Полный текст (1 232 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
أنه لا خلاف في جواز اقترانه به له لوروده مورد البيان لتخصيصه. ومتى جاز الاقتران لم يكن العمل بأحدهما ووجب تعارض قدر ما تناوله العام لزم العمل في حكه بشيء غيرهما? هذا واجب عندنا.
فأما قول من زعم أن البناء والترتيب أولى لأنه استعمال للخبرين. فإنه قول باطل، لأنه استعمال للخاص وإطراح لقدر ما تناوله من العام، وإن كان اللفظ يقتضي دخوله فيه فما استعملوا الخاص علي موجبه، وليس باطراح ذلك القدر من العام لكان الخاص أولى من إطراح الخاص لموضع اقتضاء العام لدخوله فيه، وذلك ما لا حيلةً في دفعه.
فأما إذا لم نقل بالتعارض وجب القول بتخصص العام بنص السنة والكتاب وفعل الرسول ﷺ القائم مقامهما؛ لأنه لا يمكن استعمالهما إلا على وجه تخصص العام بالخبر الخاص وبيانه عليه واستعماله فيما بقي، وكذلك سبيل التعارض أو التخصص بين فعله الواقع موقع البيان وتركه الفعل الواقع على وجه البيان، لأنه يمكن أن يقع على وجه النسخ وعلي وجه البيان، ويستدل على وقوع فعله موقع قوله.
فصل: فإن كان الخبر الخاص من أخبار الآحاد التي لم يعلم صحتها ضرورة. ولا بدليل من اجماع أو غيره وجب أن يقول إنه مخصوص للعام في حق من رأى العمل بذلك الخبر دون من لم يره من العلماء وهو أيضا خاص عند الله تعالى في حق فرضه على ذلك العالم وفرضه على غيره القول بأنه عام غير خاص، لأن فرض العلماء في مثل هذا مختلف.
ولو كان مما قامت الحجةً بثبوته كان خاصًا عند الله سبحانه بغير شرط ولا تقييد وإضافة لخصوصه إلى حق أخر.
стр. 982
وكذلك إن أجمعت الأمة على العمل به وإن لم يوجب العلم كان الحكم مخصوصًا به عند الله سبحان في حق الأمة المتعبدة بالعمل بخبر الواحد. وجاز أن يكون الخبر عنده تعالى صدقًا صحيحًا. وجاز أن يكون باطلًا موضوعًا وإن وجب على الأمة إعماله في تخصص إذا ورد بشروطه، لأن إجماع الآمةً على العمل به لا يدل على صدق راويه وصحته. كما أن إجماعها على العمل بالشهادةً التي ظاهرها العدالةً لموضع تعبدها بذلك لا يدل على صدقها ما نبينه من بعد. فهذا ما يجب تنزيله على ما قلناه.
стр. 983
باب
القول في تخصص العام بالإجماع
وإذا أجمعت الأمة على أن العام مخصوص ودانت بذلك علم بإجماعها أنه وارد فيما عدا الذي أجمعت على إخراجه منه، لأنها لا تجمع على خطأ، ولا تخرج ما دخل في العام ولا تنسخ حكمه بعد ثبوته، لأن إجماعها دليل يستقر بعد النبوة وانقطاع الوحي، والنسخ لا يقع إلا من قبل الله التعبد لخلقه. وإنما تتبع الأمة الأدلة، ولا ترفع حكمًا ثابتًا وما ينسخ من الأخبار عن الرسول، فإنما هو بيان عن نسخ الله سبحانه للحكم، وإنما توصف بسببه بأنها ناسخةً على معنى إنها دلالةً على قول الله الناسخ للحكم، على ما سنشرحه من بعد.
فصل: وإذا أجمعت على أن بعض ما دخل تحت العام مخصوص خارج عنه وجب القطع على خروجه منه، وجوزنا مع ذلك أن يكون خارجًا منه على وجه النسخ لحكمه بعد استقراره ودخوله في حكم العام. وجوزنا أن يكون خارجًا منه على وجه التخصص والبيان المقترن بالخطاب أو المتراخي عنه على القول بجواز تأخير البيان. فإن اتفقت مع أنه خارج عن حكم العام على أنه خرج على وجه النسخ أو على وجه التخصص والبيان قطع بذلك. وإن
стр. 984
اختلفت فيه اختلافًا لم تتم الحجة ببعضه وجب الوقوف في ذلك، فيجب أيضًا تنزيل الأمر في هذا على ما قلناه.
فصل: فأما التخصص بالقياس فإنه واجب صحيح. فإن كان قياسًا قد أجمعت عليه الأمةً قطع بأنه مخصص للعام عند الله وعند الأمة?ً وإن كان مما لم يجمع عليه وإنما قال به البعض كان القياس مخصصًا للعام عند الله وعند ذلك المجتهد في حقه لا على الإطلاق. وإن اعتقد بعضهم أن ذلك القياس لا يوجب تخصص العام لم يكن العام مخصوصًا عند الله في حق ذلك العالم، لأن الاجتهاد في غير ذلك القياس سائغ.
فأما القول بأنه لا يجوز تخصص العام بشيء من القياس وأخبار الآحاد ممن جعل القول بذلك من مسائل الاجتهاد وجب أن يقول أيضًا إن العام مخصوص عند الله في حق من رأى من العلماء وجوب تخصصه بخبر الواحد وذلك فريضةً عليه وغير خاص عنده سبحانه وعندنا وعند من لم ير ذلك من العلماء على ما بيناه من قبل.
وأما إذا قلنا أن ذلك من مسائل الأصول/ وأن الدليل قد قطع على وجوب تخصص العام بالقياس وخبر الواحد وجب العمل بذلك والقطع بتخطئة المانع له. وإن سوغنا الاختلاف في غير خبر وقياس. وهذا هو الأولى عندنا. ونحن نبين ذلك في باب تخصص العموم بالقياس إذا لم نقل بتقابلهما إن شاء الله.
هذا جملةً ما يخص العام عندنا دون قول الأئمة وقول الصحابي ومذهب الراوي، وما يجري مجرى ذلك مما نذكره من بعد، وبالله التوفيق، وبه نستعين.
стр. 985
باب
القول في تخصص العام بأخبار الآحاد وذكر الخلاف
في ذلك وما نختاره منه
اختلف الناس في هذا الباب من مثبتي العموم ووجوب العلم بخبر الواحد والمنكرون لوجوب العمل به.
فقال كل من أنكر وجوب العمل بخبر الواحد أنه لا يجوز تخصص العموم به، لأنه إذا قابله العموم، كانت حالة أضعف منها إذا انفرد ولا شيء يقابله. فإذا لم يجب العمل به إذا انفرد كان أبعد عن وجوب العمل به والعموم في مقابلة موجبها وهذا لعمري واجب على موضوعهم، وإنما يجب أن يدلوا أولًا على وجوب العلم به منفردًا، ثم ينظر في وجوب تخصص العموم. ونحن نذكر الأدلة على وجوب العمل به عند انتهائنا إلى الكلام في الأخبار إن شاء الله.
وأما المثبتون لوجوب العمل بكل واحد منهما إذا انفرد فقد اختلفوا في ذلك.
стр. 986
فقال فريق منهم لا يجوز تخصص العام بخبر الواحد بحال من الأحوال، واعتلوا لذلك بما نذكره عنهم من بعد.
وقال الجمهور من مثبتي العمل به يجب تخصص العام به كيف تصرفت بالعام الحال إن كان عامًا قد دخله الخصوص باستثناء وغيره من الأدلة المنفصلةً أو لم يدخله الخصوص.
وقال قوم يجوز وردود التعبد بذلك، ويجوز أن لا يرد، وما قام دليل على ورود ذلك.
وقال الفريق الأول: بل قد قام عليه دليل وأن الجماعة قد أجمعت على تخصص عمومات بأخبار آحاد.
وقال فريق أخر من جملة الفقهاء وغيرهم يجوز التعبد بذلك إلا أنه لم يرد? بل قد ورد المنع فيه، لأن الصحابة زعموا أنهم ردوا خبر فاطمة بنت قيس ذي أنه لا نفقةً ولا سكنى للمبتوتةً لأجل أنه تخصص لظاهر الكتاب
стр. 987
وزعم عيسى بن أبان أنه يجوز تخصص العام المتفق على تخصصه. والذي قام الدليل على/ تخصصه بكل وجه من استثناء متصل به، وكلام منفصل عنه، ودليل عقل وقياس شرع. قال لأنه بالتخصص مجملًا ومجازًا فيجوز لذلك إعمال خير الواحد في تخصص أشياء أخر منه.
وقال قوم من أهل العراق أيضا إنه يجوز تخصص العموم المخصوص بالأدلة لأنها تجعله مجازًا ولا يجوز تخصصه بخبر الواحد إذا خص باستثناء متصل، لأنه يصير الاسم معه اسما لقدر ما بقي حقيقةً، وليس هذه حاله إذا خص بالمنفصل. هذا جملة الخلاف في هذا الباب.
والذي نختاره من ذلك أنه لا حجةً عندنا قاطعةً على وجوب التعبد بالعمل بخير الواحد وإن عارضه العموم ولا على وجوب العمل بجميع مقتضى
стр. 988
العموم وإن عارض بعضه خبر الواحد. بل الواجب الحكم بالتقابل، على ما بيناه من قبل.
فأما ما يفسد قول منكر مخصص العام بخبر الواحد لأجل تحريم العمل به، وإن انفرد بما نذكره من الأدلة من بعد على وجوب العمل بخبر الواحد إذا ورد على شروط وجوب العمل به.
فأما القائلون بوجوب العمل والمنكرون لتخصص العام إذا قابله وجواز ورود التعبد بذلك، فلا حجةً لهم على ذلك.
فيقال لهم: لم قلتم ذلك؟ فإن قالوا: لأجل أن خبر الواحد يقتضي غالب الظن والعموم يقتضي العلم والقطع على ثبوت الحكم فيما دخل تحته ولا يقابل ما يوجب العلم بما يقتضي غالب الظن.
стр. 989
يقال لهم: لم قلتم ذلك وأن مقتضى العموم ثابت معلوم غير مظنون? فلا تجدون في ذلك متعلقًا، لأن العموم لو ثبت لكان إنما يثبت بأمر يقتضي غلبة الظن دون العلم، بل القول به باطل لا يجوز أن يعلم، ولا أن يصادف الظن له وخبر الواحد أقوى منه لأنه ثابت بإجماع الصحابة وإن لم يكن كذلك، الدليل على وجوب العمل بخبر الواحد في الأصل بدون الطريق الذي يثبت به القول بالعموم، فهما سيان.
ثم يقال لهم: اعلموا على أن ثبوت الحكم فيما دخل تحت العام ثابت معلوم إذا تجرد، فما الدليل على أنه معلوم أيضًا وإن عارفه خبر الواحد مع تجويز الكل لكون الخبر صدقًا. ولو وقطع على أن مع الخبر لقطع على أن الخبر كذب باطل، وذلك محال فوجب اختلاف حال اللفظ في العلم بموجبه مع تجرده ومع مقابلة الخبر لبعضه، وسقط ما قالوه.
ثم يقال لهم: فيجب لنفس اعتلالكم هذا منع إعمال خبر الواحد في ابتداء الفرائض وإشغال الذمم المعلوم سقوطها وبراءتها بالعقل، لأن حكم العقل معلوم، وصحة الخبر مظنون. فإن راموا فصلًا نقضوا اعتلالهم، وإن مروا على ذلك تركوا مذهبهم، ولا محيص من ذلك.
ثم يقال لهم: ليس وجوب العمل بخبر الواحد مظنون? بل هو معلوم بدليل قاطع من قرآن وإجماع الصحابةً على ما نبينه في باب القول في الأخبار. وإنما المظنون صدق الراوي، وليس علينا في اسم بصدقه تكليف. كما أنه ليس الحكم بالشهادةً مع ظاهر العدالةً مظنون، بل مقطوع به ومعلوم. وإنما المظنون صدق الشهود، وليس على الحاكم في ذلك تكليف. وإذا كان ذلك
стр. 990
صار وجوب العمل بخبر الواحد وإن قابله العموم معلوم، كما أن العمل بما بقي تحت اللفظ معلوم.
فإن قالوا: إنما يعلم وجوب العمل بخبر الواحد إذا لم يقابل موجبه العموم، قيل كذلك. فإنما يعلم وجوب العمل بحكم العام إذا لم يقابل بعضه الخبر الخاص، ولا جواب عن ذلك.
فصل: فإن قال قائل: فما تقولون أنتم في العلم بثبوت حكم العقل من وقف أو تحليل أو تحريم على قول من ذهب إلى ذلك مع ورود الخبر بالنقل عنه.
فإننا نقول: إن بقاء حكم العقل مع ورود الخبر مظنون، كما أن صدق الخبر مظنون. فلو تيقنا بقاء حكم العقل لقطعنا على بطلان الخبر، ولا سبيل إلى ذلك. وكذلك القول في ارتفاع يقيننا لطهارة الماء مع خبر من يجوز صدقه عن نجاسته بعد علمنا بطهارته قبل الخبر. وعدم علمنا ببقاء حكم العدة على المعتدةً مع إخبارها لنا بانقضاء عدتها وتجويزنا لصدقها في الخبر، وأمثال ذلك مما يكثر تتبعه.
ولأن مما يذول به حكم اليقين مع وجود المظنون، وتحريم أكل ما بعلم يقينًا أنه ذكي إذا اختلط بميتةً وأشكل، وتحريم نكاح الأجنبيةً المنتفي تحريم نكاحها إذا اختلطت بذات محرم وأشكل الأمر. وزوال تحليل الاستمتاع بالزوجات إذا وقع الطلاق على واحدةً منهن والتبست الحال فيمن لي منهن، وأمثال ذلك مما يترك اليقين فيه ويزول عنه بحكم الظن على أنه يمكن أن يقال في هذا أيضًا أن تحليل ذلك كان متيقنًا قبل الاختلاط والالتباس فإن اختلط لم يكن متيقنًا، بل متيقن تحريمه.
стр. 991
وجواب هذا أننا نعلم قطعًا أنه كان في ذلك ما ليس بحرام. فلما اختلط زال حكمه الالتباس.
واستدل - أيضًا - من منع تخصص العام بخبر الواحد بأنه لو جاز ذلك لجاز نسخه أو نسخ بعضه بخبر الواحد.
وجواز هذا من وجهين:
أحدهما: أنه لا فصل بين جواز الأمرين من جهة العقل والمعنى واللغةً، لأننا لا نتيقن بقاء الحكم إذا ورد خبر الواحد الذي يجوز أن يكون صدقًا برفعه، فها سيان غير أن الإجماع منع من النسخ به فمنعناه، ولا إجماع ولا غيره من الأدلة في منع التخصص به فبقى على جوازه.
والجواب الآخر أن النسخ منافاةً برفع لحكم قد تيقن ثبوته، والتخصص بيان ما لم يثبت حكمه، فافترق الأمران.
وقد زعم قوم أن جواز تخصص العام بخبر الواحد صحيح لما ذكرناه من جهة العقل غير أن السمع قد ورد بمنعه، لأن الصحابةً ردت خبر فاطمةً بنت قيس في أنه لا سكنى ولا نفقةً للمبتوتةً، لأنها قالت: لم يجعل لي رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقةً? فقال عمر رضوان الله عليه: ((لا ندع كتاب ربنا بقول امرأةً لعلها نسيت أو شبه لها)). وفي خبر أخر: ((لا يدرى أصدقت أم كذبت)) يعني بكتاب الله قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وذلك عام في كل مطلقةً مبتوتةً وغير مبتوتةً وخبرها يمنع من
стр. 992
ذلك وقصر السكنى والنفقة على الرجعية. وهذا ليس بدليل لأنه يمكن أن يكون ﵁ إنما رد خبرها لما علل به من قوله: ((لا يدري أصدقت أم كذبت)) ولعلها نسيت أو شبه لها. وهذا ينبئ عن اعتقاده فيها أنها ليست من أهل العدالةً، لقوله: ((لا ندري أصدقت أم كذبت) ثم نقل مثل ذلك في خبر كل واحد، وعلى أنها ليست من الضبط والذكر بحيث يجب العمل بخبرها? ولذلك ذكر النسيان وأنه شبه لها. وهذا لا يوجب رد من ليست هذه صفته فسقط ما قالوه.
وقد ادعى مخالفوهم إجماع الصحابة على أنهم كانوا يرون تخصص العام بأخبار الآحاد. وذلك أنهم خصوا قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بعد ذكر ذوات المحارم بخبر أبي هريرة عن النبي ﷺ من نهيه أن تنكح المرأةً على عمتها أو خالتها)).
وخصوا قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ , بإطلاق اللفظ يقتضي/ تحليلها دخل بها الثاني أو لم يدخل، فخصوا ذلك بروايةً من روى لهم قوله ﵇: ((حتى تذوق عسيلتها))
стр. 993
وخصوا - أيضًا - قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وجميع أي المواريث برواية آبى هريرة: ((لا يرث القاتل ولا العبد ولا أهل ملتين)) وخصوا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وقال بعضهم وقد خصوا قوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بما روي عنه من أمره ﵇ بإعادة الوضوء والصلاة من القهقهةً فيها.
стр. 994
فهؤلاء يدعون إجماع الصحابة على تخصص العمومات بأخبار الآحاد على كسر دعوى المنع لذلك.
وعن هذا الذي قاله هؤلاء أجوبة:
أحدها: إن جميع هذه الأخبار التي خصوا بها أخبار قد قامت بها الحجةً عند الصحابةً وعلمت صحتها وثبوتها، فلذلك خصت العمومات بها.
وقد بسطنا الجواب عن كل خبر في الكاب الكبير بما يغنى الناظر فيه.
ويقال لمن تعلق بهذا أيضًا. فما أنكرتم من تجويز النسخ بأخبار الآحاد، لأنهم قد قبلوا خبر الواحد في التحول عن القبلةً لما روي لأهل قباء.
فإن قالوا: كان خبرًا قد قامت به الحجةً عندهم.
قيل لهم: مثل ذلك فيما خصوا به العام.
فصل: فأما قول من قال إني لا أخص العام بخبر الواحد إلا أن يكون مما قد أجمع على تخصصه ومما دخله التخصص، فإنه قول لا وجه له، لأننا قد بينا أنه لا يتيقن ثبوت حكم العام مع معارضة الخبر لبعض موجبه.
وعمدتهم في ذلك إنه إذا تجرد عما يخصه يبقى عمومه وثبوت خبر الواحد مظنون وقد أفسدنا هذه الطريقة بغير وجه، فعلم أنه لا فرق بين تخصصه لعام دل الدليل على تخصصه. وعام ليست هذه سبيله، ولا وجه لتعلقهم في ذلك? بأنه لو كان الخبر الخاص محدد على وجه البيان من الرسول ﵇ لوجب أن تذكره الأمةً وأن تنقله نقلا يوم به الحجة. وإذا لم ينقل كذلك صار واردًا على وجه النسخ. والنسخ لا يصح بأخبار الآحاد، لأنه
стр. 995
قد يصح أن يتعبد ببيان خصوصه للآحاد. وأن لا ينقل اقتران بيانه له أو وقوعه متراخيًا فدعواهم لما قالوه لا حجة عليها.
ويقال لهم: ولو كان الخبر المخصص منه على وجه النسخ لبعض العام لوجب بيانه لذلك وأن يلقيه إلقاء يعلم به كونه ناسخًا. وإذا لم ينقل/ ٤٢٠ على هذا الوجه وجب الحكم على أنه مخصصًا غير ناقل على وجه النسخ. وهذا يسقط ما قالوه. وهما جواب من قال إنني لا أسلط خبر الواحد المظنون صحته على عموم لم يدخله. التخصص بدليل مقطوع به، لأجل أنني أزول عن حكم عموم متيقن بخبر واحد مظنون صدقه، لأنه لو تيقن ثبوت العموم مع خبر الواحد لتيقن كون الخبر باطلًا. وفي الاتفاق على تجويز صحته ما يوجب الزوال عن حكم تيقن العموم. وهذه جملة كافيةً في هذا الباب.
стр. 996
باب
الكلام في تخصص العموم بالقياس والخلاف فيه
اختلف الناس في ذلك:
فمن قال: إن اللفظ محتمل للعموم والخصوص قال أتبين بالقياس أحد محتمليه. وليس ذلك من تخصصه العام في شيء لإنكاره القول بالعموم.
واختلف القائلون بالعموم في ذلك في الأصل على وجهين. فقال كل من قال بالعموم وأبطل القياس في الأحكام إنه لا يجوز تخصصه العام، لأنه ليس بدليل لو انفرد عن العام، فكيف به إذا قابله ومنع إعماله.
وقال مثبتو القياس في ذلك قولين:
стр. 997
فقال فريق منهم لا يخص العموم بالقياس كيف تصرفت به الحال، لأنه دليل إذا انفرد عن مقابلةً العموم لموجبه، وليس بدليل إذا قابله العموم، وعليه فريق من الفقهاء من أهل المذاهب المختلفة. وبه قال شيخنا أبو الحسن الأشعري ﵁ وطبقة من المتكلمين منهم الجبائي وابنه. وحكي رجوع ابنه عن ذلك إلى القول بأنه يخصه.
وقال الجمهور من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي إنه يجب تخصصه بالقياس جليّه وخفيّه، وكيف تصرفت الحال به. وبه قال شيخنا أبو الحسن ﵁.
وقال فريق من أصحاب الشافعي يجب تخصصه بجلي القياس دون خفيه.
وقال عيسى بن أبان ومن ذهب مذهبه أنه يجب نخصص العموم بالقياس إذا ثبت تخصصه بدليل يوجب العلم، وإن لم يكن مما دخله التخصص بدليل قاطع لم يجز إعمال القياس في تخصصه.
ومن أهل العراق من يفرق بين وجوب تخصصه إذا خص بدليل منفصل أو باستثناء متصل فيوجب تخصصه به إذا كان مخصوصًا بدليل منفصل، ولا يجيز ذلك إذا كان مخصوصًا باستثناء ولفظ متصل، لأن ذلك يجعل الاسم اسما لما بقي حقيقةً وبمثابة المطلق في كونه مستغرقًا للجنس.
والذي نختاره في هذا الباب/ ٤٢١ القول بوجوب تقابل القياس والعموم لو ثبت في قدر ما تعارضا فيه والرجوع في تعرف حكم ذلك إلى شيء سواهما. وأنه ليس في العقل، ولا في الشرع دليل قاطع على وجوب ترك الصوم بالقياس، وترك القياس للصوم فالأمر في ذلك والذي قلناه
стр. 998
في تقابل العموم والخبر الخاص في قدر ما تعارضا فيه.
فإن قائل قائل: قبل الكلام على المخالفين في هذا الباب قولكم بتقابل العموم والقياس خارج عن الإجماع لأنه لا أحد ممن يقول بالعموم بإثبات القياس في الأحكام يقول بمقابلتهما.
يقال له: ليس الأمر على ما توهمته ولا إجماع في ذلك من الأمة، ولا من القائلين بفرض القياس في الأحكام ووجوب العمل بالعام.
ولأن القائلين بمقابلة الخبر الخاص للعام في قدر ما يتناوله الخاص من أصحاب أبي حنيفة وأهل الظاهر يقولون بترك تخصص العام بالخبر المتواتر وبالآيةً من القرآن، التي هي نص في التخصص للعلةً التي ذكرناها في وجوب تقابل الخبر والعام. ويجب أن يكونوا أقوى بذلك في تقابل القياس والعموم. ومع هذا فقد علمنا أن كثيرًا من الفقهاء يقولون بوجوب تقديم العمل بموجب القياس على العمل بموجب خبر الواحد، ويرى أنه أقوى من الخبر.
ومنهم من يقول: بل يجب تقديم العمل بموجب الخبر وترك موجب القياس لأجله.
وإذا منع هؤلاء تخصص العموم بالخبر، وهو مقدم على القياس فبأن يقولوا بتقابل العموم والقياس أولى. ومع هذا فلو ثبت إجماع القائلين بوجوب القياس في الأحكام على أنه لابد من تقديم العموم على القياس أو تخصصه بالقياس لم يكن هذا الإجماع من القائلين بالعموم والقياس حجةً،
стр. 999
لأنه ليس بإجماع من الأمةً. وإنما هو إجماع هذا الفريق منهم المصيبون في القول بوجوب القياس في الأحكام. وصوابهم في ذلك لا يدل على أنهم يصيبون في أنه لا بد من ترك العموم للقياس أوترك القياس للعموم، لأنهم إذا لم يكونوا جميع الأمةً لم يكن إجماعهم حجةً لما نذكره من بعد، فبطل التعلق بخروج هذا القول عن الإجماع.
فإن قال قائل: فما الدليل على تعارض العموم والقياس فيما تقابلا فيه.
قيل له: الذي يدل على ذلك علمنا بأن العموم لو انفرد عن القياس لوجب/ (٤٢٢) إمضاؤه في قدر ما تناوله القياس وغيره مما يلحقه الاسم. وأن القياس لو انفرد عن مقابلة العموم، لموجبه لوجب العمل به فيما تناوله، ووجب إذا اجتمعا جميعًا تقابلهما والرجوع في تعرف حكم ما تناولاه إلى شيء غيرهما، وليس لأحد أن يقول: بل اطرح القياس للعموم، لأن دليله أقوى؛ لأن ذلك بعكس ما يجب، لأن دليل القياس أقوى مما ثبت به القول بالعموم، لأنه ثابت بإجماع الصحابة عندنا جميعًا. وليس العموم على قول أكثر مثبتي القياس ثابتًا بإجماع الصحابةً، بل في القائلين بالقياس من يبطل العموم قي الأحكام. فلا شك في أن ما ثبت به وجوب العلم بالقياس أقوى مما ثبت به القول بالعموم.
وكذلك فليس لأحد أن يقول: إذا كان ما ثبت به القياس إجماع الصحابةً، وهو أقوى مما ثبت به العموم وجب إطراح العموم لأجل القياس، لأن الصحابةً لم تجمع على ثبوت العمل بغير القياس الذي يوجب مستعمله إطراح العموم به. وإنما أجمعوا على وجوب العمل بجملة القياس لا بغير واحد منه نقصد به ترك العموم لأجله.
стр. 1000
بل في القائلين بالعموم من يقول: ما عمل الصحابة قط بقياس يقابل العموم موجبه، بل كانت تترك القياس للعام، وتعمل به إذا لم يكن الظاهر في مقابلته، وإذا كان ذلك كذلك تكافأت هذه الدعاوي ووجب القول بتعارض العموم والقياس فيما تقابلا فيه.
ويدل على ذلك أيضًا أن حجة العقل لا توجب تقديم أحدهما على الآخر مع العلم بأن كل واحد منهما حجةً في العمل إذا انفرد، وليس في السمع - أيضًا - ما يوجب ترك أحدهما للآخر ولا فيه إجماع، لعلمنا بوقوع الخلاف في ذلك فممن تقدم يقدم العموم ومن أخر يطرح العام لموضع القياس. فإذا تقاومت الأقاويل وجب التعارض بينهما لا محالة.
ومما يدل على وجوب تعارضهما أننا إذا أفسدنا قول من قدم القياس على العموم وقول من قدم العموم على القياس واطرحه لأجله لم يكن بعد ذلك إلا القول بالتعارض بينهما من حيث لم يسع العمل بأحدهما وإطراح الآخر، وذلك ظاهر في وجوب ما قلناه. ويجب أن يكون هذا الذي ذكرناه من تقابل العموم والقياس فيما تناولاه وبطلان تقديم أحدهما على الآخر دليلًا قاطعًا على أنه لا يجوز/ ٤٢٣ أن تكون الأمة مجمعةً على إبطال التقابل بينهما؛ لأن إبطال ذلك خطأ مقطوع به لما بيناه في تقاومهما. ولا يجوز أن يخرج هذا
стр. 1001
الحق الواجب عن قول الأمةً، وأن لا يكون فيها قائم به وذاهب إليه.
وكذلك فإنه يجب أن يقال ما نعلم أن هذين الفريقين في الأمة، من قال أخص الظاهر بالقياس. وفي منع ذلك قد أجمعوا على تحريم القول بالمقابلةً، كما لا يعلم بإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة أن يحرمون الذهاب إلى القول الآخر، وإنما يجب أن يعلم هذا وأمثاله من دين الأمة بتوقيفهم عليه، ولا توقيف عنهم في ذلك.
стр. 1002
باب
الكلام في موجبي تقديم القياس على العموم
في قدر ما يتناوله
فيقال للقائلين بذلك لم قلتم هذا؟
فإن قالوا: لأجل أن القياس معنى لا يصح نقله والتجوز به? ولا يمكن تخصصه، وهو أقوى من النص. لأن النص يجوز نقله والتجوز به واستعماله في غير عين ما وضع له، والقياس لا يمكن ذلك فيه. وإذا وجب تخصص العموم بالنص كان تخصصه بالقياس أولى.
يقال: أول ما في هذا أننا لا نسلم لكم وجوب تخصص العام بالنصوص على سقوط الحكم في بعض ما تناوله، بل يوجب تقابل النص العام في قدر ما تناولاه، على ما بيناه من قبل، فبطل ما بنيتم عليه من أصله.
ثم يقال لهم: الأمر في هذا بعكس ما قلتم لأن الاحتمال وجواز الغلط في القياس أكثر منه في العموم، بل لا غلط ولا شبهةً عند مثبتي العموم في استغراق إطلاقه لجميع من يلحقه الاسم، وفي القياس شبه كثيرةً تعرض? والعموم عري سالم من جميعها.
فمنها: أن القياس قد يكون منتزعًا من خبر واحد يجوز عليه الغلط والسهو والتحريف، فيكون منتزعًا من أصل باطل.
стр. 1003
ومنها: أنه إن القياس ربما قاس? وما استكمل صفة الاجتهاد في المسألة، وهو يظن استكماله لذلك.
ومنها: إنه قد يقصر المجتهد ويلحقه الفتور والونى فيكون اجتهاده باطلًا، والحكم به باطل.
ومنها: إنه لا يأمن وإن اجتهد وقاس أن يكون قد أخطأ ووضع الاجتهاد في غير حقه على قول من يقول إن الحق في واحد.
ومنها: إنه ربما استدل على العلةً المنتزعة بما ليس بدليل.
ومنها: إنه ربما ظن شبه الفرع بالأصل في علته وإن لم يكن مشبهًا فيلحقه به لظنه تساويهما في العلة. والعموم سالم من ذلك كله فيجب تقديم العمل بموجبه على العمل بموجب القياس.
واستدلوا أيضًا على وجوب تقديم العمل بالقياس بأنهم إذا فعلوا ذلك وخصوا به العام كانوا مستعملين الدليلين، لأن العام مستعمل فيما بقي (مما عدا) الذي أخرجه القياس، وإذا لم/ يخص به اطرحنا القياس. وذلك غير سائغ.
يقال لهم: هذا توهم منكم لأنكم لا تقدرون على استعمال العام على موجبه في الاستغراق مع إعمال القياس في إخراج بعضه عن الحكم، وإنما تستعملونه مخصوصًا في قدر ما بقي، فقد تركتم القضاء بموجب العموم لوضع القياس. فبطل لذلك ما قلتم.
فصل: ذكر علل الموجبين للعمل بالعموم دون القياس.
وقد اعتمد هؤلاء لصحة قولهم بأمور:
стр. 1004
منها: أن قالوا يدل على ذلك أن القياس بإجماع مثبتيه فرع للعمومات والنصوص وأنه لابد له من أصل ينتزع منه المعنى ويحمل عليه الفرع. فلو جوزنا تخصص العموم به لاعترضنا بالفرع على أصله وما به يثبت، لأنه لا عموم من كتاب ولا سنةً إلا ويصح أن يكون أصلًا للقياس، ولا يصح أن يعرض عليه تفرعه.
قالوا: ولهذه العلةً بعينها امتنع الناس من النسخ به، لأنه إنما يثبت بأصل هو النص والعموم. فإذا نسخ به صار رافعًا لأصله، وذلك فاسد.
فيقال لهم: ما قلتموه باطل من وجوه:
أحدها: إننا إذا قلنا بتخصص العام بالقياس على ما قاله القوم. فمعنى ذلك أننا إنما نخص العام بحكم أصل أخر غير المخصوص قد علمنا المراد به، لأن الله سبحانه إذا أمرنا بالقياس، وعللنا بعض الأصول بعلة توجب إخراج بعض ما في عام أخر غير المعتل المنتزع منه. فإنما خصصنا العام بالأصل المعتل وعوقنا أنه مخصص له وكان الله سبحانه هو المخصص له بحكم ذلك الأصل، وعرفنا نحن أنه مخصص له بالاعتبار والانتزاع لم نكن نحن الواضعين بحكم ما أوجب تخصص العام، بل الله سبحانه الحاكم بتخصصه. ولهذا نقول جميعا - أيضًا - أننا لا نضع الأحكام وإن قسنا، وأن الأحكام التي نثبتها بطريق القياس فالله سبحانه الواضع لها. وإنما نعلم وضعه لها بالنظر والاعتبار. فبطل ما قلتم وسقط قولكم أننا نعرض على الأصل بفرعه، لأن ما يخصى به العام حكم أصل أخر، وليس أحد الأصلين فرع لصاحبه.
والوجه الأخر: إننا لو كنا نعرض بنقيض القياس على الأصل العام
стр. 1005
فنخصه به لم نكن معرضين به على أصله، وإنما نعرض به على المخصوص، وليس أصله المخصوص. وهذا نحو اعتراضنا بقياس الأرز على البر علي تخصص قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَْ﴾ فيحرم به بعض البيع، وليس هو تخصص لقوله ﵇: (البر بالبر مثلًا بمثل وكيلا بكيل). بل هما أصلان ليس أحدهما فرع لصاحبه، وليس يجب إذا قلنا القياس فرع للنص والعموم أن يكون فرعًا لكل/ نص وعموم في الكتاب والسنة، وإنما نعني ٤٢٥ بذلك إنه فرع لبعض ذلك، فسقط ما قلتم.
فإن قالوا: فأجيزوا لأجل ما قلتم النسخ بالقياس.
قيل لهم: القوم يجيبون عن ذلك بأجوبة.
منها: إن ذلك لا يحيله العقل نسخ أصل بالقياس على حكم أصل أخر بمنزلة التخصص للأصل بحكم أصل أخر غير أن الإجماع منع من ذلك. وقولهم إن ذلك لم يوجد ولا يوجد قياس بشروط الصحة يقتضي نسخ حكم بعض الأصول.
والجواب الآخر: إن النسخ بالقياس لا يجوز، لأنه رفع حكم مستقر.
стр. 1006
والتخصص له بيان ما لم يرد مما أريد وليس بإزالة لحكم ثابت، فافترق الأمران.
والجواب الثالث: إنه لو امتنع التخصص بالقياس، لأنه يكون اعتراضًا عليه بفرعه لوجب امتناع تخصص العام بخبر الواحد، لأنه اعتراض عليه بفرعه؛ لأن العلم بخبر الواحد ثابت بأصل من كتاب وسنةً، والفرع لا يعرض به على أصله. ولو جاز ذلك لجاز النسخ بالقياس، وإن كان فرعًا له حتى يعرض بالفرع على أصله.
فإن قالوا: خبر الواحد ثابت بإجماع الصحابة لا ببعض الظواهر والنصوص.
قيل لهم: وكذلك القياس ثابت بإجماع الصحابة على العمل به لا ببعض الظواهر والنصوص، فليس هو إذًا فرع لظاهر ونص.
علةً أخرى والجواب عنها.
قالوا: ويدل على ذلك أن القياس إنما يطلب به علة الحكم فيما لم يرد نطق به، ولو نطق بحكمه لم يحتج إلى القياس، وما دخل تحت العموم مما يخرجه القياس منطوق بحكمه بالقياس إذا عارضه بمثابة معارضته للنص على العين الواحدةً، فلم يجز تخصص العموم به.
يقال لهم: ما قلتموه باطل من وجوه.
أحدها: إنه ليس كل ما تحت العموم منطوق به كالنطق بالعين الواحدة? بل هو معرض للاحتمال وجواز التخصص. ولذلك صح تخصصه بدليل العقل والمتواتر، وكل شيء يوجب العلم بإخراج بعض منه، وليس
стр. 1007
بنقض ومعارضةٍ له لاحتماله. فكذلك تخصصه بالقياس ليس بمعارض لمنطوق به فيه غير محتمل. وقد بينا أن العموم إن ثبت فإنما ثبت باجتهاد، وأنه ليس بمثابة قوله اقتل زيدًا في نفي الاحتمال عنه، فبطل ما قلتم.
وجواب أخر: وهو أنه لا يجب لأجل ما وصفتم منع تخصص العام بالعقل والمتواتر وأخبار الآحاد، لأن حكمه قد ثبت بلفظ العموم. والأدلة لا تتناقض.
فإن قالوا: ما أخرجه العقل من العام بدليل فالخبر لم يعرف ثبوت الحكم فيه مع إخراج العقل والخبر له.
قيل لهم: وكذلك ما أخرجه القياس فإنه لم يعرف ثبوت الحكم فيه، ولا فصل. وهذا نقض لقولهم إن ما دخل تحت العموم قد عرف النطق بحكمه كما عرف حكم العين النصوص على حكمها.
علةً أخرى لهم:
قالوا: ويدل على ذلك قوله ﵇ لمعاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فأقره على الحكم بالاجتهاد إذا لم يجده في الكتاب. وكل ما دخل تحت العام فحكمه موجود في الكتاب، وهو بمنزلة النص على العين.
стр. 1008
يقال لهم: قد مر جواب هذا بما يغني عن رده وهو كون العموم محتملًا، لأنه يخص. وامتناع التخصص في العين الواحدة.
ثم يقال لهم: فيجب لنفس هذا الخبر ألا يخص معاذ العموم بالخبر المتواتر ولا بخبر الواحد? ولا بما سمعه من الرسول، لأن ما يخرجه من العموم بذلك موجود في الكتاب، والشرط الحكم بالسنةً إذا لم يوجد في الكتاب، فكل شيء قالوه في منع ذلك منعناهم به أن يكون ما أخرجه القياس موجود في حكم الكتاب.
ويقال لهم - أيضًا - إذا كنا وأنتم نتفق على أن المأخوذ على معاذ وكل عامل العمل بحكم العقل لم يجز الزوال عن حكم العقل بالقياس والخبر ونص القرآن، لأنه معلوم بالعقل براءةً الذمةً، ولا يجوز الانتقال عنه بالقياس والخبر، ولا جواب عن ذلك.
стр. 1009
وقد تقصينا ذكر عللهم في الكتاب الكبير. بما يغني الناظر فيه. وما ذكرناه ها هنا منبه على جواب ذلك أجمع.
فصل: الكلام على من أحال تخصصه بخفي القياس وأجازه بجليه.
هذا الكلام عندنا لا معنى له ممن قاله من أصحاب الشافعي. لأنهم يزعمون أن القياس الجلي هو قياس العلة والخفي قياس الشبه. وقياس العلةً أحق بأن يكون خفيًا، لأن العلة المشرعةً محتاجةً إلى دليل ونظر، وربما قوبلت واحتاجت إلى ترجيح وطول اعتبار، فهو لذلك بالخفاء أولى. وقياس الشبه رد نطق في الصلاة إلى نطق، وذكر إلى ذكر، وجلسة إلى جلسة في الهيئة وذلك ظاهر لا يحتاج إلى دليل/ (٤٢٧) واستخراج كحاجةً علة الحكم إلى الدليل. فما قالوه في ذلك يعكس ما يجب.
ومنهم من يقول قياس العلة مثل قوله: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)) و (ينقص التمر إذا يبس)) ونحوه.
стр. 1010
وهذا باطل، لأن هذا ونحوه عندنا بمثابة المنطوق به وأبلغ، لأننا قد بينا أننا نعلم ضرورة قصد من قال ذلك أنه نهى عن الحكم مع كل أمر مقطع عن التحصيل من غضب وغيره، وليس العلم بذلك كالعلم بعلة الربا وأمثاله? بل هو بمنزلة قوله: (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) (وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) وقد مر من ذلك ما فيه إقناع.
ويدل على فساد هذا القول اتفاقنا وإياهم على أن الصحابة خصت العمومات بالقياس ولم تفصل بين جليَّه وخفيَّه، كما أثبتت ابتداء الأحكام بالقياس، ولم تفصل في ذلك بين جليَّه وخفيَّه.
ويدل على ذلك - أيضًا - أنه إذا كان جلي القياس وخفيه باطنيين ومستخرجين مستنبطين، وجاز التخصيص بأحدهما جاز بالأخر، وبطل ما قالوه.
стр. 1011
باب
القول في تخصيص العام بقول الصحابي
اختلف الناس في ذلك.
فحُكي عن الشافعي وغيره ممن يرى تقليد الصحابة إنه يجب.
وقال قوم من أصحاب الشافعي هذا إنما قاله الشافعي في قول الصحابي الذي هو حجة. وهو الذي انتشر قوله وظهر، ولم يعلم له مخالف، لأنه حينئذ يصير عنده حجة وبمثابة الإجماع، وذلك ما لم ينتشر ويظهر.
وحُكي عنه أنه قال في الجديد في قوله إنه لا يخص العموم بقول الصحابي وإن انتشر، وأنه ليس بحجة ولا إجماع، وأن العموم دليل هو أولى منه. وهذا هو الصحيح وبه نقول.
ونحن ندل في فصول القول بالإجماع على أن القول وإن انتشر لم يكن إجماعًا إلا أن يعلم اعتقاد الكل. ونفصل القول في ذلك مما يوضح الحق إن شاء الله.
стр. 1012
والذي يدل على أنه لا يجب تخصيص العموم بقول الصحابي أن العموم إذا ثبت كان أحد الأدلة على ثبوت الأحكام، وقول الصحابي ليس بدليل على الحكم، ولا يجوز تقليده بما نبينه في باب إبطال تقليد العالم للعالم، وإذا كان ذلك كذلك وجب ترك قول الصحابي بالعموم.
فإن قالوا: الصحابي لا يخص العام إلا بقول سمعه من الرسول ﵇ يقتضي التخصص.
يقال لهم: لم قلتم ذلك، وقد يخصه بخبر يسمعه ويخصه تارة باجتهاده وقياسه، ويخصه تارة برواية راوٍ له، وقد يضع القياس تارة في حقه، وقد يقع منه التقصير ويضعه في غير حقه. وإن كان الظاهر من حاله أنه أقرب إلى الصواب منا، وأعلم بوجوه الاستخراج للعلل وأعرف بمقاصد/ الرسول ﵇ ووجوه التأويل ومعرفة التنزيل وأسبابه، غير أنه مع ذلك أجمع، غير معصوم من الخطأ ووضع الاجتهاد في غير حقه، وترك الاجتهاد فيما يجب الاجتهاد فيه، وهذا الضرب من الخطأ هو الذي عناه أبو بكر وعمر وابن مسعود ﵃ واستعاذوا بالله منه في قوله: "أي سماء تظللني
стр. 1013
وأية أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله برأيي" وقول عمر: "وإن يك خطأ فمن عمر" وقول ابن مسعود في بروع بنت واشق: "وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان". وقول علي ﵇: "فقضائي .... " وأمثال هذا، لأن الدلالة قد دلت على أن كل مجتهد في حكم الشرع مصيب في اجتهاده إذا وضع في موضعه، حق وصواب لا يجوز أن يكون خطأ. وقد قال عمر: "كل الناس أفقه من عمر" وقال: "لولا
стр. 1014
علي لهلك عمر" والخطأ في الاجتهاد لا يوجب الهلاك. وكذلك ما ذكرت فيه المباهلة وإحباط العمل على ما نبينه من بعد في فصول القول في الاجتهاد. وإذا كان ذلك كذلك لم يجب حمل قول الصحابي على أنه لم يقله إلا عن تخصص العام.
فإن قيل: فأقل أحواله أن يكون قاله عن اجتهاد وقياس واجتهاده مقدم على اجتهادنا.
قيل له: الأولى به في صفته ما قلته غير أنه يجوز عليه وضعه في غير حقه والعدول به عن بابه ثم لو وضع الاجتهاد موضعه لم يسغ تقليده فيه، لأنه لم يقلد بعضهم بعضًا وإن كان كل واحد منهم قد وضع الاجتهاد
стр. 1015
في حقه، ونحن نبين من بعد فساد تقليد العالم للعالم، فبطل ما قالوه.
فصل: فإن قال قائل: فإذا قلتم إن كل مجتهد مصيب، وكان قول الصحابي واقعًا باجتهاد فيجب أن يكون صوابًا وحجة يخص به العموم.
يقال: ما قلتم باطل من وجوه:
أحدهما: إنه لو وجب لوجب تخصص العام بقول كل مجتهد من الصحابة وغيرهم، لأننا لا نخص مجتهد الصحابة بأنه مصيب دون غيره. وإذا لم يجب ذلك بطل ما قلته.
والوجه الآخر: أننا لا نعلم أولًا أن الصحابي قال ما قاله باجتهاد يسوغ القول بمثله وإن كان المظنون به والغالب من حاله أن لا يكون ما قاله إلا عن اجتهاد رأي وطريق يسوغ القول من جهته، وإذا لم يعلم ذلك من حاله، وإنما يحسن الظن به، سقط ما قلته.
والوجه الآخر: إنه ليس كل حق وصواب يجب كونه دليلًا لله سبحانه على وجوب تخصص العام. وإنما كان الخبر والقياس وكل ما يخص به/ العام مخصصًا له من حيث وجب كونه دلالة يجب الرجوع إليها وقول الصحابي ليس حجة على غيره به يُخصص العام، فبطل ما قلته، ومع هذا فإن اجتهاد الصحابي وقوله الذي اختاره القياس إليه، فوجب لتخصص العام في حقه على قوله ورأيه، وليس بموجب للكل بل حرام على من لم ير ذلك أن يعمل به وإن لم يخص عامًا، فكيف بأن يعرض به على العام، وليس يمتنع كون الشيء حقًا وصوابًا في حق مكلف، وليس بحق وصواب في حقٍ غيره، ولذلك صار القصر والإفطار حقًا وصوابًا في حق المسافر، وباطلًا في حق المقيم، إلى أمثال هذا مما يختلف فيه فرائض المكلفين.
стр. 1016
ولأجل هذا صار منا العالم دليلًا للعامي على وجوب الأخذ بقوله وجواز تخيره فيه، وفي فتيا غيره إذا اختلفت عليه الفتاوى لم يجز أن يكون دليلًا للعالم على وجوب الأخذ أو التخيير له فيه وفي غيره تقليدًا بغير نظر واعتبار.
ولأجله صار سماع الخبر من الرسول ﵇ دليلًا لسامعه على وجوب العلم والعمل به، ولم يكن دليلًا لمن روي له رواية الآحاد على وجوب العلم.
فكذلك قياس القائس واجتهاده الذي هو أولى عنده يجريه عليه في حقه ويخصص العام، ولا يجب ذلك على غيره. وهذا بين في سقوط ما ألزموه.
ويقال للمطالب. فهذا ممن يقول إن الحق في واحد فيجب - أيضًا - عليك تخصيص العام بقول كل قائس من الصحابة وغيرهم، لأن قول كل مجتهد متعبد بالحكم والفتيا به، والعمل بموجبه، فيجب لذلك تخصص العام به. فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلته.
стр. 1017
باب
القول في هل يجب تخصص العام بمذهب الرواي
أم لا يجب ذلك ؟
اختلف الناس في ذلك:
فقال الدهماء من الفقهاء والمتكلمين إنه لا يجب تخصص العام به وإن حمله الراوي على الخصوص.
وقال قوم من أصحاب أبي حنيفة يجب تخصص العام بحمل رواية له على ذلك لموضع سماعه الخبر من الرسول ﵇، وتلقيه له، وفضل علمه ومعرفته بالتنزيل وأسبابه، وكونه أقرب إلى العلم بمقاصد الرسول بالمحتمل من غيره. وزعموا أنه لا يجب حمل الخبر المروي في وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا على استكمال العدد، لأن أبا هريرة ﵀،
стр. 1018
وهو رواي الخبر جوز الاقتصار في غسله على الثلاث وهذا مذهب عيسى ابن أبان ومن قال بقولهم منهم.
وقال كثير من أصحاب الشافعي إن الخبر إذا احتمل وجهين فأكثر فحمله/ الراوي له على بعض محتملاته وجب لذلك صرفه إلى ما حمله عليه. وزعموا أن هذا هو قول الشافعي، لأجل أنه حمل قوله ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" على افتراق الأبدان، لأن عبد الله بن عمر وهو الراوي للخبر حمله على ذلك.
стр. 1019
والذي نختاره في ذلك حمل العام على عمومه وإيقاف المحتمل على الدليل.
فإن علم أن تخصص الراوي للعام وحمله المحتمل على بعض محتملاته بدليل يوجب ذلك ووجه من وجوه الاجتهاد يغلب على ظننا وجوب العمل به خصصنا به العام إذا لم نقل بالتعارض، وصرفنا المحتمل إلى ما صرفه إليه، وإن لم يوجب ذلك لم يجب أن يصير إليه، وإن لم يعرف حمله من أي ناحية خص العام وقصر المحتمل من الخطاب على بعض محتملاته وجب حملنا للعام على عمومه واجتهادنا في المراد بالمحتمل منه.
وإن قال الراوي إنما قصرت العموم على بعض ما يشمله والمحتمل على بعض من احتمله لتوقيف لي من الرسول ﵇ على ذلك، أو قال علمت ضرورة ذلك من قصد الرسول ﵇ حتى سمعه بأمر اقترن به قبل قوله، وصار بمثابة راوية للفظ الرسول ﵇ المخصص للعام والصارف للمبهم إلى بعض وجوه الاحتمال، وإن قال صنعت فيهما بنظر واجتهاد وجب سؤاله عنه، فإن خبر فيه، وإن أمسك عنه رجعنا إلى البحث، والنظر هو الذي يدل على ذلك أن الأحكام معلقة بلفظ الرسول ﵇ لا بقول الراوي ومذهبه، فيجب حمل العام على عمومه ومقتضى لفظه، وإيقاف المحتمل على النظر في المراد به.
فإن قالوا: إذا لم يقل الراوي إني فعلت ذلك برأي واجتهاد علم أنه لم
стр. 1020
يفعله إلا بتوقيف من الرسول لأنه إذا لم يبين أنه قاله عن نفسه، فالراوي أوهم أنه سمع خصوصه وصرف المحتمل إلى ما صرف إليه وألزم الناس المصير إلى قوله.
يقال لهم: هذا غير واجب ولعاكس أن يعكس ذلك ويقول. لو قاله عن توقيف وسماء لوجب أن يخبر بذلك، لأن ي إمساكه عن ذلك إبهام أنه قال برأيه وتسويغ الخلاف عليه فيجب ذكره التوقيف وهذا أولى، على أنه إذا علم الراوي أن العلماء يعلمون من حاله بأنه إنما خص العام باجتهاده، وربما خصه وصرف المحتمل إلى بعض محتملاته باجتهاده لم يجب عليه بيان ما لأجله قال ذلك، وله من النظر فيما رواه وحمل كل شيء منه على موجب اللسان وطلب المراد بالمحتمل، لأن قوله العاري عن حجة ليس بدليل لنا على وجوب إتباعه فيه وترك العام والنظر في المحتمل.
ويدل/ على ذلك - أيضًا - اتفاقنا على أن الراوي لو لم يعلم بشيء من العام جملة ولا ببعض وجوه المحتمل لم يجب عليه ترك العمل بذلك، لأجل نفس تركه له، وكذلك إذا ترك بعضه لم يجب تركنا له إلا بحجة تفارق قوله، إذ كان قوله ليس بدليل.
فصل: فإن قال قائل: فما تقولون لو ترك الراوي العمل بالعام جملة وشيء من المحتمل أو صرف الظاهر عن حقيقته إلى المجاز أو خص العام وصرف المحتمل إلى بعض وجوه الاحتمال وصوبته الأمة أجمع على ذلك، هل يدل تصويبها له على أنه قال ذلك عن توقيف وسماع من الرسول أم لا؟
قيل له: لا يدل ذلك على سماعه توقيفًا فيه، بل يدل تصويبها له على أن ما قاله حق وصواب يحرم مخالفته ومخالفة الأمة الموافقة له عليه فيه، لأنه حرام مخالفتها في شيء مما أجمعت عليه وعلى وجه تدين جميعها به.
فأما أن يدل ذلك على سماعه توقيفًا حمل الخطاب عليه فلا، لأنه يجوز
следующие страницы →