Полный текст (1 417 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
والصفة والاستثناء لو كان يوجب التجوز في العام المخصوص بها نحو الرجال المسلمون وأكرم بني تميم إن دخلوا. لكان نحو مسلمون للجماعة مجازا وكذا نحو المسلم بلام الجنس أو العهد وكذا نحو: (ألف سنة إلا خمسين) واللوازم باطلة بالاتفاق فالملزوم كذلك.
وبيان الملازمة أن دخول ما لا يستقل من القرائن المفيدة لمعنى زائد لو كان مخرجا للفظ غير حقيقة لكان دخول الواو والنون في مسلمون والألف واللام في المسلم والاستثناء في نحو: (ألف سنة إلا خمسين عاما) مخرجا لتلك الألفاظ عن حقائقها لكونها قرائن زائدة غير مستقلة مفيدة لمعنى زائد.
وفيه نظر لأنه إن أراد الإخراج عن حقيقة المفرد فهو الذي يفيد معنى الجمع فكيف يخرجه عما يفيد وكذا في المعرف وكذا في الاستثناء إن أراد إخراج الألف عما وضع له فهو كذلك وإن أراد إخراج المجموع فهو غير متصور.
وأجاب المصنف بأن الواو والنون في مسلمون كالألف في ضارب والواو في مضروب فكما أن الألف في ضارب والواو في مضروب لا يكونان كلمتين حيث لم يوضعا للدلالة على معنى بل وضع مجموع الضارب ومجموع المضروب لمعنى كذلك الواو والنون في مسلمون بخلاف الرجال إذا قيد بصفة أو شرط أو استثناء فإن الرجال وحده وضع للعموم فيكون استعماله في ذلك المعنى حقيقة وإذا زيد عليه شرط أو صفة أو استثناء لم يبق العموم فلا يكون حقيقة في الباقي , والألف واللام في المسلم وإن كانت اسما أو حرفا على اختلاف المذهبين إلا أنه بعد التركيب قد بقى كل واحد من الجزئين أي الألف واللام ومسلم دالا على ما وضع له فيبقى حقيقة كما كانت نحو زيد قائم فإن كل واحد من الجزئين لما بقي بعد التركيب دالا على ما وضع له قبل التركيب كانت حقيقة بعده بخلاف كل واحد من الشرط والصفة فإنه إذا قيد العام بهما لم يبق العام دالا على ما وضع له قبل التقييد فلا يكون العام حقيقة بعد
стр. 772
تقييده به. وأما الاستثناء فسيأتي الكلام فيه.
ولقائل أن يقول التمثيل بألف ضارب وواو مضروب مستدرك لأن للخصم أن يقبل الكلام فيقول كل منهما قرينة غير مستقلة مفيدة لمعنى زائد على المصدر فلو أخرج ما لا يستقل من القرائن اللفظ عن الحقيقة لكان ضارب ومضروب مجازين وليس كذلك. وبعد ذلك بقي جواب مفارقة بأن هذه الألفاظ غير موضوعة عل حالها والرجال موضوع للعموم قبل التقييد فكان التقييد مخرجا له عن الحقيقة وقد تقدم أمر الفرق غير ما مرة.
واحتج القاضي بمثل ما احتج به أبو الحسين إلا أن الصفة عنده كأنها مستقلة لجواز استعمالها بدون الموصوف بخلاف الشرط والاستثناء.
واحتج عبد الجبار أيضا بذلك إلا أن الاستثناء عنده ليس بتخصيص لأن المخصص لا ينافي المخصص والمستثنى ينافي المستثنى منه في الحكم.
ولم يذكر جوابهما لأن جواب أبي الحسين جواب لهما.
واحتج المخصص باللفظية وهو قول القائل بالفرق بين القرائن اللفظية والعقلية بأن القرائن اللفظية لو كانت موجبة لكون العام المخصوص مجازا في الباقي لكان نحو: مسلمون والمسلم ونحو: " ألف سنة " مجازا. وبيان الملازمة ونفي اللازم كما تقدم.
وأجاب بأن هذا أضعف من دليل أبي الحسين. قال شيخي العلامة: لأن الجامع في دليل أبي الحسين كون القرائن اللفظية غير مستلزمة , وههنا هو كون القرائن اللفظية أعم من أن تكون مستقلة أو غير مستقلة فالجامع ثمة أخص من الجامع ههنا وكلما كان الجامع أعم كان القياس أضعف.
стр. 773
واحتج إمام الحرمين بأن تناول العام لأفراده بمنزلة تكرار الآحاد فإن قولك: جاء الرجال كقولك: جاء رجل ورجل ورجل إلا أنه اختصر عند إطلاق العام.
فكما أن إخراج بعض الآحاد المكررة لا يوجب التجوز في الباقي كذلك إخراج بعض الآحاد عن العام لا يوجب تجوز العام بالنسبة إلى الباقي.
وفيه نظر لأنه يدل على كونه حقيقة في الباقي فقط ومدعاه أنه حقيقة من حيث التناول مجازا من حيث الاقتصار فلا يكون الدليل مطابقا له.
وأجاب بأنا لا نسلم أن تناول العام كتكرار الآحاد فإن تناول العام لجميع أفراده بطريق الظهور فيمكن إخراج البعض منه فإذا خصص خرج بعض الأفراد قطعا فيكون العام مجازا في الباقي بخلاف المتكرر فإنه نص في كل واحد من أفراده فلم يمكن إخراج بعض الأفراد فبقي حقيقة.
ولقائل أن يقول العام إما أن يكون موضوعا لجميع أفراده أو لا فإن كان الأول كان كآحاد المتكرر في كونه نصا في كل واحد فلا يخرج شيء منه فكان حقيقة كما قلتم في المتكرر وإن كان الثاني فإن لم يكن موضوعا لشيء من أفراده كان مهملا وهو باطل وإن كان موضوعا لبعض أفراده كان بعض التخصيص حقيقة.
ص - مسألة: العام بعد التخصيص بمبين حجة. وقال البلخي: إن خص بمتصل. وقال البصري: إن كان العموم منبئا عنه ك (اقتلوا المشركين) وإلا فليس بحجة. ك (السارق والسارقة) فإنه لا ينبئ عن النصاب والحرز. عبد الجبار: " إن كان غير إلى بيان " ك (اقتلوا المشركين) بخلاف (أقيموا الصلاة) فإنه مفتقر قبل إخراج الحائض. وقيل: حجة في أقل الجمع. وقال: أبو ثور ليس بحجة. لنا ما
стр. 774
سبق من استدلال الصحابة مع التخصيص. وأيضا: القطع بأنه إذا قال أكرم بني تميم ولا تكرم فلانا منهم فترك عد عاصيا. وأيضا: فإن الأصل بقاؤه. واستدل لو لم يكن حجة لكانت دلالته موقوفة على دلالته على الأخر. واللازم باطل , لأنه إن عكس فدور وإلا فتحكم. وأجيب بأن الدور إنما يلزم بتوقف التقدم. وأما بتوقف المعية فلا. قالزا: صار مجملا لتعدد مجازه فيما بقي وفي كل منه " لما بقي " بما تقدم. أقل الجمع هو المتحقق , وما بقي مشكوك. قلنا: لا شك مع ما تقدم.
ش - العام لا يخلو إما أن يخصص بمبين أو مجمل فإن كان الثاني كما يقال: - اقتلوا المشركين إلا بعضهم - لا يبقى حجة خلافا للحنفية لأن أي بعض فرضته جاز أن يكون هو المستثنى. وإن كان الأول كقولك اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة فقد اختلف فيه على ستة مذاهب:
الأول: أنه يبقى حجة في الباقي " وإلا
стр. 775
فلا " وهو مذهب البلخي.
الثالث: إن كان العموم منبئا عن الباقي بعد التخصيص أي إن كان العام دالا على الباقي بعد التخصيص يبقى حجة في الباقي مثل: اقتلوا المشركين إذا خص بأهل الذمة وإن لم يدل العام على الباقي لا يبقى حجة ك (والسارق والسارقة) فإنه لا ينبئ عن أن يكون المسروق نصابا مخرجا من الحرز وهو مذهب أبي عبد الله البصري وهذا لأن المشركين ينبئ عن الباقي خص أو لم يخص وأما السارق إذا
стр. 776
خص فإنه لا يدل على الباقي لعدم دلالته على سارق مخرج من الحرز نصابا إلا بعد بيان النصاب والحرز.
الرابع: غن كان العام غير محتاج إلى أن يبين الشارع معناه لكونه معلوما للمكلف كالمشركين كان حجة في الباقي وإن احتاج إليه ك (وأقيموا الصلوة) فإنه قبل إخراج الحائض كانت الصلاة مجملة مفتقرة إلى بيان الشارع معناها لا يبقى حجة فيه وهو مذهب عبد الجبار.
الخامس: أنه بعده حجة في أقل الجموع لا فيما فوقه.
السادس: أنه ليس بحجة بعده مطلقا وهو مذهب أبي ثور. واحتج المصنف على ما اختاره بأوجه:
الأول: أن الصحابة ﵃ استدلوا بالعام المخصوص من غير فصل
стр. 777
بين مخصص متصل وغيره وشاع ذلك ولم ينكر عليهم أحد فكان إجماعا منهم على حجيته بعده فيه.
وفيه نظر لجواز وقوع الإنكار ولم ينقل لأنه لم يكن من الحوادث العظيمة أو لعل ذلك كان مذهبا لبعضهم وما كان ينكر بعضهم على بعض في محل الاجتهاد.
الثاني: أنا نقطع أن السيد إذا قال لعبده أكرم بني تميم ولا تكرم منهم فلانا عد عاصيا بترك إكرام غيره.
وفيه نظر لأن الخصم يقول دعوى بلا دليل بل هو عين النزاع.
الثالث: أن العام قبل التخصيص كان حجة في الباقي لأنه اقتضى الحكم قبله في كل واحد من أفراده والباقي من جملة أفراده والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه فيكون حجة في الباقي بعد التخصيص.
وفيه نظر لأن العام قبل التخصيص كان دالا على الأفراد حقيقة فاقتضى الحكم في كل منها فصار مجازا بعده عندكم فلم يبق الباقي من أفراده كما كان وإلا لزم أن يكون الشيء مع غيره كهو لا مع غيره وهو باطل بالضرورة.
ولأن بقاء الشيء على ما كان عليه أصل مطلقا أو إذا لم يمنع مانع والأول ممنوع والثاني مسلم لكن المانع موجود وهو دليل الخصوص.
وقد استدل على المذهب المختار بأنه بعده لو لم يكن حجة فيه لتوقفت دلالته عليه على دلالته على البعض الأخر وهو المخرج وذلك لأن انتفاءه يثبت الحجية فإنه إن لم تتوقف دلالته عليه على دلالته على الأخر لكانت دلالته على الباقي غير متوقفة على شيء ولا نعني بالحجية إلا دلالته على الباقي دلالة تامة.
وأما انتفاء التالي فلأنه لو توقفت دلالته على الباقي على دلالته على الأخر فإما أن تكون دلالته على الأخر متوقفة عل دلالته على الباقي أو لا فإن كان الثاني لزم التحكم لتساوي الأفراد في الدلالة. وإن كان الأول دار.
стр. 778
وأجيب بما معناه أنا نختار التوقف من الجانبين ولا دور لأن التوقف توقف معية كتوقف المتضايفين والدور إنما يلزم في توقف التقدم كتوقف المعلول على العلة.
وقال الذين لا يجعلونه بعد التخصيص حجة في الباقي إنه صار مجملا لتعدد مجازه فإنه حينئذ يكون مجازا بالنسبة إلى الباقي وفي كل بعض من الباقي لأنه كما يحتمل الباقي يحتمل كل بعض منه ولا ترجيح لأحد المجازات فكان مجملا في الباقي. والمجمل ليس بحجة قبل البيان بالاتفاق.
وأجاب بما معناه يكون متعينا للباقي كما تقدم أن الباقي كان مرادا قبل التخصيص والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه وإذا كان معينا للباقي لا يكون مجملا.
والاعتراض المتقدم وارد ههنا أيضا.
والذين جعلوه حجة في أقل الجمع قالوا أقل الجمع متحقق قطعا لأن بقاءه معلوم وما بقي بعد التخصيص مشكوك فيطرح المشكوك ويؤخذ المقطوع.
وأجاب بأنا لا نسلم الشك في بقاء الباقي مع ما تقدم من الدليل الدال على كون الباقي مجازا مشهورا.
ص - مسألة: جواب السائل غير المستقل دونه تابع للسؤال في عمومه اتفاقاً.
стр. 779
والعام على سبب خاص بسؤال مثل قوله لما سئل عن بئر بضاعة: " خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ".
أو بغير سؤال كما روي أنه مر بشاة ميمونة فقال: " أيما إهاب دبغ فقد طهر ".
معتبر عمومه على الأكثر. ونقل عن الشافعي خلافه.
لنا استدلال الصحابة بمثله كأية السرقة وهي في سرقة المجن أو رداء صفوان وأية الظهار في سلمة بن صخر وأية اللعان في هلال بن أمية أو غيره.
وأيضا فإن اللفظ عام , والتمسك به.
قالوا: لو كان عاما لجاز تخصيص السبب بالاجتهاد. أجيب بأنه اختص بالمنع للقطع بدخوله على أن أبا حنيفة أخرج الأمة المستفرشة من عموم " الولد للفراش " فلم يلحق ولدها مع وروده في ولد زمعة وقد قال عبد الله بن زمعة: " هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه ".
قالوا: لو عم لم يكن في نقل السبب فائدة. قلنا: فائدته منع تخصيصه.
ومعرفة الأسباب. قالوا: لو قال تغد عندي. فقال: والله لا تغديت لا يعم.
قلنا: العرف خاص. قالوا: لو عم لم يكن مطابقا.
قلنا: طابق وزاد. قالوا: لو عم لكان حكما بأحد المجازات بالتحكم لفوات الظهور بالنصوصية. قلنا: النص خارجي بقرينة.
ش - جواب السؤال إما أن يكون كافيا في فهم المقصود وإن قطع النظر عن السؤال أو لا. فإن كان سمي مستقلا وإن لم يكن سمي غير مستقل.
مثال الأول: ما إذا سئل عن ماء البحر , فقيل: هو الطهور ماؤه. وليس الجواب
стр. 780
فيه تابعاً للسؤال في العموم والخصوص بل حكمه حكم المستقل.
ومثال الثاني: ما إذا سئل عن الإفطار بالمضمضة. فقيل: لا.
والجواب فيه تابع للسؤال فيهما أما في العموم فبالاتفاق. وكما إذا سئل عن بيع الرطب بالتمر. فقال ﵇: " أينقص الرطب إذا جف " فقالوا: نعم. قال: " فلا إذن " فإن السؤال لما لم يكن مختصا بمكلف دون غيره كان الجواب كذلك.
وأما في الخصوص فعند الجمهور. ونقل عن الشافعي خلافه.
مثل ما إذا قال شخص: توضأت بماء البحر. فقال له: يجزئك. فإنه عنده عام لا يختص بالسائل.
والعام إذا ورد على سبب خاص سواء كان بسؤال كقوله ﷺ إذ سئل عن بئر بضاعة: " خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه " أو بغيره
стр. 781
كقوله ﷺ لما مر بشاة ميمونة: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " ففيه خلاف فذهب الأكثر إلى أن المعتبر عموم اللفظ دون خصوص السبب ونقل عن الشافعي خلافه.
стр. 782
واستدل المصنف للأكثر بأن الصحابة ﵃ استدلوا بمثل ذلك على إطلاقه كأية السرقة فإنها نزلت في سرقة المجن أو في رجاء صفوان , ولم تختص به.
стр. 783
وآية الظهار نزلت في سلمة بن صخر.
стр. 784
وآية اللعان نزلت في هلال بن أمية أو عويمر العجلاني. وقد
стр. 785
شاع وذاع عنهم عدم التخصيص فكان إجماعا منهم على أن العموم معتبر دون خصوص السبب.
وفيه نظر لجواز أنهم عملوا في غير من نزلت بسببه بدلالة اللفظ لا بعبارته.
وأيضا فإن اللفظ عام وهو مقتض للعموم وخصوص السبب لا يعارضه فإن التمسك باللفظ.
стр. 786
وفيه نظر فإن كلامه يشبه أن يكون مصادرة.
ومن منع العموم احتج بخمسة أوجه:
الأول: لو كان العام الوارد على سبب خاص عاما لجاز تخصيص السبب عن اللفظ العام الوارد فيه لأنه فرد من أفراد العام وكل فرد من أفراد العام يجوز تخصيصه بالاجتهاد لكن لا يجوز ذلك بالاتفاق.
وأجاب أولا: بمنع الملازمة فإن دخول السبب الذي ورد لأجله العام تحته قطعي بخلاف الأفراد الباقية فإن دخولها تحته بحسب الظهور.
وفيه نظر لأن للخصم أن يقول إخراج الأفراد عن العام ليس بمشروط أن لا يكون المخرج قطعي الدخول فلا بد من بيان.
وثانيا: بمنع انتفاء التالي فإنا لا نسلم أنهم اتفقوا على عدم جواز إخراج السبب لأن أبا حنيفة ﵀ أخرج ولد الأمة المستفرشة عن عموم قوله ﵇: " الولد للفراش " ولم يلحق ولد الأمة بمولاها المستفرش مع أن
стр. 787
الحديث ورد في ولد الأمة.
وقصته ما روت عائشة ﵂ قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن
стр. 788
أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه. انظر إلى شبهه. فقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبهه بينا بعتبة. فقال: " هو لك يا عبد. الولد للفراش. وللعاهر الحجر ".
فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الحديث ورد في ولد أم الولد لأن عبد بن زمعة قال: ولد على فراش أبي من وليدته. والوليدة هي أم الولد.
وأبو حنيفة قائل بأن ولد أم الولد يثبت نسبه من غير دعوة فإذا لا يكون قائلا بتخصيص سبب ورود الحديث.
الثاني: وأجاب أن العام الوارد بسبب خاص لو كان عاما لما كان لنقل السبب فائدة لأن ذكر السبب مع العام يختص العام به. والتالي باطل لأنه لو لم يكن لذكره فائدة كان لغوا.
وأجاب بأن فائدته منع تخصيص السبب بالاجتهاد لصيرورته كالمنصوص الذي لا يجوز تخصيصه.
وفيه نظر لما قال في جواب الوجه الأول إن دخول السبب الذي ورد لأجله العام تحته قطعي فلا يجوز تخصيصه بالاجتهاد فإن صح ذلك فتخصيصه ممنوع والممنوع لا يحتاج إلى مانع أخر.
وبأن فائدته معرفة الأسباب مع الشيء.
وفيه نظر لأن للخصم منع كون ذلك فائدة شرعية إذ لا يترتب عليه حكم شرعي.
стр. 789
الثالث: لو قال قائل: تغد عندي. فقال والله لا تغديت. لم يعم لأنه إذا تغدى في منزله لم يحنث.
وفيه نظر لأن هذه المسألة من فروع هذا الأصل فلا يجوز أن يستدل به عليه. وأجاب: بأن خصوصه في هذه الصورة لأجل عرف خاص فإن مبنى الأيمان على العرف , والمعروف في ذلك أن ينصرف إلى الغداء المدعو إليه.
وفيه نظر لأن للخصم أن يقول ذلك دعوى لابد من بيان.
الرابع: لو علم لم يطابق الجواب السؤال فإنه خاص , والجواب عام إذ ذاك والمطابقة شرط صحة الجواب.
وأجاب بما معناه أن الشرط منها ما كان الجواب مشتملا على غير بيان السؤال وحكمه وهو موجود مع زيادة لا تنفي البيان , وأما المطابقة بمعنى عدم اشتمال الجواب على غير بيان السؤال وحكمه فليست بشرط. بل هي باطلة لقوله تعالى: (قال هي عصاى أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مئارب أخرى) في جواب (وما تلك بيمينك يموسى) مع أن المطابق بذلك المعنى عصا.
الخامس: لو عم ذلك كان العموم مستلزما للحكم بأحد المجازات بالتحكم.
" واللازم ".
стр. 790
وبيان الملازمة: أنا نجزم حينئذ بأن صورة السبب مرادة من العام المذكور وصورة السبب أحد مجازات العام لأن كل بعض منه مجاز منه فيلزم الحكم بأحد المجازات بالتحكم لفوات الظهور بالنصوصية فإن سببية العموم بالنسبة إلى جميع الصور المندرجة تحته متساوية فالجزم بأحدها دون غيره تحكم.
وأجاب بما معناه قول بالموجب أي سلمنا فوات الظهور لبعض بالنصوصية ولكنها أمر خارجي ثبت بقرينة هي ورود الخطاب بيانا لذلك البعض والخارجي لا معتبر به وإنما المعتبر هو العموم الحاصل باللفظ العام والأفراد بالنسبة إليه سواء.
وفيه نظر لأن كون ورود الخطاب بيانا لذلك البعض في حيز النزاع وإنما كان ذلك أن لو اختص بالسبب.
ص - مسألة: المشترك يصح إطلاقه على معنييه مجازا لا حقيقة وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز. وعن القاضي والمعتزلة يصح حقيقة إن صح الجمع. وعن الشافعي ظاهر فيهما عند تجرد القرائن كالعام.
أبو الحسين والغزالي يصح أن يراد لا أنه " لغة ". وقيل: لا يصح أن يراد. وقيل يجوز في النفي لا الإثبات. والأكثر أن جمعه باعتبار معنييه مبني عليه.
لنا في المشترك أنه يسبق أحدهما. فإذا أطلق عليهما كان مجازا.
النافي للصحة: لو كان للمجموع حقيقة لكان مريدا أحدهما خاصة غير مريد وهو محال.
وأجيب بأن المراد المدلولان معا , لا بقاؤه لكل مفرد.
وأما الحقيقة والمجاز فاستعماله لهما استعمال في غير ما وضع له أولا وهو معنى المجاز.
النافي للصحة: لو صح لهما لكان مريدا ما وضع له أولا غير مريد " وهو
стр. 791
محال ".
وأجيب بأنه مريد ما وضع له أولا وثانيا بوضع مجازي.
ش - اللفظ المشترك كالقرء للحيض والطهر يصح إطلاقه عليهما جميعا وكذلك يصح إطلاق اللفظ على مفهومه الحقيقي والمجازي معا , كإطلاق لفظ النكاح على الوطء والعقد معا.
ونقل عن القاضي والمعتزلة أنه يصح إطلاق اللفظ المشترك على معنييه حقيقة إن صح الجمع بين معنييه كالعين بالنسبة إلى الجارية والباصرة وإن لم يصح كالقرء لا يصح.
ونقل عن الشافعي أن اللفظ المشترك ظاهر في معنييه عند تجرده عن القرائن المخصصة بواحد من معنييه.
وقال أبو الحسين والغزالي يصح ذلك بوضع جديد لا أنه يصح لغة حقيقة أو مجازا.
وقيل: لا يصح ذلك لا لغة ولا وضعاً جديداً.
стр. 792
وقيل: يجوز ذلك في النفي دون الإثبات.
وقيل: يجوز ذلك في الجمع.
وذهب الأكثرون إلى أن صحة إطلاق الجمع المشترك على معنييه كالأقراء مبنية على صحة إطلاق المفرد على معنييه.
واستدل المصنف على صحة ذلك في المشترك مجازا بأنه إذا أطلق سبق أحدهما إلى الذهن فلا يكون حقيقة في معنييه معا , فإذا أطلق عليهما كان مجازا , والعلاقة هي الكلية والجزئية.
وفيه نظر لأن السبق علامة الحقيقة وسبق أحدهما إما أن يكون بعينه أو بغير عينه , والأول يستلزم أن يكون المشترك حقيقة في أحدهما وليس كذلك. والثاني
стр. 793
يستلزم أن يكون المشترك حقيقة في أحدهما لا بعينه وليس كذلك. على أن دعوى سبق أحدهما باطل فإن من علامات الاشتراك تردد الذهن. سلمناه , ولكن لا نسلم أن مثل هذه الجزئية والكلية تصلح علاقة. سلمناه , لكن إن أردتم أنه من باب ذكر الجزء وإرادة الكل فليس بصحيح لأن اللفظ موضوع لكل واحد , وإن أردتم عكس ذلك فليس ذلك مدعاكم.
واحتج النافي لصحة إطلاق اللفظ المشترك على معنييه مطلقا بأنه لو صح ذلك كان لكونه حقيقة للمجموع لأنه موضوع لكل واحد من المجموع واستعمال اللفظ في ما وضع له حقيقة ولكن لا يصح أن يكون إطلاقه لكونه حقيقة للمجموع لاستلزام كون مستعمله مريدا لأحدهما بعينه خاصة لاستعماله فيه غير مريد لاستعماله في الأخر وهو محال.
وأجاب بما معناه إنما لزم ذلك لو كان المراد باستعماله فيهما استعمالا مع بقائه لكل مفرد وليس ذلك بمراد وإنما المراد باستعماله فيهما إرادة المدلولين معا بطريق المجاز.
ولقائل أن يقول المجاز لا يكون إلا بقرينة معاندة لإرادة الحقيقة وملزوم المعاند
стр. 794
معاند بالضرورة , فإرادة المدلولين تناقض ظاهر , لأن القرينة تنفي إرادة الحقيقة والمجاز الذي هو المدلولان إما أن يكون المراد به هيئة حاصلة بهما جميعا أو كل واحد ولا سبيل إلى الأول لأنه سقط أطلق القرء لا يراد به أمر ثالث حاصل من الحيض والطهر فتعين الثاني وهو عين الحقيقة المنفية على أن الجزئية والكلية ههنا لا تصلح مجوز للمجاز لأنه جزء اعتباري حصل بعد اعتبار المجاز والمجوز ينتفي أن يكون سابقا على المجاز لكونه علة له.
واستدل على ذلك في المجاز بأن استعمال اللفظ لمدلوليه الحقيقي والمجازي استعمال في غير ما وضع له أولا لأنه لم يوضع أولا للمعنيين , واستعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا مجاز.
قال الشارحون: والمجوز الجزئية والكلية.
وفيه نظر لما بينا أنها لم تصلح ههنا مجوزة سلمناه لكن لا نسلم أن استعماله في المجموع استعمال في غير ما وضع له بل هو استعمال في ما وضع له وفي غير ما وضع له , وهو مركب منهما لا عين ما وضع له ولا غيره كالواحد من العشرة ولأن المجاز يستلزم القرينة المعاندة لإرادة الحقيقة كما تقدم. فإن قيل القرينة عندنا لإرادة المعنى المجازي لا لنفي المعنى الحقيقي فلا تنافي إرادة الحقيقة.
قلنا خلاف علماء البلاغة فيما هو منها وهو ليس بمحمود سلمناه لكن لو
стр. 795
كان كذلك احتيج إلى القرينتين وهو باطل بالإجماع وذلك لأن اللفظ إذا استعمل في المعنى المجازي وحده يحتاج إلى قرينة فعند إرادة المعنيين جميعا يحتاج إلى قرينة أخرى لئلا يلتبس بما استعمل في المجازي وحده.
واحتج النافي بأنه لو كان صح ذلك لزم أن يكون المستعمل مريدا ما وضع له اللفظ أولا لاستعماله فيه غير مريد لاستعماله في غير ما وضع له.
وأجيب بأنا لا نسلم ذلك بل يكون مريدا لما وضع له أولا وثانيا بوضع مجازي يعني أنه يكون مريدا له ولغيره لا أن لا يكون له.
وفيه نظر لأنه يستلزم أن يكون المعنى الحقيقي مرادا بالنسبة إلى الوضع الأول وداخلا في الإرادة بالنسبة إلى الوضع المجازي فصح أنه مريد له وغير مريد له فكان مرادا وغير مراد بل داخلا في الإرادة هذا غاية تدقيقهم في هذا البحث. ولعمري إنه فاسد لأن النزاع فيما إذا أريد الحقيقة من حيث هي حقيقة والمجاز من حيث هو مجاز فكان ثمة تصديقان والذهن لا يتوجه في حالة واحدة إلى تصديقين ولا إلى تصورين في التحقيق الوجداني.
ص - الشافعي (ألم تر أن الله يسجد له) (إن الله وملائكته يصلون) وهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار.
وأجيب بأن السجود الخضوع. والصلاة: الاعتناء بإظهار الشرف. أو بتقدير
стр. 796
خبر أو فعل حذف لدلالة ما يقارنه. أو بأنه مجاز بما تقدم.
ش - قال الشافعي ﵀ استعمال المشترك حقيقة في معنييه جميعا واقع والوقوع دليل الجواز. أما الثانية فظاهرة. وأما الأولى فلقوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) , وقوله تعالى: (إن الله وملئكته يصلون على النبي) وذلك لأنه استعمل في الآية الأولى السجود وأريد معنياه وضع الجبهة على الأرض والخضوع لأنه نب إلى الناس وغيره وسجود الناس وضع الجبهة وسجود غيره الخضوع. وفي الثانية استعملت الصلاة في مدلوليه الرحمة والاستغفار لأنها
стр. 797
أسندت إلى الله والملائكة وهي بالنسبة إلى الله رحمة , ومن الملائكة استغفار , والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون المشترك مستعملا في معنييه بطريق الحقيقة.
واجاب المصنف بثلاثة أوجه:
الأول: أن السجود هو الخضوع لأنه ملزومه وذكر الملزوم وإرادة اللازم مجاز وهذا المجاز عام يتناول الناس وغيرهم , وأن الصلاة هي الاعتناء بإظهار الشرف لأن الرحمة والاستغفار يستلزمانه , وهو مشترك بين الله وملائكته فيكون بعموم المجاز.
الثاني: أنه يجوز أن يقدر فعل في الأولى حتى كأنه قال: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ويسجد له من في الأرض ويسجد له الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب ويسجد له كثير من الناس. وكل فعل بمعنى تعليق بالمسند إليه فلا يكون استعمال المشترك في معنييه.
وأن يقدر في الثانية خبر حتى كأنه قال: (إن الله وملائكته يصلون) ويكون حذف الفعل في الآية الأولى والخبر في الثانية للقرينة وهي دلالة ما يقارنه عليه.
الثالث: أن استعمال السجود في الأولى والصلاة في الثانية في المعنيين بطريقة المجاز لا بطريقة الحقيقة كما هو مختاره.
وقد زيف بأنه يستلزم إسناد معنى السجود إلى كل واحد مما أسند إليه على (المعنيين جميعا) وهو باطل قطعا.
ص - مسألة: نفي المساواة مثل (لا يستوي) يقتضي العموم كغيرها. أبو حنيفة لا يقتضيه. لنا: نفي على نكره كغيره.
" قالوا ": المساواة مطلقا أعم من المساواة بوجه خاص والأعم لا يشعر
стр. 798
بالأخص.
وأجيب بأن ذلك في الإثبات وإلا لم يعم نفي أبدا. قالوا: لو عم لم يصدق , إذ لا بد من مساواة , ولو في نفي ما سواهما عنهما.
قلنا: إنما ينفي مساواة يصح انتفاؤها. قالوا المساواة في الإثبات للعموم , وإلا لم يستقيم إخبار بمساواة , لعدم الاختصاص. ونقيض الكلي الموجب جزئي سالب. قلنا: المساواة في الإثبات للخصوص , وإلا لم يصدق أبدا إذ ما من شيئين إلا وبينهما نفي مساواة , ولو في تعينهما. ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب.
والتحقيق أن العموم من النفي.
ش - نفي المساواة في مثل قوله تعالى: (لا يستوي أصحب النار وأصحب الجنة) يقتضي العموم أي بنفيها من كل وجه كما أن نفي غير المساواة يقتضي العموم وعلى هذا لا يقاد المسلم بكافر ولا تكون ديته كديته , ولا يملك
стр. 799
الكافر الحربي مال المسلم إذا أخذه بدار الحرب.
وقال أبو حنيفة ﵀ لا يقتضي العموم.
واحتج المصنف بأن حرف النفي دخلت على النكرة لدخولها على الفعل المقتضي لنفي المصدر الذي تضمنه الفعل وهو نكرة , والنفي إذا دخل على النكرة أفاد العموم كالنفي الداخل على غير الفعل من بين النكرات.
وفيه نظر لأن خصوصية المادة مانعة عن العموم لقيام المساواة من بعض الوجوه , والقياس مع وجود المانع فاسد ,
وقالت الحنفية: المساواة مطلقا أعم من المساواة بوجه خاص وهو المساواة من جميع الوجوه لأنها كما تكون من جميع الوجوه فقد تكون من بعض الوجوه.
والأعم لا يشعر بالأخص أي لا يدل عليه أصلاً.
стр. 800
وأجيب بأن ذلك في جانب الإثبات , وأما في جانب النفي فإنه يشعر به لأن نفي العام يستلزم نفي الخاص وإلا لم يمكن نفي العموم أصلا لأنه حينئذ يجوز أن لا ينتفي الخصوص على تقدير انتفاء العام فلا يتحقق في العموم لأن الخاص يستلزم العام فإذا لم ينتف الخصوص لم ينتف العموم.
وفيه نظر لأن التالي امتناع نفي العموم وما ذكره في بيان الملازمة لا يفيده لأن الخصوص يجوز أن لا ينتفي لا أنه يجب أن لا ينتفي فإذا انتفى العموم بالنفي. وإذا لم ينتف لم لم ينتف العموم لأن عدم استلزام نفي العموم نفي الخصوص أعم من استلزام نفي العموم عدم انتفاء الخصوص وإنه لمظنة فضل تأمل منك فاحتط.
وقالوا لو عم نفي المساواة لم يصدق قوله: (لا يستوي أصحب النار وأصحب الجنة) لأن صدقه يتوقف على نفي المساواة من كل وجه وهي موجودة من وجه وأقل ذلك المساواة بينهما في نفي ما سواهما عنهما لكنه صادق قطعا.
وأجيب بمنع الملازمة لأن المدعي نفي مساواة يصح انتفاؤها لا المساواة من جميع الوجوه واللفظ وإن كان مقتضيا للعموم لكنه قد خص.
ولقائل أن يقول هذا إقرار بعدم العموم لأن الاستغراق في العموم شرط عنده وإذا كانت الحقيقة متروكة يصار إلى مجاز تدل عليه قرينة وهي فحوى الكلام وهو نفي المساواة في الفوز بالجنة لقوله: (أصحب الجنة هم الفائزون) وكذا في غيره من المواضع كما في قوله تعالى: (وما يستوى العمى والبصير) يعني في البصر أو في البصيرة إن أريد بهما الكفر والإيمان وفيما عدا ذلك تكون كالمجمل.
لا يقال إذا خص فيها البعض صار كالعام المخصوص فإنه يعمل به فيما بقي من
стр. 801
أفراده على العموم لأنا نقول هذا قياس فاسد لأن العام المخصوص انعقد أولا للعموم ثم خص بعضه بعارض لحقه فبقي فيما وراءه كما كان وهذا ليس كذلك لأن محل الكلام لا يقبل العموم.
وقالوا أيضا المساواة في الإثبات للعموم وما كان في الإثبات للعموم لا يكون في النفي له فالمساواة في النفي لا تكون للعموم.
أما الأولى فلأن قولنا زيد وعمرو يتساويان , يقتضي تساويهما من جميع الوجوه وإلا لكان اختصاصهما بها لغوا إذ ما من شيئين إلا وبينهما مساواة من وجه وأقلها ما تقدم لكن اتصاف شيئين بالمساواة شائع ذائع.
وأما الثانية فلأن الإيجاب الكلي يناقضه السلب الجزئي.
وأجاب بالمعارضة بأن المساواة بين الشيئين في الإثبات للخصوص لأنه لو لم تكن له لم يصدق بين شيئين مساواة أصلا إذ ما من شيئين إلا ويصدق بينهما نفي المساواة في شيء وأقله نفي المساواة في الشخص وإلا لكانا متحدين لا متساويين وإذا كانت في الإثبات للخصوص كانت في النفي للعموم لأن نقيض الجزئي الموجب السالب الكلي.
وفيه نظر لأن كونهما في الإثبات للخصوص على الوجه المذكور مناف لمطلوبهم فإنهم جعلوه عاما في النفي باعتبار نفي مساواة ممكن لا من جميع الوجوه وذلك القدر هو المعتبر في خصوص الإثبات فكان النفي والإثبات إما خاصين وإما عامين ولا منافاة بينهما ولا تناقض. ثم قال بعد المعارضة. والتحقيق أن العموم مستفاد من النفي يعني لا من كونه نقيض قضية جزئية.
وفيه نظر لما عرفت أن خصوصية المادة مانعة عن العموم فكانت " ما " تركت الحقيقة بدلالة محل الكلام. وقد قررناه في التقرير مستوفي فيطلب ثمة.
ص - مسألة: المقتضى: وهو ما احتمل أحد تقديرات لاستقامة الكلام.
стр. 802
لا عموم له في الجميع. أما إذا تعين " أحدهما " بدليل كان كظهوره. ويمثل بقوله: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " لنا: لو أضمر الجميع لأضمر مع الاستغناء. قالوا: أقرب مجاز إليهما باعتبار رفع المنسوب إليهما عموم أحكامهما. أجيب: بأن باب غير الإضمار في المجاز أكثر فكان أولى , فيتعارضان , فيسلم الدليل. قالوا: العرف في مثل ليس للبلد سلطان نفي الصفات. قلنا: قياس في العرف. قالوا: يتعين الجميع لبطلان التحكم إن عين ولزوم الإجمال إن أبهم. قلنا: ويلزم من التعميم زيادة الإضمار وتكثير مخالفة الدليل , فكان الإجمال أقرب.
ش - عرف المقتضي - بكسر الضاد - بما احتمل أحد تقديرات لاستقامة الكلام. وظاهره فاسد لأنه يحتمل التقديرات لا أحدهما فلا بد من إضمار. أي ما
стр. 803
احتمل إضمار أحد التقديرات المحتملة. وحكم بأنه لا عموم له يعني قبل تعيين واحد وهو مذهب المحققين.
أما إذا تعين إضمار أحدهما بدليل فكان المضمر في العموم والخصوص كالمظهر.
ونظيره قوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " فإن ظاهرهما غير مراد
стр. 804
لوقوعهما فيهم , ويحتمل تقديرات كالحكم , والعقاب والذم , والضمان وما أشبهها فيضمر بعضها. وقيل: جميعها.
واحتج للأول بأن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لضرورة وهي تندفع بإضمار واحد فلا حاجة إلى غيره.
ومن قال بالعموم احتج بثلاثة أوجه:
الأول: قوله ﷺ : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " حقيقته رفع حقيقتهما وهو متعدد فيصار إلى أقرب مجاز إليهما وهو عموم رفع أحكامهما لأن عدم جميعها أقرب إلى عدمهما أنفسهما من عدم بعضهما.
وأجاب بأن باب غير الإضمار في المجاز أكثر من باب الإضمار فكان الإضمار على خلاف الأصل , والتقليل فيه أولى فيتعارضان يعني كون إضمار الجميع أقرب إلى الحقيقة وكون البعض أولى. فيسلم الدليل الذي ذكرنا.
وفيه نظر لأن الدليل المذكور هو أن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لحاجة وهي تندفع بالقليل فلا يضمر الكثير والذي عارض به ههنا هو أيضا أن الإضمار على خلاف الأصل فالتقليل أولى. فلم يبق الدليل سالما بل هو عين ما عارض به.
الثاني: أن العرف اقتضى في قولنا: ليس للبلد سلطان عموم نفي الصفات التي
стр. 805
ينبغي للسلطان ففي غيره أيضا تكون كذلك بالقياس عليه لاشتراكهما في الصرف عن الظاهر للاستقامة.
وأجاب بأنه قياس في العرف وليس بجائز كما في اللغة لأن القياس تعدية الحكم الشرعي وكونه يقتضي عموم النفي أو خصوصه ليس به.
الثالث: أنه يتعين الحمل على الجميع وإلا لزم التحكم أو الإجمال لأن كلا منهما مساو للأخر فإن حمل على بعض معين كان تحكما وإن حمل على مبهم لزم الإجمال والتالي تقسيمه باطل.
وأجاب بأن الإجمال وإن كان مخالفا للأصل لكنه أولى من حمله على الجميع لأن حمله على الجميع يستلزم الإضمار وتكثر مخالفة الأصل فازداد على الإجمال بكثرة مخالفة الأصل فكان الإجمال أولى.
وفيه نظر لأن الإجمال يخرجه عن الحجية بخلاف كثرة المخالفة والإعمال أولى.
ص - مسألة: مثل لا أكل وإن أكلت. عام في مفعولاته. فيقبل تخصيصه. وقال أبو حنيفة لا يقبل تخصيصا.
لنا: أن " الأصل " لنفي حقيقة الأكل بالنسبة إلى كل مأكول وهو معنى العموم فيجب قبوله للتخصيص. قالوا لو كان عاما لعم في الزمان والمكان. وأجيب بالتزامه وبالفرق: بأن أكلت , لا يعقل إلا بمأكول. بخلاف ما ذكر. قالوا: إن أكلت: ولا أكل مطلق. فلا يصح تفسيره بمخصص لنه غيره. قلنا: المراد المقيد المطابق للمطلق لاستحالة وجود الكلي في الخارج. وإلا لم يحنث بالمقيد.
ش - إذا وقع فعل متعد حذف مفعوله ولم يذكر معه مصدره نحو: والله لا
стр. 806
آكل. أو إن أكلت فعبدي حر كان عاما في مفعولاته عند الشافعي فإن مأكولا دون أخر صدق. وهو مختار المصنف.
وقال أبو حنيفة ليس بعام فلا يقبل تخصيصا.
واحتج المصنف بأن قولنا: لا أكل يدل على نفي حقيقة المصدر الذي تضمنه الفعل وكل ما يدل على نفي حقيقته يقتضي أن لا يوجد في جزئي وإلا لم تكن منتفية ولا نعني بعمومه إلا انتفاؤه عن المؤكولات الجزئية وإذا كان عاما قبل التخصيص.
وفيه نظر لأن المفعول ثابت اقتضاء لتوقف تعقل صحة الفعل المتعدي كما يستلزم المفعول يستلزمهما لكنه ليس كذلك فإنه ليس قابلا للتخصيص بالنسبة إلى الزمان والمكان.
стр. 807
وأجيب أولاً: بالتزام كون الفعل عاما بالنسبة إلى الزمان والمكان وقابلا للتخصيص.
وفيه نظر فإن نقل هذا الدليل عن الحنفية لا يكاد يصح لأنهم ذكروا عمومه باعتبار الزمان من صور النزاع بيننا فكيف يجعلونه دليلا إلا إذا جعل من باب رد المختلف على المختلف وهو لا يذكر في موضوع الاحتجاج.
وثانيا: بالفرق بأن تعقل الفعل المتعدي موقوف على المفعول دون الزمان فكان تعلقه بالمفعول أقوى.
ورد بأن الزمان كالمفعول في تعلق الفعل به وقد عرفت ما على الفرق غير ما مرة.
وقالوا أيضا إن أكلت ولا أكل مطلق أي يدل على المصدر المطلق من غير تقييده بقيد فلا يصح تفسيره بمخصص أي بمقيد لأنه يخالف المطلق لصحة إطلاق المطلق على كل فرد من أفراده بخلاف المخصص ولا بد من المطابقة بين المفسر والمفسر.
وأجاب بأن المراد بالأكل المدلول عليه بالفعل من أكل مقيد مطابق لمطلق لا الأكل لاستحالة وجود الكلي في الخارج , والأكل المقيد المطابق للمطلق يجوز تفسيره بمخصص ولهذا إذا حلف لا يأكل يحنث بأكل مقيد.
وفيه نظر لأن المقيد المطابق للمطلق إما أن يكون عاما أو خاصا. والثاني خلاف المطلوب وفي الأول فساد الوضع لإسناد العموم إلى ما يقتضي ما يقابله، ولأن المراد بالمطابقة إما المطابقة في المفهوم أو فيما صدق عليه أو المطابقة بارتفاع المشخصات والأول والثاني ظاهر البطلان. والثالث لا يخلوا إما أن يكون التفسير بالمخصص قبل رفع المشخص أو بعده والأول غير مطابق لاختلافهما إطلاقا وتقييدا والثاني كذلك , لأنه عينه لا مطابقه , وإن كان المراد بالمطابقة غير ذلك فلا بد من
стр. 808
البيان ليتصور أولا فيتكلم عليه. وأما الحنث بالمقيد فإنه لضرورة حصول المحلوف عليه لا للعموم فإنه لو لم يقيد بطل المحلوف عليه وليس بتفسير بل أمر ثابت بدليل خارجي.
ص - مسألة: الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه مثل: " صلى داخل الكعبة " فلا يعم الفرض والنفل. ومثل: " صلى بعد غيبوبة الشفق " فلا يعم الشفقين إلا على رأي. وكان يجمع بين الصلاتين في السفر لا يعم وقتيهما.
وأما تكرار الفعل فمستفاد من قول الراوي: " كان يجمع ".
كقولهم: كان حاتم يكرم الضيف. وأما دخول أمته فبدليل خارجي , من قول مثل: " صلوا كما رأيتموني أصلي " و " خذو عني مناسككم " أو قرينة كوقوعه بعد إجمال أو إطلاق أو عموم أو بقوله: (لقد كان لكم) أو بالقياس.
قالوا: قد عمم نحو: " سها فسجد " و " أما أنا فأفيض الماء " وغيره.
قلنا: بما ذكرناه لا بالصيغة.
ش - الفعل الذي له جهات وأقسام إذا وقع في الإثبات لا يكون عاماً
стр. 809
في جميع الجهات والأقسام. وذلك مثل ما روي أنه ﷺ : " صلى داخل الكعبة " والصلاة قد تكون فرضا ونفلا فإنه لا يقتضي العموم فيهما. ومثل ما روي أنه ﷺ : " صلى بعد غيبوبة الشفق ". فإن صلاته تحتمل أن تكون بعد غيبوبة الشفق الأحمر والشفق الأبيض لوقوعه عليهما بالاشتراك اللفظي فلا يكون عاما فيهما إلا على رأي من حمل على وقوعها بعد غيبوبتهما " الاحتياط ". ومثل ما روي أنه ﷺ : " كان يجمع بين الصلاتين في السفر " فإنه يحتمل أن يكون ذاك في وقت الصلاة الأولى أو الثانية فلا يعم وقتهما على أنه جمعهما في الوقتين والفرق بين المثال الأول والآخرين عموم الأول من حيث الأقسام وعمومهما من حيث الوقت.
قوله: " وأما تكرر الفعل " إشارة إلى الجواب عما يقال: الفعل يفيد التكرار وذلك دليل العموم.
وتقريره أن تكرره مستفاد من قول الراوي إنه ﵇ كان يجمع فإنه
стр. 810
يفيد عرفا كقولهم كان حاتم يكرم الضيف فإنه يفيد تكرار إكرام الضيف.
وفيه نظر لأنه قياس في العرف وقد مر بطلانه.
وقوله: وأما دخول أمته - إشارة إلى جواب دخل أخر وهو أن الفعل يقتضي دخول الأمة فكما صح ذلك فليصح اقتضاء العموم.
وفيه نظر لأنه قياس في اللغة. وتقرير الجواب أن الفعل لم يقتض الدخول وإنما هو بدليل خارجي هو قول مثل قوله ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقوله ﵇: " خدوا عني مناسككم " أو قرينة لوقوع فعله ﷺ بعد جريان حكم فيه إجمال أو إطلاق أو عموم وعرف أنه ﵇ قصد بيان ذلك أو بقوله - تعالى -: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
وفيه نظر لأنه يدل على المتابعة له ﷺ لا غير ألا ترى أنه لا يجوز دخول
следующие страницы →