Полный текст (1 417 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
صدقة ".
وفيه نظر لأن (يوصكم الله) مخصوص بكتاب قطعي متصل وهو قوله - تعالى -: (ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) فإنه يدل على أن الآيات المعتبرة في الميراث باعتبار النفع والكافر لا نفع فيه فلا يكون داخلا وحينئذ
" تكون " دليلا لعيسى ابن أبان بل لأبي حنيفة أو بدليل منفصل وهو قوله - تعالى -: (ولن يجعل الله للكفرين على المؤمنين سبيلا) والتوارث سبيل فيكون منفيا وحينئذ يكون دليلا للكرخي دون الأئمة ويجوز أن يقال: " لا ميراث لقاتل " مشهور فتجوز الزيادة به وهو نسخ فلا يكون مما نحن فيه. وكذا " لا يرث الكافر من المسلم " وكذلك " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ".
وأورد على الدليل بأنهم أجمعوا على تخصيص العام بخير الواحد فالمخصص هو الإجماع وليس الكلام فيه , وإن لم يجمعوا فلا دليل على جواز ذلك.
وأجاب بقوله: أجمعوا على التخصيص بها. قيل: معناه أجمعوا على تخصيص الآيتين بالآحاد المذكورة فكان المخصص خبر الواحد لا الإجماع.
وفيه نظر لأن دعوى الإجماع في ذلك غير صحيحة. أما في الآية الأولى فلأن
стр. 912
الإجماع غير منقول. سلمناه لكن على المشهور ولا كلام فيه أو بما ذكرنا من دلالة النص.
وأما في الثانية فلأنه على تقدير النقل لم يكن إلا على الخبر المشهور في جميع ذلك كما ذكرنا أو بما ذكرنا من الآيتين. وتمام ذلك مذكور في شرحنا للفرائض السراجية فليطلب ثمة.
وقال المانعون: رد عمر ﵁ خبر فاطمة بنت قيس أنها كانت معتدة ولم يجعل النبي ﷺ : لها النفقة ولا السكنى.
لما كان حديثها مخصص لقوله - تعالى -: (أسكنوهن من حيث سكنتم) وقال كيف نترك كتاب ربنا بقول امرأة.
وأجاب بأن عمر ﵁ ما رد خبرها لكونه مخصصا للكتاب بل لتردده في صدقها ولذلك قال: لا ندري أصدقت أم كذبت. ولا يلزم من عدم تخصيص الكتاب بخبر واحد لم يظن صدقه عدم تخصيصه بخير ظن صدقه.
стр. 913
وقالوا أيضاً العام لكونه كتابا قطعي المتن والخاص لكونه خبر الواحد ظني وهو لا يقدم على القطعي.
وزاد ابن أبان لإثبات مذهبه أن العام الذي لم يخص بدليل قاطع قطعي لم يضعف بالتجوز إذ لم يخص بقطعي وخبر الواحد ظني فلا يقدم على القطعي.
وقال الكرخي العام الذي لم يخص بمنفصل قطعي لم يضعف قطعه بالتجوز حيث لم يخص بمنفصل فلا يقدم الظني عليه.
وأجاب عن الجميع بأن التخصيص في دلالة العام لا في متنه. ودلالته على أفراده ظنية فحينئذ يجوز تخصيصه.
وفيه نظر لأن للخصم أن لا يسلم أن دلالة العام على أفراده ظنية.
وقال القاضي كل واحد من العام والخاص قطعي من وجه ظني من وجه أما الكتاب فقطعي المتن ظني الدلالة لكونه عاما وأما خبر الواحد فقطعي الدلالة لكونه خاصا ظني المتن ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فيجب الوقف.
وأجاب بأنه على تقدير التخصيص يلزم الجمع بين الدليلين , وعلى تقدير الوقف يلزم الترك بها , والجمع أولى.
ص - مسألة: الإجماع يخصص القرآن والسنة كتنصيف آية القذف على العبد ولو عملوا بخلاف نص تضمن ناسخا.
ش - الإجماع يخصص الكتاب والسنة فإن الإجماع
стр. 914
خصص آية القذف بالأحرار فإن حد العبد في القذف نصف حد الأحرار.
وفيه نظر فإن ذلك ثابت بقوله - تعالى -: (فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب). وذلك لأن التنصيف فيه معلل بنقصان النعمة في حق الأرقاء وهو موجود ههنا فنصف. فيحمل على أن معنى قولهم الإجماع يخصص الإجماع يتضمن وجود المخصص لأن الإجماع لا اعتبار له زمن الوحي. وهذا كما لو عمل أهل الإجماع على خلاف نص فإنه لا يكون إجماعهم ناسخا لذلك النص بل الناسخ هو الدليل الذي تضمنه الإجماع لأن النسخ لا يكون بغير خطاب الشرع والإجماع ليس خطابه وإن أمكن دليلا على ذلك.
ص - مسألة: العام يخصص بالمفهوم إن قيل به. ومثل في الأنعام الزكاة ليس في الغنم السائمة زكاة للجمع بين الدليلين. فإن قيل: العام أقوى فلا معارضة. قلنا: الجمع أولى كغيره.
ش - العام يخص بالمفهوم إن قيل به سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة أما
стр. 915
الأول فكما إذا قال لعبده اضرب كل من في الدار ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له أف. فإنه يخرج زيدا عن عموم كلمة من نظرا إلى المفهوم. وأما الثاني فكما لو قيل: في الأنعام زكاة. ثم قيل: في الغنم السائمة زكاة. فإنه يخص العموم بإخراج الغنم العلوفة نظرا إلى مفهوم المخالفة وإنما كان كذلك ليكون جمعا بين الدليلين.
ص - مسألة: فعله ﵇ يخصص العموم كما لو قال: الوصال أو الاستقبال للحاجة أو كشف الفخذ حرام على كل مسلم. ثم فعل. فإن ثبت الاتباع بخاص فنسخ. وإن ثبت بعام فالمختار تخصيصه بالأول. وقيل: العمل بموافق الفعل. وقيل بالوقف.
لنا التخصيص أولى للجمع.
قالوا: الفعل أولى لخصوصه. قلنا: الكلام في العمومين.
ش - إذا فعل الرسول ﷺ فعلا مخالفا لعام كان ذلك مخصصا له في حقه ﵇ " كما إذا " الوصال حرام على كل مسلم أو استقبال القبلة لقضاء الحاجة حرام على كل مسلم أو كشف العورة حرام على كل مسلم. ثم وصل الرسول ﷺ صوم يوم واستقبل القبلة في قضاء الحاجة وكسف العورة.
فإن ثبت وجوب اتباع الأمة في ذلك الفعل بدليل خاص مثل أن: يقول: اتبعوني في الوصال أو الاستقبال لقضاء الحاجة أو في كشف العورة. كان ذلك ناسخا
стр. 916
للعام المتقدم لتأخره.
وإن ثبت بعام مثل قوله - تعالى -: (واتبعوه) فيه ثلاثة مذاهب:
الأول: تخصيص دليل الاتباع بالعام السابق فتبقى الحرمة على الأمة في ذلك الفعل. وهو مختار المصنف.
والثاني: العمل بموافق الفعل يعني بآية الاتباع.
والثالث: الوقف.
واستدل على الأول بأن تخصيص دليل الاتباع أولى لكونه جمعا بين الدليلين فإن دليل الاتباع يتناول ذلك الفعل وغيره فإذا خص عنه الفعل ينفي معمولاته في الباقي.
قالوا: الفعل أولى لأنه خاص بالرسول ﷺ والعام المتقدم شامل له ولأمته فالخاص أقوى والعمل بالأقوى أولى.
وأجيب بأن التعارض بين العام السابق والعام الذي هو دليل الاتباع لا التعارض بين الفعل الخاص والعام السابق.
стр. 917
ولقائل أن يقول عام الاتباع أولى لتأيده بالفعل.
ص - مسألة: الجمهور إذا علم ﷺ بفعل مخالف ولم ينكره كان مخصصا للفاعل فإن تبين معنى حمل عليه موافقة بالقياس أو بـ " حكمي على الواحد ".
لنا أن سكوته دليل الجواز. فإن لم يتبين , فالمختار: لا يتعدى لتعذر دليله.
ش - إذا فعل واحد فعلا مخالفا لعام وعلم الرسول ﷺ ذلك ولم ينكره كان تقريره ﵇ مخصصا للعام بالنسبة إلى ذلك الفاعل لأن سكوته ﵇ مع العلم به دليل الجواز.
فإن تبين معنى يوجب جواز ذلك الفعل حمل على ذلك الفاعل موافقة أي من وجد فيه المعنى المجوز لذلك الفعل إما بالقياس أو بقوله ﷺ : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ".
وفيه نظر لأن العمل بقوله ﷺ : " حكمي على الواحد حكمي على الجماعة ".
стр. 918
يقتضي الإطلاق تبين معنى يوجب جواز ذلك الفعل أو لا.
وإن لم يتبين معنى يوجب جوازه فالمختار أنه لا يتعدى جوازه من الفاعل إلى غيره لتعذر دليل التعدي , أما القياس فلعدم المعنى الموجب للجواز , وأما الحديث
فلأنه يوجب بطلان العام بالكلية فالأولى أن يجمع بين الأدلة بأن نخص العام فيحمل على غير الفاعل , ويحمل التقرير على الفاعل فقط والحديث يحمل على الصورة التي يتبين فيها المعنى الموجب للجواز.
وفيه نظر لأن أمثال ذلك يسمى توفيقا وتأويلا لا تخصيصا.
ص - مسألة: الجمهور إن مذهب الصحابي ليس بمخصص , ولو كان الراوي خلافا للحنفية والحنابلة.
لنا: ليس بحجة.
قالوا: يستلزم دليلا وإلا لكان فاسقا فيجب الجمع.
قلنا: يستلزم دليلا في ظنه. فلا يجوز لغيره اتباعه.
قالوا: لو كان ظنيا لبينه.
قلنا: ولو كان قطعيا لبينه. وأيضا لم يخف عن غيره.
وأيضا: لم يجز لصحابي آخر مخالفته , وهو اتفاق.
ش - إذا كان مذهب الصحابي مخالفا لعام لا يكون مخصصا له وإن كان راويا للعام ,
стр. 919
كمذهب أبي هريرة في ولوغ الكلب فإنه يخالف الحديث العام الذي رواه وهو قوله ﷺ : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا إحداهن بالتراب لأن مذهبه أن يغسله ثلاثا إحداهن بالتراب.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أن مذهبه يخص العام الذي رواه.
стр. 920
وفي تصحيح هذا النقل عن الحنفية نظر فإن المشهور عندهم أن عمل الراوي بخلاف الرواية بعدها يعد طعنا في روايته فلا يعمل بها " لأن ذلك تخصيص ".
واختار المصنف الأول. واحتج عليه بأن العام حجة ومذهب الصحابي ليس بحجة كما سنذكره فلا يكون مخصصا لما رواه.
واحتج المخصصون بأن مذهب الصحابي يستلزم دليلا ظاهرا " لا " مخالفة العموم من غير دليل فسق فيكون الدليل مخصصا للعام.
وأجاب بأن مذهبه يستلزم دليا في ظنه دفعا للفسق ولا يجوز لغيره متابعة ظنه.
وفيه نظر لأن مظنونه إما أن يكون راجعا إلى وجوه اللغة أو لا , فإن كان الأول فمذهبه لا يكون حجة على غيره لاختصاصهم بمعرفة الدلائل بمشاهدة أحوال التنزيل وصدور الأحاديث.
واحتجوا أيضا بأن مخالفته للعام لا بد وأن تكون لدليل قطعي لأنه لو كان ظنيا لبينه لينظر فيه والقطعي يخصص العام.
وأجاب عنه بالمعارضة بثلاثة أوجه:
الأول: لو كان الدليل قطعيا لبينه ليصير إليه غيره , ولو بينه لاشتهر كمذهبه.
ولقائل أن يقول لا نسلم أنه لو كان قطعيا لبينه لجواز أن يظن عدم الخفاء على غيره لأنه قطعي فلا يبينه. سلمناه ولكن لا نسلم أن البيان يستلزم الاشتهار إذ هو ليس من الحوادث العظيمة وشهرة مذهبه يجوز أن تكون اتفاقية فلا يستلزم شهرة الدليل.
стр. 921
والثاني: أنه لو كان قطعيا لم يخف على غيره لأن القطعي منحصر في الكتاب والسنة المتواترة والإجماع ولا يخفى شيء منها.
وفيه نظر لأنه ينافي قوله ﵇ لمعاذ " فإن لم تجد " إذ ليس ذلك مخصوصا بالظنيات لا محالة.
والثالث: أنه لو كان قطعيا لم يجز لصحابي آخر مخالفته لكنه يجوز بالاتفاق وفيه نظر لجواز أن لا يطلع عليه.
ص - الجمهور: إن العادة في تناول بعض خاص , ليس بمخصص خلافا للحنفية.
مثل: حرمت الربا في الطعام , وعادتهم تناول البر.
стр. 922
لنا: أن اللفظ عام لغة وعرفا. ولا مخصص.
قالوا: يتخصص به كتخصيص الدابة بالعرف والنقد بالغالب.
قلنا: إن غلب الاسم عليه كالدابة اختص به بخلاف غلبة تناوله , والفرض فيه.
قالوا: لو قال اشتر لي لحما , والعادة تناول الضأن لم يفهم سواه.
قلنا: تلك قرينة في المطلق والكلام في العموم.
ش - ذهب الجمهور إلى أن عادة المكلفين في تناول بعض خاص من الأطعمة ليس بمخصص للعام كما لو قال النبي ﵇: حرمت الربا في
стр. 923
الطعام وعادتهم تناول البر فإنه لا يتخصص الطعام بالبر.
ونقل عن الحنفية أن العادة تخصص العموم.
والظاهر سقمه لأن الحنفية يجعلون ذلك من باب ترك الحقيقة إلى المجاز بدلالة العادة لا من باب التخصيص.
стр. 924
واختار المصنف الأول. واحتج عليه بأن لفظ الطعام لغة وعرفا لأنه يطلق على البر وغيره من الطعوم فيهما ولا مخصص فيكون باقيا على عمومه عملا بالمقتضى السالم عن معارضة المانع.
وفيه نظر " لأنه يخلو " إما أن يراد بالعرف عرف طائفة خاصة أو مطلقا , والثاني ممنوع لأن المخصص يقول هو خاص بالبر في عرف طائفة , والأول مسلم ولكن لا نسلم عدم المخصص بل العادة مخصصة.
واحتج للحنفية بوجهين:
الأول: أن الطعام يتخصص بالبر عادة كتخصيص الدابة بذات الحافر والنقد في البيع بغالب نقد البلد.
وأجاب بأن لفظ الطعام إن غلب في البر استعماله يختص به كالدابة والنقد فإنهما لما غلب استعمالهما في ذوات الحافر وغالب نقد البلد اختصا بهما بخلاف غلبة تناول البر فإنها لا تأثير لها في الدلالة حتى يختص والكلام المفروض في غلبة التناول لا في غلبة الاستعمال.
ولقائل أن يقول المراد بالتناول إن كان الاستعمال فخلله ظاهر لبطلان الفرق حينئذ. وإن كان غيره فلا بد من البيان فإن المعهود من تناول اللفظ لمعنى استعماله فيه. فإن قال المراد بالتناول الأكل قلنا ذلك عند الحنفية من باب ترك الحقيقة بدلالة العادة لا التخصيص.
الثاني: أنه لو قال لوكيله اشتر لي لحما والعادة تناول لحم الضأن لم يفهم عرفا سوى لحم الضأن. فكانت العادة مخصصة.
وأجاب بأن ما ذكرتم مطلق والعادة قرينة موجبة لحمل المطلق على المقيد وكلامنا في العموم.
ولقائل أن يقول حمل المطلق على المقيد إنما يكون أن لو ذكر لفظان كاشتر لي
стр. 925
لحماً اشتر لي لحم ضأن وليس المثال كذلك.
ص - مسألة: الجمهور إذا وافق الخاص حكم العام فلا تخصيص خلافا لأبي ثور مثل: " أيما إهاب دبغ فقد طهر " وقوله في شاة ميمونة: " دباغها طهورها ".
لنا: لا تعارض فلنعمل بهما. قالوا: المفهوم يخصص العموم.
قلنا: مفهوم اللقب مردود.
ش - إذا وافق الخاص حكم العام لا يخصص العام خلافا لأبي ثور وذلك مثل قوله ﷺ : " أيما إهاب دبغ فقد طهر " وقوله ﷺ في شاة ميمونة: " دباغها طهورها " فإن الأول عام في إهاب الشاة وغيره والثاني خاص بإهاب الشاة ولكن لا معارضة بينها فلا يكون مخصصا بل يعمل بهما فيقال بطهارة إهاب الشاة بالخاص وبطهارة إهاب البقر والجمل والأسد والثعلب والنمور وغيرها بالعام لأن الأصل في الدليل الإعمال.
стр. 926
وقال أبو ثور المفهوم يخصص العموم وتخصيص جلد شاة ميمونة بالحكم يدل على نفي الحكم عن سائر الجلود بحسب المفهوم فيكون مفهوم الخاص مخصصا للعموم فلا يطهر بالدباغ إلا إهاب الشاة.
وأجاب بأن حكم التطهير بالدباغ المضاف إلى ضمير شاة ميمونة ثابت بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة.
ص - مسألة: رجوع الضمير إلى البعض ليس بتخصيص. الإمام وأبو الحسين تخصيص.
وقيل: بالوقف. مثل: (والمطلقات) مع (وبعولتهن).
لنا: لفظان فلا يلزم من مجاز أحدهما مجاز الآخر.
قالوا: يلزم مخالفة الضمير.
وأجيب بأنه كإعادة الظاهر.
الوقف: لعدم الترجيح.
وأجيب بظهور العموم فيهما. فلو خصصنا الأول خصصناهما.
ولو سلم فالظاهر أقوى.
ش - إذا ورد عقيب العام ضمير يرجع إلى بعض أفراده لا يكون مخصصا لذلك العام.
وذهب إمام الحرمين وأبو الحسين البصري إلى التخصيص.
стр. 927
وقيل: بالوقف.
وذلك كقوله - تعالى -: (وبعولتهن أحق بردهن) بعد قوله: (والمطلقت يتربصن بأنفسهن). فإنها عامة في البوائن والرجعيات والضمير في (بعولتهن) لبعض أفرادها وهي الرجعيات.
واختار المصنف الأول. واحتج عليه بأن كل واحد من اللفظين أعني المطلقات وضمير (بعولتهن) له مقتضى.
الأول: يقتضي الإجراء على ظاهره من عموم اللفظ.
والثاني: يقتضي الرجوع إلى كل ما تقدم وقد منعه عن ذلك مانع فارتكب المجاز بعوده إلى البعض ولا يلزم من مجاز أحدهما مجاز الآخر فلا يجب تخصيص العام لعدم المانع عن إجرائه على العموم.
والمخصصون قالوا: من تخصيص الضمير العام لئلا يلزم مخالفة الضمير لما يعود إليه فإن ذلك لا يجوز.
стр. 928
وأجاب بجواز مخالفة الضمير للظاهر لأن الضمير كناية عن الظاهر فيكون ذكر الضمير كإعادة الظاهر وإعادة الظاهر لتعلق حكم يختص ببعض الأفراد لا يوجب تخصيص الظاهر بالنسبة إلى حكم يجري في جميع الأفراد فكذلك الضمير.
وتجوز تلك المخالفة بالنسبة إلى حكمين فكذلك مخالفة الضمير للظاهر.
وفيه نظر لأن الظاهر مستقل بنفسه فيجوز أن يستعمل اللفظ في موضوعه بإطلاق فيكون حقيقة وأن يستعمل في غيره بإطلاق آخر فيكون مجازا ولا كذلك الضمير.
ولا تمسك لهم بقوله - تعالى -: (وإن كانت واحدة) بعد ذكر النساء لأن الضمير ليس لها بل لمعتقل ذهني فسره قوله: " واحدة ".
والواقف احتج بأن عدم التخصيص " يستلزم " مخالفة ظاهر الضمير لأنه يعود ظاهرا إلى كل أفراد المذكور والتخصيص يستلزم مخالفة ظاهر العام ولا ترجيح لأحدهما على الآخر فوجب الوقف.
وفيه نظر لأنه إن صح " أسند " باب التخصيص رأسا فتأمل.
وأجاب بأنا لا نسلم عدم الترجيح لأن العموم ظاهر في المظهر والمضمر فلو خصصنا العام الظاهر لزم تخصيصهما فيلزم مخالفة الظاهر فيهما ولو لم يخصص العام لزم مخالفة الظاهر في الضمير فقط بعوده إلى بعض المذكور فكان عدم تخصيص العام أرجح لعلة مخالفة الظاهر ولو سلم أنه لا يلزم من تخصيص الظاهر إلا مخالفة ظاهر فقط لكن مخالفة الظاهر في المظهر أقوى منها في المضمر لأن الظاهر أقوى دلالة منه لاستغنائه عن غيره بخلاف الضمير ومخالفة الظاهر فيما هو أقوى دلالة أشد من مخالفته فيما هو أضعف.
стр. 929
ص - مسألة: الأئمة الأربعة والأشعري وأبو هاشم وأبو الحسين: جواز تخصيص العموم بالقياس.
ابن سريج: إن كان جليا. ابن أبان: إن كان العام مخصصا
وقيل: إن كان الأصل مخرجا. والجبائي: يقدم العام مطلقا.
والقاضي والإمام: بالوقف.
والمختار: إن ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخصصا خص به. وإلا فالمعتبر القرائن في الوقائع. فإن ظهر ترجيح خاص فالقياس وإلا فعموم الخبر.
لنا: أنها كذلك كالنص الخاص فيخصص بها للجمع بين الدليلين.
واستدل بأن المستنبطة إما راجحة أو مرجوحة أو مساوية المرجوح والمساوي لا يخصص ووقوع احتمال من اثنين أقرب من واحد معين.
وأجيب بجريه في كل تخصيص وقد رجح بالجمع.
الجبائي لو خص به لزم تقديم الأضعف بما تقدم في خبر الواحد من أن الخبر يجتهد فيه في أمرين إلى آخره. أجيب بما تقدم. وبأن ذلك عند إبطال أحدهما وهذا إعمال لهما وبإلزام تخصيص الكتاب بالسنة وبالمفهوم لهما. واستدل بتأخيره في حديث معاذ وتصويبه. وأجيب بأنه أخر السنة عن الكتاب ولم يمنع الجمع.
واستدل بأن دليل القياس الإجماع ولا إجماع عند مخالفة العموم. وأجيب بأن المؤثرة ومحل التخصيص يرجعان إلى النص لقوله: " حكمي على الواحد " وما سواهما إن ترجح الخاص وجب اعتباره لأنه المعتبر كما ذكر في الإجماع الظني وهذه ونحوهما قطعية عند القاضي لما ثبت من القطع بالعمل بالراجح من الإمارات. ظنية عند قوم , لأن الدليل الخاص بها ظني.
ش - نقل المصنف عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وعن الشيخ أبي الحسن الأشعري وأبي هاشم وأبي الحسين جواز تخصيص العام
стр. 930
بالقياس مطلقاً.
وليس ذلك مذهب أبي حنيفة، بل المنقول عنه هو ما أخذ به عيسى بن أبان وهو جوازه وإن كان العام مخصصا قبله.
وذهب ابن سريج إلى جوازه إن كان القياس جليا كقياس تحريم الضرب على حرمة التأفيف.
стр. 931
وقيل يجوز ذلك إذا كان الأصل أي المقيس عليه مخرجا من العام.
وقال أبو علي الجبائي لا يخصص العام بالقياس بل يقدم العام مطلقا.
وقال القاضي وإمام الحرمين بالوقف.
والمختار عند المصنف جوازه إذا كانت العلة بنص أو إجماع أو كان أصل
стр. 932
القياس مخصصاً وإن لم يتحقق أحد هؤلاء الأمور المذكورة تعتبر القرائن الموجبة للتفاوت والتساوي في آحاد الوقائع فإن ظهر ترجيح خاص للقياس خص العام به وإلا عمل بعموم الخبر أي لا يخصص بالقياس.
واحتج على مختاره بأن العلة إذا كانت ثابتة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخصصا من العام كان القياس كالنص الخاص فخص العموم جمعا بين الدليلين بخلاف ما إذا لم يتحقق شيء منها فإن القياس وإن ترجح لكونه خاصا على العام دلالة لكن احتمل أن لا تكون العلة المستنبطة أو المختلف فيها علة مجاز إن ترجح العام عليه من هذا الوجه.
وفيه نظر لأنا لا نسلم أن رجحان القياس على العام دلالة لكونه خاصا لأن القياس يثبت به الظن كالعام. والخاص إنما يكون أقوى دلالة إذا كان نصا.
قوله واستدل بأن المستنبطة يعني على الشق الثاني من مختاره وهو أن العلة إذا كانت مستنبطة لا تخصص العام وذلك لأن المستنبطة إما أن تكون راجحة على العام فيما أريد تخصيصه أو مرجوحة أو مساوية له فالمرجوحة والمساوية لا تخصص لئلا يلزم ترجيح المرجوح أو أحد المتساويين من غير مرجح والراجحة تخصص فيكون القياس حينئذ مخصصا على تقدير واحد وغير مخصص على التقديرين ووقوع احتمال واحد من اثنين أقرب من " وقوع " واحد معين.
وأجاب بنقض إجمالي يعني لو صح ذلك لانسد باب التخصيص لجريانه في جميع صوره سواء كان بالقياس أو بغيره بأن يقال الخاص إما أن يكون راجحا على العام فيما أريد تخصيصه أو مساويا له أو مرجوحا إلى آخره.
وقد رجح الخاص على العام في غير صور القياس جمعا بين الدليلين فكذا ههنا.
ولقائل أن يقول الإشكال باق لأن الخاص إن كان راجحا فلا مرجح لأنه
стр. 933
تحصيل للحاصل. وإن كان أحد القسمين الآخرين فترجيح غير جائز أصلا , وترجيح المساوي بغير مرجح فالجمع بين الدليلين لا يصلح مرجحا لأن المرجح لا بد وأن يكون وصفا في المرجح عند المحققين لا أمرا خارجا ولهذا لا يصلح أن يرجح الشهود على شاهدين بل بالعدالة في أحجهما ولا يصح ترجيح حكم يدل عليه حديثان على ما يدل عليه حديث واحد.
واحتج الجبائي على تقديم العام مطلقا بأنه لو خص العام بالقياس لزم تقديم الأضعف لما تقدم أن الخبر العام يجتهد فيه في أمرين والقياس يجتهد فيه في ستة أمور وفي الأمرين أيضا إن ثبت أصل القياس بالخبر. واللازم باطل بالاتفاق.
والجواب عن هذا هو الجواب المذكور ثمة.
وجوابان آخران:
وأحدهما: منع بطلان تقديم الأضعف والاتفاق على بطلان تقديم الأضعف إنما هو عند بطلان الأقوى بالكلية وههنا ليس كذلك فقدم الأبين جمعا بين الأدلة.
وفيه نظر لأن تقديم الأضعف مطلقا ترجيح المرجوح وهو باطل بإجماع العقلاء. والجمع بين الأدلة ليس بمرجح كما مر , ولئن سلم فإنما يطلب المرجح بعد وجود التعارض ولا تعارض بين غير المتساوين وهذا واضح جداً.
стр. 934
والثاني: أن الدليل المذكور يوجب عدم جواز تخصيص الكتاب بالسنة لكونها أضعف وعدم جواز تخصيص الكتاب والسنة بالمفهوم لكون المفهوم أضعف منهما والملتزم أن يلتزم ذلك فلا يجوزه في الكتاب إلا بتقدم قطعي كما نقلنا عن أبي حنيفة.
والمصنف جعله مذهبا لعيسى بن أبان , ولا يجوزه في السنة إلا بترجيح وكذا في مفهوم الموافقة.
واستدل أيضا الجبائي على عدم جواز تخصيص العام بالقياس مطلقا بقصة معاذ فإنه أخر القياس عن الكتاب والسنة وصوبه الرسول ﷺ فلو كان القياس مخصصا للعام لقدمه عليهما.
وفيه نظر فإن الملازمة ممنوعة.
وأجاب بأن معاذا أخر السنة عن الكتاب وصوبه الرسول ﷺ فيكون الكتاب مقدما على السنة ولم يمنع ذلك عن الجمع بين عموم الكتاب وتخصيصه بالسنة إذا كانت خاصة فكذا تقديم الكتاب والسنة على القياس لا يمنع الجمع بين عمومها وتخصيصه بالقياس إذا كان خاصا.
ولقائل أن يقول إنما لم يمنع ذلك لإمكان أن تكون السنة قاطعة بخلاف القياس فإنه لا يكون قطعيا.
واستدل أيضا بأن دليل القياس هو الإجماع ولا إجماع على جواز القياس فيما إذا خالف القياس العموم لمخالفة الواقفية في جوازه إذ ذاك انتفى الدليل لا يكون حجة فلا يخص به لئلا يلزم ترك الحجة وهو العام بما ليس بحجة.
وأجاب بما تقريره أنا جوزنا التخصيص بالقياس على المختار إذا ثبت العلة بنص أو إجماع أو كان أصل القياس مخصصا بالنص وإذا كانت العلة مؤثرة أي ثابتة بنص أو إجماع ومحل التخصيص وهو أصل القياس مخصصا بالنص فهما يرجعان إلى النص , أما المؤثرة فإن العلة المنصوص عليها بمنزلة النص بلا خلاف , وأما أصل
стр. 935
القياس فلأن النص الذي خصصه نص على ما يلحق به لقوله ﵇: " حكمي علي الواحد حكمي على الجماعة " وإذا كان كذلك أسند التخصيص إلى النص ولا مانع عنه بالاتفاق. وأما ما سواهما أي العلة المستنبطة وأصل القياس إذا لم يكن منصوصا فلا بد فيه من النظر فإن ترجح الخاص يعني القياس المخصص بقرينة موجبة في الواقعة التي هو فيها يعمل به لأن رجحان الظن هو المعتبر كما ذكر في الإجماع الظني من أنه إذا ثبت بخبر الواحد يفيد الظن فوجب العمل به , وإن ترجح العموم بالقرائن أو لم يترجح أحدهما لا يخصص العام بالقياس.
فإن قيل هذه المسألة أي تخصيص العام بالقياس وتخصيص الكتاب بخير الواحد قطعية " لأن العمل " بالراجح والأمارات قطعي وما ثبت في ما سواهما إلا الظن فكيف تثبت هذه المسألة؟.
أشار إلى الجواب بقوله وهذه المسألة قطعية يعني أنها قطعية عند القاضي والقطعي لا يثبت بالظن ولهذا توقف.
وعند قوم ظنية لأن الدليل الخاص بها ظني والمأخوذ من الظني ظني فيجوز أن تثبت بالظن. ويحتمل أن يكون قوله: وهذه ونحوها كلاما مستأنفا لبيان أن هذه المسألة قطعية أو ظنية وهو بعيد وقد اختلف آراء الشارحين وعباراتهم في هذا المحل. ونقل ذلك كله وتصحيحه وتزييفه كان مما يمل فأعرضت عنه وذكرت ما ظهر لي ولا عليك أن تنظر فيما تجد منها وتأخذ ما يعجبك والله الموفق للصواب.
ص - المطلق والمقيد . المطلق: ما دل على شائع في جنسه. فيخرج المعارف ونحو كل رجل ونحوه لاستغراقها.
стр. 936
والمقيد بخلافه.
ويطلق المقيد على ما أخرج من شياع بوجه كرقبة مؤمنة. وما ذكر في التخصيص من متفق ومختلف ومختار ومزيف جار فيه ويزيد.
ش - لما فرغ من مباحث العام والخاص أردفهما بذكر المطلق والمقيد لشبه بينهما.
وعرق المطلق: " بأنه ما دل على شائع في جنسه.
فقوله: ما بمنزلة الجنس. وخرج بقوله: دل - المهملات. وقوله: شائع , يعني أن لا يكون بحيث أن يمتنع صدقه على كثيرين خرج عنه المعارف لتعينها ولم يخرج عنه المحلى باللام إذا أريد به الماهية. وقوله: في جنسه يعني أن يكون له أشخاص يحصل من كل منها في العقل ما يحصل من الآخر. ويحتزر عن النكرة المستغرقة في سياق الإثبات نحو: كل رجل. ونحوه: يعني النكرة في سياق النفي لاستغراقها فإن المستغرق كل ولا فرد بعده وإلا لما كان كلا وهذا التعريف كما ترى يشتمل على النكرة التي لم تستغرق.
والمقيد بخلاف المطلق: وهو لفظ دال على معنى غير شائع في جنسه. وهو
стр. 937
يتناول ما دل على معين وما دل على شائع لكن لا في جنسه فيكون العام مقيدا بهذا التعريف.
وقد يطلق المقيد على ما أخرج من شائع كرقبة مؤمنة أي ما دل على مفهوم المطلق بوصف زائد.
وهذا التفسير أعم من الأول لأن قوله: رقبة مؤمنة بالتفسير الأول غير مقيد لأنه دال على شائع في جنسه , ومقيد بالتفسير الثاني لأنه أخرج من شائع بوجه.
قال: وكل ما ذكر في تخصيص العام من المتفق عليه والمختلف فيه والمختار والمزيف جار في تقييد المطلق ويزيد ههنا مسألة وهي حمل المطلق على المقيد.
ص - مسألة: إذا ورد مطلق ومقيد واختلف حكمهما مثل: أكس وأطعم , فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه اتفاقا. ومثل: إن ظاهرت فأعتق رقبة , مع لا تملك رقبة كافرة واضح.
فإن لم يختلف حكمهما فإن اتحد موجبهما مثبتين حمل المطلق على المقيد لا العكس , بيانا , لا نسخا.
وقيل: نسخ إن تأخر المقيد.
لنا أنه جمع بينهما , فإن العمل بالمقيد عمل بالمطلق. وأيضا: يخرج بتعيين. وليس بنسخ , لأنه لو كان التقييد نسخا لكان التخصيص.
وأيضا: لكان تأخر المطلق نسخا.
قالوا: لو كان تقييدا لوجب دلالة رقبة على مؤمنة مجازا.
وأجيب بأنه لازم لهم إذا تقدم المقيد , وفي التقييد بالسلامة. والتحقيق أن المعنى رقبة من الرقاب فيرجع إلى نوع من التخصيص سمي تقييدا.
стр. 938
ش - إذا ورد مطلق ومقيد
стр. 939
واختلف حكمهما لا يحمل أحدهما على الآخر اتفاقا لعدم التنافي. وذلك مثل: أكس ثوبا مصريا , وأطعم. فإن الطعام لا يقيد بالمصري إلا في صورة واحدة وهي ما إذا كان المقيد منفيا. مثل أن نقول: إذا ظاهرت فأعتق رقبة ولا تملك رقبة كافرة.
стр. 940
فإن المطلق يتقيد بالقيد لأن الإعتاق يقتضي الملك فلو لم يقيد المأمور به امتنع الجمع بين الإتيان بالمأمور به والاجتناب عن المنهي عنه. ولذلك قال: " واضح ".
" وإن اختلف حكهما واتحد موجبهما " وكانا مثبتين كما إذا قيل في الظهار أعتق رقبة مؤمنة ففيه ثلاثة مذاهب:
أحدهما: الحمل بيانا لا ناسخا سواء تقدم المطلق أو تأخر. وهو المختار عند المصنف.
والثاني: الحمل نسخا إن تأخر المقيد.
والثالث: حمل المقيد على المطلق.
واحتج على حمل المطلق على المقيد لا العكس بوجهين:
أحدهما: أن ذلك جمع بينهما إذ العمل بالمقيد عمل بالمطلق وزيادة والجمع أولى.
وفيه نظر أما أولا فلأن العمل بالمقيد إنما يكون عملا بالمطلق أن لو كان المطلق حدا للمقيد وليس كذلك فإنهما متقابلان.
стр. 941
وأما ثانيا: فلأن ذلك يدل على الأولوية وليس مطابقا للمدعى لأنه وجوب الحمل دون الأولوية.
والثاني: أن الخروج عن عهدة التكليف يحصل بالحمل " متعين " لأن التكليف إن كان بالمقيد فظاهر وإن كان بالمطلق فكذلك لأنه أتى به وزيادة وأما بالعمل بالمطلق فليس كذلك لجواز أن يكون التكليف بالمقيد ولم يأت به لأن الإتيان بالمطلق لا يستلزمه.
واحتج على أنه بيان لا نسخ أيضا بوجهين:
أحدهما: أن ذلك لو كان نسخا لكان تخصيص العام نسخا لأن التقييد رفع الإطلاق والتخصيص رفع العموم لكن التخصيص ليس بنسخ بالاتفاق.
وفيه نظر لأنه مشاحة في الاصطلاح لأنهم اصطلحوا على رفع العموم بالخصوص وعلى رفع المطلق بالتقييد ولا نزاع في ذلك أو نقول التخيص لأنه لبيان أنه لم يدخل والنسخ رفع فأنى يكون أحدهما هو الآخر.
الثاني: إن تأخير المقيد لو كان نسخا كان تأخير المطلق نسخا للمقيد لأن في كل واحد منهما رفع الآخر.
وفيه نظر لأن الإطلاق عدم وهو لا يؤثر في شيء.
والقائلون بأن تأخر المقيد عن المطلق نسخ لا بيان احتجوا بأنه لو كان بيانا لا نسخا لوجب دلالة رقبة على مؤمنة مجازا لأن المراد بالمطلق حينئذ هو المقيد وإذا أطلق المطلق وأريد المقيد كان مجازا والمجاز على خلاف الأصل.
وأجاب بأن هذا لازم إذا تقدم المقيد على المطلق فإنهم جوزوا حينئذ أن يكون بيانا للمطلق.
وفيه نظر لأنه غير مسلم.
وبأنه لازم أيضا في تقييدهم الرقبة بالسلامة عن العيوب في كفارة الظهار لأن
стр. 942
الرقبة مطلقة فدلالتها على السليمة مجاز.
وفيه نظر لأن الرقبة عبارة عن الذات والمطلق ينصرف إلى الكامل وهو السالم وأما الإيمان فإنما هو من العوارض وهي لا تدخل في الذاتيات.
ثم قال والتحقيق أن المعنى رقبة من الرقبات. وقيل في بيانه: إن قول الشارع أعتق رقبة معناه أعتق رقبة من الرقبات فلما قال: أعتق رقبة مؤمنة معناه بين بهذا القيد أن المراد بالقدر العام هو الخاص فيكون المقدر الرقبات المؤمنة فيرجع إلى نوع من التخصيص سمي تقييدا والتخصيص بيان قطعا.
ولقائل إن كان هذا هو معنى التحقيق فهو بعيد عن التحقيق لأنه نقل الكلام إلى الخصوص وليس الكلام فيه ولأنه جعل تقديره رقبة من الرقبات وذلك مقيد وليس الكلام فيه.
ثم قال إنه أراد بها المؤمنة إذ قيدها بالمؤمنة.
وهو عين النزاع فإن الخصم يقول رقبة من الرقبات إن فرضت مطلقة فرقبة مؤمنة مقيدة ولا يحمل أحدهما على الآخر سلمنا أن المراد من الرقبات المقدرة هو المؤمنة لكن بطريق الحقيقة أو المجاز والأول ممنوع والثاني هو المطلوب.
وقال شيخي العلامة: إن المعنى رقبة من الرقبات من المعينات فحينئذ لا يكون تقييده بقوله: " مؤمنة " مجازا لأن دلالة رقبة معينة من المعينة على أي معين يفرض من ذلك الجنس تكون حقيقة لأن معينا من المعينات مشترك بين جميع المعينات بالاشتراك المعنوي فعلى هذا تكون الملازمة ممنوعة.
وفيه نظر لأنا نسلم أن معناه رقبة من الرقبات لأنه قيد لا محالة والمطلق لا دلالة له على شيء من ذلك.
ص - فإن كانا منفيين عمل بهما مثل: لا تعتق مكاتبا لا تعتق مكاتبا كافرا.
стр. 943
فإن اختلف موجبهما ,كالظهار والقتل , فعن الشافعيي حمل المطلق على المقيد.
فقيل: بجامع وهو المختار. فيصير كالتخصيص بالقياس على محل التخصيص.
وشذ عنه بغير جامع. وأبو حنيفة لا يحمل.
ش - هذا قسيم قوله وكانا مثبتين يعني إذا كان موجبهما متحدا وكانا " متفقين " عمل بهما إذ لا تعذر فيه مثل: لا تعتق مكاتبا لا تعتق مكاتبا كافرا فيعمل بهما بأن لا يعتق مكاتبا أصلا.
فإن اختلف موجبهما ولم يختلف الحكمان فعن الشافعي حمل المطلق على المقيد واختلف أصحابه فقال بعضهم: أراد به بجامع موجب الإلحاق حتى يكون التقييد بدليل فيكون تقييد المطلق بالقياس على المقيد كتخصيص العام على محل
стр. 944
التخصيص وقال بعضهم أراد به الحمل بجامع وبغيره بناء على أن القرآن كله كالكلمة الواحدة " تعدد فيه ". والأول هو المختار عندهم. والثاني مردود نقله شاذ عن الشافعي.
ونظير ذلك قوله - تعالى - في كفارة الظهار: (والذين يظهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة) وقوله في كفارة القتل: (ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة).
وأبو حنيفة لا يحمل المطلق على المقيد أصلا لأن الحمل يبطل دليلا بحسب العمل كما عرف في موضعه.
ص - المجمل المجموع. وفي الاصطلاح: ما لم تتضح دلالته على ذلك.
وقيل: اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء.
ولا يطرد للمهمل والمستحيل.
ولا ينعكس لجواز فهم أحد المحامل , والفعل المجمل , كالقيام من الركعة لاحتمال الجواز والسهو.
أبو الحسين: ما لا يمكن معرفة المراد منه.
ويرد المشترك المبين والمجاز المراد , بين أو لم يبين. وقد يكون في مفرد بالإصالة وبالإعلان , كالمختار.
وفي مركب , مثل: (أو يعفوا) وفي مرجع الضمير , وفي مرجع الصفة كطبيب
стр. 945
ماهر , وفي تعدد المجاز بعد منع الحقيقة.
ش - لما فرغ من المطلق والمقيد تكلم في المجمل والمبين حدا وأقساما وحكما.
والمجمل في اللغة هو المجموع من أجمل الحساب إذا جمع.
وفي الاصطلاح يعني اصطلاح الأصوليين: ما لم تتضح دلالته.
فقوله: ما كالجنس تتناول القول والفعل فإنه قد يكون مجملا كالقول.
وقوله: لم تتضح دلالته. احترازا عن المهمل فإنه لا دلالة له أصلا.
وفيه نظر لأن السلب عن العدم صحيح يقال: زيد المعدوم ليس ببصير , وعن المبين لإيضاح دلالته.
وقبل: إنه اللفظ الذي لا يفهم منه عند الإطلاق شيء. وزيفه بعدم اطراده لصدقه على المهمل وعلى المستحيل ومدلوله ليس بشيء. وبعدم انعكاسه فإن المجمل قد يفهم منه شيء عند الإطلاق لجواز فهم أحد محامله عند الإطلاق وهي شيء فيصدق المحدود دون الحد.
وللمعرف بهذا التعريف أن يمنع كون ذلك مجملا. ويخرج عنه الفعل المجمل لأنه ليس بلفظ وهو موجود كما لو قام النبي ﷺ من الركعة الثانية بلا جلوس للتشهد فإنه فعل مجمل لاحتمال التعمد فيكون دليلا على جواز ترك الجلسة للتشهد واحتمال السهو فلا يكون دليلا.
стр. 946
وله أن يمنع وجود ذلك ويقول التصور ليس بكاف فلا يحتاج إلى الاحتراز.
وقال أبو الحسين في تعريفه: إن المجمل ما لا يمكن معرفة المراد منه.
يعني من نفسه.
واحترز به عن المجمل المبين لإمكان معرفة المراد به بالبيان لا من نفسه مع أنه ليس بمجمل.
وقيد المشترك بالمبين لأنه إذا لم يبين كان مجملا بخلاف المجاز فإنه لا يكون مجملا بين أو لم يبين.
وقيل هذا أيضا غير وارد لأن اللفظ إذ أريد به المجاز لم يمكن معرفة المراد من نفسه وهو هذا الوجه مجمل ومن حيث إنه استعمل فيما لم يوضع له مجاز.
والاحتمال قد يكون في مفرد إما بالأصالة كالقرء أو بالإعلال كالمختار فإنه يحتمل أن يكون فاعلا ومفعولا باعتبار كسر العين وفتحه.
وقد يكون في مركب مثل قوله - تعالى -: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) فإن الموصول مع صلته يحتمل أن يكون المراد به الزوج أو الولي والموصول مع صلته مركب من كلمتين.
стр. 947
وقد يكون في مرجع الضمير إذا تعدد احتماله من غير مرجح: كضرب زيد عمرا وأكرمني فإن الضمير الذي هو فاعل أكرمني يحتمل الرجوع إلى زيد وعمر. وقد لا يكون في مرجع الصفة مثل قوله: زيد طبيب ماهر.
لاحتمال ماهر أن تكون صفة طبيب وأن تكون صفة مطلقة لزيد.
وقد يكون في تعدد المجاز بعد منع حمل اللفظ على مفهومه الحقيقي إذا كانت المجازات متساوية.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو: (حرمت عليكم الميتة) (وأمهاتكم) خلافا للكرخي والبصري.
لنا: القطع بالاستقراء أن العرف: الفعل المقصود منه.
قالوا: ما وجب للضرورة يقدر بقدرها فلا يضمر الجميع. والبعض غير متضح أجيب متضح بما تقدم.
ش - إذا أضيف التحريم إلى الأعيان كما في قوله - تعالى -: (حرمت عليكم الميتة) وقوله - تعالى -: (حرمت عليكم أمهتكم) فأكثر الأصوليين على أنه لا إجمال فيه خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري.
стр. 948
واحتج المصنف على المذهب الأول بأن القطع حاصل بالاستقراء أن التحريم المضاف إلى الأعيان يراد به تحريم الفعل المقصود منه عرفا كالأكل في الميتة والنكاح في الأمهات.
وقال القائلون بالإجمال التحريم المضاف إلى الأعيان لا بد أن يكون فيه إضمار لأن التحريم إنما يتعلق بالأفعال المقدورة والأعيان ليست كذلك فوجب الإضمار ضرورة حذرا عن الأبطال بالكلية وما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها وتندفع بتقدير بعض وهو غير معلوم لعدم المرجح فيتحقق الإجمال.
وأجاب بأن البعض متضح بما تقدم من أن العرف يقتضي في مثله تحريم الفعل المقصود.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو: (وامسحوا برؤوسكم) لنا: إن لم يثبت عرف في مثله في بعض كمالك والقاضي وابن جني فلا إجمال فإن ثبت كالشافعي وعبد الجبار وأبي الحسين فلا إجمال.
قالوا: العرف في نحو مسحت بالمنديل: البعض. قلنا: لأنه آلة بخلاف مسحت بوجهي. وأما الباء للتبعيض فأضعف.
ش - ذهب علماؤنا إلى أن قوله - تعالى -: (وامسحوا برءوسكم) مجمل
стр. 949
في المقدار لتردده بين الكل والبعض وبينه ﷺ بفعله مسح الربع لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ : أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه. وموضعه أصول أصحابنا.
وذهب الباقون إلى أنه غير مجمل فعند الشافعي المراد به مطلق الرأس ويحصل بأدنى ما ينطلق عليه اسم المسح.
وعند بعض أصحابه أنه يمسح بعض الرأس أي بعض كان وعند مالك والقاضي
стр. 950
وابن جني أنه للكل.
واحتج المصنف على عدم الإجمال بأنه إن لم يثبت عرف في ظهور استعماله في بعض أي بعض كان بل بقي على الوضع الأول كما هو مذهب مالك والقاضي وابن جني كان مقتضاه مسح الكل فلا إجمال , وإن ثبت ذلك كالذي قال به الشافعي وأبو الحسين وعبد الجبار كان " مقتضاه " التبعيض فيحصل بمسح أي بعض كان فلا إجمال أيضا.
وفيه نظر لأن الترديد يدل على أنه مجمل لأن ثبوت كل واحد من الشقين محتمل لوقوعه في خبر إن الشرطية فقبل ثبوت أحدهما لم تتضح دلالته وبعد ثبوته بدليله وقع التعارض بين الدليلين وبدون مرجح لم يزل الإجمال وبمرجح تبين.
والفرق بين مذهب الشافعي وما نقل عن بعض أصحابه أن مذهبه ما ذكرنا أنه لمطلق مسح الرأس ويحصل بأقل ما ينطلق عليه الاسم وما نقل عن أصحابه أنه لمسح بعض الرأس لكن مآل مذهب الشافعي أيضا وجوب مسح بعض الرأس.
واستدل للتبعيض بوجهين:
أحدهما: عرف الاستعمال في مثل مسحت اليد بالمنديل فإنه يقتضي مسح بعض المنديل لا كله.
وأجاب بأن العرف إنما يقتضي البعض حيث يكون المسح للآلة لأن العمل بالآلة إنما يكون ببعضها بخلاف مسحت بوجهي فإن العرف فيه لا يقتضي مسح بعض الوجه.
следующие страницы →