Полный текст (1 417 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أحدهما: أنه لو لم يكن الرسول مخاطبا له زمن الخطاب لم يكن مرسلا إليه لأن المراد بالإرسال أن يخاطب المرسل إليه بأحكام الشرع وإذا لم يكن مخاطبا له لم يكن مرسلا إليه ولكن باطل بالإجماع.
وأجاب بأن الإرسال لا يقتضي الخطاب الشفاهي بل الخطاب المطلق وهو أعم من الشفاه وغيره فيكون للحاضرين شفاها ولغيرهم بنصب الأدلة بأن يبين أن حكمهم كحكمهم.
والثاني: أن الصحابة والتابعين احتجوا بمثل هذا الخطاب على ثبوت الأحكام التي هي مقتضاه على من لم يكن موجودا وقت الخطاب واحتجاجهم به دليل تعميم ذلك الخطاب للموجودين والمعدومين.
وأجاب بأنهم علموا أن حكم المشافهة ثابت على من يوجد بعده بدليل آخر وأجمعوا على ذلك. لم يكن احتجاجهم بمجرد خطاب المشافهة والحمل على هذا أولى جمعا بين الأدلة.
ص - مسألة: " المخاطب في عموم " متعلق خطابه عند الأكثر أمرا أو نهيا أو خبرا مثل: (وهو بكل شيء عليم) من أحسن إليك فأكرمه , أو فلا تهنه. قالوا:
стр. 842
يلزم (الله خلق كل شيء). قلنا خص العقل.
ش - المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه سواء كان الخطاب أمرا. مثل: قوله لعبده: من أحسن إليك فأكرمه , أو نهيا نحو: فلا تهنه. أو خبرا كقوله - تعالى -: (والله بكل شيء عليم) فإن السيد إذا أحسن إلى العبد استحق الإكرام وعدم الإهانة.
وفي قوله: (بكل شيء عليم) يكون بنفسه أيضا عليما.
فإن مقتضى الدخول موجود , والمانع منتف فيتحقق الدخول.
وفيه نظر لأن استحقاق الإكرام وعدم الإهانة في مثل ذلك متسبب عن الأمر والنهي واستحقاق المولى لها ثابت قبلها فلم لا يجوز أن يكون ذلك مانعا من الدخول.
والقائلون بعدم الدخول احتجوا بأن المخاطب لو دخل في العموم لزم أن يكون البارئ خالقا لنفسه لقوله - تعالى -: (الله خلق كل شيء). أجاب بأن التناول
стр. 843
لغة ليس بمنتف بل خص عنه بدليل عقلي وهو امتناع حدوثه.
ص - مسألة: (خد من أمولهم صدقة) لا يقتضي أخد الصدقة " من كل نوع , خلافا " للأكثر. لنا: أنه بصدقة واحدة يصدق أنه أخد منه صدقة فيلزم الامتثال.
وأيضا: فإن كل دينار مال " ولا يجب بالإجماع. قالوا المعنى من كل مال فيجب العموم. قلنا: كل " التفضيل " ولذلك فرق بين: للرجال عندي درهم , وبين: لكل رجل عندي درهم باتفاق.
ش - ذهب الكرخي إلى أن مثل قوله - تعالى -: (خذ من أموالهم صدقة) لا يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع من المال بل إنما هو لبيان " وجود " الأخذ وما عدا ذلك فبدليل غيره.
وذهب أكثر الأصوليين إلى أنه يقتضي أخذها من كل نوع منه.
стр. 844
والمصنف اختار مذهب الكرخي واحتج عليه بوجهين:
أحدهما: أنه ﷺ يكون ممتثلا بأخذ صدقة واحدة من مال أي مال كان لأنها نكرة وقعت في الإثبات ولا تفاوت في ذلك بين أن يكون من للتبعيض أو الابتداء ولا بين أن يكون متعلقا بخذ أو بصدقة.
ولقائل أن يقول مقتضى الآية وجوب الاقتصار على نوع من المال لأنه لما جمع المال وقال: (من أموالهم) ونكر الصدقة مفردة كان معناه خذ من أنواع المال صدقة نوعا واحدا من الصدقة أو شيئا قليلا وهو يتحقق بصدقة واحدة وعلى هذا يكون أخص من المدعى فلا يصلح دليلا.
والثاني: أنه لو اقتضى الآية الأخذ من كل نوع من أموالهم لوجب أخذ الصدقة من كل دينار من أموالهم وليس كذلك بالاتفاق.
وفيه نظر لأنه على ذلك التقدير يلزم أخذها من نوع الدينار لا من كل فرد.
سلمنا ولكنها في حق المقدار مجمل ثبتت بدليل عين النصاب.
وقال الأكثرون معنى الآية خذ من كل مال لهم لأن الجمع المضاف من ألفاظ العموم فالامتثال إنما يحصل بأخذ صدقة من كل نوع من أموالهم.
وأجاب بمنع أن يكون معناه معنى كل لأن معنى كل التفصيل دون الجمع المضاف ولذلك فرق بين قول الرجل: للرجال عندي درهم. وقوله: لكل رجل عندي درهم فإن الأول يقتضي اشتراكهم في درهم دون الثاني.
والحق ما ذكرنا من الإجمال.
ص - مسألة: العام بمعنى المدح والذم مثل: (إن الأبرار) و (إن الفجار) (والذين يكنزون). عام وعن الشافعي خلافه. لنا: عام , ولا منافي فعم كغيره.
стр. 845
قالوا: سيق لقصد المبالغة في الحث أو الزجر , فلا يلزم التعميم. قلنا: التعميم أبلغ. وأيضا لا تنافي بينهما.
ش - العام إذا ورد في محل المدح أو الذم كقوله - تعالى -: (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفى جحيم). وقوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) يفيد العموم.
وقد نقل عن الشافعي ﵀ خلافه.
والدليل للأول أن المقتضي وهو العام موجود والمانع منتف إذ المدح والذم لا يمنعان العموم فكان عاما كغيره.
وقالت الشافعية: إن مثل هذه الصيغة ليس لقصد التعميم بل لقصد المبالغة في الحث على ما يمدح والزجر عما يذم فلا يلزم التعميم وهذا يمكن أن يكون منعا للمقتضى لأن لإرادة المتكلم مدخلا في الدلالة فإذا لم يقصد العموم لم يحصل , وأن يكون تحقيقا للمانع فإن المقتضي هو اللفظ العام ولكن إرادة الحث والزجر تكون مانعا عن ترتيب المقتضى عليه.
وأجاب بجوابين:
стр. 846
أ حده ما: أن في التعميم الحث والزجر أبلغ منه بدونهما فقد يقوى المقتضى لا أنه انتفى.
والثاني: أنه إنما يجوز أن يكون مانعا إذا كان بينهما منافاة ولا منافاة بين المبالغة في الحث والزجر وبين التعميم فلا يصلح أن يكون مانعا.
ص - التخصيص: قصر العام على بعض مسمياته. أبو الحسين: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. وأراد ما يتناوله بتقدير عدم المخصص كقولهم: خصص العام.
وقيل: تعريف أن العموم للخصوص. وأورد الدور.
وأجيب بأن المراد في الحد التخصيص اللغوي. ويطلق التخصيص على قصر اللفظ , وإن لم يكن عاما كما يطلق عليه عام لتعدده كعشرة والمسلمين المعهودين , وضمائر الجمع. ولا يستقيم تخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل.
ش - لما فرغ من العام وأحكامه عرف التخصيص بأنه قصر العام على بعض مسمياته. أي بعض أجزائه فإن مسماه واحد وهو: جميع ما يصلح اللفظ له لكن له أجزاء.
وفيه نظر لأنه استعمل في التعريف المجاز.
стр. 847
وعرفه أبو الحسين: بأنه إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه. أي عن الخطاب.
وقال المصنف وأراد ما تناوله بتقدير عدم المخصص , وإنما قال ذلك لدفع ما يتوهم من عدم الاستقامة إذ الخطاب غير متناول لذلك البعض على تقدير وجود المخصص كقولهم خصص العام فإن معناه أخرج بعض ما يتناوله البعض على تقدير عدم المخصص.
وفيه نظر فإنه يدل على أنه بعد التخصيص غير متناول , والواقع كذلك وإلا لكان ما فرضناه مخصصا لم يكن مخصصا إذ المراد بالتخصيص إخراجه عن التناول وذلك خلف باطل وإذا كان كذلك تعين أن يكون المراد بقوله: يتناوله العام قبل وجود المخصص ولا حاجة إلى التقدير.
وقيل في تعرفه: إن العموم للخصوص أي تعريف السامع بأن العموم المفهوم من اللفظ العام ليس بمراد بل هو مسوق للخصوص.
وفيه نظر لأنه مخل في تقديره ولأنه يفيد أن قصد المتكلم بالتخصيص أولا تعريف المخاطب , وليس كذلك بل بيان جزئية الحكم.
وأورد عليه أيضا أنه دوري لأنه أخذ الخصوص في تعريف التخصيص وهما عبارتان عن معبر واحد , فتعريف أحدهما بالآخر دور.
وأجيب بما هو المشهور في مثله أن المراد تعريف المصطلح " باللغوي ".
وقوله: ويطلق التخصيص - كأنه إشارة إلى الجواب عما يرد على التعريف الأول بأن التخصيص موجود فيما لا عام فيه فلا يكون منعكسا وذلك كـ " عشرة "
стр. 848
و " المسلمين " للمعهودين , وضمائر الجمع , وأشار إلى وجه الإطلاق بقوله: لتعدده فكأن إطلاقه على ذلك لمجوز فيكون مجازا.
واعترض عليه بأن إيراد ضمائر الجمع من ذلك ليس بجيد لأن عمومها تابع لعموم مظهرها فيجوز أن يكون المظهر عاما فيتبعه المضمر فإن احتياج دلالته على معناه إلى تقدم الذكر لا ينفي عمومه إذا كان المتبوع عاما والتخصيص لا يستقيم إلا فيما يستقيم توكيده بكل. يعني ما يصح افتراقه حسا كالرجال أو حكما كقولك اشتريت الجارية لأنه لا بد من أفراد يصح قصر بعضها وهي إما أن تكون حسية أو حكمية.
ص - مسألة: التخصيص جائز إلا عند شذوذ.
ش - اختلف الناس في جواز التخصيص فذهب الأكثرون إلى جوازه.
وطائفة شاذة إلى عدمه.
стр. 849
حجة المجوزين أنه واقع في قوله - تعالى -: (والله على كل شيء قدير) والوقوع دليل الجواز.
وهو مبني على جوازه بالعقل وسيأتي الكلام فيه.
وحجة المانعين أنه في الخبر يوجب الكذب , وفي الأمر والنهي البداء لأن الإخبار عن العام يوجب وقوع الحكم عن الجميع والتخصيص يكذبه في البعض. والأمر والنهي يرجحان امتثال مجموعهم وانتهاءهم؟ والتخصيص يوجبهما لبعضهم فكان بداء.
ويجاب بأن التخصيص إن كان للإخراج لزم ذلك ولما كان لبيان أن المخصوص لم يدخل لم يكن كذبا ولا بداء.
ص - مسألة: الأكثر: أنه لا بد في التخصيص من بقاء جمع يقرب من مدلوله.
وقيل: يكفي ثلاثة. " وقيل: اثنان " وقيل: واحد.
والمختار أنه بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد. وبالمتصل كالصفة يجوز إلى اثنين , وبالمنفصل في المحصور القليل يجوز إلى اثنين مثل: قتلت كل زنديق - وقد قتل اثنين وهم ثلاثة. وبالمنفصل غير المحصور أو العدد الكثير , المذهب الأول.
لنا: أنه لو قال: قتلت كل من في المدينة. وقد قتل ثلاثة عد لاغيا وكذلك: أكلت كل رمانة. وكذلك لو قال: من دخل أو أكل. وفسره بثلاثة.
القائل باثنين وثلاثة , ما قيل في الجمع. ورد بأن الجمع ليس بعام.
القائل بالواحد , أكرم الناس إلا الجهال. وأجيب بأنه مخصوص بالاستثناء ونحوه قالوا: (وإنا له لحافظون) وليس محل النزاع قالوا: لو امتنع ذلك لكان لتخصيصه وذلك يمنع الجميع. وأجيب بأن الممتنع تخصيص خاص بما تقدم. قالوا: (الذين قال لهم الناس) وأريد نعيم بن مسعود , ولم يعد مستهجنا للقرينة. قلنا:
стр. 850
الناس للمعهود فلا عموم. قالوا: صح أكلت الخبز وشربت الماء , " لأقل ". قلنا: ذلك للبعض المطابق للمعهود الذهني مثله في المعهود الوجودي فليس من العموم والخصوص في شيء.
ش - اختلف مجوزوه فيما ينتهي إليه الخصوص فالأكثر أنه لا بد فيه من بقاء جمع يقرب من مدلول العام وأرادوا بالقريب ما هو أكثر من نصفه.
وقيل: يكفي أن يكون الباقي ثلاثة. وقيل: اثنين.
وقيل: واحداً.
стр. 851
ومختار المصنف أن التخصيص إن كان بمتصل كالاستثناء نحو: أكرم الناس إلا الجهال , أو البدل نحو أكرم الناس العالم. جاز إلى الواحد.
وإن كان بمتصل كالصفة نحو: أكرم الناس العلماء , أو الشرط نحو: إن كانوا عالمين - يجوز إلى اثنين.
وأن التخصيص إن كان بمنفصل في عام محصور قليل يجوز إلى اثنين مثل: قتلت كل زنديق , وكانوا ثلاثة , وقد قتل منهم اثنين.
وإن كان في عام غير محصور مثل: قتلت كل من في المدينة أو محصور ولكنه عدد كثير مثل: أكلت كل رمانة , وكان ألفا.
فالمذهب الأول يعني ما إذا كان الباقي قريبا من مدلول العام.
واعلم أن عبارته غير مناسب لاختصار هذا المختصر. والمناسب أن يقول: وبالمتصل كالصفة وبالمنفصل كالقليل يجوز إلى اثنين لأن القليل محصور لا محالة.
ويكفي فيها جميعا يجوز إلى اثنين من غير تكرار. فتأمل.
واحتج على ما اختاره من أنه لا بد في العام المحصور القليل من بقاء عدد يقرب من مدلول العام سواء كان العام من أسماء الشرط نحو: من دخل داري فأكرمه أو من غيرها وكان غير محصور نحو: قتلت كل من في المدينة أو محصورا كثيرا
مثل: أكلت كل رمانة , وكان ألفا. بقوله: لنا أنه لو قال: قتلت كل من في المدينة. وقد قتل ثلاثة. عد لاغيا. وكذا لو قال: من دخل داري أو أكل وفسره بثلاثة واللغو باطل بالاتفاق , فما أفضى إليه وهو التخصيص في الأمثلة المذكورة كذلك.
стр. 852
والذين قالوا بجواز التخصيص إلى اثنين وثلاثة استدلوا بما قيل في الجمع من أن ألقه اثنان ومن أن ألقه ثلاثة.
وأجاب بأن الدلائل المذكورة لا تقتضي إلا أن الاثنين أو الثلاثة جمع وليس كل جمع عاما حتى يصح إطلاق العام على ما صح إطلاق الجمع عليه.
وفيه نظر لأن بقاء العموم بعد التخصيص غير مشروط بالاتفاق وبالضرورة وإلا لما صح إطلاق التخصيص إذ الاستغراق شرط شرط فلم يبق بعد ذلك إلا اعتبار ما هو مناسب للعموم فاعتبر بقاء الاثنين أو الثلاثة لمناسبة التعدد وليس في الواحد ذلك فلم يعتبر ولأنه يجوز أن يكون مذهب هذا القائل أن شرط العموم الجمعية لا الاستغراق فيعود النزاع لفظيا.
وأما القائلون بجوازه إلى الواحد فقد احتجوا بخمسة أوجه:
الأول: جوازه لغة فيما لو قال لعبده: أكرم الناس إلا الجهال ولم يكن فيهم عالم سوى واحد فإنه لم يستقبح ولو لم يصح لاستقبح.
وأجاب بأن هذا مخصص بالاستثناء. وليس النزاع فيه ولا يلزم منه صحته في غيره.
الثاني: قوله - تعالى -: (إنا نزلنا الذكر وإنا له لحفظون) أطلق " إنا " وأراد نفسه فدل على صحة إطلاق الجمع على الواحد.
وأجاب بأنه ليس " محل " فإن الكلام فيما بعد التخصيص.
стр. 853
الثالث: أنه لو كان ممتنعا لكان امتناعه لأجل التخصيص إذ لا مانع غيره فينتفي التخصيص مطلقا.
وأجاب بأن الامتناع لمر خاص وهو التخصيص إلى الواحد فإن الممتنع هو ذلك الخاص.
وفيه نظر لأنا نسلم أن المدعي ذلك لكن الكلام في علة امتناعه فإن كانت مطلق التخصيص جاء الإلزام وإن كانت التخصيص إلى الواحد فهو المعلول فلا يجوز أن يكون علة الامتناع.
الرابع: قوله - تعالى -: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) أطلق الناس الذي هو من ألفاظ العموم وأراد واحدا وهو نعيم بن مسعود فكان إطلاق الجمع على الواحد جائزا.
وفيه نظر لأن محل النزاع ما بعد الخصوص.
وأجاب بأنا لا نسلم أن الناس عام بل المراد به المعهود ولا عموم فيه.
الخامس: أنه صح أكلت الخبز وشربت الماء لا كل مأكول ومشروب والخبز والماء عامان للأم الاستغراق حيث لا معهود فذل على إطلاق العام على الواحد.
وأجاب بأن اللام فيهما للمعهود الذهني وهو ماهية الخبز والماء من حيث هي إلا أنه لما تعذر تحقق الماهية في الخارج غير مخلوط حمل على المفرد لضرورة الوجود فالمراد البعض المطابق للمعهود الذهني مثل ما يكون في المعهود الوجودي
стр. 854
لاشتراكهما في عدم الاستغراق. وإذا كان المراد المعهود الذهني لا يكون من العموم والخصوص في شيء.
وفيه نظر لأن تمحله غير خاف على أن البعض إما أن يكون مطابقا بعد التجريد فهو عينها أو قبله فلا مطابقة.
والأولى أن يقال ليس ذلك بعد التخصيص والكلام فيه. ولا غرو أن يكون قوله: من العموم والخصوص في شيء إشارة إلى ذلك وإلا لكان قوله: فليس من العموم في شيء كافيا في الجواب فتأمل.
ص - المخصص متصل ومنفصل . المتصل: الاستثناء المتصل , والشرط والصفة والغاية , وبدل البعض.
والاستثناء في المنقطع , قيل: حقيقة. وقيل: مجاز. وعلى الحقيقة قيل: متواطئ. وقيل: مشترك. ولا بد لصحته من مخالفة في نفي الحكم , أو في أن المستثنى حكم أخر , له مخالفة " توجبه ".
مثل: ما زاد إلا ما نقص. ولأن المتصل أظهر , لم يحمله فقهاء الأمصار على المنقطع , إلا عند تعذره. ومن ثم قالوا في: له عندي مائة درهم إلا ثوبا , وشبهه: إلا قيمة ثوب.
ش - المخصص في اللافظ حقيقة. وفي اللفظ الدال على إرادة اللافظ مجاز
стр. 855
متعارف. وهو على المعنى المجازي ينقسم إلى متصل ومنفصل.
والمتصل أربعة أشياء الاستثناء المتصل , والشرط , والصفة , والغاية , وزاد المصنف قسما آخر وهو بدل البعض من الكل لأنه إخراج بعض أجزاء ما يتناوله اللفظ.
стр. 856
ورد بأن المبدل منه في حكم المنحى. وقد أقيم البدل مقامه فلا يكون مخصصا.
والجواب: أن كونه في حكم المنحى هو كونه مخصوصا منه.
واختلفوا في الاستثناء المنقطع. فقيل إطلاقة عليه: حقيق.
وقيل: مجاز.
واختلف القائلون بالحقيقة فقيل متواطئ موضوع للقدر المشترك بين المتصل والمنقطع. وقيل مشترك لفظي.
احتج من قال بالمجاز بأن المتصل هو الذي يسبق إلى الفهم وذلك علامة الحقيقة.
ومن قال بالتواطئ بأن الاستثناء ينقسم إليهما ومورد القسمة مشترك فكان متواطئا.
ومن قال بالاشتراك اللفظي بأنه مستعمل فيهما وفي المتصل الإخراج وفي المنقطع المخالفة فلا مشترك بينهما من حيث المعنى. والأصل في الاستعمال الحقيقة فيكون مشتركا بينهما لفظا.
وفيه نظر لأن المتصل يسبق إلى الفهم ولو كان لتردد الذهن. وفي ذلك رد للمذهبين جميعاً.
стр. 857
ولا بد في المنقطع من مخالفة المستثنى للمستثنى منه في نفي الحكم أو في أن للمستثنى حكما آخر له مخالفة مع المستثنى منه.
مثال الأول - جاءني القوم إلا حمارا. ومثال الثاني - ما زاد إلا ما نقص. وما
نفع إلا ما ضر. فإن ما الأولى نافية , والثانية مصدرية. وفاعل زاد ونقص مضمر ومفعولهما محذوف والتقدير ما زاد فلان إلا نقصا. وما نفع فلان إلا مضرة. فالمستثنى وهو النقصان والمضرة حكم مخالف للمستثنى منه. ولما كان إطلاق
المستثنى على المتصل أظهر وأقوى لكونه حقيقة لم يحمل فقهاء الأمصار الاستثناء على المنقطع ما لم يتعذر حمله على المتصل ولأجل ذلك قالوا: لو كان له عندي مائة درهم إلا ثوبا وشبهه. معناه إلا قيمة ثوب احتيالا للاتصال.
ص - وأما حده , فعلى التواطؤ: ما دل على مخالفة بإلا , غير الصفة وأخواتها وعلى الاشتراك أو المجاز لا يجتمعان في حد. فيقال في المنقطع: ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها من غير إخراج.
وأما المتصل فقال الغزالي: قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول.
وأورد على طرده التخصيص بالشرط والوصف بالذي والغاية ومثل: قام القوم ولم يقم زيد.
ولا يرد الأولان.
стр. 858
وعلى عكسه: جاء القوم إلا زيدا. فإنه ليس بذي صيغ.
وقيل: لفظ متصل بجملة , لا يستقل بنفسه , دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به , ليس بشرط ولا صفة ولا غاية.
وأورد على طرده: قام القوم ازيد. وعلى عكسه: ما جاء إلا زيد. فإنه لم يتصل بجملة وأن مدلول كل استثناء متصل مراد الأول. والاحتراز من الشرط والصفة وهم. والأولى: إخراج بإلا وأخواتها.
ش - في كلامه تسامح. والصحيح أن يقول: وأما حده على التواطئ فما دل على مخالفة بإلا غير الصفة وأخواتها نحو: ليس , ولا يكون , وخلا , وعدا , وحاشا , وما خلا , وما عدا , وسوى , وغير.
واحترز بقوله: - إلا وأخواتها - عما دل على مخالفة لا بها نحو: جاءني القوم ولم يجئ زيد , وقام زيد لا عمرو.
وإنما قيد بأن يكون إلا غير الصفة احترازا عن إلا التي هي لمعنى الصفة: وهي ما كانت تابعة لجمع متكرر غير محصور نحو قوله - تعالى -: (لو كان فيهما ءالهة إلا الله) فإن المستثنى فيه يوصف ليس مما نحن فيه.
وأما على قول من يقول بالاشتراك أو المجاز فلا يمكن الجمع بين المتصل
стр. 859
والمنقطع في حد واحد من حيث المعنى لاختلاف حقائقهما فيحد كل على حدة.
فيقال في المنقطع: ما دل على مخالفة بإلا غير الصفة من غير إخراج.
وفائدة القيود ظاهرة. وقوله: " من غير إخراج " لإخراج المتصل.
وأما المتصل فقد حده الغزالي: بأنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور به لم يرد بالقول الأول.
وأراد بالقول الكلمات , دل على ذلك قوله: " ذو صيغ " فإن الصيغ لا تكون لكلمة واحدة. واحترز به عن التخصيص بالفعل والعقل وقرينة الحال.
وقوله: " مخصوصة " احترز به عن كلمات لا يكون لها تلك الصيغ والمراد بالصيغ المخصوصة أدوات الاستثناء.
والمحصورة هي المعدودة القليلة. وقوله: " دال " إشارة إلى غاية أدوات الاستثناء. هذا ما قيل في بيانه.
وفيه نظر لأنه إما أن يكون هذا تعريف الاستثناء أو تعريف أدواته. لا سبيل إلى الثاني لكونه غير مراد في هذا الموضع ولا إلى الأول لأنه ليس كلمات بل هو معنى قائم بالمتكلم والكلمات أدواته.
وقد أورد عليه بحسب الطرد التخصيص بالشرط كقولك: أكرم الناس إن كانوا عالمين , وبالوصف بالموصولات , وبالغاية، ومثل: قلم القوم ولم يقم زيد لأن هذه
стр. 860
الألفاظ صيغ مخصوصة محصورة دالة على أن ما يذكر بعدها غير مراد من الألفاظ السابقة.
وإنما قيد الوصف بالذي لأن الوصف بغيره لا يدخل تحت الحد لأنه لم يذكر بعده شيء بخلاف الوصف بالذي فإنه يذكر بعده الصلة.
والمصنف منع ورود الأولين أعني التخصيص بالشرط والوصف لأنهما لا يدلان على أن المذكور بهما لم يرد بالقول السابق , وإنما يدلان على أن المراد بالقول الأول هو المذكور بعدهما.
وأورد على عكسه مثل: جاء القوم إلا زيدا. فإنه ليس بذي صيغ مع أنه استثناء.
وقيل في تعريف المتصل: إنه لفظ متصل بجملة لا يستقل بنفسه دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به ليس بشرط , ولا صفة , ولا غاية.
فقوله: " لفظ " احترز عن التخصيص بالفعل والعقل وقرينة الحال.
وقوله: " متصل بجملة " لإخراج المخصصات المنفصلة.
وقوله: " لا يستقل بنفسه " لإخراج مثل: قام القوم ولم يقم زيد. فإن قولنا ولم يقم لفظ متصل بجملة ولكن يستقل بنفسه.
وفيه نظر فإن قوله: ولم يقم بحرف العطف ليس بمستقل بنفسه. وإن ترك العاطف فات الاتصال.
وقوله: " دال " احتراز عن المهملات.
وقوله: " على أن مدلوله غير مراد " يعني أن مدلول المستثنى غير مراد بما اتصل به الاستثناء لإخراج التأكيد في نحو: جاء القوم كلهم.
وقوله: " ليس بشرط ولا صفة ولا غاية " احتراز عنها.
стр. 861
وأورد على طرده. جاء القوم لا زيد. فإنه يصدق عليه التعريف فإنه لم يتصل بجملة. وأن مدلول كل استثناء متصل مراد بالأول. وأن الاحتراز عن الصفة والشرط وهم , لخروجهما بقوله: " غير مراد " فلم يحتج إلى ذكرهما.
ثم قال المصنف: والأولى أن يقال في تعريفه: إنه إخراج بإلا أو إحدى أخواتها.
وفيه نظر لأنه لبيان أنه لم يدخل لا للإخراج.
ص - وقد اختلف في تقدير الدلالة في الاستثناء فالأكثر: المراد ب " عشرة " في قولك: عشرة إلا ثلاثة سبعة. و " إلا " قرينة لذلك , كالتخصيص بغيره. وقال القاضي: عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة , كاسمين مركب ومفرد. وقيل: المراد: ب " عشرة ": عشرة باعتبار الأفراد ثم أخرجت ثلاثة. والإسناد بعد الإخراج , فلم يسند
إلا إلى سبعة. وهو الصحيح. لنا: أن الأول غير مستقيم للقطع بأن من قال: اشتريت الجارية إلا نصفها ونحوه لم يرد استثناء نصفها من نصفها , لأنه كان يتسلسل " ولا " نقطع بأن الضمير " الجارية " بكمالها. ولإجماع العربية على أنه إخراج بعض من كل.
ولإبطال النصوص. وللعلم بأنا نسقط الخارج. فيعلم أن المسند إليه ما بقي.
والثاني كذلك للعلم بأنه خارج عن قانون اللغة إذ لا تركيب من ثلاثة ولا يعرب الأول وهو غير مضاف. ولامتناع إعادة الضمير على جزء الاسم في " إلا نصفها " ولإجماع العربية إلى أخره.
ش - واختلف العلماء في تقدير الدلالة في الاستثناء على ما هو المقصود؟
стр. 862
فذهب الأكثر إلى أن الاستثناء بين أن مراد المتكلم بالمستثنى منه ما بقي. فالمراد ب " عشرة " , في قولك: عشرة إلا ثلاثة: سبعة , و " إلا " قرينة مبينة لذلك كالتخصيص بغير الاستثناء فإن المخصص فيه قرينة مبينة لمراد المتكلم بالعام.
وقال القاضي أبو بكر المستثنى والمستثنى منه وآلة الاستثناء جميعا موضوع لمعنى واحد وهو ما يفهم أخرا كأن العرب وضعت بإزاء سبعة اسمين , مفردا ومركبا. فالمركب: عشرة إلا ثلاثة والمفرد , سبعة.
وقيل: المراد بالمستثنى منه الجميع باعتبار الأفراد من غير حكم بالإسناد. ثم خرج منه المستثنى , وحكم بالإسناد بعد إخراج المستثنى من المستثنى منه. فلم يسند إلا إلى ما بقي بعد اللإخراج.
فعلم أن المسند إليه سبعة. وهذا هو الصحيح عند المصنف.
وفيه نظر: " لا " يلزم أن لا يكون جاءني القوم في جاءني القوم إلا زيداً.
стр. 863
جملة إلا بعد الاستثناء وليس كذلك. ولأن إخراج المستثنى من المستثنى منه قبل الإسناد. ثم الإسناد بعد الإخراج إما أن يكون فعل المتكلم أو فعل غيره والثاني باطل لا محالة , والأول كذلك لأنا نعلم قطعا أن ذلك لم يخطر ببال أحد من النحوين والعلماء عند المتكلم بالاستثناء فضلا عن العوام فما ذلك إلا متعسفا بتعسف عظيم.
احتج المصنف على سقم المذهب الأول بأوجه منها:
أنه لو كان المراد بالمستثنى منه هو الباقي بعد الاستثناء لزم أن يكون المراد استثناء نصف الجارية من نصفها إذا قيل: اشتريت الجارية إلا نصفها. إذ المراد بالمستثنى منه هو الباقي بعد الاستثناء فكأن المراد بالجارية نصفها وقد استثنى عنه النصف فيلزم استثناء نصفها من نصفها لكنا نقطع بأن من قال ذلك لم يرد استثناء النصف من النصف.
وفيه نظر لأن مراد الجمهور أن المراد بالمستثنى منه بعد الاستثناء ما بقي لا قبله وليس مرادهم أن ما بقي هو المستثنى منه وبهذه النكتة تندفع الأوجه التي اعترض بها المصنف عليهم فتأملها تصب.
ومنها أنه لو كان مراد المتكلم بالمستثنى منها ما بقي بعد الاستثناء لزم التسلسل واللازم باطل.
وبيان الملازمة أن المراد بالجارية مثلا إذا كان نصفها وقد أخرج الاستثناء من المستثنى منه نصفه فيكون نصف النصف مخرجا بالاستثناء فيكون المراد بالنصف الذي هو المستثنى منه نصف النصف لأنه الباقي بعد استثناء النصف وقد أخرج عن المستثنى منه الذي هو نصف النصف.
стр. 864
وفيه نظر آخر وهو أن التسلسل على تقدير وجوده ممتنع لأنه في الأمور الاعتبارية.
ومنها أنه لو كان المراد بالمستثنى منه الباقي بعد الاستثناء لزم رجوع ضمير نصفها إلى النصف لأنه هو المراد , لكنه الجارية بلا خلاف.
وفيه نظر لأن الضمير راجع إلى الجارية حالة الاستثناء والمراد بها النصف بعده وهذا يذكر للثلاثة المذكورة أولا.
ومنها أنه لو كان كذلك لم يكن الاستثناء في قولنا: اشتريت الجارية إلا نصفها إخراج بعض من كل وهو ظاهر لكن أهل العربية أجمعوا على أنه إخراج بعض.
والثلاثة جارية.
ومنها أنه لو كان كذلك بطل النصوص لأن العشرة نص في مدلولها فلو أريد بها سبعة بطل النص لكن بطلانها باطل بالاتفاق.
وفيه نظر لأن ذلك ليس ببطلان بل هو استعمال مطنب في موضوع موجب على ما ستعرف. سلمناه. لكن بطلانه لا يجوز مطلقا أو إذا لم يقع مستثنى منه. والأول ممنوع , والثاني يحصل به المطلوب.
ومنها أنا نعلم قطعا أنا نسقط الخارج يعني المستثنى من المستثنى منه فيعلم بعد إسقاطه أن المسند إليه ما بقي بعد الاستثناء فلو كان المراد بالمستثنى منه هو الباقي لم يكن الإسقاط موجبا للعلم بكون الباقي مسندا إليه لأن إسقاط الخارج متوقف على حصوله وإذا كان المستثنى منه هو الباقي لم يحصل خارج.
ولقائل أن يقول ذلك نهج متعسف لا يسلك كما تقدم على أن كل ذلك مغالطة إذا طبقت النكتة المذكورة عليها عرفت على أن عباراته كلها إيجاز مخل لا يفيد إلا بطريق الإلغاز.
واحتج على سقم المذهب الثاني أيضا بأوجه الأول: بأنا نعلم قطعا أنه
стр. 865
خروج عن قانون اللغة إذ لم يعهد وضع مركب من كلمات أولها معرب وهو غير مضاف وهذا يفضي إلى ذلك.
ولقائل أن يقول: المراد بالمركب المطنب وبالمفرد الموجز وإنكار وجود ذلك في كلام العرب لقصور الباع في علم البلاغة.
الثاني: أنه لو كان كذلك كان الضمير في " نصفها " لجزء الاسم وهو باطل لا محالة.
وفيه نظر فإنه يجوز أن يسمى شخص بضرب زيد غلامه , والمنازع مكابر.
الثالث: أنه لو كان كذلك لما كان الاستثناء المتصل إخراجا وهو خلاف إجماع أهل العربية.
وفيه نظر لأن مذهب الخصم أن الاستثناء لبيان أنه لم يدخل لا للإخراج والإجماع معارض بإجماع آخر لأهل العربية أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا.
ص - قال الأولون: لا يستقيم أن يراد عشرة بكمالها , للعلم بأنه ما أقر إلا بسبعة فيتعين. وأجيب بأن الحكم بالإقرار باعتبار الإسناد ولم يسند إلا بعد الإخراج.
قالوا: لو كان المراد عشرة امتنع من الصادق مثل قوله: (إلا خمسين عاما).
وأجيب بما تقدم.
القاضي: إذا بطل أن بكون عشرة وبطل أن يكون سبعة تعين أن يكون الجميع لسبعة. وأجيب بما تقدم فتبين أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص. وعلى الأكثر تخصيص وعلى المختار محتمل.
стр. 866
ش - القائلون بالمذهب الأول احتجوا بوجهين:
أحدهما: أنه لو قال: له علي عشرة إلا ثلاثة لم يستقم أن يراد بعشرة بكمالها للعلم القطعي بأنه ما أقر إلا بسبعة فتعين أن يكون المراد بها سبعة.
وأجاب المصنف بأن الحكم بالإقرار باعتبار الاسناد لا باعتبار العشرة فكان المراد العشرة بكمالها وأخرج منها ثلاثة قبل الإسناد ثم أسند بعد الإخراج الحكم إلى الباقي.
وفيه نظر لما عرفت ما فيها من التمحل الذي لا مزيد عليه ولكن الجواب أن يقال الإقرار يثبت لمجموع الكلام ويفيد سبعة كسبعة.
الثاني: أنه لو كان كذلك لزم الكذب في كلام الصادق في مثل قوله - تعالى -: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) إذ المراد حينئذ تمام الألف فإذا نقص خمسون كان الأول كذبا.
وأجاب بأن الصدق والكذب إنما يعتبر بالنسبة إلى الاسناد والاسناد بعد الإخراج فلم يلزم كذب.
وفيه نظر لما عرفت أنه من باب بناء الفاسد على الفاسد.
وإنما الجواب ما ذكرنا أن المجموع مستعمل موضع تسعمائة وخمسين عاما.
واحتج القاضي بأنه إذا بطل أن تكون العشرة بكمالها مرادة , وبطل أن تكون
стр. 867
السبعة مرادة بها تعيين أن يكون الجميع لسبعة.
وأجاب بأنا لا نسلم أبطال المذهب المختار لما تقدم من الدلائل على صحتها.
وفيه نظر لما تبين فساد تلك الدلائل كلها فإذا علمت ما ذكر تبين لك أن الاستثناء على قول القاضي ليس بتخصيص إذ لا إخراج فإنه لبيان أنه لم يدخل كما مر , وعلى مذهب الأكثر تخصيص لأنه إخراج بعض ما تناوله اللفظ , وقصر اللفظ على بعض مسماه.
وعلى ما اختاره يحتمل أن يكون تخصيصا نظرا إلى أنه بعد الإسناد قد قصر لفظ المستثنى منه على بعض مسماه. ويحتمل أن لا يكون نظرا إلى أنه أريد بالمستثنى منه تمام مسماه.
ص - مسألة: شرط الاستثناء الاتصال لفظا أو ما في حكمه , كقطعه لتنفس أو سعال , ونحوه. وعن ابن عباس يصح وإن طال شهرا.
وقيل: يجوز بالنية كغيره. وحمل عليه مذهب ابن عباس لقربه. وقيل: يصح
стр. 868
في القرآن خاصة.
لنا: لو صح لم يقل ﷺ : " فليكفر عن يمينه " معينا لأن الاستثناء أسهل. ولبطل جميع الإقرار والطلاق والعتق وأيضا فإنه يؤدي إلى أن لا يعلم صدق ولا كذب.
قالوا: قال ﷺ : " والله لأغزون قريشا ثم سكت وقال: بعده إن شاء الله ". قلنا يحمل على السكوت لعارض كما تقدم. قالوا: " مسألة اليهود عن لبث أهل الكهف فقال: " غدا أجيبكم. فتأخر الوحي بضعة عشرة يوما ثم نزل: (ولا تقولن لشيء) فقال: إن شاء الله ".
قلنا: يحمل على أفعل إن شاء الله. وقول ابن عباس متأول بما تقدم أو بمعنى المأمور به.
ش - شرط صحة الاستثناء الاتصال لفظا أو حكما عند عامة العلماء والمراد بالحكمي ما وجد فيه الفصل لضرورة لتنفس وسعال وعطاس ونحوها.
стр. 869
ونقل عن ابن عباس ﵄ جواز الفصل بشهر.
وقيل: يجوز الفصل بالنية أي مع إضمار الاستثناء متصلا بالمستثنى منه كغير الاستثناء وهو التخصيص بالأدلة المنفصلة. وحمل ما نقل عن ابن عباس على هذا " القربة " من الصواب.
وقيل: يصح ذلك في القرآن فقط بناء على أنه كلام أزلي والفصل الخطابي لا يحل بالأزلي.
ورد بأن الكلام في العبارات التي وصلت إلينا لا الكلام الأزلي.
واحتج المصنف بأمور:
الأول: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها " فليكفر يمينه " ويأت الذي هو خير " يمين الكفارة للتخليص عن اليمين دون الاستثناء المنفصل. ولو جاز لعينه لرأفته على أمته.
стр. 870
الثاني: أنه لو جاز ذلك لما ثبت إقرار ولا طلاق ولا عتاق.
الثالث: أنه لو جاز لم يعلم صدق خبر ولا كذبه أصلا والملازمات ظاهرة واللوازم باطلة.
واحتج المجوزون أيضا بوجوه منها أنه ﷺ قال: " والله لأغزون قريشا. وسكت. ثم قال بعد زمان: إن شاء الله " وأجاب بأنه يحمل على السكوت لعارض وهو متصل حكماً.
стр. 871
ومنها أن اليهود سألوه عن مدة لبث أهل الكهف. فقال ﵇: " غدا أجيبكم " ولم يقل أن شاء الله. فانقطع الوحي بضعة عشرا يوما. ثم نزل قوله - تعالى -: (ولا تقولن لشأئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فقال ﵇: إن شاء الله إلحاقا بخبره الأول وهو قوله: " أجيبكم غدا ".
وفيه نظر لأن قوله: (ولا تقولن لشأئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) إن لم يدل مضافا إلى انقطاع الوحي على وجوب اتصاله فليس له دلالة على جواز الانفصال قطعا. وقوله ﵇: " إن شاء الله " لم يتعين أن يلحق بالخبر الأول لجواز أن يكون ذكره للتبرك أو متعلقا بقوله - تعالى -: (ولا تقولن لشأئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله).
يعني إن شاء الله - تعالى - ذلك فعلت كما أشار إليه المصنف: بقوله نحمله على أفعل إن شاء الله.
ومنها أن ابن عباس ﵄ قال: بصحته ولو لم يجز لما قال: لأنه من فصحاء أهل اللسان وترجمان القرآن.
وأجاب بأن قوله يتأول بما تقدم يعني جواز الانفصال بالنية أو بمعنى المأمور به يعني يجوز الانفصال في الاستثناء المأمور به وهو الاستثناء بمشيئة الله - تعالى -.
وفيه نظر لأنه يستلزم جواز أن تقول: أنت طالق. ثم تقول بعد زمان: إن
стр. 872
شاء الله. ولا يقع الطلاق وكذلك العتاق.
ص - مسألة: الاستثناء المستغرق باطل باتفاق والأكثر على جواز المساوي والأكثر. وقالت الحنابلة والقاضي: بمنعهما. وقال بعضهم والقاضي أيضا: بمنعه في الأكثر خاصة. وقيل: إن كان العدد صريحا. لنا: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) والغاوون أكثر , بدليل: (وما أكثر الناس) فالمساوي أولى وأيضا: " كلكم جائع إلا من أطعمته ". وأيضا: فإن فقهاء الأمصار على أنه لو قال: عشرة إلا تسعة. لم يلزمه إلا درهم. ولولا ظهوره لما اتفقوا عليه عادة.
الأقل: مقتضى الدليل يمنعه إلى آخره.
وأجيب بالمنع لأن الإسناد بعد الإخراج , ولو سلم فدليل متبع.
قالوا: عشرة إلا تسعة ونصف وثلث درهم مستقبح ركيك.
وأجيب بأن استقباحه لا يمنع صحته كعشرة إلا دانقا , ودانقا إلا عشرين.
ش - الاستثناء إما أن يكون مستغرقا للمستثنى منه أو أكثر أو مساويا له أو أقل منه.
والأول باطل.
والرابع جائز بالاتفاق.
стр. 873
والثاني والثالث مختلف فيه فالأكثر على جوازهما.
وذهبت الحنابلة والقاضي أولا إلى منعهما. وقال بعض الأصوليين والقاضي آخرا بعدم الجواز في الأكثر دون المساوي.
وقيل: إن كان العدد صريحا كقولك: علي عشرة إلا تسعة. لم يجز الأكثر خاصة وإلا جاز مثل خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني وكان ذلك أكثر من الباقي.
واحتج المصنف للأول بوجوه: منها أنه واقع في القرآن لقوله - تعالى -:
стр. 874
(إن عبادي ليس لك عليهم سلطن إلا من اتبعك من الغاوين).
والغاوون أكثر لقوله - تعالى -: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). والوقوع دليل الجواز وإذا جاز الأكثر فالمساوي أولى.
ورد بأنه ليس من الجنس لأن الغاوين لم يدخلوا تحت العباد.
وأجيب بأن العباد أعم وهو صحيح لكنه ليس بحجة على من لم يمنع جوازه في غير العدد الصريح.
ومنها مثل ذلك في الحديث كما في قوله ﷺ عن الله - تعالى -: " كلكم جائع إلا من أطعمته " ومن أطعمته أكثر. والوقوع دليل الجواز وليس بحجة على المجوز في غير العدد الصريح.
ومنها اتفاق فقهاء الأمصار على أنه إذا قيل: له عشرة إلا تسعة لزمه درهم ولولا ظهور جوازه لما اتفقوا عادة.
والقائلون بجوازه في الأقل خاصة احتجوا بوجهين:
أحدهما: أن مقتضى الدليل منع الاستثناء مطلقا لأنه إنكار بعد الإقرار وذلك إدخال " للعبد " في ربقة الكذابين والعقل يمنع عن الإقدام عليه لكن خالفناه في الأقل بسبب لم يوجد في الأكثر والمساوي وهو كون الأقل في معرض النسيان وعدم
стр. 875
الالتفات إليه فيبقى في الأكثر والمساوي معمولا به.
وأجاب بالمنع يعني لا نسلم أنه إنكار بعد الإقرار لأن الإقرار إنما يتقرر بعد الإسناد والإخراج قبله لو سلم ذلك ينبغي أن يتبع الدليل في الكل فلا يجوز الاستثناء أصلا.
وفيه نظر لأنه مبني على الأصل الفاسد المار , لأنه قام الدليل على ترك ذلك الأصل في الأقل خاصة فلا يلزم اتباع الدليل في الكل وإلا لكان المقتضي مع المانع كالمقتضي السالم في لزوم العمل وذلك باطل لا محالة.
والثاني: أنه لو جاز ذلك لم يستقبح: علي عشرة إلا تسعة ونصف درهم وثلث درهم. واللازم باطل.
وأجاب بأن الاستقباح لا يمنع الصحة كقوله: علي عشرة إلا دانقا ودانقا إلى عشرين دانقا فإنه مستقبح , وصحيح بالاتفاق.
ص - مسألة: الاستثناء بعد جمل بالواو , قال الشافعية: للجميع والحنفية إلى الأخيرة والغزالي والقاضي: بالوقف. الشريف بالاشتراك أبو الحسين. إن تبين الإضراب عن الأولى فالأخيرة مثل أن يختلفا نوعا أو اسما , وليس الثاني ضميره. أو حكما غير مشتركين في غرض. وإلا فللجميع.
والمختار: إن ظهر الانقطاع فللأخيرة , والاتصال للجميع وإلا فالوقف.
ش - اختلف العلماء في استثناء واقع بعد جمل عطف بعضها على بعض بالواو:
стр. 876
فقالت الشافعية: يعود إلى الجميع.
وقالت الحنفية: يعود إلى الأخيرة.
стр. 877
ووقف الغزالي والقاضي.
وقال الشريف من الشيعة: بالاشتراك بين كونه عائدا إلى الجميع وإلى الأخيرة.
وقال أبو الحسين: إن تبين الإضراب عن الجملة الأولى فللأخيرة وذلك باختلافهما طلبا وخبرا مثل: جاء القوم , وأكرم بني تميم , وأهن بني كلاب إلا الطوال. أو باختلافهما اسما وليس الاسم في الجملة الثانية ضميرا للاسم في الجملة الأولى مثل: أكرم بني تميم وأهن بني كلاب إلا الطوال. أو باختلافهما حكما ولا
стр. 878
تكون الجملتان مشتركتين في غرض نحو: أكرم بني تميم واستأجر بني تميم إلا الضعفاء.
وإن لم يتبين الإعراض عنها مثل: إن اتفقا طلبا وخبرا , ويكون الاسم الثاني ضمير الأول واشتركتا في غرض نحو: أطعم الفقراء وتصدق عليهم إلا الفاسقين فإنهما اشتركا في الجمل فهو للجميع.
هذا ما يدل عليه ظاهر كلامه.
وفي البديع زيادة اعتبارات لم تذكر ههنا فلتطلب فيه.
والمختار عند المصنف " أنه أظهر " بقرينة أن الجملة الأخيرة منقطعة عما قبلها فللأخيرة وإن ظهر أنها متصلة بما قبلها فللجميع وإن لم يظهر شيء منها فالوقف.
ص - الشافعية: العطف يصير المتعدد كالمفرد. وأجيب بأن ذلك في المفردات قالوا: لو قال " والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء الله عاد إلى الجميع. وأجيب بأنه شرط فإن ألحق به فقياس. وإن سلم فالفرق أن الشرط مقدر تقديمه. وإن سلم فلقرينة الاتصال وهي اليمين على الجميع. قالوا: لو كرر لكان مستهجنا قلنا: عند قرينة الاتصال. وإن سلم فللطول مع إمكان إلا كذا من الجميع.
قالوا: صالح فالبعض تحكم كالعام. قلنا , صلاحيته لا توجب ظهوره كالجمع المنكر. قالوا: لو قال: علي خمسة وخمسة إلا ستة كان للجميع.
قلنا: مفردا وأيضا فللاستقامة.
ش - احتجت الشافعية بخمسة أوجه:
стр. 879
الأول: إن العطف يصير المتعدد كالمفرد. يريد أن العطف ينافي عود الاستثناء إلى الأخيرة لأنه يوجب الاتحاد والعود التفرق وأحد المتنافين وهو العطف ثابت مشهور بين أخل اللسان فينتفي الأخير.
وأجيب بأن ذلك في المفردات وليس النزاع في ذلك.
وللخصم أن يقول ذلك دعوى لابد لها من دليل.
الثاني: أنه لو قال: والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء الله عاد إلى الجميع فكذا في غيره.
وفيه نظر لأن ذلك إما أن يكون لغة أو عرفا والأول ممنوع والثاني مسلم ولكن الكلام في الأول.
وأجاب بأنه شرط لا استثناء والكلام فيه فإن ألحق بالشرط بجامع كان قياسا في اللغة وهو باطل ولو سلم جواز القياس فيها فالفرق ثابت فإن الشرط وإن كان متأخرا لفظا فهو مقدم تقديرا بخلاف الاستثناء فيجوز عود الشرط إلى الجميع لتقدمه دون الاستثناء ولو سلم عدم الفرق فإنما عاد هنا إلى الجميع بقرينة تشير باتصال الأخيرة بما قبلها وهي اليمين.
وللخصم أن يطالب بكون اليمين قرينة لذلك.
الثالث: أن الجمل المعطوفة بالواو وإذا عقبت بالاستثناء استهجن تكراره. فإنه لو قيل: " إن سرق " زيد فاقطعه إلا أن يتوب , وإن شرب زيد فاجلده إلا أن يتوب , وإن زنى زيد فاجلده إلا أن يتوب. كان مستهجنا عند أهل اللغة.
وفيه نظر لأنه دعوى.
وأجاب بأن التكرار إنما يكون مستهجنا عند قرينة اتصال بعضها ببعض وبدونها ممنوع ولو سلم استهجانه مطلقا لطول الكلام. مع إمكان الاختصار بأن بقول بعد الجمل إلا كذا في الجميع.
стр. 880
وفيه نظر لأن إمكان الاختصار قد لا يكون موجبا للاستهجان بالتكرار إذا كان في مقام الاطناب.
الرابع: أن الاستثناء المذكور صالح للعود إلى كل واحدة من الجمل لا محالة فالعود إلى البعض تحكم كالعام فإنه لما كان صالحا للجميع شمله دفعا للتحكم.
وأجاب بأن صلاحيته للعود إلى الجميع لا توجب ظهوره في العود إلى الكل وهو المتنازع فيه كالجمع المنكر فإنه صالح لكل الأفراد وليس بظاهر فيه.
الخامس: لو قيل: علي خمسة وخمسة إلا ستة عاد إلى الكل بالاتفاق فيطرد دفعا للاشتراك والمجاز.
وأجاب أولا: بأنه غير محل النزاع لوقوعه بعد المفردات.
وثانيا: بأنه عاد إلى الكل ههنا لأن عوده إلى الأخيرة يوجب الاستغراق فكان بدليل ولا كلام فيه.
ص - المخصص: آية القذف لم ترجع إلى الجلد اتفاقا. قلنا: لدليل وهو حق الآدمي ولذلك عاد إلى غيره. قالوا: " عشرة " إلا أربعة إلا إثنين " للأخير. قلنا: أين العطف؟ وأيضا مفردات. وأيضا للتعذر فكان الأقرب الأولى. ولو تعذر تعين الأول مثل علي عشرة إلا اثنين إلا اثنين ".
قالوا: الثانية حائلة , كالسكوت. قلنا: لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة.
قالوا: حكم الأولى يقين , والرفع مشكوك قلنا: لا يقين مع الجواز للجميع. وأيضا فالأخيرة كذلك للجواز بدليل. قالوا: إنما يرجع لعدم استقلاله , فيتقيد بالأقل وما يليه هو المتحقق. قلنا: يجوز أن يكون وضعه للجميع كما لو قام دليل.
القائل بالاشتراك: حسن الاستفهام.
следующие страницы →