Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
قيل: وإذا أقر النبي ﵇ من فعل بحضرته فعلًا يخالف موجب العموم في حق المكلفين لموجبه ولم ينكر ذلك. فقد قلنا أن الأولى أن يكون إقراره على ذلك بيان منه أن ذلك الفعل الواقع على ذلك الوجه مخصوص من العموم، أو ذلك الفاعل مخصوص بإطلاق ذلك الفعل له أو فعله في ذلك الوقت، وعلى ذلك الوجه ليس مما قصد بالحظر والمنع.
فإن كان قد استقر تحريمه على كل مكلف في كل وقت على كل وجه، ثم أقر على الفعل بعد ذلك وجب أن يكون بيانًا لنسخ التحريم، واحتمل مع ذلك أن يكون نسخًا عن ذلك الشخص وحده، واحتمل كونه نسخًا عنه وعن سائر المكلفين. وكان الظاهر والأقرب أنه إن كان نسخًا عنه وحده من الرسول ﵇ إنه نسخ عنه وحده ليرتفع التوهم لكونه نسخًا عن الكل والتعلق بذلك.
وكذلك يجب إذا وقع بحضرته فعل من مكلف يخالف موجب العموم. وكان ذلك الشخص مخصوصًا بإباحته أن يبين هذا ويكشفه لئلا يظن أنه نسخ بعد ثبوته ويسد طريق التأول والتعلق بذلك. يجب إذا رأى منكرًا، وإن كان قد تقدم إنكاره له أن يعيد النكير لذلك ليرفع التوهم لإطلاقه بعد حظره، ولهذا ما وجب أن يقال إنه لما أقر الصحابة على ترك زكاة الخيل مدة أيامه علم بذلك أنه لا شيء يجب عليهم فيها، لأن ترك زكاتها مع تعين فرض ذلك عليهم منكر يجب إنكاره/.
стр. 1052
ولا وجه لقول من قال: إنه لا يعلم أنهم لم يخرجوا زكاتها وأن الرسول ﵇ أقرهم على ذلك، لأن هذا دفع لما قد ظهر وانتشر. ولو كان فيهم مزكٍ لها لوجب ذكره ونقله على وجه من الوجوه.
ولا وجه - أيضًا - لقول من قال: إنه لم يكن في خيل الصحابة سائمة، وإنما وجبت الزكاة في سائمتها لأجل أنه لو كان ذلك كذلك لوجب تفصيل ذلك لهم وتوقيفهم عليه، وأن يقول في الخيل إذا كانت سائمة، وفي سائمة الخيل زكاة، كما قال ذلك في المواشي من الغنم. وفي تركه ذلك وقيام الحجة بنقله كنقل سائر الزكوات الواجبة في صنوف الأموال أوضح دليل على أنه لم يكن منه إيجاب لذلك ولا قول فيه. وإقراره لهم على ترك زكاتها دليل على ما قلناه.
стр. 1053
باب
القول في وجوب تخصيص العام بفحوى الخطاب
قد بينا فيما سلف أن فحوى الخطاب ومفهومه بمنزلة النص، بل هو أبلغ من النص لانتفاء وجوه الاحتمال عنه. وإذا ثبت ذلك ثبت تخصص العام به، وذلك يجوز أن نقول: افعل بوالديك ما شئت، وكل فعل شئت، ولا تقل لهما أفٍ، ولا تقذي بعينهما، لأن قوله ما شئت إطلاق لجميع الأفعال بهما. وقوله ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ بمنزلة قوله ولا جميع الأذى لهما فلا تفعله بهما ولا شيء منه. وكذلك لو قال: كل من مال زيدٍ وخذ منه ما شئت ولا تخنه بذرة لوجب أن يكون ذلك بمثابة قوله إلا الخيانة له، فلا تخنه بشيء منها قل أو كثر، في أمثال هذا. وهذا مفهوم الخطاب، وليس من باب القياس جليه ولا خفيه في شيء.
فصل: واعلموا أن الاسم إذا كان يشتمل على ما يصح أن يراد باللفظ
стр. 1054
العام وما لا يصح أن يراد ولا أن يدخل تحت الخطاب وجب أن يكون ما أخرجه عن حكم الخطاب مخصصًا له لا محالة وإن استحال دخوله فيه من جهة الإحالة والمعنى، لأنه وإن كان كذلك فالاسم ستناوله على حد ما يتناول كل ما يصح دخوله تحت الخطاب، وليس التخصص للعام أكثر من قصره على بعض ما يشتمل عليه الاسم ويتناوله الإطلاق. ولا معتبر بقول من يحكي عنه أن النص على إخراج ما هذه حاله من العام وكل داخل أخرجه منه ليس بتخصيص له الامتناع دخول فيه، لأن الاسم جارٍ عليه، فلا معنى لما قالوه.
ولهذا وجب/ لو قال: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وعقبه بقوله إلا ذاته، وإلا صفات ذاته، وإلا الباقي في حال بقائه لكان ذلك تخصيصًا لا محالة، وإن استحال دخوله تعالى تحت الفعل والقدرة
وكذلك لو قال: النفس بالنفس وثبت على دعوى قائل ذلك استحالة دخول البهيمة في ذلك وامتناع تكليف القصاص منها لوجب أن يكون دليل العقل المانع من ذلك، وقوله لو قال إلا نفس البهيمة، وأنه لا قصاص منها ولا فيها لكان ذلك تخصيصًا لجعله الاسم مقصورًا على بعض الأنفس.
فكذلك لو قال مع قوله: ﴿إنَّكُمْ ومَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ إلا الملائكة والأنبياء والأصنام إن دل العقل على ذلك لكان مخرج هذه الأشياء من المعبودات مخصصًا للخطاب لتناول الاسم له كتناوله لغيره، فثبت أنه لا معتبر بهذا القول، وأنه لا وجه له.
стр. 1055
فصل: القول في أنه لا يجوز تخصيص العام بعادة المخاطبين وإنما لم يجب ذلك لأن الشرع لم يوضع فيما ورد به من تحليل وتحريم، وغير ذلك على عادة المكلفين، وإنما وضعه سبحانه على ما بينا من تديين عباده وإن كان مبنيًا على استصلاح المكلفين. وقد تكون المصلحة باتفاق في الإقرار لهم على العقود والأفعال المعتادة بينهم. وقد يكون في ترك ذلك والتعبد بضده. وبهذا قرر عليهم عبادات ليست في عادتهم، وحظر عليهم أفعالًا ومأكلًا وعقودًا كانت معتادة عندهم. فهذا ما لا شبهة لهم فيه وفي إبطاله لمن أوجب تخصص العام بعادة المخاطبين، ولا فرق بين أن تكون العادة المتقررة بينهم عادة شرعية أو مألوفة منهم بغير شرع. فإذا جاء الخطاب العام يمنع ذلك وجب منع جميعه.
وهذا نحو أن يقول: قد حرمت عليكم الطعام والشراب في يومكم هذا، أو يقول قد حرمت عليكم البيع، وهم معتادون لأكل طعام مخصوص وشرب شراب مخصوص وبيع أجناس مخصوصة. وعلى صفات مخصوصة. فليس لأحد أن يقول هذا الإطلاق محمول على ما عادتهم أكله وشربه وتبايعه لأجل أن الاسم عام مطلق. ويمكن أن يكون من مصلحتهم تحريم أكل شيء وشربه
стр. 1056
مما هو عادة لهم بشرع/ متقدم أو عادة توافت على اعتيادها هممهم والحكم متعلق بقول صاحب الشرع ومقتضاه لا بعادتهم.
وكذلك لو قال: لا تبايعوا ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وعادتهم جارية ببيع نوع مخصوص، وأكل أموالهم بينهم بضرب من الباطل مخصوص لم يجب قصر النهي على ذلك، بلن يجب حمله على كل بيع وأكل بالباطل، لأن اللفظ عام والحكم المتعلق لا بعادتهم المتفقة لهم أو المتقررة بشرع لهم سالف.
وقد يرد الخطاب على لسان نبينا ﵇ بنسخ شرع لهم متقدم وإن كانوا قبل بعثه متعبدين به، ولا معتبر بعادتهم في هذا الباب من أي ناحية جرت وثبتت.
وليس هذا من باب حمل خطاب المخاطب منا بالعام على ما نعلم بالعادة أنه مريد له دون العموم، نحو قوله على الطعام اسقني ماءً في أنه معلوم أنه يريد به البارد القراح دون المسخن الأجاج. وكذلك قوله قدم الطعام في أنه معلوم أنه أراد ما عادته أكله دون الور والحمير ولحوم السباع والخضروات، وكل ما يطعم في أمثال هذا مما قد بيناه فيما سلف، لأن هذا مما يعلم بعادة أهل الخطاب وعادتهم مؤثرة في وجوب حمله على ما يقرر بينهم والقصد به إليه.
وكذلك القول دابة في وجوب قصره في اللغة على البهيمة المخصوصة دون كل ما دب ودرج لما بيناه من أن عليه عرف الاستعمال مؤثرة في قصر العام على المقصود في العرف، وليس خطاب الشرع في العبادات والعقود
стр. 1057
موضوعًا على عادتهم، فيجب حمله على ذلك. ولو أنه قال لهم بدئًا: إذا حرمت عليكم الأكل والشرب والبيع وأكل المال بالباطل وجاءكم اللفظ عامًا مطلقًا فاحملوه على حظره المعتاد من مأكلولكم ومشروبكم، لوجب قصره على ذلك فوجب الشرع لا بحكم العادة واللفظ. فأما إذا لم يقل ذلك وجب حمله على العموم لما بيناه من قبل.
стр. 1058
باب
الكلام في منع تخصيص العام بدليل الخطاب
قال الشافعي - رحمة الله عليه - وأصحابه القائلون معه بدليل الخطاب إنه يجب تخصيص العام بدليل الخطاب. فإذا عم ما تناوله الاسم بحكم، ثم خُص بعض منه، على صفة بذلك الحكم خص العموم به وقصر لأجله على من له تلك الصفة. وهذا نحو أن يقول: في/ الغنم صدقة، وفي كل أربعين شاة شاة. ثم يقول: في سائمة الغنم زكاة، فيدل ذلك على أنه أراد بإطلاق ما فيه السوم دون ما عداه.
قال: ومن هذا - أيضًا- قوله تعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وذلك عموم فيهن، ثم خصصه في التي لم تُمس ولم يُفرض لها صداقي، لأجل قوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ فأوجب المتعة لمن كانت هذه حالها منهن بدليل الخطاب. وهذا ليس بمستقيم لما نذكره من الدليل على فساد القول بدليل الخطاب من بعد وعليه جلة من أصحاب الشافعي كابن سريج ومن قال بقوله، وإنما يُخص
стр. 1059
بعض ما تناوله الاسم في مثل هذا على وجه التأكيد والتنبيه والاقتصار فيه على ذكر البعض. وقد ذكر الله سبحانه إنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيءٍ قدير. ثم خص منها بالذكر ما له صفة مخصوصة، ولم يدل على تخصصه العام، فلم يجب ما قالوه.
وكذلك إذا علق المطلق في العام دون إطلاقه بشرط يوجد في بعضه أو بعدد لم يدل على المخالفة وتخصص العام به، وفي تعليقه بالغاية نظر نذكره من بعد. وقد بينا من قبل إنه لا يجب تخصيص العام بخروجه جوابًا عن سؤال وسبب، فلا حاجة بنا إلى إعادته.
فصل: القول في معنى "لا" إذا ورد للنفي.
وقد قلنا من قبل أن النفي بهذا الحرف وما جرى مجراه يحتمل نفي الإجزء أو يحتمل نفي الكمال، وبينا مفهوم ذلك في اللسان.
وقد قال بعض أهل اللغة والمتكلمين في أصول الفقه إنه إذا ورد في النفي كان معناه نفي الأصل، لأنك إذا قلت: لا أحد في الدار، ولا جاءني أحد، ولا رأيت أحدًا كان مفيدًا لنفي الأصل، وكذلك ولا رجل في الدار وأمثاله.
قالوا: ومنه قوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنهَا ولاَ يُنْزِفُونَ﴾ وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فيهَا لَغْوًا ولا تَاثِيمًا﴾ فكان الأظهر إنما هو ليفيد نفي
стр. 1060
أصل الشيء على كل وجه. فإن أريد به نفيه على وجه دون وجه فذلك مجاز ومشبه بنفي الأصل، ويحتاج إلى دليل، وأوجبوا على هذا الأصل بظاهر قوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" و "لا صلاة إلا بطهور" وأمثال/ ذلك على نفي الأصل. فإن أريد به نفي الكمال فبدليل. وقد تكلمنا في ذلك من قبل بما يغني عن إعادته.
стр. 1061
باب
القول في حكم العمومين إذا تعارضا
اعلموا أن من الواجب في هذا الباب البداية بذكر ما يصح وقوع التعارض بين العمومين وبين الخاص والعام، وما لا يجوز ذلك فيه.
وقد اتفق على أن ما تضمنه العام والخاص من الخطاب من الأحكام والقضايا العقلية لا يصح فيه التعارض، فلا يصح لذلك أن يرد اللفظ في إثبات حكم ووصف عام قد قضت العقول على وجوب عمومه لو لم يرد سمع به. وكذلك فإنه لا يجوز أن يرد خاص بنفي حكم أو إثباته قد ثبت بحجة العقل موجبه يعارضه عام ينفي حكمه.
والذي يدل على ذلك أنه لو عارض خطابٌ موجب خطاب آخر قد ثبت موجبه بقضية العقل لوجب أن يكون المعارض رافعًا لحكم العقل وناقضًا لدليله وقضيته، وذلك باطل باتفاق، فيجب حمل ما ورد في مثل هذا بتعارض الظاهر حمل ما يقتضي ثبوت موجبه على موجب العقل، وتأول ما ورد بصورة المعارض له. وهذا نحو قوله . ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وظاهره يفيد وجوب كونه عالمًا بكل ما يتناوله اسم شيء. والعقل قد قضى على وجوب ذلك لو لم يرد الخبر به. فإذا ورد معه
стр. 1062
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ﴾ وجب حمل ذلك على أنه أراد أنكم تنبئونه بما يعلم أنه لا ولا حقيقة لا على معنى أنكم علمتم أمرًا ليس بعالم به.
وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ والصَّابِرِينَ﴾ لا يجوز كونه معارضًا لقوله تعالى: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من وجهين.
أحدهما: إنه عالم بذلك في الأزل والعقل قاضٍ به، وحتى تفيد الاستقبال فلا يجعل ذلك معارضًا لقضية العقل. وما يؤكدها من الأخبار.
والوجه الآخر: إنه ليس في ظاهر قوله: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إنه لم يزل به عليمًا حتى يكون قوله: حتى نعلم/ معارضًا له. وإنما المراد بقوله: حتى نعلم حتى يكون المعلوم منكم أفضى، حتى نرى ذلك ونشاهده، لأن الإدراك لا يقع إلا على موجود، أو حتى نعلم كون الجهاد منكم كائنًا موجودًا وإن كنا عالمين به قبل كونه معدومًا وليس يوصف بأنه علم بوجوده إذا وجد لتغير ذاته تعالى في كونه عالمًا لكن لتغير حال المعلوم على ما قد شرحناه في الكلام في أصول الديانات.
ولمثل هذا لم يجز أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ معارض لدليل العقل على استحالة خلقه تعالى لذاته وصفات ذاته والثاني من الحوادث في حال بقائه، لأن دليل العقل قد أحال
стр. 1063
ذلك فيجب حمل هذه الظواهر وأمثالها على أنه أراد بها ما عدا الذي يستحيل خلقه له وترتيبه عليه.
ولأجل ذلك لم يجز أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ معارضًا لقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وقوله ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ لأن قضية العقل قبل ورود هذه الأخبار قد أوجبت أنه لا خالق مبدع سواه تعالى، ووجوب انفراده بهذه الصفة، وقد وردت هذه الأخبار، فيجب حمل ما صورته معارض لها على تأويل يوافق قضية العقل فيحمل قوله: ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ على أنهم يكذبون كذبًا، لأن الإفك هو الكذب، وحمل قوله: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي أنك تصور وتقدر، وقوله: ﴿أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ على أنه أراد به المقدرين والمصورين، لأن الخلق يكون بمعنى التقدير والتصوير على ما قد بيناه في الكلام في المخلوق. فمثل هذا ونحوه لا يصح حصول التعارض فيه، بل يجب العلم والقطع على حمل المؤكد لما في
стр. 1064
العقل على موجبه، وتأول ما هو بصورة المعارض له على موافقته وطلب التأويل له.
وليس هذه صفة المتعارض في الأحكام الشرعية، لأنها ليست بأحكام ثابتة/ بقضية العقل، ولا يجب ثبوتها لأفعال المكلف لصفة هي في العقل عليها. وإنما يثبت ذلك بحكم الشرع والأمر والنهي، ويصح دخول النسخ والتبديل فيها، وتحريم البعض منها وتحليل مثله. وقضية العقل في العقليات محال اختلافها وتغيير حكمها، فبان الفرق بين الأمرين وأمكن أن يكون قوله مثلًا: "فيما سقت السماء العشر" عامًا استقر حكمه ثم نسخ بعض ذلك بقوله ﵇: " (ليس) في الخضروات صدقة" "وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" ويمكن أن يكون هذا
стр. 1065
هو المتقدم المستقر سقوط الفرض فيه، ثم ورد قوله: "فيما سقت السماء العشر" عامًا موقفًا على عمومه وناسخًا لحكم الخطاب الأول في إسقاط الزكاة عن بعضه، وإن لم يُعرف التاريخ، ويمكن أن يكون وردًا معًا على وجه البيان لإخراج بعض ما شمله اللفظ العام، فلذلك أوقعنا التعارض بينهما على ما بيناه من قبل.
فصل: من القول في ذلك يجب الوقوف عليه
واعلموا أنه إذا ورد عامان أو خاصان متعارضا الظاهر، أحدهما يوجب ثبوت الحكم، والآخر يوجب نفيه وسقوطه وجب علينا القطع بأن الله سبحانه ورسوله ﷺ لا يخاطبان المكلفين بهما معًا، لأن ذلك إحالة وتناقض وإبطال للتكليف، بل لم يردا إلا في وقتين وأن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ. أو أن يكونا وردا معًا فيكون استثناء ومستثنى منه.
وإن فقدنا العلم بالتاريخ والسبيل إليه، فلابد أن يكون الرسول ﵇ قد أعلم الأمة أو بعضها أيهما المتقدم وأيهما المتأخر فيكون الفرض على من علم ذلك من الصحابة وعلى من تأدي إليه فعل ذلك ومعرفته من التابعين ومن بعدهم العلم بالناسخ منهما من المنسوخ ويكون الفرض علينا نحن إذًا لم نعرف التاريخ بنقلٍ وطريق من الطرق، ولم يكن في لفظ أحدهما ما يدل على أنه ناسخ أو منسوخ أحد أمرين: إما أن يقر الحكم في ذلك على حكم العقل، أو يكون التوقيف قد ورد بأنه لابد من العمل بحكم أحدهما، وهما حكمان/ شرعيان. فإذا تعارضا رجعنا إلى طرق الأدلة على الأحكام الشرعية من المقاييس وغيرها. فإن وجدنا ما يوجب العلم بأحدهما صرنا إليه (ليس) بتناول الظاهر له، ولكن بموجب سواه من أدلة السمع، وإن لم
стр. 1066
نجد شيئًا منها يوجب العمل بموجب أحدهما - وقد فرض علينا العمل بموجب واحد منهما - لم يبق وراء ذلك إلا تخيير العالم في العمل بموجب أيهما شاء، وصار في ذلك بمنزلة المخير في الكفارات وبمثابة المجتهد المخير في إلحاق الفرع بأي الأصلين شاء إذا تكافأ وتقاوم اجتذابهما له على حد سواء، إذ لم يعرف أيهما المتقدم الثابت الحكم، ولا أنهما وردا معًا على جهة البيان بحكم العام، وإنما المراد به الخاص، هذا ما لابد منه، لأنه لا يمكن القطع على فرض العمل بأحدهما والحال هذه، وكما صح أن يبتدئ بتعبدنا بالتخيير في ذلك، صح أن يُفقدنا طريق العلم بالتاريخ، ويخبرنا بالعمل بموجب أحدهما. وسنشبع القول في هذا الفصل في فصول القول في القياس وكتاب الاجتهاد إن شاء الله.
فصل: فإن قيل: فما تقولون إن فرض الله علينا العمل بموجب أحدهما بعينه دون الآخر.
قيل: إذا وجب ذلك علينا لم يكن بُدٌ من أن يجعل الله سبحانه لنا سبيلًا إلى معرفة الناسخ منهما، وأن تؤمن الدواعي على نقل تاريخه حتى لا يندرس ويهي، بل يبلغ على وجه تقوم به الحجة، ويلزمنا المصير إلى متضمنه، هذا أيضًا لابد منه.
فصل آخر من القول في حكمهما.
واعلموا وفقكم الله أن الأوامر والنواهي والأخبار عن العبادات المتعارض ظاهرها يرد على ثلاثة أضرب.
стр. 1067
فوجه منها: أن يكون لفظ أحدهما عامًا في إثبات الحكم في جميع ما يتناوله الاسم. والآخر خاصًا بنفي ذلك الحكم عن بعض ما تناوله العام. وهذا نحو قوله: "فيما سقت السماء العشر" "وفي الرقة ربع العشر" وقوله تعالى: ﴿السَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وأمثال ذلك مع قوله: "ليس فما دون خمسة أوسق، وخمسة أواق ومائتي درهم صدقة" "ولا قطع في ثمر ولا كثر" "ولا في أقل من ربع دينار".
стр. 1068
وهذا ونحوه ليس مما يجوز أن يقال إنه متعارض من كل وجه، ولكنه متعارض من وجه دون وجه وفيما تناوله العام/ دون غيره وقد بينا حكم هذا الوجه فيما سلف وأنه متعارض في قدر ما تناولاه والخلاف يف ذلك. وقول من زعم أنه تنبيه بما لا حاجة بنا إلى رده.
والوجه الآخر أن يتعارض لفظاهما تعارضًا يمكن أن يكون حاصلًا بينهما على وجه النسخ، ويمكن أن يكون على وجه البيان والترتيب والأمر بحملهما على وجه ينفي التعارض بينهما إذا حملا عليه. وذلك بأن يكون أحدهما ينفي الحكم عن الشيء إذا كان على صفة مخصوصة. والآخر يثبته له إذا عري وخلا منها أو كان على خلافها. وهذا نحو ما روي من قوله ﵇: "لا ربا إلا في النسيئة" وهو رواية ابن عباس: وقوله في خبر أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت "يدًا بيد مثلًا بمثل فمن زاد أو ازداد فقد أربى" ونحوه من اللفظ. فمثل هذا التعارض في ظاهره ولفظه، لأن
стр. 1069
قوله: "لا ربا إلا في النسيئة" يعطي جواز التفاضل في الجنس والجنسين نقدًا، وأنه ليس بربًا. والآخر يعطي ظاهره أن الزيادة ربًا نقدًا كانت أو نسيئة، سوى أنه مع ذلك يمكن أن يكون أراد بقوله: إنما الربا في النسيئة فقال: هي ربا، ويجوز أن يكون قد أجاز التفاضل في الجنسين نقدًا وحرمه نسيئة. وأن يكون قد نسخ بذلك قوله: "مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
ولا يجوز لأحد أن يقطع على أن ذلك خرج جوابًا لسؤال سائل، أعني خبر النسيئة لأجل أن فيه إثبات قضية ودعوى خروج على سؤال سائل لا طريق إليه وزيادة لا يقتضيها لفظ الخبر.
وكذلك فليس لأحد أن يقطع على أن خبر النسيئة ناسخ لخبر ذكر المماثلة، أو أن خبر المماثلة ناسخ لخبر النسيئة لجواز أن يكون الأمر بخلاف ذلك، وأن يكون ذكر النسيئة ورد في الجنسين المختلفين، والآخر واردًا في الجنس الواحد فلا يكون بينهما تعارض ولا نسخ.
وكذلك فليس لأحد القدح على أنهما وردا كذلك معًا لا مكان أن يكونا وردا على سبيل النسخ. وإذا كان ذلك كذلك وجب لتجويز الأمرين/ الحكم بتعارضهما وتعارض كل ما كانت حاله حالهما من الأخبار والأوامر والنواهي العامة في النفي والإثبات ووجوب الرجوع في تعرف حكم أحدهما إلى شيء سواهما من ضروب أدلة السمع، ولأن حالهما إذا كانا كذلك أظهر وأبين من تعارض العام والخاص في قدر ما تقابلا فيه. فإن لم (تكن) كذلك فهي بمنزلتهما لا محالة.
ولا وجه لقول من قال: إني أقطع على ورود خبر النسيئة على الجنسين المختلفين لإمكان وروده في المثلين أولًا، أعني تحريم التفاضل فيه نقدًا أو
стр. 1070
نسيئة، ثم إباحته نقدًا وحظره نسيئة فوجب لذلك القضاء على تعارضهما متى قلنا بوجوب تعارض العام والخاص في قدر ما تقابلا فيه.
ومثل هذا - أيضًا - ما روي من قوله ﵇: "لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب" وقوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وهذا متعارض الظاهر لصحة دخول النسخ فيه، وإن لم يكن في اللفظ ما يمنع من ذلك
стр. 1071
لأجل أنه يمكن أن يكون قوله: "لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب" ورد بعد قوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" فيكون هذا القول رافعًا لإباحة الانتفاع بالأهب إذا دبغت.
ويمكن أن يكون قوله لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب ورد قبل "أيما إهاب دبغ فقد طهر" واستقر حكمه، ثم ورد قوله: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" نسخًا لما كان محظورًا بقوله: "لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب" وناسخًا لما كان أباحه من الانتفاع بما دبغ، لو قال ﵇: "لا ينتفع من الميتة بشيء دبغ أو لم يدبغ. ثم قال إذا دبغ منها شيء يمكن دباغه فانتفعوا به لصح ذلك وجاز. وإذا ثبت ذلك جاز دخول النسخ والتبديل في مثل هذا، وأمكن وروده معه على وجه البيان، وأن يكون أراد بقوله: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، إذا يدبغ الإهاب، وأن يكون قد بين ذلك بقوله: "إيما إهاب دبغ فقد طهر" وكشف ذلك بقوله في شاة ميمونة: "ألا انتفعتم بإهابها. قالوا: إنها ميتة. فقال "دباغها طهورها"
стр. 1072
على وجه البيان لقوله: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب.
ولو علمنا ورود الخبرين كذلك لحملناهما على وجهين لا تعارض بينهما: فيقال أراد بقوله:/ لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب قبل دباغه. وأراد بقوله: ألا انتفعتم بإهابها إذا دبغوه فانتفعوا به، غير أن ذلك وإن كان جائزًا، فالنسخ الذي ذكرناه ممكن أيضًا. فلأجل ذلك أوقعنا التعارض بينهما، ولا يجب القضاء بتعارض مثل هذا.
وإن روي التاريخ أو كان في لفظ أحد الخبرين ما ينباء عن أنه ناسخ أو منسوخ أن في القصة التي يذكر فيها الحديثان أو أحدهما. وقد ذكر في الحديث من رواية ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ مر بشاة ميمونة وهي ميتة، فقال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به. ثم كتب: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" يريد بذلك لا تنتفعوا به وهو إهاب حتى يدبغ. فسياق هذا الحديث يبين أنه إنما قال: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب متصلًا بقوله: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به" ومتى ثبتت هذه السيرة حملًا على وجهين لا تعارض بينهما. فلا ينتفع بجلدها ما لم يدبغ، ويحل الانتفاع به إذا دبغ. ولو قاله كذلك لم يكن فيه تعارض.
وكذلك لو صح وثبت أن جلد الميتة لا يسمى إهابًا إذا دبغ. وإنما يسمى بذلك إذا كان على جسد الميتة أو حال يصح أن يكنى به عن الجسد أو إذا انفصل منه، لأنه يكون إذا لم يدبغ في حكم ما هو على الجسد منه. وقد ذكر منتنة لم تدبغ. وأن أهل اللغة لا يسمون الجلد إهابًا إلا إذا لم يدبغ أو إذا كان على الجسد أو في حكم ما هو عليه بدلالة قول عائشة رضوان الله
стр. 1073
عليها في صفة أبيها في الخطبة المشهورة "فرد الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها" يعني في الأجساد التي في الأهب وكنت عن ذكر الأجساد بذكر الأهب.
واحتج لذلك أيضًا بقول النابغة الجعدي في ذكر بقرة وحشية أكل ولدها وهي غائبة عنه. ثم أتته فوجدت جلده وشيئًا من صوفه:
فلاقت بيانًا عند أول معهد إهابًا ومغبوطًا من الجوف أحمرا
تعني أنها وجدت جلدًا غير مدبوغ. وإذا ثبت هذا كان ما يوصف بأنه إهاب، وإنما أُلحق جلد الميتة بالعصب في تحريم الانتفاع به ما لم يدبغ لكون العصب مما يمتنع دباغه، فكأنه قال والجلد ما لم يدبغ بمثابته في امتناع الانتفاع به/ وإذا ثبت هذا فلو أنه قال: لا تنتفعوا بإهاب الميتة. ثم قال انتفعوا بجلود الميتة لم يكن ذلك متعارضًا، لأنها تكون أهبًا قبل الدباغ وجلودًا إذا دبغت. وهذا مستقيم إن ثبت أن الجلد لا يسمى بحال إهابًا إذا دبغ، وإلا ففيما قالوه نظر، والتعارض باقٍ إن لم يثبت ذلك.
والوجه الثالث من وجوه التعارض هو أن يتعارض الخبران
стр. 1074
العامان والخاصان من كل وجه، ولا يمكن بناء بعضه على بعض، لآ بأن يكون أحدهما عامًا والأخر خاصًا ولا حملهما على وجهين مختلفين.
وما هذه صفته في التعارض على ضربين:
فضرب منه يتعارض في لفظه ونصه والضرب الآخر غير متعارض في لفظه، ولكن بأن يمتنع فيه حمله على وجهين. وذلك بأن يكون كل واحد منهما يزيد على ما يتناوله الآخر من وجه وينقص عنه من وجه. ولا يملك لذلك حملها على وجهين وفي حالتين.
فأما ما يتعارض في نصه ولفظه: فهو قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" ويقول في آخر: من بدل دينه فلا تقتلوه. ويجوز أن يقول: "لا يصلى عند طلوع الشمس ولا بعد صلاة العصر" ثم يقول في خبر آخر: صلوا عند طلوع الشمس وبعد صلاة العصر. ويقول: قد أحللت لكم الجمع بين الأختين ويقول في خبر آخر: حرمت عليكم الجمع بينهما. وأمثال هذا مما يتعارض في لفظه ونصه.
والضرب الآخر من التعارض: هما اللذان يريد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه، لا بأن يكون التعارض في لفظه.
стр. 1075
وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مع قوله: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ومثل قوله ﵇: "من بدل دينه فاقتلوه" ونهيه عن قتل النساء والولدان، ونهيه عن الصلاة بعد صلاة العصر، مع قوله: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها"
стр. 1076
وأمثال هذا مما يزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص من وجه، ويمكن ذلك فيهما، وذلك أنه يمكن أن يجعل قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عامًا في الأختين والأجنبيتين وتحليل الجمع بينهما بملك اليمين فيكون ذلك زائدًا على قوله: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وبجعل النهي عن الجمع بين الأختين لا فيم ملكت اليمين، ويمكن أيضًا أن يجعل النهي عن الجمع بين الأختين عامًا فيما ملكت وفي المعقود عليهن، ويكون/ قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مراد به بإحدى الأختين، هذا ما لا يتهيأ دفع جوازه، ولأجل هذا قال علي وعثمان ﵄: "أحلتهما آية وحرمتهما آية" والتمسا تعرف الحكم من جهة غير الظاهرين.
وكذلك يجوز أن يكون قوله: "من بدل دينه فاقتلوه" عام في النساء والرجال وكل ذي دين يصح تبديله له. ويمكن أن يكون نهيه عن قتل النساء متناولًا لجميعهن في كل حال مع تبديل دينهن. ومع ترك ذلك، ومتى أمكن ذلك أمكن أن يكون النسخ والتبديل داخلًا في مثل هذا وأمكن أن يراد به البيان والتخصيص.
وكذلك فيمكن أن يكون نهيه عن الصلاة في تلك الأوقات نهيًا عن الصلوات الفائتة وغيرها على العموم. ثم ينسخ ذلك بقوله: "فليصلها إذا ذكرها" فيجعل ذلك وقتًا للقضاء، ويمكن أن يكون ابتداء. بجعل ذلك وقتًا للقضاء، ثم نسخه بالنهي عنه في هذه الأوقات.
стр. 1077
ويمكن أن يكون ذلك منه على وجه البيان (منه) فيكون وقت النهي عن التطوع وفعل ابتداء الفروض في تلك الأوقات ويكون مع ذلك وقت القضاء وما له سبب عارض من الصلوات من نحو دخول مسجد، وصلاة على جنازة ويكون قوله إذا ذكرها عام في سائر أوقات الذكر ومتى أمكن في ذلك الأمر إن لزم على القول بوجوب تعارض الخاص والعام تعارض مثل هذا، لأن الأثر فيه أظهر من وجوب تعارض العام والخاص، لأجل أنه تعارض مطلق، وذلك مخصوص وهو أقرب إلى الاحتمال والبيان، وهذا ظاهر لا إشكال فيه.
فصل: ولا يجوز لأحد أن يقول فيما يتعارض لفظه ومعناه من كل وجه أنني أجعل ذلك بمنزلة ما وردا معًا إذا جهل تاريخهما، وبمنزلة جعل موت الغرقى الذين لم ينكشف لنا موت بعضهم قبل بعض بمنزلة من علمنا موتهم معًا، لأجل أننا قد بينا فيما سلف أن ما هذه حاله من المتعارض لفظه وما لا يمكن حمله على وجهين، ولا يزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه لا يجوز أن يكون وردا معًا، لأنه تناقض وإحالة وإبطال للتكليف والمحنة. فلابد من القضاء على أن أحدهما/ وارد بعد الآخر على وجه النسخ لحكم الأول وإن جهلنا التاريخ.
وإنما جعلنا موت الغرقى الذي لا علم لنا بأيهم مات أولًا بمثابة من
стр. 1078
علمنا موتهم معًا، لأجل جواز موت سائرهم في حال واحد، لأن ذلك غير مستحيل، ولأجل أن التعبد أوجب ذلك بما يذكر علته من الدليل من جهة الاجتهاد وأدلة السمع. فالحال إذًا فيهما مفترقة. ولأجل أننا لو قضينا بموت بعضهم قبل بعض لوجب أن نثبت ميراثًا لمن لا نعلم أنه وارث، ولا سبيل إلى ذلك.
وكذلك لو قضينا بالخاص على العام لقضينا بخروج من لا نعلم أنه خارج من حكم العام. وكذلك لو قضينا بالعام على الخاص لأبطلنا بذلك حكم الخاص مع أننا لا نأمن ثبوت حكمه. وذلك غير جائز، وكذلك لو قضينا بأنهما وردًا معًا لقضينا بما لا سبيل لنا إلى العلم به مع تجويزنا كون أحدهما هو المتقدم وكون الآخر ناسخًا له فوجب أن يكون القضاء بأن أحدهما ناسخ للآخر أو أنهما وردا معًا قضاء بما لا يعلم ومشبهًا للقضاء بموت بعض الغرقى قبل بعض. وأن يكون حكمنا بتعارضهما بمنزلة حكمنا بموت جميع الغرقى معًا. وإنما ساغ - أيضًا - الحكم بموت جميعهم من حيث قلنا إن ذلك جائز صحيح، وأنه لا شيء يعارض القضاء بذلك ويمنع منه. وإذا قضينا بحكم الخاص على العام قضينا بشيء يعارضه حكم العام، لأنه بظاهر ينفي حكم الخاص. وكذلك لو قضينا بحكم العام على الخاص لقضينا بحكم يعارضه حكم الخاص، لأنه ينفي ذلك القدر من حكم العام بذلك الفرق بين الأمرين. وإذا لم يجز الحكم بورود الخاص والعام معًا شككنا في ذلك. وتجويز أن لا يكونا وردا كذلك ووجوب القول بتعارضهما كان منع ذلك في العامين والخاصين المتعارضين من كل وجه أولى لاستحالة ورودهما مع أنهما كذلك لا يردا إلا على وجه نسخ أحدهما لحكم الآخر، ولا طريق لنا إلى العلم بمعرفة عين الناسخ منهما والمنسوخ فنقضي بذلك، وهذا واضح لا إشكال فيه. وإنما لا يجوز أن يرد ما هذا سبيله من
стр. 1079
المتعارض في لفظه أو بأن يزيد أحدهما على الآخر/ من وجه وينقص عنه من وجه عند من أجاز تأخير البيان، فإنه يجوز أن يرد كذلك، ولكنه لابد لمعتقد جواز تأخير البيان من أن يعلم أنه إذا قيل له: من بدل دينه غدًا فاقتلوه، ومن بدل دينه غدًا فلا تقتلوه إنه لابد أن يكون قد أمر بقتل بعض من بدل دينه دون بعض ونهى عن قتل بعض منهم دون بعض. ومتى لم يعتقد ذلك وجب أن يعتقد أنه مأمور بقتل من قد نهى عن قتله، وذلك متناقض وإسقاط للتكليف، وليس من كلام مكلف حكيم.
فصل: فإن قيل: أفلستم قد أوجبتم القضاء على إخراج بعض العام من حكمه بالقياس؟ فهلا أخرجتم أيضًا البعض منه بالخبر الخاص؟
قيل له: قد قلنا من قبل أننا نعمل في العام والقياس إذا تقابلا في قدر ما تقابلا فيه ما نصنعه من التعارض بين الخاص والعام، فسقط السؤال.
ولو فصل فاصل بينها بأن القياس دليل مستقر بعد النبوة وبعد ورود العام ولابد أن يكون مستخرجًا من أصل يعلم ثبوت حكمه وأنه غير منسوخ ولا مرفوع حكمه، فيجب لذلك القضاء بأنهما وردا معًا للاتفاق على أن الأصل المستخرج منه علة القياس والأصل الذي يقصره على تخصصه ثابتين، وأن أحدهما غير ناسخ لصاحبه فيجب القضاء بمضمون أحدهما وما دل من تعليله على تخصص العام، وهذا فرق واضح لا إشكال فيه، على أنه إذا كان القياس جاريًا بعد ورود العام جاز القضاء به، ولا سبيل لنا إلى العلم بأن الخاص وارد بعد ورود العام، أو أنهما وردا معًا، فيقصر به عليه. فبطل ما قالوه.
فصل: وإن قال قائل: أفلستم قد قضيتم بقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ على عموم قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا
стр. 1080
كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا عام والأول خاص فهلا بنيتم كل عام على كل خاص وارد.
قيل له: كل خاص اتفقت الأمة على العمل به وبناء العام عليه عملنا فيه كالذي عملناه في حد الأمة، لأنه يكون حينئذ مما قد علم أنه لم يرد على وجه النسخ، والأمة متفقة على أن حد الأمة لم يرد على وجه النسخ فوجد بناؤه. فإن اتفق/ على مثل ذلك في كل خاص مع عام وجب بناء جميعه، ولكن ليس الأمر كذلك في سائره، فسقط ما قالوه.
وكذلك الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مع قوله: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ﴾ لأن الأمة متفقة على أن ذلك لم يرد على وجه النسخ. وأن حكميهما ثابتان، فوجب بناء العام على الخاص، وليس هذه حال ما لم يتفق على ثبوت حكميهما.
فإن قيل: فهلا أوجبتم بناء العام على الخاص الوارد في الأحكام كما أوجبتم ذلك في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿ويتلاومون﴾.
قيل: لأن الضرورة ألجأت إلى بناء ذلك في الأخبار لاستحالة الكذب في شيء من أخبار الله . وما ورد في الأحكام يجوز أن يكون وردًا معًا على وجه البيان، ويجوز أن يرد أحدهما بعد الآخر على وجه النسخ، فوجب لذلك الوقف.
فصل: القول في هل يجوز أن يخلو العامان أو الخاصان المتعارضان من
стр. 1081
ترجيح أحدهما على الآخر أو دليل يوجب العمل بموجب احدهما أم لا يجوز ذلك.
اختلف الناس في ذلك: فقال الكل إلا شذوذ من متأخري أهل العراق إنه يجوز ذلك ويصح، وقال هذا الفريق إنه لا يجوز.
والذي يدل على جوازه علمنا بحواز سقوط التعبد لنا بموجبي كل واحد منهما، وليس في ورودهما متعارضين أكثر من تكافيهما وسقوط فرض العمل بكل واحد منهما ونبقيهما على حكم العقل وبراءة الذمة، وكذلك إن وجب بإجماع العمل بموجب واحد منهما وتحريم ترك العمل بموجبها جميعًا كان العالم عند التقاوم مخيرًا في العمل بموجب أيهما شاء. ومثل هذا مما كان يجوز ورود التعبد به كما خير في الكفارات وغيرها مما تقدم ذكرنا له.
فإن قيل: إلا لم يردا متعارضين وبقينا على حكم العقل لم يكن في ذلك تنفير وإيهام الشبهة والمناقضة في كلام الحكيم العليم/.
стр. 1082
وإذا وردا متعارضين من كل وجه عاريين من ترجيح أحدهما على الآخر بوجه أو دليل قاطع يوجب العلم بأحدهما نفر ذلك من الطاعة فهو الوهم الباطل والتناقض من كلام صاحب الشريعة، فلم يكن بد من وجود أمرٍ يوجب العمل بموجب أحدهما.
قيل: هذا باطل، لأن من حق المسلم العالم أن يعلم أن صاحب الشرع لم يوردهما إلا في زمانين على سبيل النسخ، وإنه لا يجوز إيرادهما من جهته معًا. وفي اعتقاد ذلك والنظر فيه تعريض لثواب عظيم وتشديد لمحنة المكلفين.
ولو كان ما قالوه من هذا صحيًا لاستحال في صفة الله سبحانه إنزال شيء من كتابه متشابهُا يتبعه الملحدون والذين في قلوبهم زيغ، لأنه تنفير ومفسدة مع قدرته على إنزاله محكمًا غير متشابه.
وكذلك فكان يجب أن لا ينسخ آية بأية لإخباره عنهم إذا بدل آية مكان أية قالوا لرسوله: إنما أنت مفتر. ولما لم يجب ذلك وكان في إنزال هذا النسخ على هذه السبيل تشديد للمحنة وتعريض لأحوال المثوبة، فبطل ما قالوه.
فإن قالوا: ولا يكون في أقواله وإيراده متعارضًا فائدة.
قيل: إن الله سبحانه ورسوله ﵇: لا يوردانه متعارضًا ولا يصدر منهما إلا على جهة النسخ، ولابد أن يعلم ذلك المتعبدون من الصدر الأول ومتلقو الخطاب عن الرسول ﵇. فالفائدة حاصلة لهم والامتحان بالنظر إليهما لازم لنا والعلم بأنه لا يرد منفصلًا على سبيل النسخ، فبطل ما قالوه.
وإن قالوا تعري المتعارضين من الترجيح يوجب تكافي أدلة الشرع.
стр. 1083
قيل: إذا تعارضت لم تكن أدلة، ومع ذلك فلا يمتنع تعارضهما والتخيير في العمل بأيهما شاء العالم، لأنه لو ابتدأ الحكم بالتخيير لكان صحيحًا جائزًا.
فصل: ومتى أجمعت الأمة على أنه لابد من العمل بموجب أحدهما مع تساويهما وتقاومهما وجب التخيير لا محالة، فكذلك يجب كون العالم مخيرًا في حكم الفرع متى اجتذبه أصلان متنافيا الحكم اجتذابًا واحدًا في وجوب التخيير في إلحاقه بأيهما شاء وإذا وجد دليل يقتضي العمل بموجب أحدهما صير إليه، ولم يكن العمل بموجبه رجوعًا إلى أحد المتعارضين، بل ذلك رجوع إلى ذلك الدليل فقط.
فصل: ولا يجوز أن يقال إن للدليل القاطع الموجب للعمل بموجب أحدهما/ ترجيح له على الآخر لأنه لا يوصل إلى العلم، والقطع على العمل بموجب أحدهما، وإن لم يجب ذلك من جهة أحد الظاهرين، وما أوجب العلم قطعًا لا يوصف بأنه ترجيح، بل يقال حجة ودليل قاطع.
وإنما الترجيح ما يتوصل به إلى تغليب الرأي والظن لوجوب العمل بموجب أحدهما ولو أوجب العلم لم يكن ترجيحًا، بل دليل قاطع. ونحن نذكر من بعد ضروب الترجيحات وما يختص منها والأخبار وطرقها وما يشترك فيه القرءان والأخبار.
стр. 1084
فصل: وقد بينا فيما سلف وجه التعارض في قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأن عثمان وعليًا رضوان الله عليهما قالا: "أحلتهما آية وحرمتهما آية" ويمكن أن يرجح عموم قوله: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ على عموم قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فإن عموم النهي عن الجمع بين الأختين ما اتفق على أنه قد دخله تخصيص، ولا هو محتاج إلى شروط. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مما قد أجمع على تخصيصه، وأنه مشروط مخصوص بالاستبراء أو نفي الشركة في الملك وغير ذلك من الأمور، فوجب أن يكون إباحة الوطء بملك اليمين عموم متفق على تخصصه، وليس تخصيصه أيضًا باستثناء ولفظ يصح أن يقال: إنه يصير للاسم العام اسم لما بقي بعد الاستثناء. والتخصص على هذا الوجه يجعل اللفظ مجازًا ومستعملًا في غير ما وضع له، وصار عند كثير من الناس مما لا يمكن التعلق به في قدر ما بقي. وكذلك سبيل كل عمومين هذه حال أحدهما. ولا يستقم دفع هذا بأن يقال لسنا نقول إن اللفظ يبقى مجازًا، لأنه قد قيل ذلك واختلف فيه، فصار غير المختلف فيه أظهر وأقوى منه.
ووجه آخر من وجه الترجيح بنيهما، وهو أن تحريم الجمع بين الأختين مما قد ثبت وعلم أنه ورد بعد ذكر المحرمات من الأجنبيات وذوات الأرحام، ومع تفصيل ما يحل من ذلك مما يحرم، فلما ألحق الجمع بين الأختين بجملة المحرمات وجب القضاء بعمومه في الحرائر والإماء.
стр. 1085
وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لم يرد لتفصيل ما يحل مما يحرم بالمدح من تحذر واجتناب الاستمتاع بمن ليست بزوجة ولا ملك يمين فلم يرد التفصيل، فصار العمل بعموم تحريم الجمع بين الأختين أولى. وهذه جملة في هذا الباب كافية.
стр. 1086
باب
القول في هل يجب تخصيص العام بخروجه
على سبب خاص وسؤال خاص أم لا ؟
أول ما يجب أن يقال في هذا الباب أن بين قولنا خرج الخطاب على سبب وخرج عند سبب/ فرق، وهو أن القول خرج على سبب يفيد أنه متعلق بذلك السبب وخارج لأجله وبمثابة قول القائل ضربت العبد على قيامه وكلامه، وأكرمته على موافقته وطاعته، وذلك بمثابة ضربته لأجل قيامه وأكرمته لأجل طاعته.
والقول ضربته عند كلامه وعند قيامه لا يفيد تعلق الضرب بالفعل ووقوعه لأجله، ولكنه يصلح أن يقال: إنه لفظ مشترك يصلح أن يراد به ضربه بسبب القيام ولأجله، ويحتمل أن يكون إخبارًا عند طاعته إياي يريد لأجل طاعته ومعصيته، وقد يقول ضربته عند قيامه ومشيهن ويعني موافقة الضرب المشي في حالة. فهذا قدر ما بينهما من الفرق.
فصل: وقد نعلم أحيانًا ضرورة قصد المتكلم إلى قصر العام على السبب والسؤال الخاص ومتى علم ذلك لم يجز دعوى العموم فيه، لأن العلم بقصده قرينة تمنع من إجراء الخطاب على عمومه. وذلك نحو علمنا بأن من قيل له كل هذا الطعام وكلم هذا الإنسان، فقال: والله لا أكلت ولا تكلمت، وهو يصد إلى أنه لا يكلم من قيل له كلمه، ولا يأكل ما قيل له كله، وأمثال هذا كثير.
стр. 1087
فمتى علم القصد إلى قصر الخطاب على السبب والسؤال الخاصين وجب حمله على ذلك. وطريق الاضطرار إلى قصد الله تعالى إلى قصر العام على السبب والسؤال منسد، وإنما يعرف ذلك بتوقيف الملك والرسول ﵉ على أنه مقصور على ما حرم عليه أو العلم الضروري من حال النبي والملك ﵉ إلى القصد إلى قصره على بعض ما جرى عليه الاسم.
فصل: واعلموا - رحمكم الله - أن الجواب الصادر على سؤال هو متعلق به على ضربين.
أحدهما: بلفظ مستقل بنفسه لو أورد مبتدأ به من غير تقدم سؤال لكان مستقلًا وكلامًا تامًا مفيدًا للعموم، وذلك نحو جوابه ﵇ حين سئل عن ماء بئر بضاعة بقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وقوله عن سؤال من سأله عن عبد اشتراه واستغله "الخراج بالضمان" لأنه لو ابتدأ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء. والخراج بالضمان، لكان كلامًا مفيدًا.
والجواب المتعلق بالسؤال ناقص غير تام. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ وهذا جواب لا يصح الابتداء به.
وكذلك قوله في جواب السؤال عن بيع الرطب بالتمر، وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا" لأن "فلا إذا" لا تفيد شيئًا لو ابتدئ به.
وكذلك حكم جوابه عن السؤال عن حكم ماء البحر. وقوله: "هو
стр. 1088
الطهور ماؤه" لأن القول "هو كناية لابد له من التعلق بمذكور معهود متقدم ذكره/ ولذلك لا يحسن أن يبتدئ القائل فيقول كلمته وما رأيته. ولو أورد ذلك في جواب قول سائل هل رأيت زيدًا أو كلمته لكان مفيدًا صحيحًا. وهذا الجواب وأمثاله متعلق بالسؤال ومرتبط به، ولا يجوز تعديه وانتشاره إلى غيره، ولا خلاف يعرف في ذلك.
فصل: فأما الجواب التام المستقل بنفسه الخارج على سؤال وسبب خاص فإنه على ثلاثة أضرب.
فضرب منه يكون لفظه عامًا منتظمًا لما وقع السؤال عنه ولغيره نحو قوله
стр. 1089
عليه السلام: "الماء طهور لا ينجسه شيء" "والخراج بالضمان".
وهذا الضرب يوصف بأنه جواب زائد على السؤال.
والثاني يكون مطابقًا للسؤال وغير زائد عليه ولا ناقص عنه. وذلك نحو أن يسأل عن ماء بئر بضاعة وماء البحر، فيقول ماء بئر بضاعة وماء البحر طهور لا ينجسه شيء وربما اختصر فقال: الماء الذي سألت عنه طهور، أو يقول هو طاهر، وهو كناية عنه وحده. وأمثال هذا مما هو راجع إلى ما تقدم ذكره وغير متلبس على غيره. وهذا الجواب في بابه بمثابة الجواب الناقص الراجع إلى ما وقع السؤال عنه فقط.
والجواب الثالث هو الناقص عما يتناوله السؤال. وذلك نحو أن يسأل عن حكم ماء بئر بضاعة فيشير إلى شيء منه، فيقول هذا الماء طهور ويسأل عن ماء البحر فيشير إلى شيء منه. ويقول هذا ماء طهور. ويجوز أن يسأل عن بيع الرطب بالتمر، فيشير إلى رطب وتمر حاضرين، فيقول لا يجوز بيع هذا الرطب بالتمر. وهذا وأمثاله جواب ناقص، لأنه سئل عن أمر عام فأجاب عن حكم بعضه، ومثل هذا لا يكاد يقع منه إلا بتنبيه على أن ذلك حكم جميع ما يقع عليه الاسم عما يُسأل عنه.
وقد يسأل عن شيء فيجيب عن غيره تنبيهًا للسائل على حكمه إذا كان عالمًا ومن أهل الاجتهاد، نحو قوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت هل كان عليك من جناح؟ قال: لا قال ففيما إذا" وقوله للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أولى ومثل هذا الجواب لا يصدر منه إلا لعالم مجتهد.
فأما إن كان السائل ممن قد مسته الحاجة إلى تعجيل الجواب أو عاميًا
стр. 1090
ليس من أهل الاجتهاد، فإنه لا يصدر جوابه إلا عما يسأل عنه على وجه يبين به الحكم فيما وقع السؤال عنه.
فصل: ذكر اختلاف الناس في الجواب بالخطاب العام.
اختلف الناس في ذلك.
فقال الجمهور من المثبتين للعموم أن الواجب حمله على العموم، وإن كان السؤال واقع عن/ شيء مخصوص.
وقال قوم من أصحاب الشافعي ﵁ يجب قصره على السؤال والسبب الخاص. قالوا: وهذا هو قول الشافعي يقال من قال إن مذهبه حمله على العموم قال: مذهبه اعتبار لفظ صاحب الشرع دون السبب
следующие страницы →