← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17882

الاصطلام - ط المنار

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (658 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لنا: إن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. ومعناه: فلم تجدوا ماءً فيتمموا للقيام إلى الصلاة، فقد جعل عدم الماء شرط التيمم للقيام إلى الصلاة، وقد فعل التيمم مع وجود شرطه المشروط له، وهو عدم الماء، وإذا تم المأمور به بشرطه فلا يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كسائر الأفعال إذا تمت بشروطها لم يعتبر بعد ذلك قيام الشرط كذلك هاهنا. فإن قالوا: فلم يجب التوضئ لصلاة أخرى؟ قلنا: لأن الله تعالى جعل القيام إلى الصلاة بالتيمم مشروطاً بعدم الماء وقد قام إلى الصلاة الثانية بالتيمم، والشرط مفقود فلم يجز. فأما الصلاة الأولى فقد قام إليها بالتيمم مع وجود شرطه والمأمور به إذا استوفى شرطه لم يعتبر بعد ذلك بقاء الشرط، وهذه طريقة في غاية المتانة، وسنذكر ما يتكلمون عليه في حجتهم. وقد اعتمد في الفقه عامة الأصحاب طريقة أخرى، وهي أنه غير قادر على استعمال الماء لحرمة الصلاة، فإن الصلاة مانعة من كل ما ينافيها وهي منافية لفعل الوضوء. ألا ترى أنه لو فعلها تبطل صلاته فتصير حرمة الصلاة مانعة منها وإذا كانت القدرة معدومة حكماً على هذا الوجه وجب المضي في صلاته كما لو وجد الماء وبينه وبين الماء حائل من سبع أو غيره. والطريق الأولى أحسن واصبر على المحك وسيظهر من بعد.

стр. 107

وأما حجتهم: قالوا: وجد الماء المقدور على استعماله فينتقض تيممه كما قبل الشروع في الصلاة. أما الوجود فظاهر، وأما دليل القدرة هو أنه قادر على استعماله حساً وحقيقة فلو انعدم انعدم حكماً، ولابد من دليل على العدم حكماً، لأن نهاية ما في الباب أن ينسب هذا المعنى إلى حرمة الصلاة فيقال: إن استعمال الماء يؤدي إلى هتك حرمة الصلاة فينتصب الصلاة مانعة منه، وحرمة الصلاة غير مانعة من الاستعمال لأنه يستعمل الماء ليقيم حرمة الطهارة، فلا يؤدي إلى الهتك وهذا (لأن الصلاة ما شرعت إلا بالطهارة. والأصل هو الطهارة بالماء وهو يحصل حقيقة به، وإنما نقل إلى التيمم بعذر فيكون إفساد الصلاة في هذه الصورة لأدائها بالماء أداء الصلاة بالطهارة الحقيقة على سبيل الكمال فيكون تحته إقامة لحرمة الصلاة على الحقيقة لا إفساداً). (ألا ترى أنه إذا وجد الثوب وهو يصلي عارياً، والثوب بعيد منه تبطل صلاته ويستأنف بالثوب، لأن فيه أداء الصلاة بستر على الكما، ولا يجعل القدرة على لبس الثوب بمنزلة العدم لحرمة الصلاة، وكذلك لو خاف فوات وقت الصلاة لو توضأ لا يجوز له التيمم وإن انتقض بالقضاء، لأن فيه قضاء بوضوء والتفاوت الذي بين الأداء والقضاء فوق التفاوت الذي بين المضي في الصلاة والإفساد ثم الأداء في الوقت فلما لم يجعل ذلك التفاوت عذراً فهذا أولى، وكذلك من شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة يقطع الفرض ليؤديه بالجماعة وأصل الجماعة سنة والطهارة

стр. 108

بالماء في مسألتنا فريضة، فثبت أن وجود الماء قد حصل ولم يصر عادماً له حكماً من الوجه الذي قلتم فخرج التيمم من أن يكون طهارة لفوات شرطه فيبطل صلاته كما لو أحدث). قالوا: وليس كما لو كان تيمم في صلاة الجنازة في فرأى الماء وهو يخاف فوتها لو اشتغل بالوضوء حيث يمضي فيها. لأن عندنا صلاة الجنازة لا تقضى فلو أفسدناها فاتته الصلاة أصلاً، والماء يجب استعماله لا لعينه بل للصلاة، فإذا كان لا يفيد في حق الصلاة لفواتها أصلاً صار عادماً للماء في حق تلك الصلاة وإن وجد حساً بخلاف مسألتنا. قالوا: وأما إذا كان يصلي بالتيمم فوجد سؤر الحمار، فإنه يمضي في صلاته ثم يتوضأ بسؤر الحمار ويعيد الصلاة، ويصير في المعنى كأنه جمع بين التيمم وسؤر الحمار في الابتداء، وإنما عمل كذلك لأن سؤر الحمار طهور بالشك، وقد شرع في صلاة بطهارة فلا يخرج بالشك كما في الابتداء لا يدخل بشك بل يجمع ليزول الشك، كذلك هاهنا لا يجبر بالشك بل يمضي ثم يتوضأ ويعيد الصلاة ليزول الشك هاهنا. قالوا: وليس كما لو وجد الماء بزيادة على ثمن المثل حيث يجعل الوجود كالعدم (لأن قدر الزيادة يذهب بلا عوض، ولذا اعتبرت المحاباة بالهبات في باب التصرفات وللمال حرمة وإن قل فكان له ألا يبذله جزافاً بلا عوض، فإذا لم يصل إلى الماء إلا ببذله يصير عادماً للماء حكماً.

стр. 109

ألا ترى أنه إذا كان عرياناً ووجد الثوب بزيادة ثمن على ثمن المثل يصلي عرياناً وبمثله في مسألتنا لو كان يصلي عرياناً ووجد الثوب ولا يمكنه لبسه إلا بقطع الصلاة قطع الصلاة). وحرفهم في هذه الطريقة أن أداء الصلاة لا يصح إلا بشرط الطهارة وقد فاتت الطهارة فلم يجز المضي فيه، لأنه بالمضي يؤدي الصلاة بلا طهارة فلا يجوز. قالوا: فإن قلتم إذا رأى الماء في تضاعيف الصلاة فلم لا يبنى مثل ما إذا سبقه الحدث يبنى على صلاته؟ قال: لأن رؤية الماء ليست بحدث لعينه، ولكنه إذا رآه خرج الصعيد من أن يكون طهوراً فتبطل الطهارة بالصعيد مستنداً على أول الاستعمال حتى يكون جنباً إن كان تيمم من جنابة ومحدثاً إن كان تيمم من حدث وإذا استند إلى أول الصلاة امتنع البناء إلا أن الفساد يظهر في حق الصلاة القائمة دون الصلاة التي فرغ منها وسلمها إلى الله تعالى. وأما إذا سبقه الحدث فإنه تنقطع الطهارة في الحال ولا يستند فلا يصير ما مضى من الأداء أداء بحدث بحال فأمكنه البناء على جزء مضى على الصحة بدليل شرعي يقوم عليه). قالوا: ونظير رؤية الماء في خلال الصلاة انقضاء مدة المسح في خلال الصلاة فإنه تبطل الصلاة فلا يجوز له المضي، ويجب عليه الاستئناف، كذلك هاهنا.

стр. 110

(قالوا: وأما قولكم في الابتداء أن البدل شرع لصحة الشروع في الصلاة وقد صح بشرطه فلا يعتبر دوام الشرط من بعد. قال: التيمم ما شرع للشروع فحسب بل شرع للشروع والأداء جميعاً، ولو قيل الأداء فحسب فهو صحيح إلا أنه شرط للشروع، لأن الافتتاح لا يوجد إلا متصلاً بالأداء فشرط له شروط الأداء، وإذا كان البدل مشروعاً للأداء، ولم يتم الأداء بعد اعتبر قيام الشرط ليبقى البدل مشروعاً فإذا سقط وجود الأصل لم يصح الأداء بعده). وحرف الاعتراض أن الأداء لا يصح إلا ببدل مشروط بقيام عدم الماء فإذا وجد الماء فات وبطل الأداء. (قال: وليس كما لو وجد هدى التمتع بعد صوم الثلاثة قبل السبعة حيث لا يعود إليه، لأن الهدى ليس بنسك مقصود بل هو مشروع للتحلل وبصوم الثلاث قد حصل التحلل فسقط الرجوع على الهدى، لأنه لما تحلل وقد كان وجب التحلل عليه فسقط وجوبه كما لا تجب الطهارة إلا للصلاة، وهاهنا الطهارة مشروعة للحاجة إلى أداء الصلاة والحاجة باقية على ما مر). الجواب: أما الطريقة الأولى فهي أمتن الطريقتين ووجه تمشيها ودفع اعتراضهم عليها أن الصلاة مشروطة بالطهارة، والطهارة بالتراب مشروطة بعدم الماء وقد أتى بالتيمم مقارناً بشرطه المشروط فيه فلا يعتبر بعد ذلك قيام العدم، لأن الشرائط متى عملت عملها لم يعتبر وجودها من بعد.

стр. 111

وعلى هذا نقول: إذا وجد الماء قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه لا لأنا جعلنا قيام العدم شرطاً لازماً لبقاء التيمم بل إنما أبطلنا تيممه وأمرناه بالوضوء بدليل مستخرج من نص الكتاب وهو أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وقد بينا أن المعنى: فتيمموا للقيام إلى الصلاة، والمراد من القيام هو الشروع فقد جعل عدم الماء شرطاً للشروع في الصلاة بالتيمم فإذا كان الماء موجوداً فقد الشرط المشروع، وهذا لا يوجد في أثناء الصلاة فرجعنا إلى الأصل الممهد في الشرع وهو أن الشيء إذا تم بشرطه لا يعتبر قيام الشرط من بعد. فأما قولهم: ((إن هذا الشرط للشروع والأداء جميعاً)). قلنا: ظاهر النص لا يترك وقد جعله الله تعالى شرط الشروع ثم نقول: إن أداء الصلاة مشروطة بالطهارة وهو عند المضي في مسألتنا مؤدى للصلاة بطهارة وهو طهارة التيمم غير أن هذه الطهارة لها شرط وقد فعلها بشرطها، وقيام الدليل عند الشروع اعتبرناه بالدليل المستخرج من النص على ما سبق فلم يعتبر فيما وراء الشرع وصح الأداء لأنه أداء بطهارة وقد تمت بشرطها هذا هو نهاية هذه الطريقة. وقد خرج على هذه الطريقة فصل العاري، لأن الستر شرط الصلاة ولا ستر مع القدرة، وهاهنا الطهارة شرط، والطهارة موجودة إلا أنها بالتراب، وكذلك إذا أحدث في خلال الصلاة فقد فاتت الطهارة، وكذلك إذا مضت مدة المسح فقد ظهر الحدث القائم في الرجل. فإن قالوا: وهاهنا إذا رأى الماء فقد ظهر الحدث السابق الذي تيمم له.

стр. 112

قلنا: لا يظهر، لأنه لو ظهر يظهر باعتبار شرط قيام عدم الماء بجواز التيمم وقد بينا أنه غير معتبر. وأما المسح فرخصة موقوتة بالنص فإنه ما ورد إلا كذلك. فإن قالوا: وهذا أيضاً موقوت بوجود الماء. قلنا: لا، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ أطلق إطلاقاً فهو طهارة صحيحة مطلقة عند وجود شرطها وبطلانه عند رؤية الماء لصلاة أخرى بدليل آخر على ما سبق ولابد من تمشية هذه الطريقة من فضل قوة في الجدال والله الموفق بمنه. أما الطريقة الثانية: فغاية ما يمكن الجواب عن اعتراضهم أن ندعي أن الطهارة بالتيمم والوضوء واحد والصلاة بهما على صفة الكمال ولا تفاوت بين الصلاة بالوضوء والصلاة بالتيمم بوجه ما إلا أن الماء طهور في حال والتراب طهور في حال، وإذا كان الأمر هكذا فيصير إفساد هذه الصلاة للوصول إلى صلاة أخرى لا زيادة ولا تفاوت فتصير حرمة الصلاة مانعة منه، وعلى هذا ينبغي أن ندعي التيمم يرفع الحدث في حق الصلاة المؤداة مثل الوضوء سواء. وأما فصل العاري إذا وجد الثوب وبينهما مسافة فقد منع في وجه بعيد وعلى أن اللبس غير مناف للصلاة بدليل أنه لو كان قريباً منه يلبس ويمضي في صلاته فتتحقق القدرة بخلاف مسألتنا، فإن نفس الوضوء مناف للصلاة فتصير الصلاة مانعة منه. وأما الحدث المعترض في خلال الصلاة، فإنما أفسد الصلاة لأنه مبطل للصلاة لعينه، فإذا وجد عينه فلابد من إبطاله الصلاة، وأما رؤية الماء يبطل الصلاة بواسطة القدرة على استعماله ولم يوجد، وكذلك مسألة

стр. 113

انقضاء مدة المسح يخرج على هذا الأصل، فإنه إذا انقضت المدة وطهر الرجل فثم حدث قائم في الرجل فصارت كنفس الحدث وهم يدعون هكذا في مسألتنا. والجواب: لا يمكن إلا بدعوى رفع الحدث بالتيمم على الإطلاق في حق الصلاة بخلاف مسح الخف وهو في نهاية الصعوبة. وقد تمسك المزني أيضاً بفصل العدة وهو إذا قدرت على الأقراء في خلال الشهور، وليس يرد هذا على الطريقة الأولى، وعلى الطريقة الثانية مانع من المصير إلى الأقراء بخلاف مسألتنا على ما سبق بيانه. والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 114

(مسألة) إذا كان عند المسافر من الماء ما يكفي لبعض أعضائه لزمه استعماله ثم يتيمم للباقي على أحد قولي الشافعي . وعندهم: يتيمم، ولا يلزمه استعماله وهو القول الثاني واختيار المزني. لنا: إنه مأمور بتحصيل الطهارة في الأعضاء الأربعة، وقد قدر على تحصيل بعضها فتجب عليه، كما لو كان عليه نجاسة في أعضائه فوجد من الماء ما يغسل به بعض النجاسة لزمه بقدره، وكذلك لو كانت عورته مكشوفة فوجد من الساتر ما يستر به بعض العورة. ومن غير هذا الباب إذا وجد المضطر من الطعام بعض ما يسد به/ رمقه لزمه تناوله ثم يعدل إلى الميتة، وهذا لأن من لزمه فعل شيء فإذا قدر على البعض وعجز عن البعض يلزمه بقدر المقدور عليه وسقط بقدر المعجوز عنه.

стр. 115

والحرف أن عمل العلة لا يتعدى من محل العلة إلى غير محل العلة فكذلك عمل العجز لا يتعدى عن محله إلى غير محله، وهذا ظاهر. وإنما الشأن في إثبات قولنا أنه قدر على تحصيل بعض الطهارة، وإنما قلنا ذلك، لأن الطهارة عن الحدث بغسل الأعضاء الأربعة فكلما غسل عضواً زال الحدث عنه وحكم بطهارته، وهذا لأن الغسل المعقول أمر حسي وله عمل شرعي من زوال الحدث فإذا وجد الفعل الحسي يتبعه الحكم الشرعي ولم يتخلف عنه مثل ما لو كان التابع حسياً أيضاً، فإنه يتبع ولا يتخلف عنه، وذلك في مسألة إزالة النجاسة وستر العورة التي قدمناها فثبت ما ادعيناه من قدرته على تحصيل الطهارة في بعض الأعضاء فإذا ثبت القدرة ثبت الأمر فوجب ألا يعدل إلى التيمم إلا بعد العجز. وأما حجتهم: قالوا: ((عدم الطهور في طهارة الصلاة فوجب أن يعدل إلى التيمم. دليله إذا لم يكن عنده شيء من الماء وإنما قلنا ذلك لأن طهارة الصلاة طهارة حكمية. ومعنى قولنا: ((حكمية)) هو أنها لا تعرف إلا بالحكم وهو تحليل الصلاة، فإذا لم تكن محللة للصلاة لا تكون طهارة وغسل بعض الأعضاء لا تكون محللة للصلاة فلا يكون طهارة، فثبت أنه عدم الطهور لطهارة الصلاة يبينه أن غسل الأعضاء الأربعة علة واحدة لإفادة الصلاة، وبعض العلة لا عمل له بدليل علة الربا)). دليله إذا وجد بعض الرقبة يلزمه فعل الصوم ولا يجب عليه إعتاق هذا البعض والمسألة مشكلة.

стр. 116

قالوا: ولا يلزم مسألة إزالة النجاسة وستر العورة، لأنه أمر حسي فلابد من وجود ما باشره حساً بقدرة من زوال النجاسة وستر العورة لأنه أمر حسي وفي مسألتنا حصول الطهارة حكم فلابد من وجود تمام العلة ليحصل الحكم المبني عليه. قالوا: والدليل على أنه لم يحصل شيء من الطهارة أنه لا يفيد حكماً ما، وكيف يتصور وجوب طهارة حكمية خالية من كل حكم؟ قالوا: ولا يلزم إذا كان عنده سؤر الحمار حيث يلزمه التوضئ به عندنا، لأنه لم يعدم الطهور بيقين لأنه يجوز أنه طهور وفي مسألتنا عدم الطهور بيقين. الجواب: إنه قولهم: ((عدم الطهور)) في طهارة الصلاة ممنوع على الإطلاق بل نقول: وجد الطهور في بعض الطهارة على ما سبق بيانه. وقولهم: ((إن هذه الطهارة حكمية)). قلنا: حكم مبني على فعل محسوس وهو غسل الأعضاء. وقولهم: ((محللة للصلاة)). قلنا: نعم، ولكن عند تمامها وكمالها، فأما قبل التمام والكمال فيوجد بقدر ما حصله ولا يفيد حل الصلاة ألا بعد تمامها وكمالها مثل ما لو شهد شاهد عند الحاكم فهو شهادة لكن لا يفيد حكماً إلا بعد تمامها وكمالها فإن أمكنه أن يتمها بالماء فعل وإلا فعدل إلى التيمم فيها ونزل إتمام الطهارة منزلة أصل الطهارة في الماء والتراب عند وجوده وعدمه.

стр. 117

وأما مسألة الرقبة فقد فرق بعض أصحابنا بصورة النص فإن الله تعالى قال في شأن الكفار: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ يعني رقبة، وبعض الرقبة لا يكون رقة. وأما في مسألتنا فالنص قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ والموجود ماء. قالوا: المراد منه الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة، لأن هذا اللفظ مسنون على ما سبق والمراد من السابق هذا. قلنا: المراد من أول الخطاب الماء الذي يحصل به غسل الأعضاء الأربعة عند القدرة عليها وما يغسل به البعض أيضاً إذا لم يقدر إلا على ذلك لما بينا أن الأمر إذا تناول مجموع أشياء ما يقدر عليه من ذلك يلزمه الإتيان به والعجز عن الباقي لا يسقطه، وأيضاً فإن العتق عن الكفارة محض حكم. لأنه تكفير فلا يحصل شيء منه إلا بظهور حكمه. وأما الوضوء حكم مبني على فعل محسوس فبقدر ما يوجد من الفعل المحسوس يبتنى عليه المحكوم كما نقول في إزالة النجاسة وستر العورة. ولهذا لو أعتق نصفي رقبة لا يجوز، ولو غسل/ هاهنا بعض الأعضاء وأعوز الماء الباقي ثم وجده من بعد بنى على ما فعله مثل قبل ولا يستأنف الوضوء ويمكن أن يقال في الجواب عن أصل الطريقة: أن الطهارة معنى يحتاط فيها شرعاً فإذا قدر منها على بعض ما لو تم يفيد الحكم الشرعي من الطهارة المحلة للصلاة ويلحق بالكل في تناول الأمر إياه في لزوم الفعل ليظهر الاحتياط المشروع فيها فعلاً.

стр. 118

ونظيره القدح الواحد الذي لا يسكر من الخمر ملحق بالعدد منه احتياطاً للتحريم المشروع فيه، لأنه في الشرع مبني على الاحتياط وعلى هذا خرج فصل الرقبة، لأن التكفير لم يبن على الاحتياط في تحصيله ليلحق البعض منه عند القدرة عليه بكله في لزوم فعله هذا غاية الإمكان في الجواب عن فصل الرقبة. ولم نستعن في هذه المسألة بما أورده الأصحاب من المجروح في بعض أعضائه لأن مذهبهم في ذلك أن الواجب هو التيمم إذا كان الجرح بأكثر أعضائه، والواجب هو التطهير بالماء إذا كان الجرح بأقل أعضائه، ولا يثبتون الجمع بين التيمم والوضوء بحال. وأما قولهم: ((إن ما قلتم يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل)). قلنا: لا، لأنا نثبت التيمم في محل الغسل ولا نثبت الغسل في محل التيمم فلا جمع، وإذا لم يحد المحل لم يقع المنع، كما توضأ وسبقه الحدث في خلال الصلاة فلم يجد الماء يتيمم عندهم، وقد جمع بين الأصل والمبدل ولكن لا في محل واحد فلم يمنع منه كذلك هاهنا. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 119

(مسألة) إذا نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم ذكره أعاد عندنا. وعندهم: لا يعيد، إلا أبا يوسف فإنه وافقنا فيما قلناه. لنا: إن التيمم أخطأ محله فلم يصح، وإنما قلنا إنه أخطأ محله، لأن محل التيمم حال عدم الماء بنص الكتاب، وهذا واحد للماء حقيقة وحكماً. أما الحقيقة فلأنه واجد قبل النسيان فإذا نسى لا يصير عادماً، لأن النسيان لا ينافي الوجود، وإنما ينافي الذكر فيكون واجداً ناسياً. يبينه أن رحله في يده والماء في رحله فيكون الماء في يده فكيف يتصور أن يقال هو عادم لشيء في يده وقبضه؟

стр. 120

أما الحكم: فلأنه وجد على الماء علم ظاهر وهو عمله برحله، ورحل المسافر قلماً يخلو عن الماء وإن خلا فهو نادر، وكما لو نزل المسافر بجنب قرية عامرة لا يجوز له التيمم، لأن القرية قلما تخلو عن الماء فلا يجوز أن يجعل عادماً للماء والحالة هذه، كذلك هاهنا. وإذا ثبت ما قلناه من وجود الماء فنقول: التيمم صح في الظاهر، لأنه ظن أنه عادم للماء، ولم يصح حقيقة، لأنه غير عادم له حقيقة وقد تبين ذلك فيلزمه الإعادة، كما لو كان عنده رقبة وهو ناس لها فصام ثم ذكر الرقبة يلزمه إعتاقها، وكذلك إذا كان ثوباً وهو ناس له فصلى عارياً ثم ذكر يجب عليه الإعادة. وكذلك إذا ظن أنه على الوضوء فصلى ثم تبين أنه ليس على الوضوء والأمثلة تكثر. وأما حجتهم: قالوا: عاجز عن استعمال الماء فيجوز له التيمم، كما لو كان يخاف العطش. والدليل على أنه عاجز أن القدرة لا تكون إلا بالوصول إلى الماء ولا يتصور الوصول إلا بالذكر، فدل أنه عاجز، وربما يقولون: النسيان حائل بينه وبين الماء، فصار كما لو كان حائل من سبع أو غيره. قالوا: وأما ((قولكم إنه واجد للماء))، نسلم الوجود إنما ندعى العجز عن الاستعمال مع الوجود، كما يعجز عند خوف العطش بل العجز في مسألتنا فوق العجز بالعطش. وأما قولكم: ((إنه وجد علم ظاهر على الماء)). قلنا: ذلك الظاهر قابله ظاهر آخر، وهو أن ما يكون في رحله يكون بعلمه ووضعه فلو كان فيه ماء لم يخف عليه، وإذا تقابل الظاهران سقطا وبقى ما قلنا إنه عاجز عن استعمال الماء.

стр. 121

وأما فصل نسيان الرقبة ونسيان الرقبة ونسيان الثوب فقد منعوا المسألتين. واعتذر أبو زيد عن فصل الرقبة وقال: تفسير الوجود في الرقبة هو الملك. ألا ترى أن السيد إذا قال لعبده الذي عليه كفارة الظهار أو القتل: اعتق هذا العبد عن كفارتك لا يجوز، وإن وجد الرقبة لأنه لا ملك له. وأما تفسير الوجود في الماء هو القدر بدليل أنه لا يعتبر ملكه، ولو بذل له الغير ماء من غير تملك لم يجز له التيمم. قال: وأما إذا نسى الطهارة أصلاً فلأن الطهارة شرط الصلاة ولا .... / في إسقاط أصلاً. وأما في مسألتنا جواز التيمم لا يؤدي إلى أصل الطهارة، لأنه إن لم يوجد الوضوء فقد وجد التيمم. الجواب: أما قولهم: ((إنه عاجز عن استعمال الماء)). قلنا: أيش تعنون بهذا إن عنيتم به من حيث الظاهر، فمسلم، وإن عنيتم من حيث الحقيقة فليس كذلك، لأنه قادر على الماء حقيقة، لأن القدرة هو التمكن وإذا كان الماء في رحله فهو متمكن منه لأنه متمكن من رحله فيكون متمكناً من الذي يشتمل عليه رحله وإذا كان قادراً حقيقة عاجزاً من حيث الظاهر، والعجز الظاهر من غير حقيقة لا ينتصب علة من جواز الانتقال إلى التيمم، وعلى أنا قد بينا أنه وجد علم ظاهر على الوجود، وذلك علم على الوجود والقدرة جميعاً.

стр. 122

وقولهم: ((إنه قد قابله ظاهر آخر)). قلنا: والظاهر الذي قلتم قابله ظاهر آخر، وهو أن الماء الذي في رحله وإن كان الظاهر أنه يكون بوضعه وعمله، ولكن الإنسان تعتريه الغفلة والنسيان فيغفل عن الشيء، ثم ينتبه، وينسى الشيء ثم يذكره فينبغي أن يحمل أمره على هذا، ويطلب الماء في رحله ويفتشه حتى يعثر عليه وخرج على ما قلناه إذا كان على رأس بئر مطموم وليس عليه أثر، تيمم ثم إنه وجد، وكذلك إذا ضل رحله بين الرحال يخرج على ما قدمنا إن سلمنا، والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 123

(مسألة) لا يحل وطء الحائض بمجرد انقطاع الدم، وإذا كان لأكثر مدة الحيض حتى تغتسل عندنا. وعندهم: يحل وطئها بدون الاغتسال في هذه الصورة. قالوا: ولو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض لم يحل الوطء قبل الاغتسال أو مضى وقت الصلاة)). لنا: قوله تعالى: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ ...﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ معناه فاغتسلن، وقد قرئ ((حتى تطهرن))

стр. 124

بالتشديد. وهو صريح في الاغتسال بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا. فعدمه التحريم إلى حالة الاغتسال فلا يحل قبله، والاعتماد على الآية، ولا تأويل لهم لقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، لأنه لا يحتمل سوى الاغتسال إلا أنهم ربما يقولون: يحتمل أن يكون المراد به حال انقطاع الدم لأقل من أكثر الحيض وهو تأويل ضعيف. لأن الآية لم تتعرض بحالة دون حالة فيجب إجراؤها على ما يقتضيه إطلاقها حتى يقوم دليل قطعي يوجب خلافه، وعلى أنهم لا يقولون بهذا التأويل فإن عندهم: لا يقف حل الوطء على الاغتسال وإن كان الانقطاع لأقل من أكثر الحيض فإنهم قالوا: لو مضى عليها وقت الصلاة حل وطئها ولا اغتسال في هذه الصورة، ولا مجال للمعنى في المسألة سوى أن يقال: إن حدث الحيض قائم بعد الانقطاع إلى أن تغتسل وهو أثر من آثاره فيعمل أثر الحيض عمل نفسه فيما بنى أمره على الاحتياط كالعدة تعمل عمل النكاح في تحريم العقد، والاعتماد على الآية. وأما حجتهم: قالوا: انقطع الحيض عنها بيقين فحل للزوج وطئها. دليله: إذا اغتسلت ولا إشكال في انقطاع الحيض بيقين، بدليل أنه لو عادوها الدم يكون استحاضة ولا يكون حيضاً.

стр. 125

وأما وجه التأثير فهو في غاية الظهور، لأن المحرم نفس الحيض، وهو آيل إلى الارتفاع والزوال فإذا زال المحرم وجب أن يزول التحريم، لأن زوال العلة يوجب زوال المعلول، كما لو اغتسل مع الانقطاع فإنه ليس لزوال التحريم هاهنا سبب سوى زوال الحيض. وربما عبروا عن هذا، وقالوا: إن التحريم بالأذى، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وقد زال الأذى بالانقطاع وإنما بقى مجرد الحدث وهو غير مانع من الوطء بدليل حدث الجنابة وخرج على هذا استباحة الصلاة ومس المصحف وغيره، لأن الحدث مانع منه بدليل حدث الجنابة. أما الوطء فنفس الحيض مانع منه لأن الجنابة ونفس الحيض قد زالا. قالوا: وأما قولكم: ((انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض)) فلم يزل الحيض بيقين لجواز أن يعود الدم فضعف الطهر عن الحيض فوقعت حقيقة الوطء على ثبوت حكم من أحكام/ الطاهرات لها وذلك إما بوجود اغتسال صحيح منها أو وجوب صلاة في ذمتها حتى يقوى الطهر عن الحيض بانضمام هذا المعنى الحكمي إليه. وأما في مسألتنا فقد قوى الطهر عن الحيض بنفس الانقطاع، لأنه لا يتوهم العود فاستغنى عن معنى ينضم إليه فيقويه. وقد تعلق بعض مشايخهم بالصوم، وقالوا: طهر يفيد إباحة الصوم فيفيد إباحة الوطء. دليله ما بينا. وقالوا: وكما أن حرمة الوطء معنى يختص بالحيض فكذلك المنع من الصوم معنى يختص بالحيض فكل واحد قرينة صاحبه فاستويا.

стр. 126

الجواب: إنا اعتمدنا على نص الكتاب، ولا نسمع القياس المعنوي في مقابلته، ويمكن أن يقال إن الحيض وإن انقطع بيقين، ولكن أثره قائم فيعمل عمله كما بينا، ويدخل على ما قالوه إذا انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض. وقولهم: ((إنه يتوهم عود الدم))، يبطل بما بعد الاغتسال. وقولهم: إنه يقوى الطهر عن الدم بالاغتسال. قلنا: ولم قالوا: لأن صحة الاغتسال حكم الطاهرات؟ قلنا: فقولوا إنه يقوى بنفس وجوب الاغتسال، لأنه من حكم الطاهرات أيضاً وعلى هذا انقطع لهم الكلام. والجواب عن فصل الأذى بما قلنا أن الأذى وإن زال فأثره قائم. وأما من تعلق منهم بصحة الصوم فيبطل بما لو انقطع الدم لأقل من أكثر الحيض، ويقال أيضاً من حيث المعنى: إنه لا يحتاط في المنع من الصوم حتى يقوم أثر الحيض فيه مقام نفسه بخلاف المنع من الوطء. والله تعالى أعلم بالصواب. * * *

стр. 127

كتاب الصلاة (مسألة) الصلاة تجب بأول الوقت وجوباً موسعاً . وهو قول أبي شجاع الثلجي من أصحابهم، وقد اختاره أبو زيد في أصوله. وذهب الكرخي وجماعة من أصحابهم أنها تجب بآخر الوقت.

стр. 128

واختلفوا في المؤدى في أول الوقت: فقال بعضهم: هو نفل يسقط به الفرض الواجب في آخر الوقت مثل الزكاة المعجلة. ومنهم ن قال: هو موقوف إن أدرك آخر الوقت وهو من أهل الوجوب كان المؤدى واجباً وإن لم يدرك كان المؤدى نفلاً. ومنهم من قال: المؤدى واجب، فعلى هذا يكون الوجوب بأحد المعنيين إما بإدراك آخر الوقت أو باختيار المكلف فعل الصلاة في آخر الوقت. لنا: إن الأمر يفيد الوجوب باتفاق مننا ومنهم، وقد تناول جميع الوقت لأن الخلاف في أمر مؤقت معلوم الأول والآخر، والأمر المضاف إلى وقت يكون متناولاً جميع الوقت وإلا فلا يكون الأمر مؤقتاً، وإذا تناول جميع الوقت ثبت الوجوب في جميع الوقت فصار الوجوب في أول الوقت ضرورة. ونظير ما قلناه قول السيد لغلامه: افعل كذا غداً أو افعله وقت الظهر، يكون الخطاب متناولاً جميع الوقت المذكور حتى يكون فاعلاً بأمر إذا فعله. يبينه أن سبب الوجوب إما أن يكون الأمر أول الوقت فإن كان الأمر فقد وجد في أول الوقت، وإن كان الوقت فقد دخل فلابد من الحكم بالوجوب على كل واحد من السببين. ونستدل بالأداء في أول الوقت فنقول: أدى بالأمر، بدليل أنه ينوي أداء المأمور أو ينوي المفروض، وإذا أدى الواجب وأداء الواجب في وقت دليل على وجود وقت الواجب لأن الواجب لا يتأدى إلا في وقته.

стр. 129

وأما حجتهم: قالوا: مخير في أول الوقت بين فعل الصلاة وتركها فلا تكون واجبة فيه. دليله النافلة، وهذا لأن حد الواجب ما لا يسع تركه فإذا وسع الترك ل على أنه ليس بواجب. وربما يقولون: لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره، لأن الواجب مرة لا يجب ثانياً فلما وجب في آخر الوقت علمنا أنه لم يكن واجباً في أوله. قالوا: ولأنه وجب في أول الوقت وجب أن يأثم إذا/ مات قبل فعله وحين لم يأثم إذا مات في أول الوقت قبل فعله، لما أنه لم يكن واجباً، وأيضاً لو وجب لاستقر بإدراك وقت فعله ولو استقر لم يتغير بالسفر، وحين أجمعنا على أنه لو سافر في آخر الوقت يجوز له القصر علمنا أنه لم يجب أصلاً. الجواب: أما قولهم: ((إنه مخير بين فعل الصلاة وتركها))، لا نسلم إطلاق الترك على ما زعموا، بل إنما نطلق له الترك بشريطة وهو العز على فعلها في آخر الوقت وما لم يكن على هذا العزم لا يجوز له تركها في أول الوقت. فإن قالوا: أتقولون إن العزم بدل عن الواجب من الفعل؟ فإن قلتم: ليس ببدل فقد أطلقتهم الترك، لأنه إذا ترك لا إلى بدل تحقق الترك، وإن قلتم: هو بدل فأقمتموه مقام الأصل في سقوط الأمر عنه وتأدى المصلحة به. يدل عليه أن العزم على الفعل واجب قبل دخول الوقت فكيف يتصور أن يكون بدلاً؟

стр. 130

قلنا: لسنا ندعي أن العزم بدل عن الواجب ولكن أردنا بما قلنا أن نبين أن الترك على الوجه الذي ظنوه من مذهبنا لا مطلقه. وتبين بهذا الشرط وقوع الفرقان بينه وبين النافلة. وإن قلنا: بدل، فهو بدل من وجه لا من وجه، وإنما يقوم البدل مقام الأصل في سقوط الواجب إذا كان بدلاً من كل وجه. ونعني بقولنا: ((بدل من وجه لا من وجه)) أنه بدل تركه في أول الوقت لا بدل تركه أصلاً وهذا جواب. وجواب آخر: وهو الأولى، قولكم ((مخير في أول الوقت بين الصلاة وتركها)) لا نسلم أن الموجود ترك الصلاة بل هو تأخير من وقت لها إلى وقت مثله ليؤديها فيه على ما كان يؤديها في أول الوقت، وإنما جاز هذا التأخير، لأن الوجوب تعلق بأول الوقت على وصف التوسع، ومعنى قولنا: ((وجب موسعاً)) هو هذا فإن الشارع كلفه أداء الصلاة في أول هذا الوقت المسمى وهو وقت يسع للمأمور ويفضل عنه فضلات كثيرة فقيل: وجب وجوباً موسعاً على معنى أن المكلف يتخير في الواجب إن شاء فعله في أول الوقت وإن شاء فعله في أوسطه وإن شاء فعله في آخره مثل الأمر المطلق في الكفارات وقضاء الصلوات والحج على أصلنا، ويلزمه مع هذا ألا يخلي الوقت عنه فصار التأخير الذي تعلقوا به فائدة الوجوب على وصف التوسع فلم يدل على سقوط أصل الوجوب، وعلى هذا صار الواجب على وصفين: واجب مضيق، وواجب موسع، فالمضيق ما لا يسع تأخيره كالإيمان إذ لا يفضل وقته عنه وكالصوم، والموسع ما يفضل الوقت عنه ويسع تأخيره، والوجوب موجود في الصورتين فهذا هو الموضع الذي خفى على القوم بلوغه ولم يدركوا حقيقته. وأما قولهم: ((إنه لو وجب في أول الوقت لم يجب في آخره)).

стр. 131

فهوس، فإنه لا يتجدد الوجوب عندنا بآخر الوقت إنما يمتد الوجوب إليه على التوسع. وقولهم: ((لو مات بعد التأخير لم يأثم))، فقد منع ذلك بعض من لم يعرف حقيقة المسألة، وقال: لا تتم المسألة إلا بمنع هذا والمنع بعيد، وهو يخرج على ما قلنا، لأن عدم الإثم إنما هو لقولنا إنه وجب وجوباً موسعاً مطلق التأخير إلى وقت مثله وكذلك جواز القصر بالسفر، وهذا لأن عندنا جميع الوقت لهذه الصلاة كشيء واحد، والموجود في أوله وآخره كوجود واحد فيكون حكم الكل واحد، وخص هذه المسألة من الأصول. والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 132

(مسألة) الإقامة فرادى عندنا. وعندهم مثنى. لنا: حديث خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن

стр. 133

يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وفي رواية أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة، والخبر في الصحيحين. وروى وهيب بن خالد، وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة وزاد فيه ألفاظاً، دل على أن الأمر لبلال كان المصطفى ﷺ . وروى موسى بن إسماعيل عن وهيب، وعبد الوهاب عن خالد عن

стр. 134

أبي قلابة عن أنس. قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا/ وقت الصلاة بشيء يعرفوه فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً، فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وقد كان هذا في زمان النبي ﷺ قطعا فيكون الآمر هو النبي ﷺ إذ لا يجوز أن يأمر غيره في زمانه بلالاً بالآذان. وقد قال بعض الجهال من المخالفين: يحتمل أن يكون الآمر لبلال بعض أمراء بني أمية. وهذا محال لأن بلالاً ﵁ أذن في زمن النبي ﵇ فلما توفي ﷺ أذن صدراً من خلافة أبي بكر ثم إنه استأذنه في الخروج إلى الشام حين جهز أبو بكر الجيوش إلى الشام ولم يؤذن لأحد من بعد إلى أن توفى بالشام في آخر خلافة عمر وأول خلافة عثمان. وقد ذكر الدارقطني في سننه برواية إسماعيل بن إبراهيم عن خالد

стр. 135

الحذاء عن أبي قلابة عن أنس قال: ((أمر رسول الله ﷺ بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة)). وعلى هذا انقطع الكلام. وعن ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أن المؤذن كان إذا قال: ((قد قامت الصلاة)) قال: ((قد قامت الصلاة مرتين))، وعن سلمة بن الأكوع قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة فرادى. وروى ابن عمر أيضاً أن النبي ﷺ قال: ((من أذن اثنتي عشر سنة وجبت له الجنة، وكتب له بكل أذان ستون حسنة، وبكل إقامة ثلاثون حسنة))، وهذا دليل على أنها على النصف من الأذان.

стр. 136

وروى عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن أبيه (عن) علي ﵁. قال: نزل جبريل بالإقامة مفرداً وسن النبي ﵇ الأذان مثنى مثنى. والأخبار في هذا الباب كثيرة واقتصرنا على هذا القدر، ولا مزيد عليه. وقد أول بعضهم الخبر الذي رويناه قال: معنى الشفع في الأذان والإيتار في الإقامة هو أن يشفع بصوتين صوتين، ويوتر بصوت صوت، وليس هذا بشيء، لأن في الخبر إضافة الشفع والإيتار إلى الأذان والإقامة هي الكلمات لا الصوت المسموع في الكلمات. وعلى أن في الخبر قال: ((إلا الإقامة)). وعندهم كما نقول سائر الكلمات في الإقامة بصوت واحد كذلك نقوله قوله: ((قد قامت الصلاة)) بصوت واحد فبطل التأويل والاعتماد على الأخبار ولا مجال للقياس فيه. ويمكن أن يقال: إن الإقامة مبنية على الخفة بخلاف الأذان بدليل الإيتار في الصلاة على ما قالوه، ولأنه يسترسل فيها ولا يمد كما يمد في الأذان، وهذا لأنه إعلام للحاضرين بالقيام إلى الصلاة.

стр. 137

وأما الأذان فإنه دعاء الغائبين، ودعاء الغائبين وإسماعهم يكون بزيادة مبالغة في نفس الأذان وصفاته ليقع إسماعهم ودعائهم فيحضروا، وأما إعلام الحاضرين فلا حاجة فيه إلى مثل ذلك المبالغة فاقتصر على المرة الواحدة والأولى هو الاقتصار على الأخبار. وأما حجتهم: تعلقوا بحديث ابن أبي ليلى عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد قال: كان أذان النبي ﷺ شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة. ورواه أيضاً وكيع عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.

стр. 138

ورووا أن عبد الله بن زيد لما أرى الأذان في منامه حكى الأذان على ما هو المعهود قال: ثم مكث ساعة ثم قام وقال مثل ذلك، وزاد قوله: ((قد قامت الصلاة)). وربما رووا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل هذا الخبر. وتعلقوا أيضاً بحديث مكحول عن ابن محيريز عن أبي محذورة أن النبي علمه الأذان سبعة عشر كلمة والإقامة سبعة عشر كلمة، وهذا خبر صحيح.

стр. 139

ورووا عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: سمعت بلالاً أذن بمنى بصوتين صوتين وأقام مثل ذلك)). وفي رواية أخرى عن أبي جحيفة قال: كان بلال يؤذن ويقيم مثنى مثنى. قال: وروى عبد الرازق عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم عن الأسود أن بلالاً كان يثنى الأذان ويثنى الإقامة، وكان

стр. 140

يبدأ بالتكبير ويختم بالتكبير. وهذه الأخبار نصوص في الباب وهو أولى من أخباركم. لأنها/ تتضمن زيادة لم تتضمنها أخباركم، والمثبت للزيادة أولى من المنافي. ورووا عن إبراهيم النخعي، أنه قال: أول من نقض الإقامة معاوية. ونقلوا عن مجاهد أنه قال: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى حتى قام بنو أمية وأفردوا الإقامة للسرعة. أما المعنى فاعتبروا الإقامة بالأذان وهذا لأن كل واحد منهما ذكر الله وإعلام الصلاة فاستويا. الجواب: إن الأخبار التي رووها عامتها ضعيفة الإسناد. أما خبر عبد الله بن زيد، فقد أجمع أهل العلم بالرجال أن عبد الرحمن ابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله بن زيد شيئاً، وكذلك لم يسمع من معاذ شيئاً ولم يدركهما أصلاً.

стр. 141

وقد قيل: إن عبد الله بن زيد الذي أدى الأذان استشهد يوم أحد. وذكر أبو دا ود في سننه برواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه هذا الخبر وذكر فيه أنه حكى إفراد الإقامة. وقيل إن هذه الرواية أصح الروايات في الباب. وأما حديث أبي محذورة عن أبيه هذا الخبر وفيه ((أنه علمه الإقامة فرادى: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حى على الصلاة، حى على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله))، وقد كان الأذان بمكة في أولاد أبي محذورة وكان يفردون الإقامة فه كان المعمول به بالحرمين في زمان رسول الله ﷺ إلى أن استولى البصريون على

стр. 142

الحجاز وذلك سنة اثنتي وستين وثلثمائة فغيروا الإقامة فدل أن الصحيح من حديث أبي محذورة ما كان عليه أولاده، وما عرف من المعمول بمكة والمدينة. وأما حديث عون بن أبي جحيفة فقد قالوا: إن الراوي له زياد ابن كليب عن إدريس الأودي عن عون بن أبي جحيفة، وزياد بن كليب وهم في هذا الخبر على أدريس الأودي، وقد أورد هذا الخبر في الصحيح وذكر الأذان خاصة ولم يذكر الإقامة. وأما حديث الأسود فلم يدرك أذان بلال لما بينا أنه لحق بالشام في زمان أبي بكر.

стр. 143

وقد رووا أيضاً عن سويد بن غفلة أيضاً أن بلال كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وسويد أيضاً لم يدرك أذان بلال. وقد نقلنا عن أنس أن بلالاً بماذا أمر. ونقل أيضاً سعد القرظ أذان بلال، وحكى فيه الإقامة فرادى وهو خبر ثابت، وقد كان سعد نائب بلال في الأذان وكان مؤذن مسجد قباء، وقد أذن لرسول الله ﷺ وأقام لعمر، وعثمان مرة مرة، وبلال أقام لأبي بكر مرة مرة، والراوي شريك وحماد بن أبي سليمان لخبرهم، ولم تخرج الرواية عنهما في الصحيح، فهذا أيضاً يوجب ضعفاً في الراوية. واعلم أن الأذان والإقامة شعار من شعائر الإسلام، فالأول في الرجوع فيه إلى ما عليه أكثر أهل الإسلام. وقد روينا عن أبي بكر وعمر وعثمان أن الإقامة كانت لهم مرة مرة بفعل بلال وسعد القرظ.

стр. 144

وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن إقامة علي ﵁ كانت مرة مرة. وعن بكير بن عبد الله الأشج قال: ((أدركت أهل المدينة في الأذان على مثنى مثنى، والإقامة مرة واحدة)) وبكير بن عبد الله من كبار فقهاء التابعين وخبرة هذا عن الصحابة والتابعين بالمدينة. وعن ثوبان قال: صحبت ابن عمر من المدينة إلى مكة، وكان مؤذننا وإمامنا وكان إذا أذن ثنا وإذا أقام أفرد. وعن مجاهد قال: كان أذان عبد الله بن عباس مثنى مثنى، وإقامته مرة رمة. وروى قتادة عن قيس أنه كان أذانه مثنى مثنى وإقامته واحدة.

стр. 145

روى يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع أنه كان إذا أذن ثنى وإذا أقام أفرد. وروى إفراد الإقامة عن سعيد بن المسيب والفقهاء السبعة بالمدينة وعن الحسن البصري كذلك. وكذلك عن عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله وأبي قلابة، وعراك بن مالك، ومحمد بن كعب القرظي، وابن شهاب الزهري وغيرهم ممن يكثر عددهم. وقد ذهب إلى هذا من الأئمة مالك بن أنس والأوزاعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم، ولم ينقل ما صاروا إليه عن أحد من الأئمة إلا عن سفيان وابن المبارك. وقد ورد في الخبر: ((عليكم بالسواد الأعظم)) وهو معنا في هذه المسألة. وأما الذي رووه عن إبراهيم فقد روى محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال: ((أول من نقض التكبير في الصلاة وخطب قبل الصلاة في العيد وجلس على المنبر ونقض الإقامة معاوية بن أبي سفيان)). والمنقول بالضاد لا بالصاد، وكان نقضه بالإقامة إن جعلها مثنى مثنى، فإنا روينا أن الإقامة كانت فرادى في زمان رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين من بعده فذكر إبراهيم أن أول من غيرها معاوية بن أبي سفيان.
следующие страницы →