Полный текст (1 417 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وله أن يمنع وجود ذلك ويقول التصور ليس بكاف فلا يحتاج إلى الاحتراز.
وقال أبو الحسين في تعريفه: إن المجمل ما لا يمكن معرفة المراد منه.
يعني من نفسه.
واحترز به عن المجمل المبين لإمكان معرفة المراد به بالبيان لا من نفسه مع أنه ليس بمجمل.
وقيد المشترك بالمبين لأنه إذا لم يبين كان مجملا بخلاف المجاز فإنه لا يكون مجملا بين أو لم يبين.
وقيل هذا أيضا غير وارد لأن اللفظ إذ أريد به المجاز لم يمكن معرفة المراد من نفسه وهو هذا الوجه مجمل ومن حيث إنه استعمل فيما لم يوضع له مجاز.
والاحتمال قد يكون في مفرد إما بالأصالة كالقرء أو بالإعلال كالمختار فإنه يحتمل أن يكون فاعلا ومفعولا باعتبار كسر العين وفتحه.
وقد يكون في مركب مثل قوله - تعالى -: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) فإن الموصول مع صلته يحتمل أن يكون المراد به الزوج أو الولي والموصول مع صلته مركب من كلمتين.
стр. 947
وقد يكون في مرجع الضمير إذا تعدد احتماله من غير مرجح: كضرب زيد عمرا وأكرمني فإن الضمير الذي هو فاعل أكرمني يحتمل الرجوع إلى زيد وعمر. وقد لا يكون في مرجع الصفة مثل قوله: زيد طبيب ماهر.
لاحتمال ماهر أن تكون صفة طبيب وأن تكون صفة مطلقة لزيد.
وقد يكون في تعدد المجاز بعد منع حمل اللفظ على مفهومه الحقيقي إذا كانت المجازات متساوية.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو: (حرمت عليكم الميتة) (وأمهاتكم) خلافا للكرخي والبصري.
لنا: القطع بالاستقراء أن العرف: الفعل المقصود منه.
قالوا: ما وجب للضرورة يقدر بقدرها فلا يضمر الجميع. والبعض غير متضح أجيب متضح بما تقدم.
ش - إذا أضيف التحريم إلى الأعيان كما في قوله - تعالى -: (حرمت عليكم الميتة) وقوله - تعالى -: (حرمت عليكم أمهتكم) فأكثر الأصوليين على أنه لا إجمال فيه خلافا للكرخي وأبي عبد الله البصري.
стр. 948
واحتج المصنف على المذهب الأول بأن القطع حاصل بالاستقراء أن التحريم المضاف إلى الأعيان يراد به تحريم الفعل المقصود منه عرفا كالأكل في الميتة والنكاح في الأمهات.
وقال القائلون بالإجمال التحريم المضاف إلى الأعيان لا بد أن يكون فيه إضمار لأن التحريم إنما يتعلق بالأفعال المقدورة والأعيان ليست كذلك فوجب الإضمار ضرورة حذرا عن الأبطال بالكلية وما ثبت بالضرورة يقدر بقدرها وتندفع بتقدير بعض وهو غير معلوم لعدم المرجح فيتحقق الإجمال.
وأجاب بأن البعض متضح بما تقدم من أن العرف يقتضي في مثله تحريم الفعل المقصود.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو: (وامسحوا برؤوسكم) لنا: إن لم يثبت عرف في مثله في بعض كمالك والقاضي وابن جني فلا إجمال فإن ثبت كالشافعي وعبد الجبار وأبي الحسين فلا إجمال.
قالوا: العرف في نحو مسحت بالمنديل: البعض. قلنا: لأنه آلة بخلاف مسحت بوجهي. وأما الباء للتبعيض فأضعف.
ش - ذهب علماؤنا إلى أن قوله - تعالى -: (وامسحوا برءوسكم) مجمل
стр. 949
في المقدار لتردده بين الكل والبعض وبينه ﷺ بفعله مسح الربع لما روى المغيرة بن شعبة ﵁ أن رسول الله ﷺ : أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه. وموضعه أصول أصحابنا.
وذهب الباقون إلى أنه غير مجمل فعند الشافعي المراد به مطلق الرأس ويحصل بأدنى ما ينطلق عليه اسم المسح.
وعند بعض أصحابه أنه يمسح بعض الرأس أي بعض كان وعند مالك والقاضي
стр. 950
وابن جني أنه للكل.
واحتج المصنف على عدم الإجمال بأنه إن لم يثبت عرف في ظهور استعماله في بعض أي بعض كان بل بقي على الوضع الأول كما هو مذهب مالك والقاضي وابن جني كان مقتضاه مسح الكل فلا إجمال , وإن ثبت ذلك كالذي قال به الشافعي وأبو الحسين وعبد الجبار كان " مقتضاه " التبعيض فيحصل بمسح أي بعض كان فلا إجمال أيضا.
وفيه نظر لأن الترديد يدل على أنه مجمل لأن ثبوت كل واحد من الشقين محتمل لوقوعه في خبر إن الشرطية فقبل ثبوت أحدهما لم تتضح دلالته وبعد ثبوته بدليله وقع التعارض بين الدليلين وبدون مرجح لم يزل الإجمال وبمرجح تبين.
والفرق بين مذهب الشافعي وما نقل عن بعض أصحابه أن مذهبه ما ذكرنا أنه لمطلق مسح الرأس ويحصل بأقل ما ينطلق عليه الاسم وما نقل عن أصحابه أنه لمسح بعض الرأس لكن مآل مذهب الشافعي أيضا وجوب مسح بعض الرأس.
واستدل للتبعيض بوجهين:
أحدهما: عرف الاستعمال في مثل مسحت اليد بالمنديل فإنه يقتضي مسح بعض المنديل لا كله.
وأجاب بأن العرف إنما يقتضي البعض حيث يكون المسح للآلة لأن العمل بالآلة إنما يكون ببعضها بخلاف مسحت بوجهي فإن العرف فيه لا يقتضي مسح بعض الوجه.
стр. 951
والثاني: أن الباء إذا وليت فعلا متعديا أفادت التبعيض في المجرور بها لغة.
وأجاب بأن الاستدلال بكون الباء للتبعيض أضعف لأنه لم يثبت نقل عن أحد من أئمة اللغة.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو قوله ﵇: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " خلافا لأبي الحسين والبصري.
لنا: العرف في مثله قبل الشرع المؤاخذة والعقاب ولم يسقط الضمان إما لأنه ليس بعقاب أو تخصيصا لعموم الخبر فلا إجمال قالوا: لا بد من إضمار.
وأجيب: بما تقدم في الميتة.
ش - إسناد الرفع إلى الخطأ والنسيان ذاتهما غير مستقيم ظاهرا فلا بد من إضمار ويحصل به في المفهوم خفاء ولكن يبلغ إلى حد الإجمال أولا فيه خلاف.
فذهب الجمهور إلى عدمه. وذهب أبو الحسين وأبو عبد الله البصري إلى وجوده.
واحتج المصنف بأن عرف أهل اللغة استعماله قبل الشرع في رفع المؤاخذة والعقاب وهو المتبادر إلى الفهم عند سماع هذا التركيب فلا إجمال فيه لاتضاح الدلالة.
قوله: ولم يسقط الضمان - إشارة إلى الجواب عما عسى أن يقال لو كان العرف
стр. 952
كما ذكرتم لارتفع الضمان لكونه من المؤاخذة والعقاب والتالي باطل لأنه لا يسقط وذلك على وجهين:
أحدهما: أن الضمان إنما لم يسقط لأنه ليس بعقاب إذ المراد به ما يتعلق بالنفس من المضار والضمان متعلق بالمال.
الثاني: أن وجوبه وإن سلم أنه عقاب لكنه " تخصيصا " لعموم الخبر الدال على نفي كل عقاب والتخصيص أولى من الإجمال.
ولقائل أن يقول الأولوية إما أن تكون قبل البيان أو بعده والثاني ممنوع لأن التخصيص يفضي إلى المجاز. والبيان قد لا يكون كذلك. والأول غير صحيح ههنا لأن الضمير ثابت مقتضى والمقتضى لا عموم له فلا يصح التخصيص.
واحتج المجملون بما سبق في (حرمت عليكم الميتة) وتقريره رفع ذات الخطأ والنسيان لما لم يستقم وجب الإضمار ضرورة وفيما يضمر ازدحام والكل لا يراد إما لتعدده أو لأن الضرورة تندفع بالبعض وليس بمعين لعدم المرجح فلم تتضح دلالته فكان مجملا.
وأجاب بما تقدم بمنع عدم مرجع لأن العرف يقتضي إضمار المؤاخذة والعقاب.
ولا يخلو عن مناقشة لأنه دعوى لا بد من بيانها.
ص - مسألة: لا إجمال في نحو: " لا صلاة إلا بطهور " خلافا للقاضي.
لنا إن ثبت عرف شرعي في الصحيح فلا إجمال. وإلا فالعرف في مثله نفي الفائدة , مثل: لا علم إلا ما نفع. فلا إجمال.
ولو قدر انتفاؤهما فالأولى نفي الصحة لأنه يصير كالعدم فكان أقرب إلى الحقيقة المتعذرة. فإن قيل: إثبات اللغة بالترجيح. قلنا: إثبات المجاز بالعرف في مثله. قالوا: والعرف شرعا مختلف في الكمال والصحة. قلنا: مختلف للاختلاف.
стр. 953
ولو سلم فلا استواء لترجحه بما ذكرناه.
ش - النفي في " لا صلاة " ليس لنفي حقيقتها لتحققها حسا فلا بد من تقدير وبه لا تتضح دلالته إلا بخارج.
فذهب القاضي إلى إجماله بناء على ذلك.
وذهب الجمهور إلى عدمه محتجين بأنه إن ثبت عرف شرعي في الصحيح أي إن ثبت أن الشارع نقله من نفيها إلى نفي الصحة أي لا صلاة صحيحة فلا إجمال.
وإن لم يثبت عرف شرعي فالعرف اللغوي في مثله إضمار الفائدة أي لا فائدة للصلاة إلا بطهور فكذلك لا إجمال كما في قولهم لا علم إلا ما نفع. أي لا فائدة لعلم إلا ما نفع. ولو فرض انتفاؤهما فنفي الصحة أولى بالتقدير من نفي الفضيلة لأن الشيء الغير صحيح كالمعدوم فهو أقرب إلى حقيقته المتعذرة التي هي نفي الوجود.
فإن قيل هذا إثبات اللغة بالترجيح وهو باطل.
أجاب بأنه إثبات المجاز بالعرف معناه أنه من باب ما تترك الحقيقة بالعرف وهو جائز بالاتفاق.
ورد بأن الفرض عدم العرفين فلا يستدل به.
والجواب أن المنفيين منه غير المثبت فإن المنفيين هو ما كان في تعيين معنى يخرج به عن الإجمال , والمثبت ما ترك به الحقيقة إلى المجاز.
стр. 954
ولقائل أن يقول العرف الشرعي انتفاؤه في حيز الشرط فهو مجهول وذلك يدل على الإجمال.
وقال المجملون إن عرف الشرع مختلف في الكمال والصحة في مثله كما في قوله ﵇: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " و " لا صلاة إلا بقراءة " وإذا كان كذلك لم تتضح دلالته فيكون مجملا.
وأجاب بأنا لا نسلم اختلاف وروده في الشرع بل الاختلاف لاختلاف العلماء في تقديره فإن بعضهم يقدر الصحة وبعضهم يقدر الكمال.
وفيه نظر لأن ما ذكرنا من المثالين لا يطرد فيه ذلك بل الاختلاف للمورد ألا ترى أن تقدير الكمال في الثاني والصحة في الأول لا يستقيم ولئن سلم أن وروده في الشرع مختلف فيه ولكن لا نسلم أن مثل ذلك اختلاف في عرف الشرع يوجب الاجمال وإنما يوجبه إذا تساوى عرف الشرع فيهما وهو ممنوع لأن نفي الصحة راجح بما ذكرنا فلا إجمال.
وفيه نظر لأن الاختلاف إن أوجب عدم إيضاح الدلالة فهو مجمل لا محالة وإن لم يوجبه كان المانع عدم التساوي وهو بالنظر إلى ذات التركيب ممنوع وبالنظر إلى خارج ليس بمتنازع فيه غاية ما في الباب حينئذ أن يكون مجملا مبينا.
ص - " مسألة الإجمال " في نحو: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما).
لنا: أن اليد إلى المنكب حقيقة لصحة بعض اليد لما دونه.
والقطع إبانة المتصل فلا إجمال.
واستدل: لو كان مشتركا في الكوع والمرفق والمنكب لزم الإجمال.
أجيب بأنه لو لم يكن لزم المجاز. واستدل: يحتمل الاشتراك والتواطؤ.
стр. 955
وحقيقة أحدهما ووقوع واحد من اثنين أقرب من واحد معين.
وأجيب: إثبات اللغة بالترجيح. وبأنه لا يكون مجمل أبدا.
قالوا: تطلق اليد على الثلاث , والقطع على الإبانة , وعلى الجرح فثبت الإجمال.
قلنا: لا إجمال مع الظهور.
ش - أية السرقة ونحوها ليست بمجمل لأن المذكور فيها اليد والقطع وهما واضحا الدلالة على مدلولهما أما اليد: فلأنها حقيقة لمجموع العضو من الأنامل إلى المنكب بدليل قوله: (إلى المرافق) سواء كانت الغاية لإسقاط ما وراء الغاية أو لمد الحكم إليها فإنها لو لم تذكر لانصرف من الأنامل إلى المنكب ولو كانت للكوع لم تصح الغاية وأما القطع فلأنه الإبانة يعلمها كل أحد فلا إجمال حينئذ.
وفيه نظر لجواز أن يكون الإجمال في السارق فإنه الذي أخذ مال الغير على سبيل الخفية من حرز لا شبهة فيه في عرف الشرع ولا بد في ذلك من تقدير النصاب وليس في لفظه ما يدل على مقداره ولا على نفسه وهو في ذلك غير متضح الدلالة فلم لا يجوز أن يكون مجملا بذلك وقد بينه الشارع في محل القطع واشترط النصاب ومقدراه.
وقد استدل أيضا على عدم الإجمال بأنها إنما تكون مجملا أن لو كان اليد
стр. 956
مشتركة في الكوع والمرفق والمنكب والاشتراك خلاف الأصل.
وأجيب بأنه لو لم تكن مشتركة لكان مجازا في بعضها والمجاز خلاف الأصل.
وضعف بأن المجاز أولى كما تقدم.
وفيه ما فيه.
واستدل أيضا بأن اليد تحتمل أن تكون مشتركة فتكون مجملا وأن تكون متواطئا وأن تكون حقيقة في أحدهما مجازا في غيره ولا إجمال على التقديرين الأخيرين ولا شك أن وقوع واحد من الاثنين أقرب من وقوع معين يعني التقدير الأول فكونه غير مجمل أقرب من كونه مجملا.
وأجيب بأنه إثبات اللغة بالترجيح وهو باطل وبأنه لو صح ما ذكرتم لزم أن لا يوجد مجمل أصلا وهو باطل وذلك لأن المجمل لا بد فيه من تعدد على ما عرف في بيانه فإن كان حقيقة كان مجملا وإن كان متواطئا أو مجازا في أحدهما لا يكون مجملا ووقوع واحد من التقديرين أقرب من وقوع معين فكان عدم الإجمال أقرب.
وهو مردود لأن أقسام المجمل عود الضمير إلى أحد المرجعين وعود الصفة لأحد الموصوفين وهذه الثلاثة لا تتحقق فيهما.
واحتج المجملون بأن اليد مطلق على الثلاث يعني على العضو إلى الكوع وإلى المرفق وإلى المنكب , والقطع يطلق على الإبانة والجرح. ولا ترجيح لواحد من ذلك على الآخر فكان مجملا.
وأجاب بأن اليد والقطع وإن كانا يطلقان على المعاني المذكورة لكن لا إجمال فيهما لكونهما ظاهرين في بعض تلك المعاني إذ اليد ظاهرة في الكل والقطع في
стр. 957
الإبانة ولا إجمال مع الظهور.
ص - مسألة: المختار أن اللفظ لمعنى تارة ولمعنيين أخرى من غير ظهور مجمل.
لنا: أنه معناه. قالوا: يظهر في المعنيين لتكثير الفائدة.
قلنا: إثبات للغة بالترجيح. ولو سلم عورض بأن الحقائق لمعنى واحد أكثر.
فكان أظهر. قالوا: يحتمل: الثلاثة كالسارق.
ش - إذا استعمل اللفظ فيما يفيد معنى تارة وفيما يفيد معنيين تارة وليس بظاهر بالنسبة " إلى " أحدهما.
فالمختار عند المصنف أنه مجمل. ونفاه بعض الأصوليين.
واحتج على المختار بأنه إذا لم يكن ظهور لأحدهما بالنسبة إلى الآخر لم تتضح
стр. 958
دلالته فكان مجملا.
واحتج النافي بوجهين:
الأول: أن حمله على ما يفيد معنيين أظهر لأنه يوجب تكثير الفائدة , والحمل على ما هو أكثر فائدة أظهر.
وأجاب بأنه إثبات اللغة بالترجيح وهو باطل , ولو سلم أن ليس إثبات اللغة بالترجيح ممنوعا لكنه معارض بأن الألفاظ الموضوعة لمعنى واحد بطريق الحقيقة أكثر منها موضوعة لمعنيين مجازا وما أكثر أظهر.
والثاني: ما تكرر أن اللفظ يحتمل أن يكون مشتركا بينهما ويحتمل أن يكون متواطئا إلى آخره.
وجوابه أيضا ما مر.
ص - مسألة: ما له محمل لغوي ومحمل في حكم شرعي مثل: " الطواف بالبيت صلاة " ليس بمجمل.
لنا: عرف الشارع تعريف الأحكام ولم يبعث لتعريف اللغة.
قالوا: يصلح لهما , ولم يتضح.
قلنا: متضح. بما ذكرنا.
ش - إذا ورد لفظ من الشارع جائز الحمل على المفهوم اللغوي والمفهوم الشرعي كقوله ﷺ : " الطواف بالبيت صلاة " فإنه يجوز أن يقال المراد به الافتقار
стр. 959
إلى الطهارة , وأن يقال المراد به أنه صلاة لغة وهي الدعاء لاشتماله على الدعاء ففيه اختلاف فمنهم من يقول إنه مجمل وهو مذهب الغزالي.
وذهبت طائفة إلى خلافه. وهو مختار المصنف.
واحتج عليه بأن عرف الشرع تعريف الأحكام الشرعية لأنه ﷺ لم يبعث لتعريف اللغة فحينئذ يجب حمل اللفظ على الحكم الشرعي لتوافقه لمقصود البعثة فلا يكون مجملا.
وقال المجملون اللفظ يصلح للحكم الشرعي وللمعنى اللغوي فلم تتضح دلالته على شيء منهما فيكون مجملا.
وأجاب بأنه تتضح دلالته على الحكم الشرعي لما ذكرنا.
ص - مسألة: لا إجمال فيما له مسمى لغوي ومسمى شرعي. وثالثها الغزالي في الإثبات الشرعي وفي النهي مجمل. ورابعها في النهي اللغوي فالإثبات مثل إني إذا لصائم.
لنا: أن عرفه يقضي بظهوره فيه.
الإجمال: يصلح لهما.
الغزالي: في النهي تعذر الشرعي للزوم صحته.
وأجيب: ليس معنى الشرعي: الصحيح , وإلا لزم في " دعي الصلاة الإجمال ".
الرابع: في النهي تعذر الشرعي للزوم صحته , كبيع الحر والخمر.
стр. 960
وأجيب بما تقدم. وبأن " دعي الصلاة " للغوي: وهو باطل.
ش - الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدمة أن المجمل أعم من المسمى لجواز أن يكون الجمل حكما شرعيا.
إذ ورد من الشارع لفظ له مسمى لغوي ومسمى شرعي من غير ظهور أحدهما.
فقد اختلف فيه على أربعة مذاهب:
الأول: لا إجمال فيه. وهو المختار عند المصنف.
والثاني: أنه مجمل مطلقا.
والثالث: أنه ورد في الإثبات حمل على الشرعي فلا يكون مجملا وإن ورد في النهي لم يحمل على واحد فيكون مجملا وهو مذهب الغزالي.
والرابع: أنه إذا ورد في الإثبات حمل على الشرعي وإذا ورد في النهي حمل على اللغوي فلا يكون مجملا.
стр. 961
والفرق بين المذهب الأول والرابع أنه في الأول يحمل على الشرعي سواء كان في الإثبات أو النهي وفي الرابع يحمل على اللغوي في النهي.
مثال الإثبات قوله ﷺ لعائشة - حين سألها " هل من غذاء؟ " فقالت: لا " " إني إذا صائم " ومثال النهي: " لا تصوموا في هذه الأيام ".
واحتج للمختار بأن عرف الشرع قاض بظهور في مسماه الشرعي كما تقدم فلا إجمال.
وللمجملين مطلقا بأن اللفظ صالح لهما من غير ترجيح فيكون مجملا.
والجواب ما تقدم من اتضاح دلالته بالنسبة إلى المفهوم الشرعي.
وللغزالي بأنه إذا وقع في النهي مثل لا تصوموا يوم النحر تعذر حمله على الشرعي لأن الشرعي هو الصحيح فلو حمل عليه لزم صحته. وليس بصحيح.
ولقائل أن يقول لم يثبت في الشرع عدم صحة صوم يوم النحر إما وصفا أو وصفا وأصلا إلا بهذا الحديث فكيف يستلزم الشيء صحة ما ورد لعدمها.
وأجاب بأن الشرعي ليس معناه الصحيح لأنه لو كان معناه ذلك لزم الإجمال في قوله ﵇: " دعي الصلاة أيام أقرائك " لامتناع حملها على الشرعية لعدم صحتها , وإذا امتنع ذلك كان مجملا.
стр. 962
وفيه نظر لأن دعي أمر فكان إثباتا وهو محمول على الشرعي عنده فلا إجمال.
والقائل بالمذهب الرابع بأنه تعذر حمله في النهي على الشرعي للزوم صحته كبيع المضامين والملاقيح والحر فإن الحمل على الشرعي يستلزم صحتها واللازم باطل بالإجماع وبطلانه يستلزم بطلان ملزومه وهو الشرعي. وإذا تعذر الشرعي حمل على اللغوي لأنه أولى من الإجمال.
وأجاب بما تقدم أن الشرعي ليس معناه الصحيح وبأن ما ذكرتم يستلزم أن تحمل الصلاة في قوله ﷺ : " دعي الصلاة أيام أقرائك " على اللغوي هو باطل لأن اللغوية هي الدعاء وهو جائز حال الحيض بالإجماع.
وفيه النظران.
البيان والمبين
ص - البيان والمبين. يطلق البيان على فعل المبين. وعلى الدليل وعلى المدلول فلذلك قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وأورد البيان ابتداء. والتجوز بالحيز وتكرير الوضوح.
وقال القاضي والأكثر الدليل. وقال البصري: العلم عن الدليل.
والمبين نقيض المجمل.
ويكون في مفرد , وفي مركب , وفي فعل وإن لم يسبق إجمال.
ش - لما فرغ من بيان المجمل شرع في بيان البيان والمبين.
والبيان يطلق على معان ثلاثة: على فعل المبين وهو التبيين أي رفع
стр. 963
الإبهام. وعلى الدليل وهو ما يحصل به التبيين. وعلى المدلول أي الاعتقاد التابع للتبيين.
وكذلك اختلفوا في تعريفه فالصيرفي اختار الأول. وعرفه بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وزيفه المصنف بأنه غير جامع لخروج البيان ابتداء وهو ما يدل على الحكم من غير تقدم إجمالي فإنه بيان بالاتفاق , وباشتماله على المجاز فإن الحيز للجواهر فاستعماله في الأعراض مجاز , وباشتماله على التكرار لأنه ذكر التجلي والوضوح وأحدهما كاف.
وقال القاضي وأكثر الأصوليين إن البيان هو الدليل. واختار عبد الله البصري المدلول وعرفه بأنه العلم الحاصل عن الدليل. ثم عرف المصنف المبين بأنه نقيض
стр. 964
المجمل. يعني مقابله: وهو ما تتضح دلالته. ويدخل فيه الخطاب الذي ورد مبينا ابتداء ثم المبين إما قول مفرد أو مركب وإما فعل سبق إجماله أو لم يسبق.
ص - مسألة: الجمهور: الفعل يكون بيانا. لنا: أنه ﷺ بين الصلاة والحج بالفعل. وقوله: " خذوا عني " و " صلو كما " يدل عليه. وأيضا فإن المشاهدة أدل.
وليس الخبر كالمعاينة.
قالوا: يطول فيتأخر البيان. قلنا: وقد يطول بالقول. ولو سلم فما تأخر للشروع فيه. ولو سلم فلسلوك أقوى البيانين.
ولو سلم فما تأخر عن وقت الحاجة.
ش - " ذهب الجمهور الأصوليين " إلى أن الفعل يجوز أن يقع بيانا " خلافا " لشرذمة.
والدليل للجمهور أنه واقع والوقوع دليل الجواز فإن كل واحد من الصلاة والحج وقع مجملا وبين رسول الله ﷺ بالفعل. لا يقال كان البيان بقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " وبقوله: " خذوا عني مناسككم " لا بالفعل لأنا نقول قوله
стр. 965
يدل على أن الفعل بيان لا أن نفسه بيان إذ لم يشتمل على تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج. وأيضا مشاهدة فعل الصلاة والحج أدل على معرفة تفاصيلهما من الأخبار فإن الخبر ليس كالمعاينة.
وفيه نظر فإن الفعل لا يحصل به معرفة الفرض من غيره فكان القول أدل على ما يحصل به الامتثال والخروج عن عهدة التكليف.
وقال المانعون يطول زمان الفعل فيلزم تأخر البيان وهو غير جائز.
وأجاب بأن طول الزمان لا يمنع البيان لأن البيان بالقول أيضا قد يطول وأنه لا يمنع ولو سلم أن زمان القول لا يطول لكن لا نسلم تأخر البيان لأن بالشروع في الفعل عقيب الإجمال لا يوجد التأخر ولو سلم تأخره لكنه لتحصيل ما هو أقوى البيانين وهو الفعل وذلك حسن.
وفيه النظر المتقدم ولو سلم أنه ليس بأقواهما لكن لا نسلم امتناع تأخر البيان مطلقا بل تأخره عن وقت الحاجة ولم يوجد هاهنا.
ص - مسألة: إذ ورد بعد المجمل قول وفعل فإن اتفقا وعرف المتقدم فهو البيان والثاني تأكيد. فإن جهل فأحدهما. وقيل يتعين غير الأرجح بالتقديم لأن المرجوح لا يكون تأكيدا.
وأجيب بأن المستقل لا يلزم فيه ذلك.
فإن لم يتفقا كما لو طاف بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار القول وفعله ندب أو واجب. متقدما أو متأخرا لأن الجمع أولى.
أبو الحسين: المتقدم بيان. ويلزمه نسخ الفعل متقدما مع إمكان الجمع.
стр. 966
ش - إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كل منهما صالح لبيان ذلك المجمل فإن اتفقا في البيان وعلم المتقدم منهما كان المتقدم بيانا والثاني تأكيدا له.
وإن لم يعلم فالمختار عند المصنف أن البيان أحدهما لا بعينه والآخر تأكيد له.
وقيل إن كانا متساويين فأحدهما لا بعينه والآخر تأكيد.
وإن لم يتساويا فالمرجوح يقدم بيانا والراجح تأكيد لأن المرجوح إن تأخر يعني فإن البيان قد حصل بغيره والمرجوح لا يقع تأكيدا للراجح.
وأجاب بأنا لا نسلم أن المرجوح مطلقا لا يكون تأكيدا بل المرجوح المستقل يجوز أن يكون تأكيدا.
ولقائل أن يقول كل من الطرفين لا يخلو عن مطالبة بيان وفرق بين المستقل وغيره.
وإن لم يتفقا في البيان كما روي أنه ﷺ بعد آية الحج أمر في القران بطواف واحد وروي أنه طاف طوافين
стр. 967
قارنا , فقد اختلف فيه.
والمختار عند المصنف أن البيان هو القول تقدم أو تأخر ويحمل فعله ﵇ على أنه ندب أو مختص به فإن جعل القول بيانا جمع بين الدليلين وجعل الفعل بيانا يبطل القول والجمع أولى.
وفيه نظر لأن في جعل الفعل بيانا خروجا عن عهدة التكليف بيقين لجواز أن يكون هو البيان في الواقع وجعل القول بيانا ليس كذلك فالأول أولى.
وذهب أبو الحسين إلى أن ما تقدم منهما بيان فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا وإن تقدم القول كان نفلا.
قال: ويلزم مذهب أبي الحسين نسخ الفعل إذا كان متقدما لوجوب الطوافين ورفع أحدهما بالقول المتأخر مع إمكان الجمع بينهما كما ذكرنا والجمع أولى من النسخ.
ولقائل أن يقول النسخ غير متعين لجواز أن يكون من باب العمل بالراجح وترك المرجوح وذلك لأن إمكان الجمع مرجوح بالنسبة إلى الخروج عن عهدة التكليف
стр. 968
بيقين لأنه أحوط فيؤخذ بالفعل ويترك القول احتياطا.
ص - مسألة: المختار أن البيان أقوى. والكرخي يلزم المساواة. أبو الحسين بجواز الأدنى.
لنا: لو كان مرجوحا ألغي الأقوى في العام إذا خصص , والمطلق إذا قيد. وفي التساوي التحكم.
ش - اختلفوا في وجوب أن يكون البيان أقوى في الدلالة وعدمه.
واختار المصنف الأول.
والتزم الكرخي المساواة بينهما فيها.
وجوز أبو الحسين أن يكون البيان أدنى في الدلالة من المبين.
واحتج المصنف على المذهب المختار بأنه لو كان البيان مرجوحا في الدلالة بالنسبة إلى المبين لزم إلغاء الأقوى بالأضعف في العام إذا خصص , وفي المطلق إذا قيد , لأن العام والمطلق إذا ورد عليهما تخصيص وتقييد وكان العام أقوى دلالة من الخاص , والمطلق من المقيد وجعلا بيانين للعام والمطلق الأقويين لزم ذلك ألبته لكن إلغاء الأقوى بالأضعف باطل هذا ما يتعلق بمذهب أبي الحسين.
وفيه نظر لأن ذلك فرض لا صحة له بالإجماع المركب أما عندنا فلأن العام كالخاص في إفادة القطع وأما عند غيرنا فإن الخاص أولى لكونه نصا والعام ظاهر فكانت الملازمة باطلة.
وقوله: " في التساوي التحكم " يتعلق بمذهب الكرخي ومعناه لو كان البيان
стр. 969
مساوياً للمبين في الدلالة لزم التحكم لأن تقدم أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح.
وفيه نظر لأنه إذا ثبت عنده أن العام كالخاص في الدلالة ووجدا جميعا بالنسبة إلى حكم واحد فإنه يجعل الخاص بيان تغيير للعام ولا محظور في ذلك.
ص - مسألة: تأخر البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق. وإلى وقت الحاجة يجوز. والصيرفي والحنابلة ممتنع. والكرخي: ممتنع في غير المجمل. " وأبو الحسين مثله في الأجمالي لا التفصيلي " , مثل هذا العموم مخصوص والمطلق مقيد والحكم سينسخ. والجبائي ممتنع في غير النسخ.
لنا: (فأن لله خمسه ...) إلى القربى , ثم بين أن السلب للقاتل إما عموما وإما برأي الإمام وأن ذوي القربى بنو هاشم دون بني أمية وبني نوفل. ولم ينقل اقتران إجمالي مع أن الأصل عدمه. وأيضا: (أقيمو الصلاة) ثم بين جبريل والرسول. وكذلك الزكاة. وكذلك السرقة. ثم بين أن على تدريج.
وأيضا فإن جبريل قال: (اقرأ) قال ما " أقرأ " وكرر ثلاثا.
ثم قال: (اقرأ باسم ربك).
واعترض بأنه متروك الظاهر لأن الفور يمنع تأخيره والتراخي يفيد جوازه في الزمن الثاني فيمتنع تأخيره.
وأجيب بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء وذلك كثير.
ش - تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق.
стр. 970
وأما تأخير البيان من وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة فقد اختلف فيه.
واختار المصنف الجواز مطلقا ومنعه الصيرفي والحنابلة مطلقا وفصل الكرخي بين المجمل وغيره فمنعه في غير المجمل وهو ما له ظاهر غيره مراد كالعام والمطلق والمنسوخ وجوزه في المجمل وهو ما ليس له ظاهر.
стр. 971
وقال أبو الحسين يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة في المجمل وأما في غيره فيمتنع تأخير البيان الإجمالي على الفور في غير المجمل مثل أن يقول وقت الخطاب هذا العموم مخصوص وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم منسوخ.
وذهب الجبائي إلى امتناعه في غير النسخ , وإلى جوازه فيه.
واحتج المصنف على مختاره بأمور:
الأول: قوله - تعالى -: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) أثبت خمس الغنيمة للمذكورين مطلقا وأثبت لذوي القربى عموما نصيبا وكل واحد منهما مما له ظاهر أريد خلافه من غير ذكر بيان إجمالي أو تفصيلي أما الغنيمة فإن ظاهرها الإطلاق ولكن أريد خلافه لأنه بين ذلك أن السلب
стр. 972
للقاتل إما بالعموم المستفاد من قوله ﵇: " من قتل قتيلا فله سلبه " وإما برأي الإمام كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀ , وأما ذوي القربى فكذلك ظاهره الإطلاق ثم بين بعد ذلك أن ذوي القربى بنو هاشم دون بني أمية
стр. 973
وبني نوفل فدل على جواز تأخير البيان مطلقا.
قوله: ولم ينقل - جواب عما يقال لم لا يجوز أن يكون البيان الإجمالي مقرونا به وما تأخر يكون البيان التفصيلي. وتقريره أنه لم ينقل اقترانه والأصل عدمه.
الثاني: قوله - تعالى -: (وأقيموا الصلوة) كانت في ابتداء نزولها ظاهرة في مطلق الدعاء مع أن المراد بها ذات الأركان ولم يقترن بها بيان أنه أراد ذات الأركان لا إجمالا ولا تفصيلا ثم بين جبريل ﵇ للرسول ﷺ وبين الرسول لأمته وكذلك الزكاة فإنها في ابتداء النزول كانت ظاهرة في النماء مع أن المراد بها القدر المخرج من نصاب كامل حولي ولم يقترن به البيان الإجمالي والتفصيلي ثم بين بعد ذلك أن المراد بها المقدار المخرج من النصاب وكذلك السرقة فإن قوله - تعالى -: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ظاهر في وجوب قطع السارق مطلقا ولم يقترن به بيان أن المراد به المقيد ثم بين بعد ذلك الرسول ﵇ الذي يجب به القطع.
стр. 974
الثالث: أن جبريل ﵇ في ابتداء الوحي نزل إلى الرسول ﵇ وقال: (اقرأ) قال رسول الله ﷺ : " ما أقرأ " وكرر جبريل ﵇ ثم قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ودلالته على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لا يخفي فإنه لو لم يجز لما أخره عن المرة الأولى.
وفيه نظر لأنه إنما يتم أن لو كان ما للاستفهام لم لا يجوز أن تكون نافية ويكون معنى قول جبريل أوجد القراءة وهو لا يحتاج إلى بيان ولأنه يجوز أن يكون الأول والثاني قول جبريل خاطبه به تمرينا لسمعه والثالث يكون المرسل هو به ولا تأخير فيه ولأنه لو كان بيانا لدل على جواز تأخيره عن وقت الحاجة فإنه ﵇ كان محتاجا إلى معرفة ما أمر به من القراءة.
واعترض بأن الأوامر المذكورة متروكة الظاهر فلا يصح التمسك بها اتفاقا وذلك لعدم إمكان إجرائها على ظواهرها لأن إجراءها عليها يجوز تأخير بيانها وهو ممتنع لأن الأمر إما للفور أو للتراخي والأول يمتنع فيه تأخير البيان عم وقت الخطاب لأنه وقت الحاجة. والثاني يفيد جوازه في الوقت الثاني فيمتنع تأخيره عن ذلك الوقت ومعناه أن أمر التراخي يفيد جواز تأخيره إلى الوقت الثاني لا وجوب تأخيره فيجوز الفعل في أول وقت الخطاب وذلك وقت الحاجة إذ ذاك فلا يجوز تأخيره عنه.
وأجاب بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء فلا يفيد الفور والتراخي. قال: وذلك كثير أي الأمر الذي لم يجب به شيء كثير في العرف كقول الرجل لعبده: افعل مطلقا فإنه لا يجب بمجرد هذا القول على العبد قبل البيان شيء.
стр. 975
وفيه نظر لأن قوله والأمر لا يجب به قبل البيان شيء إما أن يريد به مطلق الأمر أو الأمر الذي ذكر في الصور المذكورة فإن كان الأول ناقضة قوله: وذلك كثير.
فتأمل.
وما ذكر أن الأمر المطلق يفيد الفور أو التراخي على الاختلاف المعروف وإن كان الثاني فهو تحكم.
ص - واستدل بقوله تعالى: (أن تذبحوا بقرة) وكانت معينة بدليل تعينها بسؤالهم مؤخرا. وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد. وبدليل المطابقة لما ذبح.
وأجيب بمنع التعيين فلم يتأخر بيان بدليل بقرة وهو ظاهر وبدليل قول ابن عباس لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم. وبدليل: (وما كادوا يفعلون).
واستدل بقوله: (إنكم وما تعبدون) فقال ابن الزبعري: - فقد عبدت الملائكة والمسيح. فنزل: (إن الذين سبقت لهم).
وأجيب بأن ما لما لا يعقل ونزول (إن الذين سبقت) زيادة بيان لجهل المعترض مع كونه خبرا.
واستدل بأنه لو كان ممتنعا لكان لذاته أو لغيره بضرورة أو نظر وهما منتفيان.
وعورض لو كان جائزا إلى آخره.
المانع: بيان الظاهر لو جاز لكان إلى مدة معينة وهو تحكم ولم يقل به. أو إلى الأبد فيلزم المحذور.
وأجيب إلى معينه عند الله وهو وقت التكليف. قالوا: لو جاز لكان مفهما لأنه مخاطب فيستلزمه وظاهره جهالة والباطن متعذر.
وأجيب بجريه في النسخ لظهوره في الدوام. وبأنه يفهم الظاهر مع تجويزه التخصيص عند الحاجة فلا جهالة ولا إحالة.
عبد الجبار تأخير بيان المجمل يخل بفعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها بخلاف النسخ.
стр. 976
وأجيب بأن وقتها وقت بيانها. قالوا: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم بين مراده.
وأجيب بأنه يفيد أنه مخاطب بأحد مدلولاته فيطيع ويعصي بالعزم بخلاف الآخر.
" وقال " تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل شخص بخلاف النسخ.
وأجيب بأن ذلك على البدل وفي النسخ يوجب الشك في الجميع فكان أجدر.
ش - أي استدل بعض على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بثلاثة أوجه:
الأول: قوله - تعالى -: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) والبقرة غير متعينة بحسب الظاهر لكونها نكرة , والمراد بها بقرة معينة ولم يقترن بها بيان مطلقا.
والدليل على كونها متعينة أوجه منها: أن الله - تعالى - عينها بعد سؤالهم عن البقرة التي أمروا بذبحها المتأخر عن وقت الخطاب بذبحها ولو لم تكن متعينة لم يكن للسؤال والجواب اللذين اشتملا على الضمائر التي لا تستعمل إلا للمعين كما قال: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة ... قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء ...) إلى غير ذلك معنى.
ومنها أنه لو لم تكن معينة لكان المأمور بها في الآية الثانية متجددة لأنها فيها معينة وفي الأولى غير معينة والمعينة غير غير المعينة لكن الثاني باطل بالاتفاق
ومنها أن المأمور بها لو كانت غير معينة لما طابقت المأمور بها لما ذبح لأن المذبوحة معينة لكنها كانت مطابقة بدلالة حصول المقصود.
стр. 977
وفيه نظر لجواز النسخ والمقصود حصل بالناسخ.
وأجاب المصنف بمنع التعيين بأوجه:
أحدهما: أن البقرة المأمور بها غير معينة لقوله - تعالى -: (أن تذبحوا بقرة) فإنها نكرة وهي غير معينة لا محالة.
وثانيها: قول ابن عباس: " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ولكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم " ولو كانت معينة لم تجز أي بقرة ذبحوا لجواز أن لا يحصل المأمور به.
وثالتها: أنها لو كانت معينة لما عنفهم الله على طلب البيان لأنه يوجب استحقاق المدح والتالي باطل لقوله: (وما كادوا يفعلون).
الثاني: قوله - تعالى -: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) , فإنه عام وعمومه غير مراد وقد أخر بيانه الذي هو المخصص وأنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري: لأخصمن محمدا. فلما جاء إلى رسول الله ﷺ قال: أليس عبدت الملائكة والمسيح. فتوقف الرسول - عليه
стр. 978
السلام - في الجواب. ثم نزل قوله - تعالى -: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) فخصصت به الآية الأولى.
وأجاب بأن الآية الأولى غير متناولة للملائكة والمسيح لأن ما لما لا يعقل فلا تحتاج إلى بيان.
وقوله - تعالى -: - (إن الذين سبقت) نزلت لدفع تعنتهم.
وروي أن رسول الله ﷺ قال لابن الزبعري: " ما أجهلك بلغة قومك. ما لما لا يعقل ".
وفيه نظر لأنه يستلزم خروج فرعون ونمرود لأنهم عقلاء ولا يقال لما لم " يعلموا " بمقتضى العقل جعلا من غير العقلاء لأن ذلك خطابة , والمقام مقام استدلال والاعتماد على ما نقل من ابن الزبعري من الآحاد كما أشار إليه بقوله: مع كونه خبرا فلا يعول عليه في المسألة العلمية.
الثالث: إن تأخير البيان لو امتنع كان امتناعه لذاته أو لغيره وعلى كل حال إما أن يعلم ذلك بضرورة أو بنظر والكل منتف.
стр. 979
أجاب عنه بالمعارضة بأنه لو جاز فجوازه إما أن يعلم الضرورة أو بالنظر وكل ذلك منتف.
وفيه نظر لأن الترديد إن كان في الجواز فليس بصحيح لأنه لا يكون إلا لذاته وإن كان في النظر والضرورة فقوله وهما منتفيان يصيره لأنه لا يكون الجواز ثابتا فينتفي المدعى من الأصل.
واحتج مانع تأخير البيان عن وقت الخطاب فيما له ظاهر أريد خلافه بوجهين:
الأول: أنه لو جاز لكان إما إلى مدة معينة أو إلى الأبد والأول تحكم لأن الغرض من الخطاب الإفهام ونسبته إلى جميع الأزمان سواء فتعيين زمان تحكم ولم يقل به أحد.
والثاني: باطل لأنه يستلزم جواز تأخيره أبدا أن لا يتمكن المكلف من معرفته فكان تكليف ما ليس في الوسع.
وأجاب باختيار أنه جائز إلى مدة معينة عند الله وهو وقت التكليف ولا يلزم التحكم لأن نسبة البيان والإفهام إلى وقت التكليف أولى.
وفي كلامه تسامح لأن التكليف بالخطاب , والكلام في جواز التأخير عن وقت الخطاب , وكان الواجب أن يقول وقت الحاجة.
الثاني: أنه لو جاز لكان الشارع مفهما بخطابه لأن الخطاب يستلزم الإفهام تحاشيا عن وصمه اللاغية وليس كذلك لأنه إن كان مفهما للظاهر كان تجهيلا للمكلف لأنه غير مراد وإن كان مفهما لغير الظاهر فلا طريق إلى إفهامه لأنه لم يبين بعد وإفهام ما لا طريق إلي متعذر.
وأجاب بالنقض الإجمالي والتفصيلي.
стр. 980
أما الإجمالي فلأن هذا الدليل يجري في النسخ لأن المنسوخ ظاهر في الدوام ولم يكن النسخ مذكورا معه وجواز تأخيره عن وقت الخطاب ثابت بالاتفاق.
وأما التفصيلي فلأنا لا نسلم أنه إذا أريد إفهام الظاهر يلزم تجهيل المكلف وإنما لزم إذا أريد الظاهر على سبيل القطع وليس كذلك بل مع تجويز التخصيص عند الحاجة وحينئذ لا يلزم التجهيل لعدم القطع ولا الإحالة من جهة التعذر لأنه أريد إفهام الظاهر.
ولقائل أن يقول تجويز التخصيص ليس من ظاهره فدخل في الإحالة من جهة التعذر.
واحتج عبد الجبار على امتناع تأخير بيان المجمل دون النسخ بأن تأخيره يخل بفعل العبادة في وقتها لأن صفتها مجهولة بدون البيان والإتيان بها مع الجهل بصفتها غير ممكن بخلاف تأخير الناسخ فإنه لا يخل بذلك لأن صفتها مبينة.
وأجاب بأن وقت العبادة هو وقت بيانها لا وقت الأمر بها , وصفة العبادة معلومة وقت البيان فلا يلزم الإخلال.
واعلم أن مذهب عبد الجبار ليس بمذكور في تحرير المذاهب وإنما المذكور ثمة مذهب الجبائي لكن لما كان مذهبه موافقا لمذهبه ذكره تنبيها.
وقال المانعون جواز تأخير بيان المجمل: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم يبين المخاطب مراده من المهم لأن المجمل لا يفهم منه شيء كالمهمل فجواز الخطاب به يوجب جواز الخطاب بالمهمل والثاني باطل بالاتفاق.
وفيه نظر لأن ما له مراد تبين لا يكون مهملا ولو ترك ذلك بطل قياسه فتأمل.
وأجاب بالفرق بأن المجمل يفيد لأنه يخاطب بأحد مدلولاته وإن لم يفد المراد
стр. 981
بعينه فحينئذ يطيع المكلف بالعزم ويعصي على الترك بخلاف المهمل فإنه لا يفيد شيئا أصلا.
وفرق أيضا عبد الجبار بين امتناع تأخير بيان التخصيص وجواز تأخير بيان النسخ أن تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل شخص من الأشخاص المندرجة تحت العام أنه مراد منه أو لا بخلاف تأخير بيان النسخ فإن العمل بالمنسوخ قبل ورود البيان لا يشك فيه.
وأجاب بأن جواز تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل واحد منهم على سبيل البدل لا على الجمع لأن التخصيص إخراج البعض , وجواز تأخير البيان في النسخ يوجب الشك في جميع الأشخاص فكان جواز تأخير بيان التخصيص أجدر.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن جواز تأخير النسخ يوجب ذلك إذ لا يلزم أن كل نسخ يكون بالنسبة إلى الكل بل قد يكون بعضا على البدل فكان الاحتجاج والجواب فاسدا.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود. لنا: أنه أقرب من تأخير العدم.
وأيضا فإن فاطمة سمعت: (يوصيكم) ولم تسمع: " نحن معاشر الأنبياء " وسمعوا: (اقتلوا المشركين) ولم يسمع الأكثر " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد حين
ش - المانعون من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز تأخير اسماع المخصص الموجود. والمختار جوازه لوجهين:
стр. 982
أحدهما: أن المخصص الموجود وقت الخطاب أقرب من مخصص لم يوجد فيه لإمكان سماعه قبل سماع العام بأن يسمع الشارع غير ذلك المكلف قبل اسماعه فيعرف منه أو بعد سماع العام بالاستكشاف بخلاف مخصص لم يوجد وإذا كان أقرب جاز تأخيره لأن جواز الأبعد يقتضي جواز الأقرب.
الثاني: أنه واقع والوقوع دليل الجواز وذلك لأن فاطمة ﵂ سمعت: (يوصيكم الله في أولدكم) ولم تسمع " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وهو مخصص للآية.
وسمعت الصحابة ﵃ قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) ولم يسمع أكثرهم الحديث المخصص للمجوس وهو قوله ﵇: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد زمان.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخيره ﷺ تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة , للقطع بأنه لا يلزم منه محال. ولعل فيه مصلحة
قالوا: (بلغ ما أنزل إليك).
стр. 983
أجيب بعد كونه للوجوب والفور أنه للقرآن.
ش - وكذلك المانعون من ذلك اختلفوا في جواز تأخير الرسول ﷺ تبليغ الحكم الذي أوحي إليه وقت الحاجة.
والمختار جوازه واحتج عليه بأنا نقطع أن فرض ذلك لا يستلزم محالا لأنه ليس بمستحيل لذاته ولا لغيره لأن الأصل عدمه وكل ما كان كذلك فهو جائز.
وأيضا يجوز أن يكون في التأخير مصلحة لا نعلمها ويؤخر الرسول ﷺ لذلك.
واحتج المانعون بقوله تعالى: (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) وهو يقتضي وجوب التبليغ على الفور.
وأجاب بأنا لا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب والفور. ولئن سلم ذلك فلا نسلم أن المراد به الأحكام بل القرآن.
وفيه نظر لأن في تبليغ القرآن تبليغ الأحكام إلا إذا خص بما ليس فيه حكم ولا دليل عليه.
واعلم أن الشارحين قالوا في هذه المسألة والتي قبلها إن المراد بقوله والمختار هو مختار المصنف. وفيه نظر لأنه لم يكن من مانعي جواز التأخير والمسألتان من فروع ذلك.
ص - مسألة: المختار على التجويز جواز بعض دون بعض.
لنا: أن المشركين بين فيه الذمي , ثم العبد , ثم المرأة بتدريج.
стр. 984
وآية الميراث " بين ﷺ والقاتل والكافر " بتدرج.
قالوا: يوهم الوجوب في الباقي وهو تجهيل.
قلنا: إذا جاز إبهام الجميع فبعضه أولى.
ش - القائلون بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير بعض البيانات عنه دون بعض آخر ومختار المصنف الجواز ودليله الوقوع فإن قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) عام فبين النبي ﷺ إخراج الذمي ثم العبد
стр. 985
ثم المرأة على التدريج.
وإن آية الميراث وهو قوله - تعالى -: (يوصيكم الله) عامة ثم بين ﷺ إخراج نفسه بقوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " الحديث ثم إخراج القاتل ثم الكافر بتدريج.
وقال المانعون جواز ذلك يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي وهو تجهيل للمكلف. وأجاب بأن العام بدون ذكر المخصص يوهم وجوب استعمال اللفظ في الجميع وهو جائز وإذا جاز إبهام الجميع فإبهام البعض أولى.
وفيه نظر لأن صورة النزاع تشتمل على إبهام التجهيل بعد زوال إيهام التجهيل المشترك بينهما وبين الصورة التي استدل بها وبه تبطل الدلالة فتأمل.
ص - مسألة: يمنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا.
والأكثر: يكفي بحث يغلب انتفاؤه.
القاضي: لا بد من القطع من انتفائه وكذلك كل دليل مع معارضه.
لنا: لو اشترط لبطل العمل بالأكثر.
قالوا: ما كثر البحث فيه , تفيد العادة القطع وإلا فبحث المجتهد يفيده لأنه لو أريد لا طلع عليه.
ومنعا. وأسند بأنه قد يجد ما يرجع به.
следующие страницы →