Полный текст (1 417 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فقالت الشافعية: يعود إلى الجميع.
وقالت الحنفية: يعود إلى الأخيرة.
стр. 877
ووقف الغزالي والقاضي.
وقال الشريف من الشيعة: بالاشتراك بين كونه عائدا إلى الجميع وإلى الأخيرة.
وقال أبو الحسين: إن تبين الإضراب عن الجملة الأولى فللأخيرة وذلك باختلافهما طلبا وخبرا مثل: جاء القوم , وأكرم بني تميم , وأهن بني كلاب إلا الطوال. أو باختلافهما اسما وليس الاسم في الجملة الثانية ضميرا للاسم في الجملة الأولى مثل: أكرم بني تميم وأهن بني كلاب إلا الطوال. أو باختلافهما حكما ولا
стр. 878
تكون الجملتان مشتركتين في غرض نحو: أكرم بني تميم واستأجر بني تميم إلا الضعفاء.
وإن لم يتبين الإعراض عنها مثل: إن اتفقا طلبا وخبرا , ويكون الاسم الثاني ضمير الأول واشتركتا في غرض نحو: أطعم الفقراء وتصدق عليهم إلا الفاسقين فإنهما اشتركا في الجمل فهو للجميع.
هذا ما يدل عليه ظاهر كلامه.
وفي البديع زيادة اعتبارات لم تذكر ههنا فلتطلب فيه.
والمختار عند المصنف " أنه أظهر " بقرينة أن الجملة الأخيرة منقطعة عما قبلها فللأخيرة وإن ظهر أنها متصلة بما قبلها فللجميع وإن لم يظهر شيء منها فالوقف.
ص - الشافعية: العطف يصير المتعدد كالمفرد. وأجيب بأن ذلك في المفردات قالوا: لو قال " والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء الله عاد إلى الجميع. وأجيب بأنه شرط فإن ألحق به فقياس. وإن سلم فالفرق أن الشرط مقدر تقديمه. وإن سلم فلقرينة الاتصال وهي اليمين على الجميع. قالوا: لو كرر لكان مستهجنا قلنا: عند قرينة الاتصال. وإن سلم فللطول مع إمكان إلا كذا من الجميع.
قالوا: صالح فالبعض تحكم كالعام. قلنا , صلاحيته لا توجب ظهوره كالجمع المنكر. قالوا: لو قال: علي خمسة وخمسة إلا ستة كان للجميع.
قلنا: مفردا وأيضا فللاستقامة.
ش - احتجت الشافعية بخمسة أوجه:
стр. 879
الأول: إن العطف يصير المتعدد كالمفرد. يريد أن العطف ينافي عود الاستثناء إلى الأخيرة لأنه يوجب الاتحاد والعود التفرق وأحد المتنافين وهو العطف ثابت مشهور بين أخل اللسان فينتفي الأخير.
وأجيب بأن ذلك في المفردات وليس النزاع في ذلك.
وللخصم أن يقول ذلك دعوى لابد لها من دليل.
الثاني: أنه لو قال: والله لا أكلت ولا شربت ولا ضربت إن شاء الله عاد إلى الجميع فكذا في غيره.
وفيه نظر لأن ذلك إما أن يكون لغة أو عرفا والأول ممنوع والثاني مسلم ولكن الكلام في الأول.
وأجاب بأنه شرط لا استثناء والكلام فيه فإن ألحق بالشرط بجامع كان قياسا في اللغة وهو باطل ولو سلم جواز القياس فيها فالفرق ثابت فإن الشرط وإن كان متأخرا لفظا فهو مقدم تقديرا بخلاف الاستثناء فيجوز عود الشرط إلى الجميع لتقدمه دون الاستثناء ولو سلم عدم الفرق فإنما عاد هنا إلى الجميع بقرينة تشير باتصال الأخيرة بما قبلها وهي اليمين.
وللخصم أن يطالب بكون اليمين قرينة لذلك.
الثالث: أن الجمل المعطوفة بالواو وإذا عقبت بالاستثناء استهجن تكراره. فإنه لو قيل: " إن سرق " زيد فاقطعه إلا أن يتوب , وإن شرب زيد فاجلده إلا أن يتوب , وإن زنى زيد فاجلده إلا أن يتوب. كان مستهجنا عند أهل اللغة.
وفيه نظر لأنه دعوى.
وأجاب بأن التكرار إنما يكون مستهجنا عند قرينة اتصال بعضها ببعض وبدونها ممنوع ولو سلم استهجانه مطلقا لطول الكلام. مع إمكان الاختصار بأن بقول بعد الجمل إلا كذا في الجميع.
стр. 880
وفيه نظر لأن إمكان الاختصار قد لا يكون موجبا للاستهجان بالتكرار إذا كان في مقام الاطناب.
الرابع: أن الاستثناء المذكور صالح للعود إلى كل واحدة من الجمل لا محالة فالعود إلى البعض تحكم كالعام فإنه لما كان صالحا للجميع شمله دفعا للتحكم.
وأجاب بأن صلاحيته للعود إلى الجميع لا توجب ظهوره في العود إلى الكل وهو المتنازع فيه كالجمع المنكر فإنه صالح لكل الأفراد وليس بظاهر فيه.
الخامس: لو قيل: علي خمسة وخمسة إلا ستة عاد إلى الكل بالاتفاق فيطرد دفعا للاشتراك والمجاز.
وأجاب أولا: بأنه غير محل النزاع لوقوعه بعد المفردات.
وثانيا: بأنه عاد إلى الكل ههنا لأن عوده إلى الأخيرة يوجب الاستغراق فكان بدليل ولا كلام فيه.
ص - المخصص: آية القذف لم ترجع إلى الجلد اتفاقا. قلنا: لدليل وهو حق الآدمي ولذلك عاد إلى غيره. قالوا: " عشرة " إلا أربعة إلا إثنين " للأخير. قلنا: أين العطف؟ وأيضا مفردات. وأيضا للتعذر فكان الأقرب الأولى. ولو تعذر تعين الأول مثل علي عشرة إلا اثنين إلا اثنين ".
قالوا: الثانية حائلة , كالسكوت. قلنا: لو لم يكن الجميع بمثابة الجملة.
قالوا: حكم الأولى يقين , والرفع مشكوك قلنا: لا يقين مع الجواز للجميع. وأيضا فالأخيرة كذلك للجواز بدليل. قالوا: إنما يرجع لعدم استقلاله , فيتقيد بالأقل وما يليه هو المتحقق. قلنا: يجوز أن يكون وضعه للجميع كما لو قام دليل.
القائل بالاشتراك: حسن الاستفهام.
стр. 881
قلنا: للجهل بحقيقته أو لرفع الاحتمال.
قالوا: صح الإطلاق , والأصل: الحقيقة.
قلنا: والأصل عدم الاشتراك.
ش - احتج المخصص بالأخيرة أيضا بخمسة أوجه:
الأول: آية القذف وهو قوله - تعالى -: (والذين يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفسقون إلا الذين تابوا) فإنه راجع إلى الأخيرة فقط لعدم رجوعه إلى الجلد اتفاقا فيرد وإلا لزم الاشتراك أو المجاز.
وفيه نظر لأن الاشتراك يتحقق في استعمال اللفظ في مدلوليه الحقيقيين والمجاز في المدلول الغير الحقيقي والاستثناء موضوع للإخراج وقد استعمل فيه , وأما أن يكون المخرج منه جملة أو جملا فلا مدخل له في مفهومه الوضعي حتى يلزم ذلك.
وأجاب بأن عدم العود إلى الجلد لدليل وهو أن الجلد حق الآدمي والتوبة لا أثر لها في إسقاط الآدمي.
وفيه نظر لأنه حد بالإجماع فكان حق الله ولا معتبر باشتماله على حق العبد لأنه مغلوب على ما عرف في موضعه.
الثاني: لو قال قائل: علي عشرة إلا أربعة إلا اثنين يعود إلى الأخير فقط فيجب أن يعود إلى الأخيرة في الجميع دفعا للحكم.
وفي صحة هذا النقل نظر لنه لا شبهة في كونه غير متصل بمحل النزاع أصلاً.
стр. 882
وأجاب بأن النزاع في الجمل المعطوفة ولا عطف فيه ولا جملة.
وأيضا إنما عاد إلى الأخيرة لتعذر عوده إلى الجميع لوقوع الاستثناء الثاني مستدركا فإن الاستثناء يخرج الإثنين حينئذ من الأربعة الواقعة مستثنى أولا واثنين من الجملة الأولى لتعلقه بها كتعلقه بالمستثنى فصار المخرج أربعة والاستثناء الأول يفيد فلا حاجة إلى الثاني ولما تعذر العود إلى الجميع وكأن الأخيرة أقرب حمل عليه.
وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لكان الحمل على الأولى لسبقها وقلة المخالفة فيه أولى ولو تعذر العود إلى الأخيرة تعين العود إلى الأولى كقوله: علي عشرة إلى اثنين إلا اثنين فإنه تعذر عود الاستثناء الأخير إلى الاستثناء الأول لكونه مستغرقا فتعين أن يعود إلى الأول.
وفيه نظر لأن هذا يصح أن يكون تأكيدا للأول فلا يتعلق لا بالأول ولا بالثاني أصالة.
الثالث: أن الجملة الثانية حائلة بين الأولى والاستثناء فتكون مانعة عن عوده إلى الأولى لتعلقه بها كالسكوت.
وأجاب بأن الجميع بمنزلة جملة واحدة للعطف كما تقدم.
وفيه نظر لأن جعل الجمل المتعددة بمثل جملة واحدة خارج عن قانون كلامهم.
الرابع: حكم الجملة الأولى متيقن ورفعه بتعلق الاستثناء بها مشكوك للاختلاف فيه واليقين لا يزول بالشك.
وأجاب بمنع التيقن مع احتمال رفع حكم الجميع بالاستثناء.
وفيه نظر لأن الاحتمال إنما ينشأ بعد ذكر الاستثناء باعتبار عوده إلى الأخيرة أو الجميع فحكم الأولى متيقن في أول ما ذكره لأن الظاهر عدم إبطال الإقرار بالإنكار بعده.
وأجاب أيضا بأن هذا لو كان مانعا من عوده إلى الأولى يمنع من عوده إلى الأخيرة لجواز عود الاستثناء إلى الأول بدليل دون الأخيرة فيكون رفع حكم الأخيرة
стр. 883
بالاستثناء مشكوكاً وثبوت حكمها متيقنا والمتيقن لا يزول بالمشكوك.
وفيه نظر لأنه على ذلك التقدير لا ينصرف الاستثناء إلى الأخيرة قطعا فضلا عن الشك.
الخامس: أن الاستثناء غير مستقل فالضرورة داعية إلى مرجع له فإما أن يرجع إلى الجميع وهو باطل لعدم الضرورة لاندفاعها بعوده إلى الخيرة فيتقيد بالأقل , والأخيرة أولى لقربها.
وأجاب بجواز أن الواضع وضع في صورة تعدد الجمل الاستثناء الواقع بعدها للعود إلى الجميع وحينئذ لا يجوز العود إلى الأخيرة فقط كما إذا قام دليل على عوده إلى الجميع فإنه حينئذ لا يعود إلى الأخيرة فقط.
وفيه نظر فإنه لا يجوز ذلك لأن المركبات موضوعة من حيث مفرداتها , ووضع الاستثناء في المفردات للإخراج , وأما أن يكون المخرج منه جملة أو جملا فلا مدخل له في ذلك. سلمناه ولكنه يلزم الاشتراك وهو خلاف الأصل.
والقائل بالاشتراك احتج بوجهين:
الأول: أنه يحسن الاستفهام من المتكلم بأنه أراد العود إلى الأخيرة أو إلى الجميع وليس ذلك إلا لتردد الذهن وهو دليل الاشتراك.
وأجاب بأن حسن الاستفهام لا يدل على الاشتراك لجواز أن يكون الاستفهام للجهل بحقيقته أي لعدم العلم بمفهومه الحقيقي والمجازي.
وفيه نظر لأن حقيقة الاستثناء معلومة والانصراف إلى الجميع أو إلى الأخيرة من العوارض فإن من لم يختلف في حقيقة الاستثناء اختلف في هذا وهو دليل التغاير.
стр. 884
وقال: أو لدفع الاحتمال يعني أنه وإن كان حقيقة في أحدهما لكنه يحتمل أن يكون الآخر مرادا بطريق المجاز.
وفيه نظر لأن المجاز غير معتبر إلا بقرينة وقبلها لا معتبر لاحتماله.
الثاني: أنه يصح إطلاق الاستثناء مع إرادة العود إلى الجميع وإلى الأخيرة والأصل في الإطلاق الحقيقة فكان مشتركا.
وأجاب بأن الاشتراك خلاف الأصل فيحمل على كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر وهو أولى من الاشتراك لما تقدم.
وفيه نظر لما تقدم ثمة.
ص - مسألة: الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس خلافا لأبي حنيفة.
لنا: النقل. وأيضا: لو لم يكن , لم يكن " لا إله إلا الله " توحيدا.
قالوا: لو كان للزم من لا علم إلا بحياة " , و " لا صلاة إلا بطهور ".
ثبوت العلم والصلاة بمجردهما. قلنا: ليس مخرجا من العلم والصلاة فإن اختار تقدير" إلا صلاة بطهور " , اطرد فإن اختار لا صلاة تثبت بوجه إلا بذلك , فلا يلزم من الشرط المشروط.
وإنما الإشكال في المنفي الأعم في مثله , وفي مثل ما زيد إلا قائم إذ لا يستقيم نفي جميع الصفات المعتبرة.
وأجيب بأمرين: أحدهما: أن الغرض المبالغة بذلك والأخر: أنه أكدها.
والقول بأنه منقطع بعيد لأنه مفرغ , وكل مفرغ متصل لأنه من تمامه.
ش - قيل اتفق الجمهور على أن الاستثناء من الإثبات نفي , وأما الاستثناء
стр. 885
من النفي فقد اختلفوا فيه.
فذهب الشافعي إلى أنه إثبات خلافا لأبي حنيفة. وفي صحة هذا النقل عن أبي حنيفة نظر فإن المنقول عنه أنه من الإثبات نفي ومن النفي إثبات لكنه بإشارته لا بعبارته.
واختار المصنف مذهب الشافعي. واستدل عليه بوجهين:
الأول: النقل فإن أهل النقل نقلوا عن أهل اللغة ذلك.
والثاني: العقل أنه لو لم يكن كذلك لم يكن " لا إله إلا الله " توحيداً والثاني
стр. 886
باطل بالإجماع.
وبيان الملازمة أن النفي الداخل على الإله نفى جميع الآلهة وعلى التقدير المذكور لم يثبت الاستثناء واحدا منها فلم يشعر هذا اللفظ بالتوحيد لعدم ثبوت الألوهية لله.
وفيهما نظر أما الأول فلأنه معارض بما نقل عن أئمة اللغة أنهم قالوا: إن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وإذا صح النقلان تعارضا فوفقنا بأنا جعلنا الاستثناء تكلما بالباقي بعد الثنيا عبارة , ونفيا وإثباتا إشارة وقد ذكرنا ذلك في التقرير مستوفى فليطلب ثمة. فليس الغرض من هذه العجالة إلا الإلمام بأصول الأصحاب.
وأما التقرير الشافي فهناك وفي الأنوار وغيرهما.
وأما الثاني - فلأن هذا اللفظ يشعر بنفي الألوهية عن غير الله - تعالى - وذلك يكفي في التوحيد لأن ثبوت ألوهيته - تعالى - وتقدس لم ينازع فيه أحد قال الله
стр. 887
- تعالى -: (ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن الله) وإنما يدعون الشركة لغيره معه في غير ذلك فإذا انتفى ذلك حصل التوحيد.
- واحتج للحنفية بأن الاستثناء من النفي لو كان إثباتا لزم من " لا علم إلا بحياة " و " لا صلاة إلا بطهور " ثبوت العلم والصلاة بمجرد الحياة والطهور
стр. 888
لكونه استثناء من النفي واللازم باطل لأن الحياة حاصلة للبهائم ولا علم لها , والصلاة تنتفي بانتفاء شرط آخر غيره.
وأجاب بأن هذا الاستثناء إن أجري على ظاهره من غير تقدير شيء فليس من الجنس لأن الحياة والطهور ليسا بمخرجين من العلم والصلاة فلا تكون محل النزاع إذ هو فيه وإن قدر شيء فإن قدر لا علما إلا علم بحياة. ولا صلاة إلا صلاة بطهور. لم يتوجه النقض لا طراد القول حينئذ بأن الاستثناء من النفي إثبات. وإن قدر لا علم يثبت بوجه إلا بحياة , ولا صلاة تصح بوجه إلا بطهور كان معناه أن العلم مشروط بالحياة , والصلاة بالطهارة ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط.
ورد الأطراد في الأول لعدم ثبوت الصلاة بالطهارة عند انتفاء غيرها وكذا عدم ثبوت العلم. واندفاع إلزام الخصم على الثاني فإن دليله لم يقتض إلا عدم ثبوت المستثنى في هذه الصورة.
والجواب قد قدره وهو حق. ثم قال المصنف: وإنما الإشكال في المنفي الأعم في مثل " لا صلاة إلا بطهور " وفي مثل: " ما زيد إلا قائم " لأنه إذا كان المراد المنفي الأعم يعني الذي ينفي جميع الصفات المعتبرة كان تقدير المثال الأول: لا صفة للصلاة من الصفات المعتبرة في وجودها من استقبال القبلة وستر العورة وغيرها إلا صفة الطهارة
وتقدير الثاني لا صفة لزيد من الصفات " المعتبرة في " كونه زيدا إلا القيام وحينئذ لا شك في وجود الإشكال لأن معنى الأول حينئذ نفي جميع الصفات المعتبرة للصلاة وإثبات الطهورية من بينها ومعنى الثاني نفي جميع الصفات المعتبرة في زيدية
стр. 889
زيد وإثبات القيام من بينها , وذلك غير صحيح لا محالة.
وأجاب بأمرين:
أحدهما: أن المراد بتعميم النفي ههنا المبالغة في تحقق تلك الصفة للموصوف فكان قائلا قال: لا تعتبر صفة الطهورية للصلاة فقيل: لا صلاة إلا بطهور , ويكون قصر قلب بطريق الادعاء.
الثاني: أن المراد أن هذا الوصف آكد الأوصاف.
وفيه نظر أما في الأولى فلأنه خطابة واستعمالها في مقام الاستدلال غير مفيد.
وأما في الثاني فلأن كونه آكد الأوصاف ممنوع لأنه ورد: " لا صلاة إلا بالقراءة " , " لا صلاة إلا بالفاتحة " , " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ".
على أنه لا ينهض في مثل: ما زيد إلا قائم.
فإن قيل الإشكال الذي أورده المصنف إنما يتأتى على تقدير كون الاستثناء متصلا وهو ممنوع لجواز أن يكون منقطعاً.
стр. 890
أجيب بأنه مفرغ وهو متصل لأنه من تمام الكلام المتقدم ولا شيء من المنقطع كذلك.
ص - التخصيص بالشرط. الغزالي: الشرط: ما لا يوجد المشروط دونه , ولا يلزم أن يوجد عنده. وأورد: أنه دور. على طرده: جزء السبب.
وقيل: ما يقف تأثير المؤثر عليه. وأورد على عكسه: الحياة في العلم القديم.
والأولى: ما يستلزم نفيه نفي أمر على غير جهة السببية.
وهو عقلي كالحياة للعلم وشرعي كالطهارة ولغوي مثل: أنت طالق إن دخلت الدار.
وهو في السببية أغلب وإنما استعمل في الشرط الذي لم يبق للمسبب سواه فلذلك يخرج به ما لولاه لدخل لغة. مثل أكرم بني تميم إن دخلوا , فيقصره الشرط على الداخلين.
وقد يتحد الشرط ويتعدد على الجمع , وعلى البدل فهذه ثلاثة كل منها مع الجزاء كذلك فتكون تسعة.
والشرط كالاستثناء في الإتصال , وفي تعقبه الجمل. وعن أبي حنيفة للجميع. ففرق.
وقولهم في مثل: " أكرمك إن دخلت " ما تقدم خبر , والجزاء محذوف مراعاة لتقدمة كالاستفهام والقسم.
فإن عنوا ليس بجزاء في اللفظ فمسلم وإن عنوا ولا في المعنى فعناد.
والحق أنه لما كان جملة روعيت الشائبتان.
стр. 891
ش - قال الغزالي: الشرط: ما لا يوجد المشروط دونه ولا يلزم أن يوجد المشروط عنده. أي عند وجود الشرط.
وأورد على هذا التعريف أنه دوري لأن معرفة المشروط موقوفة على معرفة الشرط.
وقد أخذ في تعريفه. وأنه غير مطرد لأن جزء السبب لا يوجد مسبب دونه ولا يلزم أن يوجد المسبب عنده مع أن جزء السبب ليس بشرط.
وفيه نظر لجواز أن يكون تعريفا لفظيا كما ذكر أبو علي في
стр. 892
الإشارات في تعريف الإدراك قال: الإدراك أن تتمثل حقيقة المدرك عند المدرك يشاهدها بما به يدرك.
ويلزم أن جزء السبب شرطه.
وقيل في تعريف الشرط: هو ما يتوقف تأثير المؤثر عليه.
وأورد عليه بأنه غير منعكس لأن الحياة القديمة شرط للعلم القديم ة العلم ليس من الصفات المؤثرة.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن الحياة القديمة شرط للعلم القديم , لم لا يجوز أن يحصل العلم لذات الله وإن كانت لا تنفك عن الحياة.
ثم قال المصنف: والأولى أن يقال في حد الشرط: ما يستلزم نفيه نفي أمر آخر على غير جهة السببية. أي على وجه لا يكون سببا لوجوده ولا داخلا فيه.
فقوله: ما يستلزم نفيه نفي أمر كالجنس لاشتراكه بين الشرط والسبب وجزئه , والباقي كالفصل. وبه يخرج عنه السبب وجزؤه ويدخل تحت الحد شرط الحكم وشرط السبب.
وفيه نظر لأن الملزومات تنتفي بانتفاء اللوازم وليس بأسباب ولا جزئها.
والشرط ينقسم إلى عقلي وشرعي ولغوي لأنه إما أن يحكم العقل بشرطيته أولا والأول هو العقلي كالحياة للعلم فإن العقل يحكم بانتفاء العلم عند انتفائها ولا يحكم بوجوده عند وجودها.
стр. 893
والثاني إما أن يكون الشرع قد حكم بشرطيته أو لا والأول هو الشرعي كالطهارة للصلاة , والثاني اللغوي مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإن العقل يحكم بانتفاء الطلاق عند انتفاء دخول الدار.
ولا الشرع بل اللغة وضعت ألفاظا إذا استعملت في شيء " كان " ذلك شرطا وهي ألفاظ " معدودة معروفة ".
والشرط اللغوي أغلب استعماله في السببية العقلية نحو: إذا طلعت الشمس فالعالم مضيء.
والشرعية نحو قوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإن طلوع الشمس سبب لضوء العالم عقلا , والجناية سبب لوجوب التطهر شرعا عند البعض.
وإنما استعمل الشرط اللغوي في الشرط الذي لم يبق للمسبب شرط آخر سواه يعني الشرط الأخير نحو: إن تأت أكرمك.
فإن الإتيان شرط لم يبق للإكرام سواه فإنه إذا دخل عليه الشرط اللغوي علم أن أسباب الإكرام كلها حاصلة ولم يبق إلا حصول الإتيان.
قوله: فلذلك , يجوز أن يكون معناه فلأجل أن الشرط مخصص يخرج به أي بالشرط من الكلام ما لولاه أي الشرط لدخل فيه لغة مثل قولنا: أكرم بني تميم إن دخلوا الدار. فإن الشرط يقصر الإكرام على الداخلين منهم ويخرج منه غير الداخلين.
وفي عبارته تسامح والأولى أن يقول: فيقصره الشرط على دخولهم دون الداخلين. فتأمل.
وإنما قال لغة ليدخل فيه نحو قولنا: أكرم بني تميم أبدا إن قدرت , لأن حالة عدم القدرة معلوم الخروج بدليل العقل من غير الشرط لكن خروجها عنه عقلا لا ينافي دخولها فيه لغة فيصدق في مثل هذه الصورة لولا الشرط لدخل فيه لغة.
стр. 894
والشرط قد يتحد نحو: إن دخلت الدار , وقد يتعدد إما على الجمع كإن دخلت الدار والسوق , أو على البدل نحو: أو السوق فذلك ثلاثة. وجزاء كل منها أيضا نحو: إن يقع , كذلك , فكان الأقسام تسعة حصلت من ضرب ثلاثة في ثلاثة.
ثم الشرط كالاستثناء في الاتصال لفظا أو حكما.
وفي تعقبه الجمل المتعاطفة بالواو يعود إلى الكل عند الشافعي.
وعند المصنف على التفصيل المار اختياره.
وعن أبي حنيفة أنه يعود إلى الجميع فرق بينه وبين الاستثناء ووجهه مذكور في التقرير.
وقد قيل في ذلك إن الاستثناء متأخر والشرط متقدم معنى ثم تكلم على مثل قولهم: أكرمك إن دخلت. فإنهم أعني النحاة قالوا: ما تقدم خبره والجزاء محذوف مراعاة لتقدم الشرط كتقدم الاستفهام والقسم. ثم قال: إن عنوا أن المتقدم ليس بجزاء
стр. 895
للشرط لفظاً فمسلم وإن عنوا أنه ليس بجزاء لا لفظا ولا معنى فعناد لتوقف الإكرام على الدخول فيكون متأخرا عنه معنى فيكون جزاء له معنى.
قال: والحق أن المتقدم يعني: أكرمك , لما كان جملة مستقلة لفظا لا معنى روعيت الشائبتان فيه أي شائبة الاستقلال من حيث اللفظ , فحكم بأنه جزاء , وشائبة عدمه معنى فحكم بأن الجزاء محذوف لكونه مذكورا من حيث المعنى.
ص - التخصيص بالصفة مثل: أكرم بني تميم الطوال. وهي كالاستثناء في العود على متعدد.
الغاية مثل أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا. " فيقصره على الداخلين " كالصفة وقد تكون هي والمقيد بها متحدين ومتعددين كالشرط. وهي كالاستثناء في العود على المتعدد.
ش - ولما كان من أقسام التخصيص بالمتصل الصفة والغاية تكلم عليهما.
أما الصفة فنحو: أكرم بني الطوال. وحكمه حكم الاستثناء إذا وقعت بعد جمل متعاطفة بالواو في عوده إلى الجميع أو إلى الأخيرة.
стр. 896
وأما الغاية مثل: أكرم بني تميم إلى أن يدخلوا أو حتى يدخلوا. فيقصر الإكرام على غير الداخلين.
وفي عبارته النظر المتقدم. وقد تتحدد الغاية والمغيا: كأكرم بني تميم حتى يدخلوا.
وقد يتعددان إما على سبيل الجمع , أو البدل , كأكرم بني تميم وأعطهم حتى يدخلوا أو يقوموا. وقد يتعدد أحدهما دون الآخر.
والأقسام تسعة كما في الشرط.
والغاية كالاستثناء في العود إلى الجميع أو إلى الأخيرة إذا وقعت بعد جمل متعاطفة بالواو كما فيما تقدم.
ص - التخصيص بالمنفصل يجوز التخصيص بالعقل. لنا: (الله خالق كل شيء). وأيضا: (والله على الناس حج البيت) في خروج الأطفال بالعقل. قالوا: لو كان تخصيصا لصحت الإرادة لغة.
قلنا: التخصيص للمفرد. وما نسب إليه مانع هنا وهو معنى التخصيص.
قالوا: لو كان مخصصا لكان متأخرا لأنه بيان. قلنا لكان متأخرا بيانه لا ذاته.
قالوا: لو جاز به لجاز النسخ.
قلنا: النسخ على التفسيرين محجوب عن نظر العقل. قالوا: تعارضا.
стр. 897
قلنا: يجب تأويل المحتمل.
ش - لما فرغ من بيان أنواع التخصيص بالمتصل شرع في أقسام المنفصل وهو الدليل العقلي والحسي والنقلي.
ذهب الجمهور إلى أن الدليل العقلي مخصص خلافا لبعض.
والدليل للجمهور وجهان:
أحدهما: أن قوله - تعالى -: (الله خلق كل شيء) يفيد العموم لغة لأن الشيء يتناول الواجب والممتنع والعقل يمنع أن يكون الواجب والممتنع مخلوقين فكان الدليل العقلي مخصصا.
وفيه نظر أما أولا فلأنا لا نسلم أن الشيء يتناول الممتنع , وخلق الواجب ممتنع فلا يتناوله شيء.
وأما ثانيا: فلأن العقل عند الأشاعرة مهجور في الدلالة فلا يكون مخصصاً.
стр. 898
والثاني: قوله - تعالى -: (ولله على الناس حج البيت) فإن اللام في الناس للاستغراق فيكون عاما والعقل يمنع وجوبه على الصبيان والمجانين لعدم تمكنهما من معرفة الوجوب فكان العقل مخصصا.
وفيه نظر لأنا لا نسلم أن العقل خصصه بل قوله: (من استطاع إليه سبيلا) فإن المجانين والصبيان غير مستطعين شرعا أو قوله ﵇: " رفع القلم عن ثلاثة " أو غير ذلك من الأدلة النقلية الدالة على اشتراط العقل والبلوغ في التكليف على أنا نمنع كون اللام للاستغراق لم لا تكون للعهد؟ فإن وجوب الحج متأخر عن وجوب الصلاة والصوم فكان من تكلف من الناس معلوما فيكون المعهود أولئك.
واستدل المانعون بوجوه أربعة:
الأول: لو صلح العقل مخصصا للواجب والممتنع عن عموم الآية الأولى وللصبيان والمجانين في الثانية لصحت إرادة الواجب والممتنع من الأولى لغة , وإرادة الصبيان والمجانين من الثانية لأن التخصيص إخراج ما تناوله اللفظ وما تناوله اللفظ يصح إرادته منه واللازم باطل لأن المتكلم لا يصح أن يريد دلالة لفظ على ما هو مخالف لصريح العقل.
وأجاب بمنع انتفاء التالي فإن التخصيص للمفرد وهو (كل شيء) في الأولى و (الناس) في الثانية قبل التركيب فصحة الإرادة بالنسبة إليهما قبله متحققة , وما
стр. 899
نسب إلى المفردين في الآيتين مانع من إرادة الواجب والممتنع والصبيان.
فحكم العقل بالتخصيص وهو المعنى بالتخصيص العقلي.
وفيه نظر أما أولا فلما مر غير مرة أن العقل معزول عن الدلالة على أن الخصم إذا بدل بصحة الإرادة نفس الإرادة في التالي هكذا: لو صلح العقل مخصصا للواجب والممتنع عن عموم الآية الأولى وللصبيان والمجانين عن الثانية لأراد الواجب الواجب والممتنع من الأولى لغة , والصبيان والمجانين من الثانية لأن الأصل إرادة ما وضع اللفظ له وهو العموم امتنع منع انتفاء التالي فإنه لا يصح أن يقال لا نسلم أنه لم يرد من المفرد نفسه والصبيان والمجانين لأنه لو أراد ذلك ثم أخرج بالنسبة كان تناقضا.
والمسلك الذي سلكه المصنف في الاستثناء من الإخراج ثم إيقاع النسبة لا يتحقق ههنا لأن النسبة هي التي يحصل بها الإخراج فتأمل.
الثاني: أن دليل العقل لو خصص العام تأخر عنه لأن التخصيص بيان والبيان متأخر عن المبين واللازم باطل لأن العقل متقدم على الخطاب.
وأجاب بأن العقل متأخر عن العام من حيث أنه بيان , ومتقدم عليه بالذات.
ولقائل أن يقول دلالة العقل على ذلك إما أن يكون لذاته أو لأمر آخر معه فإن كان الأول فالذاتي لا يتخلف , وإن كان الثاني فإما أن يكون ذلك الأمر عقليا أو نقليا فإن كان الأول فالكلام فيه كالكلام في الأول وإن كان الثاني كان هو المخصص أو المركب منها فلا يكون محل النزاع.
الثالث: أنه لو جاز التخصيص " العقل " جاز النسخ به لأن التخصيص بيان عدم الحكم في القدر المخصوص والنسخ كذلك. واللازم باطل بالاتفاق.
وأجاب بمنع الملازمة بناء على أن العقل لا يهتدي إلى النسخ على التفسيرين جميعا وهو انتهاء الحكم الشرعي أو رفعه كما سيأتي بخلاف التخصيص فإن العقل
стр. 900
يقطع بأن الواجب غير مخلوق.
وفيه نظر لأن الكلام ليس في هذه المادة خاصة ولأنه مبني على الفرق وقد تقدم , ولأن العقل إذا جاز أن يعتبر قاطعا في الإخراج عن عموم اللفظ لم لا يجوز أن يكون دليلا على التوحيد وبعثة الرسل وغير ذلك مما لا يدل اللفظ عليه إلا بالنسبة إلى من هو عاقل وهل هذا إلا تناقض ظاهر؟!
الرابع: أن العام مقتض فلو كان العقل مخصصا تعارضا وهو باطل لاستلزامه الترك بأحد الدليلين وليس أحدهما أولى فيفضي إلى تركهما.
وأجاب بأنه إذا كان كذلك وجب تأويله بالمحتمل وهو أن بعض ما تناوله اللفظ غير مراد لأن العقل لا يقبل التأويل.
وفيه نظر لأن العام مقتض لإثبات الحكم بالاتفاق وأما كون العقل مخصصا ففي حيز النزاع فصرف المتفق عليه عن مقتضاه لما هو في حيز النزاع المرجوح خارج عن أوضاع العلوم قطعا.
ص - مسألة: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب. أبو حنيفة والقاصي والإمام إن كان الخاص متأخرا وإلا فالعام ناسخ فإن جهل تساقطا.
لنا: أن (وأولات) مخصص لقوله: (والذين يتوفون) وكذلك (والمحصنات من الذين) مخصص لقوله: (ولا تنكحوا المشركات) وأيضا لا يبطل القاطع بالمحتمل.
قالوا: إذا قال: اقتل زيدا. ثم قال: لا تقتل المشركين. فكأنه قال لا تقتل زيدا. فالثاني ناسخ.
قلنا: التخصيص أولى لأنه أغلب , ولا رفع فيه كما لو تأخر الخاص.
قالوا: على خلاف قوله: (لتبين) قلنا: (تبيانا لك شيء).
والحق أنه المبين بالكتاب والسنة. قالوا البيان يستدعي التأخير.
قلنا: استبعاد. قالوا: قال ابن عباس: كنا نأخذ بالأحداث فالأحداث. قلنا يحمل على عير المخصص جمعا بين الأدلة.
стр. 901
ش - اختلف الناس في جواز تخصيص الكتاب بالكتاب فمنهم من منعه.
والجمهور على جوازه.
واختلفوا في أن الجواز مطلق أو مقيد. فقال أبو حنيفة والقاضي أبو بكر وإمام الحرمين: يجوز ذلك إذا تأخر الخاص عن العام. وأما إذا تأخر العام فهو ناسخ للخاص المتقدم , وإن جهل التاريخ تساقطا.
ومنهم من جوزه متقدما ومتأخرا واختاره المصنف.
стр. 902
واحتج عليه بوجهين:
أحدهما: الوقوع فإنه دليل الجواز لا محالة وهو في قوله - تعالى -: (وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فإنه مخصص لقوله - تعالى -: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا).
وقوله - تعالى -: (والمحصنت من المؤمنت والمحصنت من الذين أوتوا الكتب) فإنه مخصص لقوله - تعالى - (ولا تنكحوا المشركت) مع تأخر العام فيهما.
وفيه نظر أما أولا فلأنا لا نسلم أنها متأخرة لما روي أن ابن مسعود ﵁ قال: " من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد التي في سورة البقرة ".
стр. 903
والثاني: أن دلالة العام على ما يد عليه الخاص ليست مقطوعا بها لكونه غير نص فيه بخلاف دلالة الخاص فإنها مقطوع بها لكونه نصا والقاطع لا يبطل بالمحتمل.
وفيه نظر لأن دلالة الألفاظ غير قطعية عندهم فكان تناقض. ولأن العام كالخاص في كونه قطعيا في الدلالة عند أبي حنيفة وهو الحق فلا يصح الاحتجاج به عليه.
المانعون احتجوا بأربعة أوجه:
الأول: أن العام المتأخر بمنزلة التنصيص على الأفراد فإذا قال: اقتل زيدا. ثم قال: لا تقتل المشركين. فكأنه قال: لا تقتل زيدا المشرك ولا خالدا المشرك. ولا عمرا المشرك ولا شك أن هذا ناسخ لقوله: اقتل زيدا المشرك. فكذا ما هو بمنزلته.
стр. 904
وأجاب بأن قوله: لا تقتل المشركين يحتمل التخصيص بخلاف صورة التنصيص على الآحاد وإذا احتمل النسخ والتخصيص فالحمل على التخصيص أولى لأنه أكثر وقوعا ولا رفع فيه للحكم كما لو تأخر الخاص.
وفيه نظر لأن قوله: لا تقتل المشركين يحتمل التخصيص بالمتقدم أو غيره والأول ممنوع والثاني لا يفيد سوي الفرق بين الصورتين وذلك باطل كما تقدم غير مرة.
ولأنا لا نسلم أن النسخ رفع بل لبيان انتهاء الحكم على ما سيأتي.
الثاني: وهو دليل لمن ينفي تخصيص الكتاب بالكتاب مطلقا أن القول بذلك على خلاف قوله - تعالى -: (لتبين للناس) فإنه يدل على أن الرسول ﵇ هو المبين لكل القرآن فلو جاز ذلك كان المبين غيره فلا يكون الرسول ﵇ مبينا.
وفيه نظر لأنه ليس في الآية ما يدل على أن الرسول مبين لكل القرآن فلا ينافي أن يكون غيره مبينا للبعض وفيه أعمال الدليلين فكان أولى.
وأجاب عنه بالمعارضة فإن قوله - تعالى -: (ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شيء) يدل على أن القرآن مبين لكل شيء والكتاب شيء فيكون مبينا له وإذا كان الكتاب مبينا للكتاب لا يكون الرسول مبينا للاستغناء أو لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
وفيه نظر لأن القدر المبين من الكتاب شيء فلا بد وأن يكون مبينا بالكتاب وقد يكون بينا لا يحتاج إلى بيان فكان متروك الظاهر لا يحتج به ولم يقتصر على المعارضة بل زاد بيانا بأن الرسول ﷺ هو المبين لكن بيانه قد يكون بالكتاب وقد يكون بالسنة وكون الرسول مبينا لا ينافي كون الكتاب مبينا لأن البيان كما يجوز أن
стр. 905
ينسب إلى الكتاب الذي يبين به الرسول ان ينسب الى الرسول.
وفيه نظر لأن هذا عين النزاع فإن الخصم يقول المبين هو الرسول لكن بكتاب الله الذي ينزل عليه أو بالحديث الذي ليس بمنزل والثاني عين النزاع والأول هو المطلوب.
الثالث: لو جاز تخصيص الخاص عاما لزم ان يكون متأخرا عن العام لأنه بيان وهو يستدعي تأخير المبين عن المبين والملزوم حق بالاتفاق فاللازم كذلك.
وأجاب بمنع استدعاء البيان تأخير المبين. قال: بل هو استبعاد وهو لا يوجب عدم الجواز.
وفيه نظر لأن التخصيص لبيان أن بعض ما يصلح أن يتناوله العام ليس بمراد واقتضاء ذلك تقدم العام لا يمنعه إلا معاند.
الرابع: أن العام المتأخر أحدث من الخاص المتقدم والأخذ بالأحدث واجب لقول ابن عباس: " كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث ".
وأجاب بأنا نحمل العام الأحدث الذي يجب الأخذ به على غير المخصص جمعا بين الأدلة فإن الدليل المتقدم يقتضي تقديم الخاص المتقدم على العام المتأخر وهذا الدليل يقتضي عكس ذلك فيحمل على غير المخصص جمعا بينهما.
ولقائل أن يقول هذا اعتراف منهم بأن دليلنا يجب العمل به.
وأما نحن فنقول إن دليلهم مزيف لا يجوز العمل به فكان مدعانا ثابتا ومدعاهم في حيز النزاع وأن العام المتأخر إذا كان ناسخا فإنه يوجب ترك العمل بالخاص المتقدم واذا كان الخاص المتقدم مخصصا أوجب ذلك بقدره من العام فاستويا في ذلك والتخصيص بالمتقدم مختلف فيه والنسخ بالمتأخر جائز بلا خلاف فالأخذ به أولى.
стр. 906
ص- مسألة: يجوز تخصيص السنة بالسنة " لنا وفيما " دون خمسة أوسق صدقة ". مخصص لقوله: (فيما سقت السماء العشر) وهي كالتي قبلها.
ش- إذا ورد سنة خاصة وسنة عامة وتعذر الجمع بينهما فعند العراقيين إن تأخر العام نسخ الخاص , وإن تأخر الخاص نسخ العام بقدره , وإن وردا معا خصص العام بالخاص وإن جهل التاريخ فالواقف.
ويؤخر المحرم احتياطا.
وقال الشافعي وأبو زيد وجمع من الحنفية الخاص مبين للعام.
وبعضهم لا يجيز تخصيص السنة بالسنة.
واستدل المصنف على الجواز بالوقوع فإن قوله ﷺ : " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " مخصص لقوله ﵇: " ما سقته السماء ففيه العشر " وهذا بناء على أنه لا فرق عنده في جواز تخصيص الخاص العام متقدما كان او متأخرا.
وهذه المسالة كالتي قبلها في الخلاف وفي إقامة الدلائل وأجوبتها من الجانبين.
стр. 907
ص - مسألة: يجوز تخصيص السنة بالقرآن. لنا: (تبيانا لكل شيء) وأيضا: لا يبطل القاطع بالمحتمل. قالو: (لتبين للناس) وقد تقدم.
ش- يجوز تخصيص السنة بالقرآن خلافا لبعض والدليل على جوازه وجهان:
أحدهما: قوله - تعالى -: (ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء). وسنة الرسول ﵇ شيء فتدخل تحته.
وفيه نظر فإنه متروك الظاهر كما تقدم.
الثاني: أن القرآن الخاص قاطع متنا ودلالة والعام من السنة يحتمل من حيث الدلالة فيكون القرآن مخصصا وإلا لزم إبطال القاطع بالمحتمل إذ الفرض تعذر الجمع بينهما.
وفيه نظر فإن نسخ الكتاب بالسنة جائز كما سنذكر.
وقال المانعون: السنة مبينة لغيرها لقوله - تعالى -: (لتبين للناس) , فلو كان الكتاب مبينا لها لزم ان يكون مبينا لمبينه وهو باطل.
وفيه نظر فإن السنة كلها ليست تحتاج إلى البيان بل بعضها والكتاب كذلك فلم لا يجوز أن يبين بعض كل منهما بعض الأخر بحسب الاحتياج فتسقط هذه المشاغبة.
وأجاب بما تقدم من قوله إن المبين هو الرسول إما بالكتاب أو بالسنة إلى آخر ما ذكره ثمة.
стр. 908
وفيه النظر المذكور ثمة.
ص- مسألة: يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد وقال به الأئمة الأربعة.
وبالتواتر اتفاقا. ابن أبان: إن كان خص بقطعي. الكرخي: إن كان خص بمنفصل. القاضي: بالوقف.
لنا أنهم خصوا (وأحل لكم) بقوله: " ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها " و (يوصيكم الله) بقوله: " لا يرث القاتل ولا الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر " و " نحن معاشر الانبياء لا نورث ".
وأورد إن كانوا أجمعوا فالمخصص الإجماع. وإلا فلا دليل.
قلنا: أجمعوا على التخصيص بها.
قالوا: رد عمر حديث فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصا لقوله - تعالى - (أسكنوهن).
ولذلك قال: كيف نترك كتاب ربنا لقول امراة.
قلنا: لتردده في صدقها. ولذلك قال: لا ندري أصدقت أم كذبت.
قالوا: العام قطعي , والخبر ظني. وزاد ابن أبان والكرخي: " لم يضعف بالتجوز " قلنا: التخصيص في الدلالة وهي ظنية فالجمع أولى.
القاضي كلاهما قطعي من وجه فوجب التوقف. قلنا الجمع اولى.
ش- تخصيص الكتاب بالخبر المتواتر جائز بلا خلاف.
وأما الخبر الواحد فقد نقل المصنف عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك
стр. 909
والشافعي وأحمد جوازه. وفي صحة هذا النقل عن أبي حنيفة نظر , وإنما
стр. 910
المنقول عنه قول ابن أبان أنه إن خص الكتاب بدليل قطعي جاز ولا فلا. وقال الكرخي: إن خض بمنفصل جاز وإلا فلا. ومنعه بعض الأصوليين رأسا. وتوقف القاضي.
واستدل للأئمة الأربعة بأنه لو لم يجز لم يقع لأن الوقوع يستلزم الجواز ونقيض الأعم أخص من نقيض الأخص لكنه وقع.
فإن قوله ﷺ " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها " خصص قوله - تعالى -: (وأحل لكم ما ورآء ذلكم).
وفيه نظر لأن العمات والخالات يدخلن بدلالة قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين) فإنه معلل بالإفضاء إلى قطيعة الرحم وهي موجودة في ذلك , أو لأن الحديث مشهور تلقته الصدر الأول بالقبول , والزيادة جائزة وهي نسخ عند الحنفية.
وقوله - تعالى -: (يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين) خص بقوله ﵇: " لا يرث القاتل ولا الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر " " ونحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه
стр. 911
صدقة ".
وفيه نظر لأن (يوصكم الله) مخصوص بكتاب قطعي متصل وهو قوله - تعالى -: (ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فإنه يدل على أن الآيات المعتبرة في الميراث باعتبار النفع والكافر لا نفع فيه فلا يكون داخلا وحينئذ
" تكون " دليلا لعيسى ابن أبان بل لأبي حنيفة أو بدليل منفصل وهو قوله - تعالى -: (ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا) والتوارث سبيل فيكون منفيا وحينئذ يكون دليلا للكرخي دون الأئمة ويجوز أن يقال: " لا ميراث لقاتل " مشهور فتجوز الزيادة به وهو نسخ فلا يكون مما نحن فيه. وكذا " لا يرث الكافر من المسلم " وكذلك " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ".
وأورد على الدليل بأنهم أجمعوا على تخصيص العام بخير الواحد فالمخصص هو الإجماع وليس الكلام فيه , وإن لم يجمعوا فلا دليل على جواز ذلك.
وأجاب بقوله: أجمعوا على التخصيص بها. قيل: معناه أجمعوا على تخصيص الآيتين بالآحاد المذكورة فكان المخصص خبر الواحد لا الإجماع.
وفيه نظر لأن دعوى الإجماع في ذلك غير صحيحة. أما في الآية الأولى فلأن
стр. 912
الإجماع غير منقول. سلمناه لكن على المشهور ولا كلام فيه أو بما ذكرنا من دلالة النص.
وأما في الثانية فلأنه على تقدير النقل لم يكن إلا على الخبر المشهور في جميع ذلك كما ذكرنا أو بما ذكرنا من الآيتين. وتمام ذلك مذكور في شرحنا للفرائض السراجية فليطلب ثمة.
وقال المانعون: رد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس أنها كانت معتدة ولم يجعل النبي ﷺ : لها النفقة ولا السكنى.
لما كان حديثها مخصص لقوله - تعالى -: (أسكنوهن من حيث سكنتم) وقال كيف نترك كتاب ربنا بقول امرأة.
وأجاب بأن عمر ﵁ ما رد خبرها لكونه مخصصا للكتاب بل لتردده في صدقها ولذلك قال: لا ندري أصدقت أم كذبت. ولا يلزم من عدم تخصيص الكتاب بخبر واحد لم يظن صدقه عدم تخصيصه بخير ظن صدقه.
стр. 913
وقالوا أيضاً العام لكونه كتابا قطعي المتن والخاص لكونه خبر الواحد ظني وهو لا يقدم على القطعي.
وزاد ابن أبان لإثبات مذهبه أن العام الذي لم يخص بدليل قاطع قطعي لم يضعف بالتجوز إذ لم يخص بقطعي وخبر الواحد ظني فلا يقدم على القطعي.
وقال الكرخي العام الذي لم يخص بمنفصل قطعي لم يضعف قطعه بالتجوز حيث لم يخص بمنفصل فلا يقدم الظني عليه.
وأجاب عن الجميع بأن التخصيص في دلالة العام لا في متنه. ودلالته على أفراده ظنية فحينئذ يجوز تخصيصه.
وفيه نظر لأن للخصم أن لا يسلم أن دلالة العام على أفراده ظنية.
وقال القاضي كل واحد من العام والخاص قطعي من وجه ظني من وجه أما الكتاب فقطعي المتن ظني الدلالة لكونه عاما وأما خبر الواحد فقطعي الدلالة لكونه خاصا ظني المتن ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فيجب الوقف.
وأجاب بأنه على تقدير التخصيص يلزم الجمع بين الدليلين , وعلى تقدير الوقف يلزم الترك بها , والجمع أولى.
ص - مسألة: الإجماع يخصص القرآن والسنة كتنصيف آية القذف على العبد ولو عملوا بخلاف نص تضمن ناسخا.
ش - الإجماع يخصص الكتاب والسنة فإن الإجماع
стр. 914
خصص آية القذف بالأحرار فإن حد العبد في القذف نصف حد الأحرار.
وفيه نظر فإن ذلك ثابت بقوله - تعالى -: (فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب). وذلك لأن التنصيف فيه معلل بنقصان النعمة في حق الأرقاء وهو موجود ههنا فنصف. فيحمل على أن معنى قولهم الإجماع يخصص الإجماع يتضمن وجود المخصص لأن الإجماع لا اعتبار له زمن الوحي. وهذا كما لو عمل أهل الإجماع على خلاف نص فإنه لا يكون إجماعهم ناسخا لذلك النص بل الناسخ هو الدليل الذي تضمنه الإجماع لأن النسخ لا يكون بغير خطاب الشرع والإجماع ليس خطابه وإن أمكن دليلا على ذلك.
ص - مسألة: العام يخصص بالمفهوم إن قيل به. ومثل في الأنعام الزكاة ليس في الغنم السائمة زكاة للجمع بين الدليلين. فإن قيل: العام أقوى فلا معارضة. قلنا: الجمع أولى كغيره.
ش - العام يخص بالمفهوم إن قيل به سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة أما
стр. 915
الأول فكما إذا قال لعبده اضرب كل من في الدار ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له أف. فإنه يخرج زيدا عن عموم كلمة من نظرا إلى المفهوم. وأما الثاني فكما لو قيل: في الأنعام زكاة. ثم قيل: في الغنم السائمة زكاة. فإنه يخص العموم بإخراج الغنم العلوفة نظرا إلى مفهوم المخالفة وإنما كان كذلك ليكون جمعا بين الدليلين.
ص - مسألة: فعله ﵇ يخصص العموم كما لو قال: الوصال أو الاستقبال للحاجة أو كشف الفخذ حرام على كل مسلم. ثم فعل. فإن ثبت الاتباع بخاص فنسخ. وإن ثبت بعام فالمختار تخصيصه بالأول. وقيل: العمل بموافق الفعل. وقيل بالوقف.
لنا التخصيص أولى للجمع.
قالوا: الفعل أولى لخصوصه. قلنا: الكلام في العمومين.
ش - إذا فعل الرسول ﷺ فعلا مخالفا لعام كان ذلك مخصصا له في حقه ﵇ " كما إذا " الوصال حرام على كل مسلم أو استقبال القبلة لقضاء الحاجة حرام على كل مسلم أو كشف العورة حرام على كل مسلم. ثم وصل الرسول ﷺ صوم يوم واستقبل القبلة في قضاء الحاجة وكسف العورة.
فإن ثبت وجوب اتباع الأمة في ذلك الفعل بدليل خاص مثل أن: يقول: اتبعوني في الوصال أو الاستقبال لقضاء الحاجة أو في كشف العورة. كان ذلك ناسخا
следующие страницы →