضيه عقلا فإنه لو كان كذلك لم يحصل الأمر بدون تعقل الضد , وتعقل الكف عنه لأن النهي طلب الكف عن الضد , والفرض أن الأمر عينه , والشيء لا يحصل بدون تعقله , لكنا نقطع بأن الأمر قد يطلب شيئا مع الذهول عن ضده , والكف عنه.
واعترض بأنا لا نسلم تحقق الطلب مع الذهول عن ضده والكف عنه , لأن الضد قد يطلق على أمر خاص كالأكل والشرب بالنسبة إلى الصلاة. وعلى أمر عام وهو ترك المأمور به فإنه يتحقق بكل من الأمور الخاصة. والمراد بالضد هاهنا هو الثاني. وتحقق الطلب مع الذهول عنه ممتنع لأن الأمر عند الأمر يعقل ترك المأمور به إذ لو علم أن المأمور متلبس بالمأمور به لم يأمره لأنه تحصيل الحاصل.
ولقائل أن يقول هذا تناقض ظاهر لأن مدعاهم أن الأمر بالشيء عين النهي عن
стр. 711
ضده ودليلهم بالتمحل الشديد يدل على أنه شيء يستلزم تعقل الأمر بعقله.
وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن الأمر لو علم أن المأمور على الفعل لم يأمره.
قوله: لامتناع تحصيل الحاصل - قلنا لا نسلم لزوم ذلك وإنما يلزم أن لو كان الأمر يطلب تحصيل " الحاصل " الفعل في الحال , وهو ممنوع فإن الأمر يطلب به الفعل في الزمان المستقبل. ولو سلم أن الضد العام معلوم للأمر , فالكف غير معلوم له وهو واضح.
وفي كلامه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه يسلتزم أن يكون الأمر لطلب دوام المأمور به لا لطلب المأمور به إذ كان المأمور على المأمور به وقت الأمر وإلا فلا يفيد شيئا.
والثاني: أن كون الكف غير معلوم يدفع كون الأمر بالشيء عين النهي عن ضده ولا يدفع كونه متضمنا له لأن كونه غير معلوم لا ينافي أن يكون لازما من لوازمه لأن معرفة الشيء يستلزم معرفة ما تتوقف عليه ماهيته. أما اللوازم الخارجية فإنما يتوقف عليها وجود الشيء لا العلم به فيجوز أن يتحقق الشيء لوجود لازمه وإن لم يكون العلم به حاصلا.
ص - القاضي لو لم يكن إياه لكان ضدا أو مثلا أو خلافا. لأنهما إما أن يتساويا في صفات النفس أو لا. الثاني: إما أن يتنافيا بأنفسهما أو لا. فلو كانا مثلين أو ضدين لم يجتمعا ولو كانا خلافين لجاز أحدهما مع ضد الأخر وخلافه , لأنه حكم الخلافين. ويستحيل الأمر مع ضد النهي عن ضده , وهو الأمر بضده , لأنهما نقيضان. أو تكليف بغير الممكن.
وأجيب: إن أراد بطلب ترك ضده , طلب الكف منع لازمها عنده , فقد تلازم الخلافان , فيستحيل ذلك وقد يكون كل منهما ضد الأخر كالظن والشك , فإنهما معا ضدا العلم وإن أراد بترك ضده عين الفعل المأمور به رجع النزاع لفظيا في تسميته تركا. ثم في تسمية طلبه نهياً.
стр. 712
القاضي: أيضاً السكون عين ترك الحركة , وطلب السكون طلب ترك الحركة.
وأجيب بما تقدم.
ش - احتج القاضي على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بوجهين:
الأول: لو لم يكن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده لكان إما ضدا له أو مثلا له أو خلافا له لانحصار الغير في ذلك فإنه إذا لم يكن عينه فإما أن يكون مساويا له في صفات النفس أي في تمام ذاتياته أو لا. والأول: هما المثلان كزيد وعمرو. والثاني: إما أن يتنافيا ذاتهما أو لا , والأول: هما الضدان ويندرج فيه
стр. 713
النقيضان والعدم والملكة , فالضدان كالسواد والبياض , والنقيضان كالإنسان واللاإنسان , والعدم والملكة كالعمى والبصر.
والثاني: هما الخلافان كالحركة والسواد , لكن التالي باطل لأن الأمر بالشيء والنهي عن ضده لو كانا مثلين أو ضدين لم يجتمعا لكنهما يجتمعان. يقال صل ولا تتركها.
ولقائل أن يقول: الضدان لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد والأمر بالشيء والنهي عن ضده كذلك لأن زمان التلفظ بالأمر غير زمان التلفظ بالنهي عن ضده. ثم إن قوله إنهما يجتمعان يدل على التعدد , والمدعى أنهما واحد ولو كانا خلافين لجاز وجود أحدهما مع ضد الأخر ومع خلاف الأخر لأن حكم الخلافين
стр. 714
ذلك كالعلم والإرادة فإنه يجوز وجود العلم مع ضد الإرادة وهو الكراهة ومع خلافها وهو المحبة وعكسه وهو جواز الجهل مع الإرادة ومع السخاوة التي هي خلاف العلم. لكن يستحيل اجتماع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن الضد وهو الأمر بالضد لأنه يلزم الأمر بالشيء والأمر بضده وذلك أمر بالنقيضين إن كان الضدان نقيضين , أو الأمر بالمتنافيين إن لم يكونا كذلك وذلك تكليف ما لا يطاق. فلا يكون الأمر بالشيء والنهي عن ضده خلافين. وإذا بطل الأقسام الثلاثة بطل التالي.
وأجاب المصنف عن هذا الوجه بأن القاضي إن أراد بطلب ترك الضد الذي هو المعنى بالنهي عن الضد طلب الكف عن الضد يختار أنهما خلافان حينئذ , ويمنع إذ ذاك ما يجعل القاضي لازم الخلافين , وهو اجتماع الخلاف مع ضد الخلاف , وخلاف الخلاف لأن الخلافين قد يكونان متلازمين كالعلة والمعلول المساوي فإنه يستحل اجتماع أحدهما مع ضد الأخر لأنه اجتماع الضدين لعدم انفكاك أحدهما عن الأخر فكلما يصدق أحدهما يصدق الأخر. وأيضا قد يكون ضد أحد الخلافين ضد الخلاف الأخر كالظن والشك فإنهما خلافان وكل منهما ضد العلم فيكون كل منهما ضد الأخر.
قال شيخي العلامة: المثال غير صحيح لأن الظن والشك ضدان على الوجه الذي فسر المصنف الضدين.
والمثال الصحيح هو الضاحك والكاتب فإنهما خلافان على الوجه الذي فسره , وكل منهما ضد للصاهل.
стр. 715
والفرق بين الوجهين المذكورين أن الأول سنده نقض تفصيلي. والثاني نقض إجمالي وإن أراد القاضي بطلب ترك ضده طلب غير الفعل المأمور به كان النهي عن الضد عين الأمر بالشيء وصار النزاع لفظيا في تسمية الفعل بترك الضد , ثم في تسمية طلب ذلك الفعل نهيا.
والثاني: أن السكون عين ترك الحركة , فطلب السكون الذي هو الأمر بالسكون هو بعينه طلب ترك الحركة الذي هو النهي عن ضد السكون.
وأجاب بما تقدم وهو أن النزاع حينئذ يكون لفظيا.
ص - التضمين: أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا , ولا يذم إلا على فعل وهو الكف أو الضد فيستلزم النهي.
وأجيب بأنه مبني على أنه من معقوله لا بدليل خارجي. وإن سلم فالذم على أنه لم يفعل لا على فعل. وإن سلم فالنهي طلب كف عن فعل لا عن كف , وإلا أدى إلى وجوب تصور الكف عن الكف لكل أمر وهو باطل قطعا. قالوا: لا يتم الواجب إلا بترك ضده وهو الكف عن ضده أو نفيه فيكون مطلوبا. وهو معنى النهي. وقد تقدم.
ش - احتج القائلون بأن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده بوجهين:
أحدهما: أمر الإيجاب طلب فعل يذم تاركه. ولا يذم إلا على فعل , لأن العدم غير مقدور عليه , وغير المقدور عليه لا يذم تاركه. وذلك الفعل هو الكف أو فعل ضد المأمور به لأن عدم المأمور لا يحصل إلا بأحدهما فيكون الكف أو فعل الضد المأمور به منهيا عنه فيكون أمر الإيجاب مستلزما للنهي عن أحدهما.
وفيه نظر لأنه يكون مستلزما للمنهي عنه وهو أحدهما لا النهي عن أحدهما وهو خلاف المطلوب.
стр. 716
وأجاب بأن هذا الدليل مبني على أن الذم على ترك فعل المأمور به من معقول الأمر لا بدليل خارجي وليس كذلك بل العلم بالذم على الترك مستفاد من دليل خارجي.
ولقائل أن يقول الدليل الدال على ذلك إما أن يكون شرعيا ولا نسلم وروده على أن ذلك كان معلوما قبل الشرع. وإما أن يكون عقليا وهو ليس بحجة فلم يبق إلا أن يكون من معقوله. ثم قال: ولئن سلم أن الذم على الترك من معقول الأمر لكن لا نسلم أن الذم لا يكون إلا على فعل. يجوز أن يكون على أنه لم يفعل لا أنه فعل.
لا يقال العدم غير مقدور لأن ذلك هو الممتنع وليس الكلام فيه ولئن سلم أن الذم على الفعل لكن لا يصح أن يكون الكف منهيا عنه لأن النهي هو طلب كف عن فعل لا طلب كف عن كف وإلا أدى إلى وجوب تصور الكف عن الكف لكل أمر لأن الأمر بالشيء يستلزم تصور النهي الذي هو طلب الكف عن الكف وهو باطل قطعا فإنا نجد أنفسنا تأمرنا بأشياء ولم نتصور شيئا من ذلك وإذا لم يكن النهي طلب كف عن كف لم يكن الكف منهيا عنه.
وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن قوله النهي طلب كف عن فعل لا عن كف يوهم أن الفساد إنما هو باعتبار جعل الكف منهيا عنه وليس كذلك فإن الفساد باق. وإن كان المنهي عنه فعلا لا كفا فإنا نجد أنفسنا إذا أمرنا بشيء أن الذهن لا يتوجه إلى شيء من ذلك والمنازع مكابر.
والثاني: أن هذا الجواب مخصوص بدفع كون الكف هو الفعل الذي يذم عليه لا الضد.
الثاني: أن الأمر بالشيء يستلزم كون المأمور به واجبا والواجب لا يتم إلا بترك الضد , وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , فترك الضد واجب وترك الضد هو
стр. 717
الكف عنه أو نفيه. فيكون أحدهما مطلوبا ويكون ضد المأمور به منهيا عنه , فيكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده.
وأجاب بقوله: وقدم تقدم. وهو أنه ليس كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب , بل ما لا يتم الواجب إلا به أذ كان شرطا شرعيا كان واجبا وترك الضد ليس كذلك.
وفيه نظر لأن ذلك مختاره على خلاف أكثر الأصوليين فيكون رد المختلف على المختلف وقد تقدم هناك إبطال الوجوه المذكورة ثمة.
ص - الطاردون: متمسكا القاضي المتقدمان. وأيضا - النهي: طلب ترك فعل والترك فعل الضد , فيكون أمرا بالضد. قلنا , فيكون الزنا واجبا من حيث هو ترك لواط وبالعكس. وهو باطل قطعا. وبأن لا مباح. وبأن النهي طلب الكف لا الضد المراد. فإن قلتم فالكف فعل فيكون أمرا رجع النزاع لفظيا , ولزم أن يكون النهي نوعا من " الأمور " ومن ثم قيل الأمر طلب فعل لا كف.
стр. 718
ش - القائلون بأن النهي عن الشيء هو بعينه أمر بضده , كما أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده , احتجوا بثلاثة أوجه:
الأول والثاني: متمسكا القاضي , يعني الدليلين الدالين على عدم المغايرة لأنه لو لم يكن النهي عن الشيء أمرا بضده لكان إما مثله أو ضده أو خلافه إلى أخره. ولأن السكون عين ترك الحركة فيقال ترك الحركة عين السكون فالنهي عن الحركة هو عين الأمر بالسكون وقد مر جوابهما.
والوجه الثالث: أن النهي طلب ترك فعل وترك الفعل هو بعينه فعل الضد فالنهي طلب فعل الضد. وكل ما هو طلب فعل فهو أمر. فالنهي عن الشيء هو بعينه أمر بضده.
وأجاب عنه بثلاثة أوجه:
الأول: لو كان ترك فعل هو بعينه فعل الضد لكان الزنا واجبا من حيث هو ترك اللواط , وبالعكس لأن ترك اللواط حينئذ يكون فعل الزنا الذي هو ضده , وترك اللواط واجب فالزنا واجب , وترك الزنا فعل اللواط الذي هو ضده وترك الزنا واجب فيكون اللواط واجبا ولا نزاع في بطلان ذلك.
الثاني: أنه لو كان ترك فعل هو بعينه فعل ضده لزم أن لا يتحقق المباح في
стр. 719
الشرع لأن كل مباح ضده الحرام وضد الحرام بعينه ترك الحرام واجب فيكون المباح واجبا.
ولقائل أن يقول: هذان الجوابان ليسا بشيء لأن المستدل جعل ترك الزنا مثلا فعلا خاصا هو فعل ضد الزنا أي عدمه فإنه قد تقدم أن عدم الشيء ضد فترك الزنا عنده فعل ضده الذي هو عدمه وليس للواط ولا لنفي المباح في ذلك مدخل.
الثالث: أن النهي طلب الكف عن الفعل فيكون الكف عن الفعل مطلوبا لا فعل الضد المراد. فإن قيل لو سلم أن النهي طلب الكف عن الفعل فالكف فعل فيكون طلبه أمرا لأن طلب الفعل أمر.
أجيب بأنه حينئذ رجع النزاع لفظيا لأنا لا نسمي طلب الكف أمرا وأنتم تسمونه أمرا.
ويلزمكم أن يكون النهي نوعا من الأمر لأنه حينئذ يكون طلب الفعل سواء كان كفا أو غيره أمرا ثم إن كان ذلك الفعل كفا سمي نهيا أيضا. والقول بأن النهي نوع من الأمر باطل. ومن ثم أي ومن أجل أن القول بأن النهي نوع من الأمر باطل. قيل في تعريف الأمر إنه طلب فعل غير كف.
ولقائل: " أن يقول بعد أن صار النزاع لفظا لا وجه لإيراد كون النهي نوعا من الأمر لجواز " أن يقول الأمر والنهي عندي عبارتان عن معبر واحد فإن كان بصيغة السلب قلنا نهي عن الشيء وهو أمر بضده وإن كان بصيغة الإيجاب قلنا أمر بشيء وهو نهي عن ضده.
وقول من قال إنه طلب فعل غير كف , غير ناهض لأنه اصطلاح ولا مشاحة فيه.
ص - الطاردون في التضمين لا يتم المطلوب بالنهي إلا بأحد أضداده كالأمر.
وأجيب بالإلزام الفظيع , وبأن لا مباح.
стр. 720
ش - القائلون بأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده كما أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده احتجوا بأن المطلوب بالنهي وهو الترك - كفا كان أو أن لا يفعل - لا يتم إلا بفعل أحد أضداده. وما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب فالنهي عن الشيء يستلزم طلب فعل الضد وطلب فعل الضد أمر. فيكون النهي مستلزما للأمر.
وأجيب بالإلزام الفظيع وهو أنه يلزم أن يكون طلب ترك الزنا مستلزما لطلب فعل اللواط.
وفيه نظر لأنه قال لا يتم إلا بأحد أضداده يعني لا على التعين وأحد الأمور لا على التعيين ليس بواحد منها بعينه فلا يرد عليه اللواط ولا الزنا غاية ما في الباب أن ينظر في أضداده فما دل " عليه دليل " صريح على حرمته يرجح على موجبه الذي يوجبه استلزاما لأن الصريح أقوي من المستلزم.
قال وأيضا يلزم أن لا مباح في الشرع كما ذكر.
وفيه نظر لأن كلامهم في أدلتهم وغيرها يدل على أن المراد بالضد شيء خاص وهو فعل المنهي عنه فإن الزنا لما كان منهيا عنه مثلا فضده الذي هو ترك فعله مطلوب وكل طلب فعل أمر عندهم فلا مدخل فيه للمباح.
ص - الذين نفروا من الطرد إما لأن النهي طلب ضد نفي وإما للإلزام الفظيع وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الذم على الترك وهو فعل ما يستلزم كما تقدم. والنهي طلب كف عن فعل فلم يستلزم المر لأنه طلب فعل لا كف وإما لإبطال المباح.
ش - الذين يفرون من الطرد ويقولون الأمر بالشيء هو بعينه نهي عن ضده أو
стр. 721
يستلزمه دون العكس إنما يفرون من الطرد لأحد أمور: إما لأن النهي طلب نفي فعل أي طلب أن لا يفعل وهو عدم والأمر طلب وجود فعل وطلب العدم لا يكون غير طلب الوجود ولا متضمنا له.
وفيه نظر لأن الوجودي قد يستلزم العدمي فإن تصور كل سلب يتلزم تصور إيجابه.
قيل وهذا الدليل يوجب أن لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده ولا مستلزما له لأن طلب الوجود لا يكون بعينه طلب العدم ولا متضمنا له.
وأما الإلزام المذكور وهو لزوم كون الزنا واجبا" وهذا " الدليل أيضا باطل لأن الأمر بالشيء لو كان عين النهي عن ضده أو مستلزما له للزم أن يكون الأمر بالصلاة بعينه نهيا عن الحج أو مستلزما له فإن الصلاة ضد الحج.
وفيه نظر لأن الحج وأمثاله إن كان ضدا فقد دل الدليل الصريح على وجوبه فترك الدليل الذي ينفيه بالاستلزام ترجيحا للصريح عليه.
وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الذم على الترك والترك فعل لما تقدم أن الذم لا يكون إلا على الفعل فاستلزم الأمر النهي لأن الترك الذي هو فعل يذم عليه منهي عنه.
وأما النهي عن الشيء فلا يستلزم الأمر بالضد. إما لأن النهي طلب كف فعل والأمر طلب فعل غير كف فلو كان النهي مستلزما للأمر لزم أن يكون طلب الكف مستلزما لطلب غير الكف , وهو مستحيل.
وإما لأنه لو كان النهي مستلزما للأمر لزم نفي المباح لأنه يلزم من النهي الأمر بالمباح الذي هو ضد النهي عنه فانتفى المباح لكونه مأمورا به والمأمور به واجب.
وهو أيضا باطل لأن الأمر بالشيء لو كان مستلزما للنهي عن الضد للزم أيضا نفي المباح لأنه ضد المأمور به فيكون منهيا عنه فلا يكون مباحا.
ص - والمخصص: للأمرين الأخيرين.
стр. 722
ش - والذين خصصوا استلزام الأمر للنهي بأمر الإيجاب , احتجوا بالأمرين الأخيرين: أما الأمر الأول منهما فلأن الأمر إنما استلزم النهي بسبب الذم على الترك ولا ذم على الترك في الندب فلا يستلزم الأمر الذي للندب النهي عن ضده.
ولقائل أن يقول لو كان علة الاستلزام ذلك لا ستلزم نهي الإيجاب الأمر بضده لأنه طلب كف فعل يذم فاعله , وكف فعل يذم فاعله مأمور به.
وهذا النقض وارد على الفار من الطرد أيضا.
وأما بالثاني فلأن استلزم الأمر للنهي يوجب نفي المباح وهو خلاف الأصل فخصص أمر الإيجاب باستلزام النهي دون أمر الندب تقليلا لما هو خلاف الأصل.
ولقائل أن يقول هذا باطل قطعا لأن مقتضاه تسويغ انتفاء المباح في أمر الإيجاب.
ص - مسألة: الإجزاء: الامتثال. فالإتيان بالمأمور به على وجهه يحققه اتفاقا.
وقيل: الإجزاء: إسقاط القضاء فيستلزمه. وقال عبد الجبار: لا يستلزمه. لنا لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال. وأيضا فإن القضاء استدراك لما فات من الأداء فيكون تحصيلا للحاصل. قالوا لو كان لكان المصلي بظن الطهارة أتما أو ساقطا عنه القضاء , إذا تبين الحدث. وأجيب بالسقوط للخلاف. وبأن الواجب مثله بأمر أخر عند التبين.
وإتمام الحج الفاسد واضح.
ش- اختلف الناس في معنى الإجزاء. فقيل: هو الامتثال. وعلى هذا إذا
стр. 723
أتى بالمأمور به على الوجه الذي أمر به فذهب بعضهم إلى أنه تحقق الإجزاء يعني سقط القضاء. وهو مختار المصنف.
وقال عبد الجبار: لا يسقط القضاء به.
واحتج المصنف على ما اختاره بوجهين:
стр. 724
الأول: أن الإتيان بالمأمور به لو لم يستلزم الإجزاء لم يعلم الامتثال لبقاء احتمال توجه التكليف , وإذا احتمل توجه احتمل عدم الامتثال لأن تحقق الامتثال مع توجه التكليف متنافيان. وإذا احتمل عدم الامتثال لم يعلم الامتثال لأن العلم بالشيء ينافي احتمال النقيض.
وفيه نظر لأن الإجراء لما كان سقوط القضاء كان غير الامتثال قطعا فلا يلزم من عدم سقوط القضاء عدم العلم بالامتثال فإن الامتثال حينئذ عبارة عن إخراج المأمور به من القوة إلى الفعل وهو عين الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به فكيف يكون غير معلوم.
ولأن قوله لبقاء احتمال توجه التكليف ليس بمستقيم لأنه إذا لم يحصل سقوط القضاء بالإتيان بالمأمور به فالخطاب متوجه لا محتمل لأن القضاء بالأمر السابق.
والثاني: أن القضاء استدراك لما فات من الأداء فلو لم يكن الإتيان بالمأمور به على وجهه مسقطا للقضاء لكان تحصيلا للحاصل , فإن الحاصل من الإتيان بالمأمور به إذا عدم الإجزاء ولم يحصل بالقضاء شيء أخر غيره وهو تحصيل للحاصل. وأن يكون القضاء فكذلك أبدا وفيه تكليف ما لا يطيق.
ولعبد الجبار أن يقول الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به امتثال للأمر لا محالة ولكن لا يعلم أن القضاء يسقط به أولا حيث لم يكن مستلزما له لما سيجئ. وعدم العلم بالسقوط لا يستلزم العدم في نفسه كما أنا لا نعلم أي عبادة وقعت معتدا بها عند الله - تعالى - وإنما تنكشف يوم القيامة.
واستدل القاضي ومتابعوه بأن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به لو كان مستلزما لسقوط القضاء لأثم المصلي بظن الطهارة أو سقط عنه القضاء إذا ثبت حدثه بعده لأنه إما أن يكون مأمورا بها مع يقين الطهارة أو مع ظنها فإن كان الأول أثم
стр. 725
لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه , وإن كان الثاني سقط عنه القضاء لأنه أتى به على وجهه لكنه لا يأثم ولا يسقط عنه القضاء بالاتفاق.
وأجاب بأنا لا نسلم عدم سقوط القضاء فإنه مختلف فيه ونحن نختار سقوطه. وبأن ما يجب عليه الإتيان به ليس بقضاء لما أتى به أولا بل هو واجب أخر مثل ما أتى به , وجب عليه بسبب أخر عند تبين الحدث لا بالسبب الأول.
وفيه نظر لأن ما يأتي به ثانيا إما يكون في الوقت أو بعده فإن كان الأول فهو إعادة وبطل قوله بسبب أخر لا بالسبب الأول.
وإن كان الثاني فهو قضاء لا محالة فبطل قوله ليس قضاء لما أتى به.
فإن قيل لو اسقط القضاء الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أممر به لما وجب قضاء الحج الفاسد بعد المضي عليه لأنه مأمور بإتمامه وقد أتى به على الوجه المأمور به.
أجيب بأن المماثلة بين القضاء والأداء واجب وإتمام الحج الفاسد ليس مماثلا لما أتى به في السنة الآتية وهو واضح فلا يكون قضاء للحج الفاسد.
هذا ما قيل في تفسير قوله وإتمام الحج الفاسد واضح. وليس في كلامه ما يلوح إليه أصلا.
ولقائل أن يقول المراد بالمماثلة إن كان المصطلح وهو الاتحاد في الذاتيات فالحج الفاسد والمأتي به في العام القابل كذلك. وإن كان المشابهة من وجه فكذلك. وإن كان المشابهة في أخص الأوصاف لا يتحقق في صورة من الصور لأن ذلك هو كون المؤدى وقتيه والقضاء ليس كذلك فاختلفا فيه. وإن كان المشابهة من جميع الوجوه كما فسره بعض المتكلمين فكذلك لأنهما حينئذ متحدان لا متماثلان.
ص - مسألة صيغة الأمر بعد الحظر للإباحة على الأكثر. لنا غلبتها شرعا (وإذا حللتم) (فإذا قضيت الصلواة). قالوا: لو كان مانعا لمنع من التصريح.
стр. 726
وأجيب بأن التصريح قد يكون بخلاف الظاهر.
ش - اختلف الناس في الأمر بعد الحظر فذهب الفقهاء إلى أنه للوجوب كما كان قبله إذا عري عن قرينه. ومنهم من ذهب إلى أنه للإباحة واختاره المصنف. واحتج بأن صيغة الأمر بعد الحظر إنما وردت في الشرع للإباحة غالبه كما في قوله - تعالى -: (وإذا حللتم فاصطادوا) (فإذا قضيت الصلوة فانتشروا) والحكم للغالب.
ولقائل أن يقول ورودها للإباحة بعده إما أن يكون بقرينة أو لا والثاني: ممنوع والأول يفيد أنه حقيقة في الوجوب وتستعمل في الإباحة بقرينة " مجازا بعده كما كان قبله " وغلبة الاستعمال لا تستلزم أن تكون على جهة الحقيقة وهو المتنازع فيه ولو
стр. 727
كانت حقيقة لزم الاشتراك وهو باطل.
واحتج الفقهاء بأن مطلق الأمر للوجوب ووردوده بعد الحظر ليس مانعا عن الوجوب وإلا يمنع التصريح به ولم يمنع لجواز التصريح من الشرع بعده كما لو قال بعد حظر القتال في الأشهر الحرم أوجبت عليكم القتال وإذا تحقق المقتضى وانتفى المانع لزم الوجوب.
وفيه نظر لأنه إثبات اللغة بالدليل العقلي.
وأجاب بأن وروده بعده إذا كان مانعا للوجوب لم يلزم أن يكون مانعا من التصريح بالوجوب لجواز أن يكون مانعا للوجوب بطريق الظهور ويجوز التصريح بالوجوب حينئذ لأن التصريح قد يكون بخلاف الظاهر.
ولن ينتصر للفقهاء أن يبدل بالتالي.
قولنا: لم يرد بعده للوجوب وحينئذ يبطل الجواب المذكور.
ص - مسألة: القضاء بأمر جديد. وبعض الفقهاء بالأول. لنا: لو وجب به لاقتضاه. " وصوم " يوم الخميس لا يقتضي يوم الجمعة. وأيضا لو اقتضاه لكان أداء ولكانا سواء. قالوا: الزمان ظرف فاختلاله لا يؤثر في السقوط. رد بأن الكلام في مقيد لو قدم لم يصح. قالوا: كأجل الدين. رد بالمنع , وبما تقدم. قالوا: فيكون أداء.
قلنا سمي قضاء , لأنه يجب به استدراكا لما فات.
ش - الأمر إما مطلق أو مؤقت بوقت معين.
والأول: لا قضاء له عند من لم يقل بالأداء على الفور بل في أي وقت أتى به فهو أداء.
والثاني: إذا فات عن وقته ذلك صار قضاء. واختلفوا في أنه واجب بالأمر
стр. 728
الأول المقتضي للأداء أو بأمر أخر.
فقال الفقهاء بالأول. وهو المختار.
وذهب غيرهم إلى أنه بأمر جديد واختاره المصنف. واحتج بأوجه.
الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه الأمر الأول على معنى أن أمر الأداء يتناول وجوب القضاء لأنا لا نعني بالوجوب إلا تناوله إياه لكن ليس كذلك لأن قول القال " صوم " الخميس لا يتناول صوم يوم الجمعة لا بطريق المنطوق ولا بطريق المفهوم ولقائل أن يقول هذه مغالطة لأن الخصم لا يقول بتعيين يوم الجمعة لصوم القضاء وإنما يقول الأمر تناول يوم الخميس وهو أخص يستلزم الصوم المطلق ولا يلزم من انتفاء الأخص انتفاء الأعم فيبقى الأعم متناول النص عند عدم الأخص وهو المعني بوجوبه بالأمر الأول. وتحقيقه أن المأمور بشيء لا يخلص من عهدته إلا بأحد أمور ثلاثة. إما بأداء من عليه أو بإسقاط من له أو بالعجز عن الإتيان به. والفرض انتفاء الأولين والعجز ثابت باعتبار شرف الوقت فقط فيثبت تقديره ويسقط إلى مأثم. وأما نفس الصوم فليس هو بعاجز عن الإتيان به فيجب عليه الإتيان مطلقا. وقد ذكرنا في التقرير بتمامه فليطلب ثمة.
الثاني: لو اقتضى الأمر الأول وجوب القضاء كان القضاء أداء لأنه حينئذ يكون
стр. 729
وقوع المأمور به في الزمان الثاني كوقوعه في الزمان الأول لكونهما مقتضى الأمر.
والواقع في الأول أداء فكذا في الثاني. لكنه ليس كذلك بالإجماع.
ولقائل أن يقول الملازمة ممنوعة لجواز أن يكون الأداء مشروطا بشرط ككونه في الوقت والقضاء مشروطا بغيره ككونه في غيره وحينئذ لا يلزم من كونهما مقتضى الأمر أن يكون الثاني كالأول. وأن يقول لو كان بالأمر الجديد لكان أيضا كذلك لأن الأمر الثاني في الاقتضاء كالأول , وفي الأول أداء فكذا في الثاني.
الثالث: لو وجب بالأول كان وقوع الفعل في الزمان الأول مساويا لوقوعه في الزمان الثاني لاتحاد المقتضى وليس كذلك لأن التأخر القصدي يوجب الإثم.
وفيه نظر لجواز انتفاء المساواة بعدم الشرط الذي يتوقف عليه شرف الوقت كما تقدم.
واحتج للمحققين بثلاثة أوجه:
الأول: أن الزمان المقدر ظرف للمأمور به والظرف لا يكون مطلوبا بالأمر لأن المطلوب بالأمر لا بد وأن يكون مقدورا للمكلف والظرف لا يكون مقدورا له. وكل ما لا يكون مطلوبا بالأمر فالاخلال به لا يؤثر في سقوط التكليف.
وأجاب بأن الكلام في أمر مقيد لو قدم الإتيان به على وقته لم يصح " وقوعه " في الوقت مطلوب ومقدور للمكلف فيكون إخلاله في وقته الأول مؤثرا في سقوط التكليف به.
ولقائل أن يقول سلمنا أن وقوعه في الوقت مطلوب لكن لزيادة شرفت الوقت أو لجعل الفعل عبادة والثاني ممنوع فإن العبادة فعل يأتي به المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه وليس للوقت في ذلك جهة الركنية.
والأول مسلم لكن الإخلال به إنما يؤثر في فوات إدراك الوقت لا غير.
الثاني: أن الزمان المقدر للمأمور به الذي هو حق الله كأجل الدين الذي هو
стр. 730
حق الآدمي فلا يسقط المأمور به بفوات الأجل.
ورد بمنع أن زمان المأمور به كأجل الدين فإن مخرج المأمور به عن وقته يأثم دون مخرج الدين.
وفيه نظر لأن المماطلة أيضا عند الخصم توجب الإثم.
قال وأيضا يجوز أداء الدين قبل الأجل ولا يصح تقديم المأمور به على وقته المقدر.
وفيه نظر لأنه باطل على قاعدة الخصم فإن تقديم الدين على الأجل إنما جاز لتحقق سببه وإن لم يكن مطلوبا بخلاف المأمور به فإن وقته سببه عنده ولا يجوز تقديم المسبب على السبب.
الثالث: لو كان القضاء بأمر جديد لكان أداء كما في الأول لكنه ليس كذلك.
وأجاب بأنه سمي قضاء لأنه وجب استدراكا لما فاته.
وفيه نظر لأنه يشير إلى النزاع في التمسية وهو باطل لترتب الحكم عليه وهو المأثم. والحق أن كونه قضاء يقتضي بأن يكون نسبته إلى الأمر الأول أنسب.
ولا يخفى على المتأمل المنصف.
ص - مسألة: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء. لنا: لو كان لكان مر عبدك بكذا تعديا. ولكان يناقض قولك للعبد لا تفعل. قالوا: فهم ذلك من أمر الله - تعالى - ورسوله ومن قول الملك لوزيره قل لفلان افعل ونحوه قلنا: للعلم بأنه مبلغ.
ش - اختلف في أن الشارع إذا أمر أحدا أن يأمر غيره بفعل مثل أمر النبي ﷺ لولي الصبي أن يأمر بالصلاة بعد استكمال سبع سنين هل يكون أمرا للصبي بذلك الفعل أو لا؟
стр. 731
اختار المصنف عدمه واحتج بوجهين:
أحدهما: لو كان أمرا لذلك الغير لكان قولك للسيد مر عبدك بكذا تعديا لأنه حينئذ يكون أمرا لعبد الغير بغير إذنه وهو تعد وليس كذلك.
وفيه نظر لجواز أن تعتبر توسيط السيد استئذانا منه فلا يكون تعديا.
الثاني: لو كان كذلك لكان قولك للسيد مر عبدك بكذا مناقضا لقولك للعبد لا تفعل كذا , لأن قولك للسيد مر عبدك بكذا بمنزلة قولك للعبد افعل كذا فكان مناقضا لقولك للعبد لا تفعل كذا لكنه ليس كذلك
وفيه نظر لجواز أن يكون قوله للعبد لا تفعل كذا رجوعا عما أمر به فلا يلزم التناقض.
واحتج القائلون بأن الأمر بالشيء أمر به بأن الله - تعالى - إذا أمر رسوله ﷺ أن يأمر بالشيء نفهم منه كوننا مأمورين بذلك قطعا. وكذا إذا أمر رسوله أحدا أن يأمر الناس بشيء. وكذا قول الملك لوزيره قل لفلان افعل كذا فإنه يفهم من ذلك كله كونه أمرا لذلك.
وأجاب بأن في هذه الصورة إنما فهم ذلك للعلم بأن المأمور بالأمر مبلغ للأمر.
ص - مسألة: إذا أمر بفعل مطلق فالمطلوب الفعل الممكن المطابق للماهية لا الماهية. لنا أن الماهية يستحيل وجودها في الأعيان لما يلزم من تعددها فيكون كليا جزئيا وهو محال.
стр. 732
قالوا: المطلوب مطلق والجزئي مقيد , فالمشترك هو المطلوب.
قلنا يستحيل بما ذكرناه.
ش - اختلفوا فيما إذا أمر أمرا مطلقا بفعل من الأفعال غير مقيد بقيد خاص.
فقيل: المطلوب الفعل الممكن المطابق للماهية يعني واحدا من جزئياته.
وقيل: نفس الماهية الكلية.
واختار المصنف الأول. واحتج عليه بأن الماهية من حيث هي يستحيل وجودها في الأعيان لأن الماهية من حيث هي يلزمها التعدد أي الاشتراك بين كثيرين فيكون كليا والموجود في الخارج متشخص فلو كانت الماهية موجودة في الخارج كانت كلية جزئية معا في الخارج وهو محال. وكل ما يستحيل في الخارج لا يكون مطلوبا
ورد بأنا لا نسلم أن الماهية من حيث هي تستلزم التعدد. فإنها لو استلزمته امتنع عروض الشخص لها , وليس كذلك. بل الماهية من حيث هي لا تقتضي الوحدة ولا التعدد.
والقائلون بأن المطلوب ماهية الفعل من حيث هي قالوا: المطلوب فعل مطلق ولا شيء من الجزئي مطلق لتقيده بالمشخصات فلا شيء من المطلوب بجزئي. وينعكس أي لا شيء من الجزئي بمطلوب فيلزم أن يكون الفعل المشترك هو المطلوب وذلك كالأمر بالبيع لا يكون أمرا به بغبن فاحش ولا بثمن المثل بل بالقدر المشترك الذي هو مستلزم لخصوصية كل منهما فيكون المأمور ممتثلا بكل واحد منهما.
стр. 733
وأجاب بأنه مستحيل وجود الفعل المشترك في الخارج لما ذكرنا يعني من لزوم كونه كليا جزئيا.
ورد بأن الخصم لم يقل إن الماهية تفيد الاشتراك هي المطلوبة بل الماهية من حيث هي , وهي ما تكون لا بشرط شيء ومطلقا وذلك موجود في الخارج لأنه جزء الموجود في الخارج.
وهذا معنى قول بعض أصحابنا إن المطلق نكرة يعني أن المطلوب هو المطلق وهو يتحقق في ضمن واحد لا بعينه فيكون مطلوبا بقصد ثان.
ص - مسألة: الأمران المتعاقبان بمتماثلين , ولا مانع عادة من التكرار من تعريف أو غيره , والثاني غير معطوف مثل: " صل ركعتين ".
قيل معمول بهما. وقيل تأكيد. وقيل بالوقف.
الأول: فائدة التأسيس أظهر، فكان أولى.
الثاني: كثر في التأكيد ويلزم من العمل مخالفة براءة الذمة وفي المعطوف العمل أرجح.
فإن رجح التأكيد بعادي قدم الأرجح. وإلا فالوقف.
ش - إذا ورد أمر عقب أمر فإما أن يختلف المأمور بهما أو يتماثلا فإن اختلفا فإن أمكن الجمع بينهما مثل: صم هذا اليوم. وصل ركعتين عمل بكل منهما.
стр. 734
وإن لم يمكن مثل: صل وأد الزكاة. فمن منع التكليف بالمحال استحال ذلك. ومن جوزه جوزه.
وإن تماثلا فإن منع مانع من التكرار لفظي أو حالي كتعريف الثاني بلام العهد نحو: أعط درهما , أعط الدرهم. وقوله لعبده: اسقني كان الثاني تأكيدا للأول.
وإن لم يمنع فإن كان الثاني غير معطوف على الأول مثل: صل ركعتين صل ركعتين. فقد اختلفوا فيه.
قيل: يعمل بهما. وقيل: الثاني تأكيد. وقيل: الوقف.
احتج الأول بأن العمل بهما تأسيس أي جعله شرعا غير الأول وهو أكثر فائدة من التأكيد فكان أولى حملا لأمر الشارع على الأكثر فائدة.
واحتج الثاني بأن براءة الذمة أصل وفي التأسيس إبطاله فلا يصح إلا بدليل قطعي أو ظاهر. والأمر الثاني ليس بشيء من ذلك لأنه لما احتمل التأكيد بطل القطع. ولكونه كثير الاستعمال في هذه الصورة تأكيدا لم يبق ظاهرا في التأسيس فتعين التأكيد.
стр. 735
ولم يذكر المصنف دليل الواقف لأن دليل الفريقين يوجب الوقف فاكتفى بذكره.
وإن كان الثاني معطوفا على الأول مثل: صل ركعتين وصل ركعتين فالعمل بهما أرجح من التأكيد إن لم يمنع مانع من التغاير بين الأمرين لأن العطف يقتضي التغاير ولا مانع عنه (١).
فإن منع عادة مثل قوله لعبده: اسقني ماء واسقني ماء. عمل بالأرجح من المقتضي والمانع والعمل بهما فيه أرجح لأن العادة والعطف تعارضا فتبقى فائدة التأسيس سالمة عن المعارض فكان المقتضي أرجح (٢).
فإن لم يترجح على الأخر مثل: اسقني ماء واسقني الماء باللام فالوقف (٣) بين حمل الثاني على التأكيد أو التأسيس لأن العادة والتعريف في مقابلة التأسيس والعطف فلا مرجح لأ حده ما على الأخر.
في النهي وحده
ص - النهي: اقتضاء كف عن فعل على جهة الاستعلاء. وما قيل في حد الأمر من مزيف وغيره فقد قيل مقابله في حد النهي. والكلام في صيغته , والخلاف في ظهور الحظر لا الكراهية , وبالعكس , أو مشتركة أو موقوفة، وحكمها التكرار والفور وفي تقدم الوجوب قرينة. نقل الأستاذ الإجماع. وتوقف الإمام. وله مسائل مختصة.
ش - لما فرغ من مباحث الأمر شرع في النهي وعرفه بأنه اقتضاء كف عن
стр. 736
فعل على جهة الاستعلاء فقوله: - كف عن فعل - مخرج الأمر. وقوله على جهة الاستعلاء - يخرج الدعاء والالتماس.
وكل ما قيل حد الأمر من مزيف ومختار " قيل " مقابله في حد النهي.
والكلام في أن له صيغة خاصة أو لا كالكلام في الأمر. والخلاف في أنه للحظر لا للكراهة أو للكراهة دون الحظر أو مشترك بينهما أو موقوف كما تقدم في الأمر.
وحكمه التكرار والفور بالاتفاق. وتقدم الوجوب ليس بمانع بل تقدمه عليه
стр. 737
قرينة على الحظر.
نقل الأستاذ أبو اسحق الإجماع على أن تقدم الوجوب قرينة تفيد الحظر.
وتوقف إمام الحرمين في إفادته الحظر إذا تقدم الوجوب عليه. وللنهي مسائل تخصه.
ص - مسألة: النهي عن الشيء لعينه يدلل على الفساد شرعا , لا لغة.
وقيل: لغة. وثالثها في الإجزاء لا السببية.
لنا أن فساده سلب أحكامه وليس في اللفظ ما يدل عليه لغة قطعا. وأما كونه يدل شرعا فلأن العلماء لم تزل تستدل على الفساد بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها.
وأيضا لو لم يفسد لزم من نفيه حكمة للنهي , ومن ثبوته حكمة " للمصلحة " واللازم باطل , لأنها في التساوي. ومرجوحية النهي يمتنع النهي لخلوه عن الحكمة.
وفي رجحان النهي تمتنع الصحة لذلك.
اللغة , لم تزل العلماء. وأجيب لفهمهم شرعا ما تقدم. قالوا: الأمر يقتضي الصحة والنهي نقيضه فيقتضي نقيضها. وأجيب بأنه لا يقتضيها لغة ولو سلم فلا يلزم اختلاف أحكام المتقابلات. ولو سلم فإنما يلزم أن لا يكون للصحة لا أن يقتضي الفساد.
стр. 738
ش - النهي عن الشيء لعينه أي بالنظر إلى ذاته دون ما يقارنه فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يدل على الفساد مطلقا. وافترق هؤلاء فمنهم من ذهب إلى أنه يدل عليه شرعا لا لغة سواء كان في العبادات أو في المعاملات. وآخرون إلى أنه يدل عليه لغة فيهما.
والثاني: أنه لا يدل على الفساد مطلقا. وافترقوا. فمنهم من قال إنه لا يدل على الصحة وأخرى إلى أنه يدل عليها.
الثالث: أنه يدل على الفساد في الإجزاء أي العبادات دون السببية أي المعاملات.
стр. 739
واختار المصنف المذهب الأول. واحتج على أنه لا يدل " على " فيهما لغة بأن الفساد المنهي عنه سواء كان عبادة أو معاملة هو سلب أحكامه , وليس في لفظ النهي ما يدل على سلبها فتكون الدلالة لغوية ولا في معناه لأن معناه لغة اقتضاء الامتناع عن الفعل وسلب الأحكام ليس عينه ولا جزؤه ولا لازما من لوازمه لغة.
وهذا واضح لأن الأحكام الشرعية حادثة فلا تكون اللغة مستلزمة لها لانفكاكها عنها قبل الشرع.
واحتج على دلالته على الفساد فيهما شرعا بوجهين:
الأول: أن السلف والخلف لم يزالوا مستدلين على الفساد بالنهي في الربويات والأنكحة والعبادات ولم ينكر عليهم فحل محل الإجماع.
والثاني: لو لم يدل عليه شرعا لزم أن يكون لنفي المنهي عنه حكمة تستدعي النهي. ولثبوت المنهي عنه أيضا حكمة تستدعي صحة المنهي واللازم باطل لأن الحكمتين إن تساوتا امتنع النهي لخلوه عن الحكمة وكذلك إن ترجح حكمة الصحة.
وإن ترجح حكمة المنهي امتنعت الصحة لخلوه عن حكمة الصحة.
ولقائل أن يقول اختار القسم الثالث وهو أن تكون حكمة النهي راجحة.
قوله امتنعت الصحة لخلوه عن حكمة الصحة. قلنا إن أريد بالامتناع انتفاؤها بعد تعلق النهي فهو كذلك ولا استحالة في ذلك ولا استبعاد. وإن أريد بامتناعها انتفاؤها قبل التعلق فهو ممنوع فإنه لا بد من الصحة قبله , وإلا لكان ممتنعا لا منهيا عنه.
والقائل بأن النهي يدل على فساده لغة احتج أيضاً بوجهين:
стр. 740
الأول: أن السلف والخلف لم يزالوا يستدلون بالنهي على الفساد لغة. وتقريره كما تقدم وأجاب بأنا لا نسلم أن استدلالهم بالنهي على الفساد كان لغة بل لدلالته على الفساد شرعا " كما " تقدم.
وهو واضح إذا كان المراد فساد الأحكام الشرعية كما تقدم.
والثاني: أن الأمر يقتضي الصحة لغة.
ولئن سلم فلا نسلم أنه يلزم أن يكون مقتضى النهي الفساد.
قوله: لوجوب تقابل أحكام المتقابلين.
قلنا: لا نسلم وجوب ذلك لجواز اتحاد أحكامهما ولئن سلمنا لزوم اختلافهما فاللازم من ذلك أن لا يكون النهي مقتضيا للصحة لا أن يكون مقتضيا للفساد لأن عدم اقتضاء الصحة لا يستلزم اقتضاء عدم الصحة.
ولقائل أن يقول جاز أن يكون المراد بالصحة حسن المأمور به ولا شك في اختلاف أحكامهما وأن النهي إذا لم يكن متقضيا للصحة لا بد أن يكون مقتضيا للفساد. وإلا لزم إهمال اللفظ لعدم الواسطة بينهما وذلك غير جائز.
ص - النافي: لو دل لناقض تصريح الصحة. ونهيتك عن الربا لعينه , وتملك به يصح. وأجيب بالمنع بما سبق.
القائل يدل على الصحة لو لم يدل لكان المنهي عنه غير شرعي , والشرعي الصحيح. كصوم يوم النحر , والصلاة في الأوقات المكروهة.
следующие страницы →