Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
ولأجل هذا صار منا العالم دليلًا للعامي على وجوب الأخذ بقوله وجواز تخيره فيه، وفي فتيا غيره إذا اختلفت عليه الفتاوى لم يجز أن يكون دليلًا للعالم على وجوب الأخذ أو التخيير له فيه وفي غيره تقليدًا بغير نظر واعتبار.
ولأجله صار سماع الخبر من الرسول ﵇ دليلًا لسامعه على وجوب العلم والعمل به، ولم يكن دليلًا لمن روي له رواية الآحاد على وجوب العلم.
فكذلك قياس القائس واجتهاده الذي هو أولى عنده يجريه عليه في حقه ويخصص العام، ولا يجب ذلك على غيره. وهذا بين في سقوط ما ألزموه.
ويقال للمطالب. فهذا ممن يقول إن الحق في واحد فيجب - أيضًا - عليك تخصيص العام بقول كل قائس من الصحابة وغيرهم، لأن قول كل مجتهد متعبد بالحكم والفتيا به، والعمل بموجبه، فيجب لذلك تخصص العام به. فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلته.
стр. 1017
باب
القول في هل يجب تخصص العام بمذهب الرواي
أم لا يجب ذلك ؟
اختلف الناس في ذلك:
فقال الدهماء من الفقهاء والمتكلمين إنه لا يجب تخصص العام به وإن حمله الراوي على الخصوص.
وقال قوم من أصحاب أبي حنيفة يجب تخصص العام بحمل رواية له على ذلك لموضع سماعه الخبر من الرسول ﵇، وتلقيه له، وفضل علمه ومعرفته بالتنزيل وأسبابه، وكونه أقرب إلى العلم بمقاصد الرسول بالمحتمل من غيره. وزعموا أنه لا يجب حمل الخبر المروي في وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا على استكمال العدد، لأن أبا هريرة ﵀،
стр. 1018
وهو رواي الخبر جوز الاقتصار في غسله على الثلاث وهذا مذهب عيسى ابن أبان ومن قال بقولهم منهم.
وقال كثير من أصحاب الشافعي إن الخبر إذا احتمل وجهين فأكثر فحمله/ الراوي له على بعض محتملاته وجب لذلك صرفه إلى ما حمله عليه. وزعموا أن هذا هو قول الشافعي، لأجل أنه حمل قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" على افتراق الأبدان، لأن عبد الله بن عمر وهو الراوي للخبر حمله على ذلك.
стр. 1019
والذي نختاره في ذلك حمل العام على عمومه وإيقاف المحتمل على الدليل.
فإن علم أن تخصص الراوي للعام وحمله المحتمل على بعض محتملاته بدليل يوجب ذلك ووجه من وجوه الاجتهاد يغلب على ظننا وجوب العمل به خصصنا به العام إذا لم نقل بالتعارض، وصرفنا المحتمل إلى ما صرفه إليه، وإن لم يوجب ذلك لم يجب أن يصير إليه، وإن لم يعرف حمله من أي ناحية خص العام وقصر المحتمل من الخطاب على بعض محتملاته وجب حملنا للعام على عمومه واجتهادنا في المراد بالمحتمل منه.
وإن قال الراوي إنما قصرت العموم على بعض ما يشمله والمحتمل على بعض من احتمله لتوقيف لي من الرسول ﵇ على ذلك، أو قال علمت ضرورة ذلك من قصد الرسول ﵇ حتى سمعه بأمر اقترن به قبل قوله، وصار بمثابة راوية للفظ الرسول ﵇ المخصص للعام والصارف للمبهم إلى بعض وجوه الاحتمال، وإن قال صنعت فيهما بنظر واجتهاد وجب سؤاله عنه، فإن خبر فيه، وإن أمسك عنه رجعنا إلى البحث، والنظر هو الذي يدل على ذلك أن الأحكام معلقة بلفظ الرسول ﵇ لا بقول الراوي ومذهبه، فيجب حمل العام على عمومه ومقتضى لفظه، وإيقاف المحتمل على النظر في المراد به.
فإن قالوا: إذا لم يقل الراوي إني فعلت ذلك برأي واجتهاد علم أنه لم
стр. 1020
يفعله إلا بتوقيف من الرسول لأنه إذا لم يبين أنه قاله عن نفسه، فالراوي أوهم أنه سمع خصوصه وصرف المحتمل إلى ما صرف إليه وألزم الناس المصير إلى قوله.
يقال لهم: هذا غير واجب ولعاكس أن يعكس ذلك ويقول. لو قاله عن توقيف وسماء لوجب أن يخبر بذلك، لأن ي إمساكه عن ذلك إبهام أنه قال برأيه وتسويغ الخلاف عليه فيجب ذكره التوقيف وهذا أولى، على أنه إذا علم الراوي أن العلماء يعلمون من حاله بأنه إنما خص العام باجتهاده، وربما خصه وصرف المحتمل إلى بعض محتملاته باجتهاده لم يجب عليه بيان ما لأجله قال ذلك، وله من النظر فيما رواه وحمل كل شيء منه على موجب اللسان وطلب المراد بالمحتمل، لأن قوله العاري عن حجة ليس بدليل لنا على وجوب إتباعه فيه وترك العام والنظر في المحتمل.
ويدل/ على ذلك - أيضًا - اتفاقنا على أن الراوي لو لم يعلم بشيء من العام جملة ولا ببعض وجوه المحتمل لم يجب عليه ترك العمل بذلك، لأجل نفس تركه له، وكذلك إذا ترك بعضه لم يجب تركنا له إلا بحجة تفارق قوله، إذ كان قوله ليس بدليل.
فصل: فإن قال قائل: فما تقولون لو ترك الراوي العمل بالعام جملة وشيء من المحتمل أو صرف الظاهر عن حقيقته إلى المجاز أو خص العام وصرف المحتمل إلى بعض وجوه الاحتمال وصوبته الأمة أجمع على ذلك، هل يدل تصويبها له على أنه قال ذلك عن توقيف وسماع من الرسول أم لا؟
قيل له: لا يدل ذلك على سماعه توقيفًا فيه، بل يدل تصويبها له على أن ما قاله حق وصواب يحرم مخالفته ومخالفة الأمة الموافقة له عليه فيه، لأنه حرام مخالفتها في شيء مما أجمعت عليه وعلى وجه تدين جميعها به.
فأما أن يدل ذلك على سماعه توقيفًا حمل الخطاب عليه فلا، لأنه يجوز
стр. 1021
أن يكون قال ذلك باجتهاد هو نفس اجتهاد الأمة سواء في الخواطر عليه، ويجوز أن يكون قاله باجتهاد وافقه عليه بعض الأمة بغير ذلك الطريق من الاجتهاد. ويجوز أن يكون بعضها وافقه من جهة الاجتهاد، وبعضها تعلق بظاهرٍ ودليل خطاب، ووجوه غير ذلك، لأنهم متعبدون بالاجتهاد في ذلك كتعبده، اللهم إلا أن يقول إن ما صنعه من ذلك إنما فعله لتوقيف الرسول ﵇، فإن قال ذلك قطع به، وأن يقول مثل هذا لا عند تقدم حجته عندهم فيجب تنزيل ذلك على ما قلناه.
стр. 1022
باب
ذكر ما يمكن أن يفصل به بين ترك الراوي العمل
بعموم الخبر وصرفه الحقيقة إلى المجاز وبين
صرفه المحتمل من الخطاب إلى بعض
محتملاته أو إلى أحد محتمليه
لا يمكن الفرق بين ذلك إلا بأن تارك العمل بالخبر من الرواة وحامل العام منه على الخاص الحقيقة على المجاز تارك لموجب الخبر ومقتضي اللفظ ومتجاوز به ما وضع له ومستعمل له في سوى المعقول من إطلاق وصارف المحتمل إلى بعض محتملاته ليس بتارك مقتضاه وموجبه، لأنه لم يوضع لغير ما حمله عليه، بل هو محتمل له ولم يعدل لذلك باللفظ من فائدته والقول في أنه يمكن أن يكون حمله على ذلك الوجه من محتملاته عن توقيف أو عن اجتهاد واحتمال أن يكون اجتهاده صوابًا سائغًا الحكم بمثله، وأن يكون خطأ لا يسوغ الحكم به كالقول في صرفه العام إلى الخاص.
стр. 1023
باب
الكلام في أن الصحابي إذا قدر بعض الحدود
والكفارات، هل يجب حمل ذلك على أنه
قدره توقيفًا أو اجتهادًا ؟
وإنما وصلنا هذا الباب بما تقدم لشبهه به وقربه منه وتقارب الأدلة فيه. وقد اختلف الناس في هذا الباب.
فقال أهل العراق: إنه يجب حمل أمره في ذلك على أنه لم يقدر إلا عن سماع وتوقيف على التقدير، لأن القياس وطرق الاجتهاد لا شيء فيها يؤدي إلى العلم بوجوب التقدير/ ولا إلى غالب الظن لذلك، وقد أيدوا ذلك بما نذكره في فصول القول في القياس إن شاء الله.
وقال آخرون ممن خالفهم: إنه إنما يجب حمل ذلك منه على أنه لم يضعه إلا عن توقيف إذا كان الراوي المقدر ليس من أهل الاجتهاد، إلا أنه عدلٌ ثقة
стр. 1024
لا يتكلف التقدير باجتهاده، ليس هو من أهله، لأن ذلك محرم في الدين، وذلك لو وقع منه قُدح في أمانته وعدالته.
وإن كان المقدر من أهل الاجتهاد لم يجب حمله على أنه قدر توقيفًا لجواز أن يكون قدره اجتهادًا، وسيما إن كان ممن يقول إن للاجتهاد وطرق القياس مدخل في تقدير الحدود والكفارات، لجواز أن قوله به توقيفًا، وجواز يتأت إليه اجتهادًا.
وقال فريق آخر: إن قدر الراوي ذلك وصوبته الأمة على تقديره ووافقته على العمل به حمل أمره على أنه لم يقله إلا عن توقيف، لأنها لا تصوبه فيه إلا بأن يكون ما قاله توقيفًا وإن لم تجمع على تصويبه فيه لم يجب حمله على أنه سمع ذلك توقيفًا.
والذي نختاره في هذا الباب أنه لا يتغير بكون المقدر من الرواة والصحابة من أهل الاجتهاد وليس من أهله ولا بأن تجمع الأمة على مثل قوله أو تختلف في ذلك، بل لا يجب أن يقدر بحق، لأنه قدر ولا أن يقطع من أي جهة قدر، بل يجب الرجوع إلى الحجة والنظر، لأننا لا ندري لعل المقدر ليس من أهل الاجتهاد، وهو يظن أنه من أهله غير معتمد للمعصية، بل لتوهمه كما آلة الاجتهاد فيه. وهو غير معصوم من ذلك، وإن كان الأغلب من حاله خلاف هذا.
وشيء آخر: وهو أنه قد يجوز أن يكون المقدر ليس من أهل الاجتهاد إلا أنه سمع صحابيًا عالمًا إما مفتيًا أو حاكمًا قدر ذلك التقدير، وهو يرى
стр. 1025
تقليده والاقتداء به فاتبعه على التقدير، ولم يفعل ذلك لسماع من الرسول، وقد يقدر ذلك العالم ما قدره من ذلك توقيفًا تارة وباجتهاد أخرى، وقد يضع الاجتهاد في حقه وقد يفرط تفريطًا يحظر الحكم بموجبه، فلا سبيل لنا إلى العلم بأن المقدر وإن لم يكن من أهل الاجتهاد فلم يقدر إلا توفيقًا.
قال الذاهبون إلى هذا القول: ولذلك لم يجعل التقدير المروي عن عطاء ابن أبي رباح لأقل الحيض فإنه يوم وليلة على أنه صار إليه خبرًا وتوقيفًا، لأنه من أهل الاجتهاد، فيمكن أن يكون قاله اجتهادًا.
وجعلنا تقدير أنس بن مالك رحمة الله عليهما له بأنه ثلاث أربع خمس ست سبع ثمان تسع عشر محمولًا على أنه قدره عن خبر، لأنه ليس من أهل الاجتهاد، ولا وجه لقولهم هذا، لأجل ما قدمناه من الحجة ي ذلك/.
وأما حمل أهل العراق لتقدير الصحابي لذلك على أنه لم يقدره إلا توقيفًا فعمدتهم في ذلك أنه لا مجال للقياس وطرق الاجتهاد في تقدير الحدود والكفارات. وهذا خطأ منهم، لأن لها في ذلك مدخلًا.
ويستدل على هذا من بعد في فصول القول في القياس إن شاء الله ولم سلم لهم ما قالوه في ذلك لجاز أن يظن الصحابي ما قد ظنناه في مخالفتهم فيقدر ذلك اجتهادًا كما نقدر نحن.
وأما قول من قال: إنه اتفقت الأمة على تصويبه والعمل بتقديره فدل ذلك
стр. 1026
على أنه لم يقله إلا عن توقيف، وإن لم يُتفق عليه لم يجب القطع بذلك، فإنه - أيضًا - قول خطأ لا وجه له، لأنه قد صح وثبت أن الاجتهاد والعمل بموجب القياس دين لله تعالى، وأحد الأدلة على الأحكام الشرعية بما نذكره من بعد. وإذا ثبت ذلك أنكر أن تكون الأمة متفقة على تقديره باجتهاد هو نفس اجتهاده أو بما يقوم مقامه، فتكون مجمعة عليه قياسًا إما بطريق واحد أو بطرق مختلفة. ونحن ندل من بعد على صحة إجماع الأمة على الحكم بالقياس. وذلك دليل لله سبحانه على الأحكام كما يصح أن يعمل بذلك منهم الآحاد على أنه لا يمتنع أن يكون في الأمة من قال بالبعض قياسًا ووضعه في غير حقه واستعمله في غير موضعه. وذلك خطأ منه دون باقي الأمة، وإن قدر الواحد منهم دون باقي الأمة وإن قدر الواحد منهم ركعات وسجدات وأمرًا نعلم قطعًا أنه لا مجال للاجتهاد في تقديره ووافقته الأمة عليه علم أنه لم يقله إلا توقيفًا، لأن القول به من غير التوقيف لا يكون إلا خطأ. والأمة لا تجمع على خطأ. وهذا نحو المروي عن علي كرم الله وجهه من أنه "صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة أربع سجدات" فمثل هذا إذا ثبت عنه علم أنه لم يصر إليه إلا توقيفًا، لأنه مما لا عمل للقياس في تقديره وإن لم توافقه الأمة على تقديره جوز أن يكون قاله توقيفًا، وأن يكون قاله اجتهادًا، وجوز
стр. 1027
أن يكون اجتهاده خطأ محظور الحكم بموجبه، اللهم إلا أن تتفق الأمة على تسويغه القول بذلك التقدير، وأن يحكم به ويفتي، فيقطع على أنه غير مخطئ في تقديره. ويجوز أن يكون قاله توقيفًا أو اجتهادًا هو صواب منه وسائغ له.
فاعلموا أن الأغلب من حال الصحابي إذا قدر عن توقيف أن يخبر بأنه لم يفعل ذلك إلا بخبر لتحسم بذلك مادة التأويل والاجتهاد المؤدي إلى مخالفة موجب الخبر، وسيما إذا علم أن كثير الأمة يعتقد جواز مخالفته، وتجويز أن يكون قاله اجتهادًا ويعمل النظر فيه/ فيجب عليه لأجل ذلك أن يبين أنه إنما قاله توقيفًا لا اجتهادًا. فمتى لم يقل ذلك كان الأغلب من حاله أنه قاله اجتهادًا.
فصل: وكذلك القول عندنا في وجوب ترك قول الصحابي بالقياس إذا كان موجب الخلاف قوله، وترك قياسه إذا عرفناه وكان في أيدينا قياس أقوى من قياسه، لأن الحجة هو القياس وإعمال أقوى القياسين وترك الأضعف له، لأن القياس هو دليل على الحكم لا قول الصحابي، وأقوى القياسين دليل لله يوجب ترك الأضعف له، وسنزيد ذلك بيانًا عند بلوغنا إلى الكلام في إبطال التقليد وفصول القول في القياس إن شاء الله.
وإنما يُترك القياس لقول الصحابي ويُترك أقوى القياسين لأضعفهما إذا قال به الصحابي من يوجب تقليد الصحابي، ويجوز ذلك. وهو يُحكي عن أبي حنيفة وحكاه
стр. 1028
بعضهم عن أبي يوسف ومن شاء قال فإنه ليس بصحيح.
فصل: ولا شبهة في أنه لا يجب تخصص العام بتخصص الصحابي له إذا خالفه صحابي آخر في ذلك، لأنه ليس إتباع أحدهما، والتقليد له أولى من إتباع الآخر. بل إتباع القائل بالعموم أولى، لأن مع قوله دليل لو انفرد لوجب القضاء به، وهو اللفظ العام.
فصل: ولا فرق بين ما ظهر وانتشر من قول الصحابي الذي يخص به العام ولم يعرف له مخالف، وبين ما لم يظهر، وبين ما انقرض العصر عليه مما ظهر من غير خلاف ذُكر، وبين ما لم يظهر، وبين ما انقرض العصر عليه مما ظهر من غير خلاف ذُكر، وبين ما لم ينقرض العصر عليه في ذلك، لأنه وإن ظهر ولم يعرف له مخالف فليس بحجة ولا إجماع لما نبينه في فصول القول بالإجماع.
فصل: ومن هذا الباب الذي نحن فيه ما حكي عن عيسى بن أبان أنه قال: إذا ورد الخبر عن الرسول ﷺ حكم في الأحكام، وروي عن الأئمة بعده خلاف ذلك الحكم، وهو ممن لا يخفي عليه مثله لو كان ثابتًا غير مرفوع وجب أن يكون ترك الصحابي له والعمل بخلافه دليل على أنه منسوخ، وذلك نحو الخبر الذي رواه عبادة بن الصامت في وجوب النفي
стр. 1029
مع الحد وقول عمر ﵁: " لا أنفي بعد هذا أحدًا" وروي عن علي ﵁ أنه قال: "كفي بالنفي فتنة" قال: فمثل عمر وعلي لا يخفي عليهما ثبوت هذا الحكم أو زواله، فيجب حمل ذلك على النسخ.
وإن كان ما عمل الصحابي بخلافه من الأخبار مما يخفي مثله على من خالفه لم تحصل مخالفة الصحابي له دلالة على نسخه.
قالوا: وذلك نحو ما روي عنه ﵇ من إيجاب الوضوء/ من القهقهة وروي عن أبي موسى الأشعري أنه لا يعيد
стр. 1030
الوضوء من ذلك. فهذا - زعموا - مما يخفي على مثله.
وما قالوه من هذا باطل، لأن الحكم متعلق بخبر الرسول لا بفعل الراوي ولا بتركه العمل بالخبر.
وقد يجوز أن يترك العمل بالخبر لظنه أنه منسوخ. وطريق أداه إلى القول بأنه منسوخ. فقال ذلك متأولًا لا على وجه القصد لمخالفة الحديث.
وقد يجوز أن يكون ترك العمل به لأنه تابعيًا روى له خبرًا مرسلًا بأن الخبر منسوخ فعمل بذلك. والمرسل لا يجوز العمل به عند كثير من الناس، فضلًا عن ترك أحكام النصوص ورفعها به.
وقد يجوز أن يعتقد حين سمع الخبر أنه أريد به ثبوت حكمه إلى مدة مخصوصة وأن ذلك واجب في زمن النبي ﷺ لشيء اقترن بالخطاب توهم به تقدير الحكم بوقت وبمدة حياة الرسول ﵇، وإن لم يكن الأمر كذلك.
وفي الجملة فلا ندري من أين قال بترك العمل بالخبر وهو غير معصوم من الخطأ والزلل، فلا يجب النسخ بفعله ومذهبه.
ولأننا إذا كنا قد دللنا على أنه لا يجوز التخصص بقوله وهو دون النسخ به فبأن لا يجوز لأجل تلك الأدلة النسخ به أولى.
стр. 1031
ويدل على ذلك - أيضًا- قوله ﵇: "نصر الله امرءًا سمع مقالتي فأدها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" فأوجب بذلك نقل ما به يثبت الحكم من لفظه. وأخبر أن فيمن نقله من ليس بفقيه. فيجب لأجل ذلك تعليق الحكم بلفظه وقوله دون فعل الراوي وتركه.
فإن قالوا: ظاهر حال الصحابي أنه لا يحكم بقوله ورأيه على خبر الرسول وحكمه، ولا يحتمل أمانته وعدالته أن يترك العلم بموجب خبر قد علم ثبوته، فوجب لذلك إذا ترك العمل به أن يكون قد عرف نسخه ورفع حكمه الرسول ﵇. وأن يقوم ذلك مقام قوله قد نسخ ذلك. وقد علمت أنه قد نسخه. ولو قال ذلك لوجب المصير إلى ما يخبر به.
стр. 1032
يقال لهم: الأمر فيما تقتضيه ظاهر عدالته وعلمه وأمانته سماعه من الرسول ﵇، وكونه أقرب إلى العلم بمقاصده على ما ذكرتم غير أنه مع ذلك غير معصوم من الخطأ والغلط والتأويل وأن يتوهم على الرسول ﵇ تقدير العبادة بوقت، وفي فريق دون فريق وإن لم يكن الأمر كذلك، ومن أن يعمل بمرسل عن تابعي إلى غير ذلك مما لا يعلم كيف اتجه له ترك العمل بالخبر، وليس ذلك من فعله بمثابة قوله سمعت من الرسول نسخه وعلمت ذلك من دينه ضرورة، لأن هذا خبر منه. فأما إذا قال استدللت على العام بمراده جوزنا عليه الغلط في ذلك ووجب أن ينظر فيما استدل به، فبطل ما قالوه.
فصل: وإذا قال الصحابي أمر رسول الله ﷺ / بكذا وكذا، ونهى عن كذا، "ورخص في السلم" فمن الناس من قال يجب أن يحكى
стр. 1033
لفظ الرسول ﷺ ، لأنه يجوز أن يكون قد تأول قوله وظنه أمرًا وترخيصًا، وليس كذلك.
وقال فريق من الناس هم أكثر أهل العراق: يجب حمل ذلك على أنه بمثابة حكاية لفظ الرسول ﵇.
وشرط قوم في صفته أن يكون عالمًا باللغة ومصادر الكلام وموارده ومواقعه، وممن لا يخفي عليه معاني الكلام باللسان، فإذا كانت هذه حاله جعل قوله أمر ونهى ورخص رسول الله ﷺ بمنزلة قول الرسول قد أمرتكم بكذا ونهيت عن كذا، ورخصت في كذا، وإن لم يكن من أهل الضبط لذلك لم يرجع إلى قوله أمر ونهي ورخص وأباح، وأمثال ذلك وطولب بحكاية ما سمعه.
والأقرب في هذا عندنا أنه إن قال الصحابي العالم بوضع اللسان أن رسول الله ﷺ عبر بمعنى وحكم ليس له في اللسان ألفاظ محتملة ولفظ مشترك بينه وبين غيره قُبل ذلك منه، وصار بمعنى تلقي توقيفه لنا ﵇ بلفظه على ذلك المعنى وإن ذكر عن النبي ﵇ إثبات معنى وحكم أو نفي حكم، وهو مما له عبارة محتملة مشتركة أو عبارات إحداها له وحده غير محتملة، والأخرى مشتركة بينه وبين غيره وجب مطالبة الراوي بحكاية لفظه ﵇، واللفظ الدال على الأمر والنهي مما يحتمل ويشترك فيه الأمر والنهي وغيرهما.
وقد قال كثير من الناس: إن القول افعل ولا تفعل مطلقه ومجرده موضوع للأمر والنهي مما يحتمل ويشترك فيه الأمر والنهي وغيرهما.
وقال كثير من الناس إن القول افعل ولا تفعل مطلقة ومجردة موضوع للأمر والنهي.
وقال قوم هو للإباحة وإطلاق الفعل دون الأمر.
стр. 1034
وقال أهل الوقف فيه وفي أمثاله: بل هو مشترك بين الأمر والنهي، ويحتمل بأن يعتقد الراوي من الصحابة أن القول افعل ولا تفعل هو بمجرده موضع لإبهام الأمر والنهي، فيقول أمر ونهي، وهو معني بذلكن اللفظ الذي يحتمل الأمر وغير الأمر ويظن أن اعتقاده بذلك علم بأنه أمر فيقول أمر، وعلمت أنه أمر، وهو ﵇ ما أمر ولا علم الراوي أنه أمر، وكل ذلك إذا قال عم رسول اله ﷺ المكلفين والمؤمنين أو المشركين بهذا الحكم أو بإيقاع فعل فيهم وبهم وجبت المطالبة له بلفظ الرسول، وربما كان محتملًا للعموم وغيره والراوي يعتقد أنه لا يصلح إلا للعموم، فيجب حكاية لفظ الرسول ﵇ في هذا وأمثاله من المحتمل لينُظر فيه وإلا لم يجعل قوله أمر ونهي وأطلق ورخص في منزلة قول الرسول ﵇ قد أمرتكم بكذا، ونهيت عن كذا، ولعلنا أن نستقصي الكلام في هذا/ في فصول القول في الأخبار. وفي جواز رواية الحديث على المعنى أم لا، وإن جاز ذلك فمن الذي يجوز له الرواية على المعنى من الرواة. ونشبع القول فيه إن شاء الله.
فصل: وإذا روى الصحابي أن النبي ﷺ "قضى بالشفعة للجار وجب أن يسأل هل قال النبي ﷺ : "الشفعة للجار" أو قضيت بأن الشفعة للجار، أو قضى لجار وشخص من الأشخاص.
стр. 1035
فإن قال: سمعته يقول: "الشفعة للجار" فقضيت أن الشفعة للجار حمل ذلك على العموم في كل جارٍ في استحقاقه الشفعة على أنه يجوز أن يقال إنه قال سمعته يقول: قضيت بأن الشفعة للجار احتمل أن يكون نصًا منه لجار معهود وشخص واحد. وقام ذلك مقام قول الراوي قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجار في احتماله أن يكون إخبارًا عن قضية لعين، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن بيان حكم الشرع في وجوب القضاء بالشفعة للجار، فسمع لذلك دعوى العموم فيه. فإن كان قضية لعين، ودل الشرع بأنه إذا حكم للجار بالشفعة للجوار، وجب إجراء هذه القضية والحكم بوجوب الشفعة لكل من شاركه في علة وجوب الحكم له بالشفعة وجب لذلك من طريق وجوب التعبد بالقياس، لا من ناحية كون اللفظ عامًا، وكذلك حكمه للشفعة للجار يحتمل أن يكون أراد الجنس، ويحتمل أن يكون أراد جارًا معهودًا.
وإن قال الراوي أردت بقولي قضى للجار بالشفعة، وقضى بأن الشفعة للجار حكاية قضية وقعت منه لعين امتنع العموم في ذلك. ولم تجب الشفعة لكل جارٍ إلا من جهة العلة والمعنى بعد التعبد بالقياس.
وقد يفصل قوم بين قول الراوي: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة للجار" وقوله "قضى بأن الشفعة للجار" لا يخرج إلا مخرج بيان حكم الشرع في إيجاب الحكم للشفعة لكل جار".
стр. 1036
فصل: ولا يعقل من ذكر الجار إلا المساقب دون الخليط، فإن أريد به الخليط أيضًا فبدليل، لأن الخليط اسم أخص به من اسم الجار، واسم الجار أخص بالملاصق المساقب من اسم الخليط فيحتاج ذلك إلى دليل، ولا وجه إذا كان ذلك كذلك حمله عليهما.
وكذلك حكم رواية الراوي بأن رسول الله ﷺ : "قضى بأن الخراج بالضمان" في الاحتمال لما قلناه ووجوب استفسار الراوي له عن ذلك.
ومنه - أيضًا - قول الراوي: "قضى رسول الله ﷺ بالشاهد واليمين لأنه يحتمل أن يكون قضية منه في عين، ويحتمل أن يكون خارجًا على وجه بيان حكم للشرع لوجوب القضاء لكل ذي شاهد واحد مع يمينه.
فإن قال الراوي سمعته قال حكمت وقضيت بأن الحكم واجب/ بالشاهد واليمين حمل ذلك على العموم.
وإن قال إنما أخبرت عن فعل وقع منه لعين محكوم له لم يجب حمل غيره عليه إلا بقوله: "حكمي على الواحد حكمي على الجميع" وأمره بالقياس على العلل وإجرائها بها من جهة عموم اللفظ، ولا لفظ له أو عموم فعل الرسول ﵇. فدعوى العموم في الفعل الذي يقع على وجوه مختلفة، وربما كانت متضادة، ولا نعلم على أي وجه يمتنع.
وإذا ثبت من وجه ما أن المراد بقوله "قضى بالشاهد واليمين" بيان حكم
стр. 1037
الشرع ووجوب الحكم لكل أحد بالشاهد واليمين صار ذلك تخصصًا لقوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ﴾ لأن ذلك يقتضي أن لا يثبت المال والحق إلا برجلين أو رجل وامرأتان.
فإذا قال: وقد ثبت الحق بشاهد ويمين وثبت ما كان نفاه وحمل الأول على أنه لا يثبت إلا بذلك العدد لمن لا يمين له ولا شاهد دون كل ذي حق.
وقول أهل العراق: إنه لا يقبل في مثل هذا خبر الواحد، لأنه زيادة على حكم النص، وهو نسخ، ليس بصحيح وإنما يجعل نسخًا لو قال: وحرام في الشرع أن يحكم بشاهد ويمين. وعلى هذا التقدير قلنا إنه نسخ.
فإما إذا قال: يحكم برجلين أو رجل وامرأتين، ثم قال: ويحكم بالشاهد واليمين كان زيادة لعمري في حكم النص، ولكنه لي بنسخ لهه، لأنه لم يدل ما كان أمر به، فهو بمثابة زيادة العشرين على الثمانين والتغريب على الجلد في أنه ليس بنسخ، ونحن نشرح ذلك في فصول القول في النسخ إن شاء الله.
فصل: وإذا حكي الراوي أمر رسول الله ﷺ بحكم في شخص من غير ذكر علة فلا خلاف في وجوب قصر الحكم عليه، وإذا روى الصحابي أمره
стр. 1038
بالفعل في شخصٍ لعلةٍ من العلل وجب ثبوت الحكم في كل من فيه تلك العلة من جهة المعنى، وثبوت التعبد بالقياس لا من جهة عموم اللفظ، وذلك نحو رواية من روى أن محرمًا وقصته ناقته "فأمر رسول الله ﷺ بأن لا يمس طيبًا ولا يخمر له وجهًا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيًا" وهذا حكم في شخصٍ معين، ذكر الحكم فيه فعلل، وحق هذا التعليل أن يكون جاريًا في كل من علم من حاله أن يحشر يوم القيامة ملبيًا، وعلم ذلك من حال كل محرم متعذر، فوجب/ قصر ذلك الحكم على ذلك الشخص، ومن وقفنا على أنه يحشر كمحشره، لأن هذا بمثابة أن يقول: لا يُخمر له وجهًا ولا يمس طيبًا، وأنه يحشر مغفورًا له وتكفر عنه سيئاته، وهي علة لا سبيل إلى العلم بحصولها لكل محرم وقصته ناقته أو مات حتف أنفه. ويظن أننا بينا هذا الفصل فيما سلف بأشبع من هذا، ولا يجوز أن يعدل بحقيقة هذا التعليل إلى المجاز. فيقال أريد به فإنه على صفةٍ وصورة وظاهرٍ من يحشر يوم القيامة ملبيًا، لأن من هذه صورته قد لا يحشر ملبيًا، والتعليل وقع بحشره كذلك. فلم يجز العدول إلى ما قيل من هذا.
стр. 1039
ومن هذا النحو ما روي عنه في قتلى بدر وقوله: "زملوهم بكلومهم فإنهم يحشرون يوم القيامة اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك" وهذا غير معلوم من كل مقتول في معركة، بل لا يعلم أنه مجاهد عن الدين.
فإن قيل: أريد أنهم بصورة من يحشر كذلك. فالجواب عنه ما سلف، وإذا دل الدليل من غير هذا الخبر على وجوب زمل كل مقتول في المعركة بدمائهم صير إلى ذلك الدليل الدال عليه، لا لأجل هذا الخبر الوارد بما لا يعلم من حال كل مقتول في المعركة.
فصل: وإذا روى الصحابي قولًا عن الرسول ﷺ يوجب تخصص العام وجب تخصصه به وإن كان عامًا لم يدخله تخصص بدليل قاطع، لأننا قد بينا فيما سلف وجوب التخصص بخبر الواحد لما دخله التخصص وما لم يدخله.
стр. 1040
والدليل على أنه لا فرق بين الأمرين أننا لا نتيقن ثبوت حكم العام مع قول الصحابي ورواية أن الرسول خصه لجواز أن يقول: اقتلوا المشركين، ويقول الراوي قال رسول الله ﷺ : إلا أهل الكتاب، وإلا ذو العهد في عهده، وإلا من أدى الجزية، لأن المخبر عدل ضابط متدين. بتحريم الكذب على الرسول فالأغلب من أمره سماعه لذلك وضبطه له. ولا يمكن أن ينتفي بثبوت حكم العموم مع رواية من هذه حاله لما يخصه، لأننا لو تيقنا ذلك لتيقنا بطلان الخبر، وذلك فاسد باتفاق.
وعمدتهم في منع التخصص به أنه عموم متيقن والخبر مظنون. وهذا باطل لما قلناه.
ومما يدل على ذلك - أيضًا - أننا إذا اتفقنا مع القائل بذلك على وجوب تخصص ما دخله الخصوص حتى يخرج بخبر الواحد والقياس مما بقي بعد المخصوص ما لولاهما لوجب فيما بقي وجب - أيضًا - تخصص ما لم يدخل الخصوص بهما، وأن يخرج بهما ما لو لم يردا لوجب دخوله فيه، لأن دخول ذلك فيه بعد التخصيص/ متيقن والخبر مظنون. وسواء كان اللفظ جاريًا فيما بقى بعد التخصيص حقيقة أو مجازًا فإنه دلالة على استغراق ما بقي على ما بيناه من قبل، فإذا وجب التخصص منه بخبر مظنون ووجب التخصيص من عام لم يخص وإن كان اللفظ مستغرقًا للجميع لولا الخبر. وهذا ما لا فصل منه.
فإن قالوا: ما نتيقن دخول ما أخرجه خبر الواحد بعد التخصص تحت اللفظ. فلذلك أعلمنا الخبر في إخراج بعضه.
قيل: وكذلك ما نتيقن دخول ما أخرجه الخبر في العام الذي لم يخص، ولذلك وجب إعماله، ولا تخلص من ذلك، هذا على أننا لسنا نخص العام بمظنون من خبر الواحد، لأن المظنون صدقه وضبطه ولسنا نخصه بذلك وإنما نخصه لوجوب العمل. بخبر من نظنه كذلك ووجوب العمل والتخصص
стр. 1041
به متيقن معلوم، كما أننا لسنا نحكم بالمال لظننا بصدق الشهود، وإن كنا نعلم براءة الذمة من جهة العقل ونزول عن ذلك بالشهادة، وإنما نحكم بوجوب العمل بالشهادة، وذلك أمر متيقن معلوم. فبطل ما قالوه.
وقد اعتل بعض المخالفين في هذا الباب لمنع تخصص ما لم يدخله الخصوص بخبر الصحابي.
فإن قالوا: لا يخلو الخبر الخاص من أن يكون واردًا قبل ورود العام أو بعده أو معه.
فإن كان واردًا قبله ثم ورد العام كان ناسخًا له، ولا يجب ترك بعض ما في العام به، وقد أزال العام حكمه.
وإن كان واردًا بعد ورود العام وجب أن يكون ناسخًا لحكم ما ورد فيه بعد دخوله تحت العام، لأنه - زعم - لا يجوز تأخير البيان، وما تأخر عنه لا يكون ناسخًا لما أخرجه من الخطاب والنسخ لا يثبت بأخبار الآحاد.
قال: وإن كانا وردًا معًا فذلك محال، لأنه إذا ألقى ﵇ إلينا خبرًا عامًان من لفظه أو من القرآن، وهو مخصوص وجب أن تلفظ بتخصيصه مع ورود الفظ العام من غير تأخير. فإذا لزم العلم والعمل بالعام وألقاه إلى من تقوم الحجة بنقله، ويعلم صدقه اضطرارًا وجب أن يلقي إليهم بيانه معه في الحال، وإلا كان محيلًا في التكليف. وإذا ألقاهما معًا بحضرة الجماعة وجب أن يتلقوه، ويبطلوا ما خصه نقلًا واحدًا، وإلا وجب أن يكونوا ملبسين علينا في نقل العام وترك الإخبار بالخاص، وذلك منتفٍ عنه. ولا يجوز أن يحفظوا العام وينسوا الخاص، وقد سمعوهما على وجه واحد، لأن النسيان لا يجوز على عدد أهل التواتر، فإذا لم يجز عليهم النسيان لذلك/ ولا اعتماد ترك أقل الخاص ثبت أن ما نقله الآحاد
стр. 1042
مما يوجب تخصص العام باطل وتوهم ومما لا أصل له.
أما بأن يكون متكذبًا موضوعًا أو منقولًا على وجه السهو وكان الناقل سمع غير الرسول يقول: إلا أهل الكتاب، ومن له أمان، فتوهم أنه سمعه من الرسول فنقله عنه.
فقلنا له: هذا باطل، لأن أهل التواتر قد يكونوا عشرة أو عشرين لو أنفرد منهم تسعة عشر لم يكونوا أهل تواتر. فإذا نقلوا جميعًا العام وقع العلم بخبرهم. وإذ نسي الواحد منهم الاستثناء فلم ينقله لسهوه عنه أو اعتمد ترك نقله لجواز الأمرين عليه لم يكن الباقون أهل تواتر في نقل الاستثناء وإن كانوا معه أهل تواتر في نقل العام. وكذلك الحال لو نسي منهم اثنان وثلاثة. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما اعتل بطلانًا بينًا. وهذا ما لا جواب عنه، فدل على أنه يجوز أن يلقي ﵇ العام الذي هو أول الخطاب إلى الجماعة يسمعه الكل، ثم يقوم نفر منهم قبل أسماع الكلام لعارض تعجلهم من رعاف وقضاء الحاجة، وغير ذلك من أسباب إما متفقة أو مختلفة. وهذا موجود من أحوال الناس فينقل الكل اللفظ العام لسماعهم له، وينقل البعض منهم الخاص، وهم الذين سمعوه وليسوا بأهل تواتر. وإذا كان ذلك كذلك أنكر أن يكون العام والخاص قد وردا معًا.
وإن اختلف النقل لهما لأجل ما وصفناه ولم يكن على يقين من ثبوت حكم العام مع ورود الخبر، وسقط ما اعتل به هذا القائل على أننا لا نسلم له أن تأخير البيان محال، وأنه لا يقع إلا موقع النسخ، ولا نسلم - أيضًا - أن ما ألقي عمومه عامًا شائعًا لا يلقى خصوصه إذا كان مخصوصًا إلا إلقاءً شائعًا. بل لو تعبد الرسول ﵇ بأن يبين العام لأهل التواتر في النقل، وقيل له: ألق خصوصه عقيب عمومه إلى الواحد والاثنين لصح ذلك
стр. 1043
وجاز، واختلف في ذلك فرض المكلفين وكان الواجب عليهم العلم باللفظ العام وأنه قد ورد، وتغليب الظن لكونه مخصوصًا والاجتهاد في خبر بعد تخصصه ليرفع بذلك درجة المجتهد في إعمال ما يوجب التخصص، كما صح وجاز أن ينص على أحكام يقطع بالنص عليها حكم الاجتهاد وبكلٍ يُعرف أحكام القياس والاجتهاد. وهذا واضح في سقوط هذا الاعتلال/.
стр. 1044
باب
القول في تخصيص العام بفعل الرسول ﵇
قد ثبت أن من أفعال الرسول ﵇ ما يقع موقع البيان للحكم، وإن كان لابد من كونه كذلك من استناده إلى قول يعلم به أنه يفعله على وجه البيان لمجمل أو تخصيص عام، وكذلك قال: "صلوا كما رأيتموني" "وخذوا عني مناسككم" "وتوضأن كما أمرك الله ثم أسبغ الوضوء"
стр. 1045
للمأمور به، وعرف من سأل عنه أن ذلك هو المشروع له، وكذلك فقد روي عنه أنه أخر المغرب ليعلم من سأله أن ذلك هو الوقت في أمثال هذا مما تتقصاه في باب أحكام فعله ﵇، وإذا كانت أفعاله قائمة مقام أقواله في هذا الباب وجب تخصص العام بفعله كما يجب تخصيصه بقوله.
стр. 1046
فصل: ولا يجب التخصص بفعله إلا بأن يعلمنا أنه بيان لحكم ما تعبدنا به. فأما أن ينفرد بالفعل وإن أوقعه على جهة القربة، فإننا لا نعلم بذلك كونه بيانًا لما شرع لنا. ولهذا لم يجب تخصيص نهيه عن الوصال وبما كان يفعله هو ﵇ من ذلك، لأن الأصل في بابه جواز مشاركته لنا في العبادة وجواز انفراده بالتعبد له بها على ما بيناه من قبل. ولهذا قال: "إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني جوابًا لقوله: "نهيت عن الوصال ونراك تواصل".
وقد قيل إن من هذا الباب - أيضًا - ما روي عنه ﵇ من قوله: "من قرن بين حجة وعمرة كفاه لهما طواف واحد"
стр. 1047
وأنه لما جمع بين الحج والعمرة طاف طوافًا واحدًا. فاعترض هذا الفعل اللفظ العام فخصه. وفي هذا عندنا نظر، لأنه إنما يجب أن يكون فعله، طوافين تخصيصًا لقوله كفاه عنهما طواف واحد إذا قال لنا إن فعله لذلك بيان لحكم قوله طوافًا واحدًا. وما لم يقل ذلك لم يكن بيانًا لجواز تعبدنا في القران بطواف واحد وتعبده بطوافين واختلاف التعبد والمصلحة في ذلك إن كان التكليف متعلقًا بالمصالح.
فإن قائل قائل: فلو قال إن فعلي طوافين بيان لقولي لكم كفاه عنهما طواف واحد، ما الذي كان يكون معنى قوله طواف واحد؟
قيل له: يكون معناه أن الطواف عنهما وإن كان مثنى، فإنه من جنس واحد وعلى صفة واحدة لابد من حمله على ذلك لو ثبت أنه طاف لهما طوافين وقال إنه واقع منه على وجه البيان/ لأمره بفعل طواف واحد، وإلا تناقض فعله وقوله إذا قصد البيان به.
стр. 1048
وقد قال قوم ممن زعم أن مجرد فعله يقع به بيان تخصص العام أن فعله لطوافين بيان لقوله طواف واحد، وأنه أراد بقوله طواف واحد الجنس والهيئة والصفة، وأكد ذلك بأن القول متعلق بغيره، والفعل أصل له حكم نفسه لا احتمال فيه، وقوله طوافًا واحدًا يحتمل واحدًا في العدد وواحدًا في الصفة والهيئة. وما قدمناه أولى من أنه لا يكون بمجرد وقوعه دون أن يقول إنه بيان لما أمرنا به.
وقيل: إن من هذا الباب أيضًا نهيه ﵇ عن استقبال القبلة أو استدبارها بغائط أو بول ورواية عبد الله بن عمر أنه رآه ﵇ مستقبل بيت المقدس على سطحه وهذا أيضًا محتمل لوجوه:
أحدها: أن يكون نهي عن ذلك في الفيافي والقفار وحيث لا سترة، ورآه عبد الله مستقبلًا لسترة.
ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك نهيًا عن استقبال الكعبة بذلك دون غيرها وإن كان رآه مستقبل بين المقدس بعد نسخ التوجه إليها.
ويحتمل أيضًا أن يكون مخصوصًا بإباحة ذلك له، لأنه لم يفعله من حيث يعلم أنه يراه أحد من الأمة، فيكون ذلك بيانًا لمن يراه ومن ينقل الفعل إليه، لأن من حق ما يبين الفعل اعتماد وقوعه بحضرة من ينقله وثبت التعبد بالعلم والعمل به. فإن شُرع وجوب العلم والعمل بذلك وجب إلقاؤه بحضرة عدد يقع بخبرهم العلم، وإن أريد به العلم فُعل بحضرة من ينقله، وساغ الاجتهاد في عدالته والعمل بخبره. فأما ما يستتر به فبعيد أن يفعله على وجه البيان.
стр. 1049
وما يريد به البيان. نحو قوله لأم سلمة: "ألا أخبرتيه أنني أقبل وأنا صائم" ولا يقول ذلك إلا وقد تقدم إعلامه لهم أنه وإياهم سيان فيما يفسد الصيام على ما بيناه من قبل.
وقيل: إن من هذا الباب أيضًا ما روي عنه من نهيه عن كشف العورة وحكمه بأن الفخذ من العورة وكشفه فخذه بحضرة أبي بكر وعمر
стр. 1050
وغيرهما واستحيائه من عثمان. وفي هذا أيضًا نظر، لأنه لم يقل إن ذلك فعله على وجه البيان، ويحتمل أن يكون ﵇ كشف للعلة العارضة/ فانكشف من فخذه مع ذلك ما لم يعتمده ويقصده على بعد هذا، لأنه روي إنه لم يستر فخذه عنهما وعن غيرهما. فلما دخل عثمان سترها. فقيل له في ذلك تعجبًا من صنيعه، فقال: "ألا أستحيي ممن تستحيي منه ملائكة السماء" ولا يكاد يقع ذلك إلا عن اعتماد، ولكن يحتمل ما قلناه من أنه لم يفعله على وجه البيان لهم لكن لكونه مخصوصًا.
ويحتمل إن كان وقع على وجه البيان أن يكون وقع على سبيل النسخ لنهيه عن كشفها لولا أن الإجماع حاصل على بقاء النهي عن كشف العورة.
ويحتمل أن يكون انكشف لما كشف ساقه شيء مما يلي الساق ويقارن العورة فسمي باسم الفخذ مجازًا واتساعًا لكونه مقارنًا له، فيجب تنزيل البيان بفعله على ما قلناه من أنه لا يكون بيانًا إلا بأن يعرفنا بالقول أنه بيان له دون أن ينفرد بإيقاعه.
стр. 1051
قيل: وإذا أقر النبي ﵇ من فعل بحضرته فعلًا يخالف موجب العموم في حق المكلفين لموجبه ولم ينكر ذلك. فقد قلنا أن الأولى أن يكون إقراره على ذلك بيان منه أن ذلك الفعل الواقع على ذلك الوجه مخصوص من العموم، أو ذلك الفاعل مخصوص بإطلاق ذلك الفعل له أو فعله في ذلك الوقت، وعلى ذلك الوجه ليس مما قصد بالحظر والمنع.
فإن كان قد استقر تحريمه على كل مكلف في كل وقت على كل وجه، ثم أقر على الفعل بعد ذلك وجب أن يكون بيانًا لنسخ التحريم، واحتمل مع ذلك أن يكون نسخًا عن ذلك الشخص وحده، واحتمل كونه نسخًا عنه وعن سائر المكلفين. وكان الظاهر والأقرب أنه إن كان نسخًا عنه وحده من الرسول ﵇ إنه نسخ عنه وحده ليرتفع التوهم لكونه نسخًا عن الكل والتعلق بذلك.
وكذلك يجب إذا وقع بحضرته فعل من مكلف يخالف موجب العموم. وكان ذلك الشخص مخصوصًا بإباحته أن يبين هذا ويكشفه لئلا يظن أنه نسخ بعد ثبوته ويسد طريق التأول والتعلق بذلك. يجب إذا رأى منكرًا، وإن كان قد تقدم إنكاره له أن يعيد النكير لذلك ليرفع التوهم لإطلاقه بعد حظره، ولهذا ما وجب أن يقال إنه لما أقر الصحابة على ترك زكاة الخيل مدة أيامه علم بذلك أنه لا شيء يجب عليهم فيها، لأن ترك زكاتها مع تعين فرض ذلك عليهم منكر يجب إنكاره/.
стр. 1052
ولا وجه لقول من قال: إنه لا يعلم أنهم لم يخرجوا زكاتها وأن الرسول ﵇ أقرهم على ذلك، لأن هذا دفع لما قد ظهر وانتشر. ولو كان فيهم مزكٍ لها لوجب ذكره ونقله على وجه من الوجوه.
ولا وجه - أيضًا - لقول من قال: إنه لم يكن في خيل الصحابة سائمة، وإنما وجبت الزكاة في سائمتها لأجل أنه لو كان ذلك كذلك لوجب تفصيل ذلك لهم وتوقيفهم عليه، وأن يقول في الخيل إذا كانت سائمة، وفي سائمة الخيل زكاة، كما قال ذلك في المواشي من الغنم. وفي تركه ذلك وقيام الحجة بنقله كنقل سائر الزكوات الواجبة في صنوف الأموال أوضح دليل على أنه لم يكن منه إيجاب لذلك ولا قول فيه. وإقراره لهم على ترك زكاتها دليل على ما قلناه.
стр. 1053
باب
القول في وجوب تخصيص العام بفحوى الخطاب
قد بينا فيما سلف أن فحوى الخطاب ومفهومه بمنزلة النص، بل هو أبلغ من النص لانتفاء وجوه الاحتمال عنه. وإذا ثبت ذلك ثبت تخصص العام به، وذلك يجوز أن نقول: افعل بوالديك ما شئت، وكل فعل شئت، ولا تقل لهما أفٍ، ولا تقذي بعينهما، لأن قوله ما شئت إطلاق لجميع الأفعال بهما. وقوله ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ بمنزلة قوله ولا جميع الأذى لهما فلا تفعله بهما ولا شيء منه. وكذلك لو قال: كل من مال زيدٍ وخذ منه ما شئت ولا تخنه بذرة لوجب أن يكون ذلك بمثابة قوله إلا الخيانة له، فلا تخنه بشيء منها قل أو كثر، في أمثال هذا. وهذا مفهوم الخطاب، وليس من باب القياس جليه ولا خفيه في شيء.
فصل: واعلموا أن الاسم إذا كان يشتمل على ما يصح أن يراد باللفظ
стр. 1054
العام وما لا يصح أن يراد ولا أن يدخل تحت الخطاب وجب أن يكون ما أخرجه عن حكم الخطاب مخصصًا له لا محالة وإن استحال دخوله فيه من جهة الإحالة والمعنى، لأنه وإن كان كذلك فالاسم ستناوله على حد ما يتناول كل ما يصح دخوله تحت الخطاب، وليس التخصص للعام أكثر من قصره على بعض ما يشتمل عليه الاسم ويتناوله الإطلاق. ولا معتبر بقول من يحكي عنه أن النص على إخراج ما هذه حاله من العام وكل داخل أخرجه منه ليس بتخصيص له الامتناع دخول فيه، لأن الاسم جارٍ عليه، فلا معنى لما قالوه.
ولهذا وجب/ لو قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وعقبه بقوله إلا ذاته، وإلا صفات ذاته، وإلا الباقي في حال بقائه لكان ذلك تخصيصًا لا محالة، وإن استحال دخوله تعالى تحت الفعل والقدرة
وكذلك لو قال: النفس بالنفس وثبت على دعوى قائل ذلك استحالة دخول البهيمة في ذلك وامتناع تكليف القصاص منها لوجب أن يكون دليل العقل المانع من ذلك، وقوله لو قال إلا نفس البهيمة، وأنه لا قصاص منها ولا فيها لكان ذلك تخصيصًا لجعله الاسم مقصورًا على بعض الأنفس.
فكذلك لو قال مع قوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ إلا الملائكة والأنبياء والأصنام إن دل العقل على ذلك لكان مخرج هذه الأشياء من المعبودات مخصصًا للخطاب لتناول الاسم له كتناوله لغيره، فثبت أنه لا معتبر بهذا القول، وأنه لا وجه له.
стр. 1055
فصل: القول في أنه لا يجوز تخصيص العام بعادة المخاطبين وإنما لم يجب ذلك لأن الشرع لم يوضع فيما ورد به من تحليل وتحريم، وغير ذلك على عادة المكلفين، وإنما وضعه سبحانه على ما بينا من تديين عباده وإن كان مبنيًا على استصلاح المكلفين. وقد تكون المصلحة باتفاق في الإقرار لهم على العقود والأفعال المعتادة بينهم. وقد يكون في ترك ذلك والتعبد بضده. وبهذا قرر عليهم عبادات ليست في عادتهم، وحظر عليهم أفعالًا ومأكلًا وعقودًا كانت معتادة عندهم. فهذا ما لا شبهة لهم فيه وفي إبطاله لمن أوجب تخصص العام بعادة المخاطبين، ولا فرق بين أن تكون العادة المتقررة بينهم عادة شرعية أو مألوفة منهم بغير شرع. فإذا جاء الخطاب العام يمنع ذلك وجب منع جميعه.
وهذا نحو أن يقول: قد حرمت عليكم الطعام والشراب في يومكم هذا، أو يقول قد حرمت عليكم البيع، وهم معتادون لأكل طعام مخصوص وشرب شراب مخصوص وبيع أجناس مخصوصة. وعلى صفات مخصوصة. فليس لأحد أن يقول هذا الإطلاق محمول على ما عادتهم أكله وشربه وتبايعه لأجل أن الاسم عام مطلق. ويمكن أن يكون من مصلحتهم تحريم أكل شيء وشربه
следующие страницы →