Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
باب
القول في هل يجب تخصيص العام بخروجه
على سبب خاص وسؤال خاص أم لا ؟
أول ما يجب أن يقال في هذا الباب أن بين قولنا خرج الخطاب على سبب وخرج عند سبب/ فرق، وهو أن القول خرج على سبب يفيد أنه متعلق بذلك السبب وخارج لأجله وبمثابة قول القائل ضربت العبد على قيامه وكلامه، وأكرمته على موافقته وطاعته، وذلك بمثابة ضربته لأجل قيامه وأكرمته لأجل طاعته.
والقول ضربته عند كلامه وعند قيامه لا يفيد تعلق الضرب بالفعل ووقوعه لأجله، ولكنه يصلح أن يقال: إنه لفظ مشترك يصلح أن يراد به ضربه بسبب القيام ولأجله، ويحتمل أن يكون إخبارًا عند طاعته إياي يريد لأجل طاعته ومعصيته، وقد يقول ضربته عند قيامه ومشيهن ويعني موافقة الضرب المشي في حالة. فهذا قدر ما بينهما من الفرق.
فصل: وقد نعلم أحيانًا ضرورة قصد المتكلم إلى قصر العام على السبب والسؤال الخاص ومتى علم ذلك لم يجز دعوى العموم فيه، لأن العلم بقصده قرينة تمنع من إجراء الخطاب على عمومه. وذلك نحو علمنا بأن من قيل له كل هذا الطعام وكلم هذا الإنسان، فقال: والله لا أكلت ولا تكلمت، وهو يصد إلى أنه لا يكلم من قيل له كلمه، ولا يأكل ما قيل له كله، وأمثال هذا كثير.
стр. 1087
فمتى علم القصد إلى قصر الخطاب على السبب والسؤال الخاصين وجب حمله على ذلك. وطريق الاضطرار إلى قصد الله تعالى إلى قصر العام على السبب والسؤال منسد، وإنما يعرف ذلك بتوقيف الملك والرسول ﵉ على أنه مقصور على ما حرم عليه أو العلم الضروري من حال النبي والملك ﵉ إلى القصد إلى قصره على بعض ما جرى عليه الاسم.
فصل: واعلموا - رحمكم الله - أن الجواب الصادر على سؤال هو متعلق به على ضربين.
أحدهما: بلفظ مستقل بنفسه لو أورد مبتدأ به من غير تقدم سؤال لكان مستقلًا وكلامًا تامًا مفيدًا للعموم، وذلك نحو جوابه ﵇ حين سئل عن ماء بئر بضاعة بقوله: "الماء طهور لا ينجسه شيء" وقوله عن سؤال من سأله عن عبد اشتراه واستغله "الخراج بالضمان" لأنه لو ابتدأ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء. والخراج بالضمان، لكان كلامًا مفيدًا.
والجواب المتعلق بالسؤال ناقص غير تام. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وجَدتُّم مَّا وعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا قَالُوا نَعَمْ﴾ وهذا جواب لا يصح الابتداء به.
وكذلك قوله في جواب السؤال عن بيع الرطب بالتمر، وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: فلا إذًا" لأن "فلا إذا" لا تفيد شيئًا لو ابتدئ به.
وكذلك حكم جوابه عن السؤال عن حكم ماء البحر. وقوله: "هو
стр. 1088
الطهور ماؤه" لأن القول "هو كناية لابد له من التعلق بمذكور معهود متقدم ذكره/ ولذلك لا يحسن أن يبتدئ القائل فيقول كلمته وما رأيته. ولو أورد ذلك في جواب قول سائل هل رأيت زيدًا أو كلمته لكان مفيدًا صحيحًا. وهذا الجواب وأمثاله متعلق بالسؤال ومرتبط به، ولا يجوز تعديه وانتشاره إلى غيره، ولا خلاف يعرف في ذلك.
فصل: فأما الجواب التام المستقل بنفسه الخارج على سؤال وسبب خاص فإنه على ثلاثة أضرب.
فضرب منه يكون لفظه عامًا منتظمًا لما وقع السؤال عنه ولغيره نحو قوله
стр. 1089
عليه السلام: "الماء طهور لا ينجسه شيء" "والخراج بالضمان".
وهذا الضرب يوصف بأنه جواب زائد على السؤال.
والثاني يكون مطابقًا للسؤال وغير زائد عليه ولا ناقص عنه. وذلك نحو أن يسأل عن ماء بئر بضاعة وماء البحر، فيقول ماء بئر بضاعة وماء البحر طهور لا ينجسه شيء وربما اختصر فقال: الماء الذي سألت عنه طهور، أو يقول هو طاهر، وهو كناية عنه وحده. وأمثال هذا مما هو راجع إلى ما تقدم ذكره وغير متلبس على غيره. وهذا الجواب في بابه بمثابة الجواب الناقص الراجع إلى ما وقع السؤال عنه فقط.
والجواب الثالث هو الناقص عما يتناوله السؤال. وذلك نحو أن يسأل عن حكم ماء بئر بضاعة فيشير إلى شيء منه، فيقول هذا الماء طهور ويسأل عن ماء البحر فيشير إلى شيء منه. ويقول هذا ماء طهور. ويجوز أن يسأل عن بيع الرطب بالتمر، فيشير إلى رطب وتمر حاضرين، فيقول لا يجوز بيع هذا الرطب بالتمر. وهذا وأمثاله جواب ناقص، لأنه سئل عن أمر عام فأجاب عن حكم بعضه، ومثل هذا لا يكاد يقع منه إلا بتنبيه على أن ذلك حكم جميع ما يقع عليه الاسم عما يُسأل عنه.
وقد يسأل عن شيء فيجيب عن غيره تنبيهًا للسائل على حكمه إذا كان عالمًا ومن أهل الاجتهاد، نحو قوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت هل كان عليك من جناح؟ قال: لا قال ففيما إذا" وقوله للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أينفعه ذلك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أولى ومثل هذا الجواب لا يصدر منه إلا لعالم مجتهد.
فأما إن كان السائل ممن قد مسته الحاجة إلى تعجيل الجواب أو عاميًا
стр. 1090
ليس من أهل الاجتهاد، فإنه لا يصدر جوابه إلا عما يسأل عنه على وجه يبين به الحكم فيما وقع السؤال عنه.
فصل: ذكر اختلاف الناس في الجواب بالخطاب العام.
اختلف الناس في ذلك.
فقال الجمهور من المثبتين للعموم أن الواجب حمله على العموم، وإن كان السؤال واقع عن/ شيء مخصوص.
وقال قوم من أصحاب الشافعي ﵁ يجب قصره على السؤال والسبب الخاص. قالوا: وهذا هو قول الشافعي يقال من قال إن مذهبه حمله على العموم قال: مذهبه اعتبار لفظ صاحب الشرع دون السبب
стр. 1091
والسؤال الخارج عليهما. وقوله في هذا مختلف، لأنه قال تارة إن قوله: "الخراج بالضمان" عام وحمله على جميع المبيعات وإن كان خارجًا على عبد اشترى واستغل وظهر به عيب فقال: "الخراج بالضمان" ولم يراع خروجه على ذلك العبد ولا على جنس المبيع من الرقيق. فهذا قول من يراعي اللفظ دون السبب والسؤال.
وقال في موضع آخر إن قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" يحتمل أن يكون خارجًا على سؤال سائل يجب قصره عليه. فهذا كلام من يعتبر السبب دون لفظ الخبر.
والذي نختار من ذلك لو ثبت العموم حمل الخطاب على عمومه دون مراعاة السبب والسؤال.
والذي يدل على ذلك أن الأحكام معلقة بلفظ صاحب الشرع دون السبب، لأنه لو ابتدأ ﵇ من غير سؤال فقال: "الخراج بالضمان" "والماء طهور لا ينجسه شيء" لوجب باتفاق تعليق الحكم بمقتضى الخطاب. ولو
стр. 1092
وجد السبب والسؤال مع عدم الكلام لم يثبت بذلك حكم، وليس لأحد أن يقول إنما يثبت الحكم باللفظ والسبب والسؤال جميعًا، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب لو ابتدأ بالكلام مع عدم السبب والسؤال أن لا يثبت به حكم. وذلك باطل باتفاق فثبت أن الحكم متعلق بمقتضي الكلام.
ومما يدل أيضًا على أن الحكم للكلام دون ما خرج عليه اتفاق الكل على ثبوت الحكم بمقتضى الخطاب، وما يخرج عليه من الصفات والصيغ والأحوال دون الرجوع إلى السبب والسؤال. يبين ذلك أن سائلًا لو سأله فقال: أيحل الانتشار ويحل شرب الماء وأكل الطعا. فقال: الانتشار من صيغه الصلاة والشرب مندوب إليه والأكل واجب عليك والاصطياد على المحرم حرام لوجب حمل الحكم على موجب خطابه دون السؤال، لأنه يقول: يحل ويجوز الانتشار، وذلك سؤال عن الجواز. فإذا أجاب بلفظ يقتضي الندب أو الوجوب أو التجويز صير إليه وقضي به، وعدل عن اعتبار السؤال الذي خرج عليه وكان سببه، فصار الاعتبار بصفة اللفظ ومقتضاه.
ومما يدل على ذلك - أيضًا - قوله سبحانه: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ وليس ذلك إلا الرد إلى قوله تعالى وقول رسول الله ﷺ والمصير إلى موجبيهما دون السبب والسؤال، لأن الرد إليهما مخالف للرد إلى الله وإلى رسوله.
ومما يدل على ذلك - أيضًا - أنه/ لو كان مقتضى العام الخارج على سؤال وسبب خاص قصره عليهما لوجب إذا ذكر الدليل على عمومه أن يصير بذلك الدليل مجازًا ومستعملًا في غير ما وضع الكلام له. وذلك باطل باتفاق، فعلم أن خروجه على السبب والسؤال لا يقتضي قصره عليهما.
стр. 1093
ولأجل هذه صار قوله: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ عامًا وإن كان سبب ورودها سرقة المجن أو رداء صفوان بن أمية.
وصار قوله: ﴿والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ﴾ عامًا في حكم الظهار وإن كان سببه ظهار سلمة بن صخر.
стр. 1094
وصار قوله ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ عام في كل ملاعن ورامٍ لزوجته ونافٍ لولد وإن كان سببه رمي هلال بن أمية زوجته بالفاحشة.
وصار قوله ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ﴾ عامًا في جميع القذفة إذا لم
стр. 1095
يأتوا بالشهود، وإن كان سببه رمي أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها في قصة الإفك وصفوان بن المعطل الذكواني.
وصار قوله: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" عامًا في كل محصن وإن كان سببه إقرار ماعز بن مالك بالزنا في أمثال هذا مما يطول تتبعه.
وليس لأحد أن يقول إنما وجب تعميم هذا الخطاب الوارد في هذه الأحكام بدليل لولاه لوجب قصره على السبب إلا من حيث جاز لغيره أن يقول: بل إنما يقصر العام على السبب بدليل وموجب إطلاقه العموم. هذا على أنه لا يمكن القول بذلك مع القول بأنه عموم على الحقيقة مع الدليل على ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 1096
باب
ذكر ما يتعلق به المخالفون في ذلك
وقد استدلوا على صحة قولهم بأشياء
منها: إنه لما كان الحكم المتعلق بعينٍ مخصوصة يجب قصره عليها دون ما عداها، لأنه قد تكون المصلحة في التكليف تعلق الحكم بها فقط وجب مثل ذلك في قصر العام على السبب والسؤال الخاصين.
يقال لهم: هذا باطل، لأن الحكم المتعلق بالعين الواحدة لا شيء يوجب تعديه إلى غيرها. والخطاب العام يقتضي لفظه تناول ما خرج عليه السؤال، وما له المسبب الخاص، وجميع ما عداهما بحق اللفظ.
فكما لا يجب أن يكون اللفظ الوارد بحكم في عشرة أعيان مقصورًا على عين واحدة. فكذلك لا يجب قصر الخطاب العام على ما خرج عليه السؤال، لأنه لفظ يتناوله ويتناول ما عداه، وهذا واضح في الفرق بين الأمرين. ولو خرج الجواب متعلقًا بما وقع عنه السؤال فقط لقصرناه عليه لجواز تعلق المصلحة فقط، كما يصنع ذلك في العين الواحدة. وإذا ورد الحكم فيها بلفظ/ موضوع لها دون ما عداها، ولكن ليس الأمر في عموم اللفظ كذلك.
فصل: فإن قالوا: إذا اعتبرتم اللفظ العام دون ما خرج عليه من السؤال والسبب الخاص. فما أنكرتم من جواز قيام دليل على تخصيص ما خرج
стр. 1097
عليه السؤال وما له السبب الخاص، كما جاز تخصيص ما عداه. وكما أنه لو ورد مبتدأ غير جواب لجاز تخصيص نفس ما وقع عنه السؤال. وهذا منتفٍ على فساده، فوجب تخصيص العام وقصره على السبب والسؤال الخاصين.
يقال لهم هذا باطل، لأنه إذا ورد مبتدأ يخص منه ما يقدر أن السؤال فأخرجنا منه نفس ما وقع منه السؤال لم يكن الكلام جوابًا ولا بيانًا عما وقع عنه السؤال. ولا يجوز أن لا يقع منه بيان ما يسئل عنه وحكم ماله السبب الذي خرج عليه الخطاب، فافترقت حال العموم إذا كان جوابًا ومبتدأ في جواز تخصيص كل شيء منه إذا كان مبتدأ به، وإحالة تخصيص ما وقع عنه السؤال إذا كان جوابًا.
ومم يعتمد عليه - أيضًا - في إسقاط هذا السؤال إجماع الأمة على أنه لا يجوز تخصيص ما خرج عليه السؤال، وما ورد عليه من السبب الخاص. فوجب منع ذلك بالإجماع، وبطل ما قالوه. لأن من يقول إنه مقصور على السبب والسؤال الخاصين لقول هو بيان لحكمهما فقط دون ما عداهما. ونحن نقول لابد أن يكون بيانًا لهما وإن كان بيانًا لما عداهما، فالإجماع إذًا حاصل على أنه لا يجوز تخصيصهما.
واعتمدوا - أيضًا - على ذلك أن قالوا: لولا وجوب قصر العام على السبب والسؤال الخاصين لم يكن لنقل الرواة لهما فائدة ولا وجهًا. ولكان ذكرهما بمثابة تركهما. وهذا باطل. فوجب أن يكون تكلف نقلهما إنما فائدته قصر العام عليهما.
стр. 1098
يقل لهم: لم قلتم أنه لا فائدة فيه إلا ما ذكرتم؟
فإن قالوا: لأنه لا يمكنكم ذكر وجه غير ذلك.
يقال لهم: وهذه دعوى نائية، وعندنا من ذلك مالا يجب علينا ذكره فدلوا أنتم على أنه لا فائدة لنقلهما إلا ما ادعيتم.
ثم يقال من الفوائد في ذلك معرفة أسباب التنزيل والسير والقصص، والاتساع في حكم الشريعة، وذلك لا يعلم بالاقتصار على نقل اللفظ.
ومن أعظم الفوائد في ذلك أنه لو لم ينقل السؤال والسبب الخاص اللذين خرج الخطاب عليهما ونقل مجرد اللفظ لجاز لأهل الاجتهاد إخراج جنس ما وقع عنه السؤال وما له السبب الخاص الذي ورد الخطاب لبيان حكمه وحكم غيره من اللفظ العام، مع أنه لابد أن يكون مرادًا ومقصودًا بالحكم وإن أريد ثبوته في غيره.
وإذا نقل السبب والسؤال امتنع التعرض بتخصيصهما وإخراجهما من حكم الخطاب باتفاق. وهذا من أعظم الفوائد/ في هذا الباب، وقد صنع أبو حنيفة مثل هذا بعينه في قوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر"
стр. 1099
وزعموا أن الأمة لا تكون فراشًا. والخبر إنما ورد في الأمة، وفي وليدة زمعة. فذكر أن عبد الله بن زمعة قال: "هو أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراشه". وقال سعد: "هو ابن أخي عتبة بن أبي وقاص" فقال ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فجعل ﷺ فراشًا. فحفظ النسب يمنع من هذا.
وكذلك لو قال في السؤال عن ماء البحر: "الماء طهور لا ينجسه شيء" أو سؤال عما وقعت فيه النجاسة، وهو دون القلتين فنقل مجرد اللفظ العام دون السؤال لجاز أن يتسلط مجتهد بضرب من القياس إلى تنجيس ماء البحر وما دون القلتين إذا كان يحمل الخبث عنده، فيكون قد أخرج باجتهاده نفي ما قصد بيان الحكم فيه، وإن كان بيانًا لغيره أيضًا.
وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه من أنه لا فائدة في نقل السبب والسؤال إلا ما ذكر.
ويقال لمن اعتل بهذا ممن ينكر العمل بأخبار الآحاد، ومن ينكر العمل
стр. 1100
بالمراسيل. ومن ترك قبول الزيادات في الأخبار، ويمنع العمل بدليل الخطاب، وقصر الخطاب على ما له شرط خاص.
فولا وجوب العمل بخبر الواحد والمرسل والزيادة في الخبر، والمصير إلى دليل الخطاب، وقصر العام على ما له الشرط لم يكن لنقلهم أخبار الآحاد والمراسيل والزيادات في الأخبار وتعلق بالوصف والشرط الخاص وجهًا ولا معنى، فإن مر على ذلك ترك قوله.
وإن قال: له فوائد غير وجوب العمل بذلك.
قيل له: وما هي؟ وأجيب بمثل هذا عن فائدة نقل السؤال والسبب الخاصين. بل ما نقوله في ذلك أبين وأظهر وأعم فائدة. فبطل ما قالوه.
فصل: علة لهم أخرى:
قالوا: لولا وجوب قصر العام على السبب والسؤال الخاصين لم يكن لتأخير الحكم إلى حيث حدوث السبب والسؤال الذين خرج عليهما الخطاب معنى. فلما أخر إلى حين حدوثهما وجب قصر الحكم (عليهما).
يقال لهم: لم قلتم: إنه لا فائدة لذلك إلا ما قلتم؟ فلا يجدون فيه متعلقًا.
ثم يقال لهم: إن الله سبحانه لا يقدم التعبد بالحكم ولا يؤخره لعلة من العلل على ما بيناه في أصول الديانات فسقط ما قلتم.
ويقال لهم - أيضًا -: ما أنكرتم أن تكون الفائدة في ذلك سبق العلم بأن التعبد عند حدوث السؤال والسبب الخاص هو اللطف والمصلحة في التكليف، وأنه لو تقدم التعبد عليهما أورده بعمد ورودهما أو مبتدئًا به لم
стр. 1101
يطع أحد من المكلفين، ولكان تنفيرًا وفسادًا. ومثل هذا لا ينكر أحد اتفاقه في المعلوم. وإذا/ كان ذلك كذلك سقط ما قلتموه.
ويقال لهم: هل أنتم في هذه الدعوى إلا بمثابة من قال إنه لما أخر الحكم في جلد الزاني ورجمه، وقطع السارق، وحكم اللعان والظهار إلى حين حدوث تلك الأشخاص في تلك الأوقات وجب أن يكون الحكم متعلقًا بتلك الأعيان فقط في تلك الأزمان دون ما عداها. فإن مروا على هذا فارقوا الأمة، وإن أبوا أبطلوا شبهتهم.
واعتلوا لذلك - أيضًا - بأن أهل اللغة قالوا: إن الجواب متضمن للسؤال ومعلق به ومردود إليه، فوجب لذلك قصره عليه، وهذا صحيح في الجواب الناقص مثل نعم ولا، وهو حلال وحرام. ونحو ذلك من الأجوبة.
فأما الجواب التام العام الذي يصح الابتداء به فليس من حقه قصره على السؤال.
وقولهم: إنه مردود إلى السؤال ومعلق به، إنما معناه إنه يجب أن يكون فيه بيانه، فأما أن لا يثبت ويبين حكم غيره فباطل على ما قدمناه.
واعتلوا لذلك - أيضًا - بأن قالوا: قد اتفق على وجوب قصر العام على قصد المتكلم ومراده به، متى علم ذلك من حاله، وأنه قاصد به إلى الخصوص دون العموم. فلذلك يجب قصره على السبب والسؤال الخاصين.
وهذا في نهاية البعد، لأننا إنما قصرنا العام على قصد المتكلم إلى الخصوص للعلم بأن ذلك مراده. وإنما تكلم ليدلنا على قصده. وخروج الخطاب على السبب والسؤال الخاصين لا يعلم به قصد المجيب إلى
стр. 1102
قصر لفظه على ما خرج عليه السؤال. ولو علمنا قصده إلى ذلك لقصرناه عليه، على ما بيناه من قبل، ولكن إذا لم يعلم ذلك، وكان الخطاب عامًا حملناه على موجبه ومقتضاه.
وليس لهم أن يقولوا خروجه على سبب وسؤال خاص دليل على قصر الخطاب عليهما دون ما عداهما، لأن في نفس هذا وقع النزاع، فكيف يجعل دليلًا؟ وهذه جمل في هذا الباب كافية إن شاء الله.
стр. 1103
باب
الكلام في هل يجوز أن يُسمع اللفظ العام الذي قد
خُص بدليل من لا يسمع تخصصه أم لا ؟.
اختلف الناس في ذلك:
فقال الجمهور من أهل العلم المثبتون للعموم إنه يجوز أن يسمع اللفظ العام الذي قد ورد خصوصه من لا يسمع الخصوص، وعليه البحث عن ذلك فإن وجده وإلا اعتقد عمومه.
وقال قوم من المتكلمين، ومتأخرون من أهل العراق إنه لا يجوز أن يسمع الله أحدًا من المكلفين العام المخصوص ولا يسمعه خصوصه فإنه لابد أن يسمعه إياهما أو يصرفه عن سماع العموم. إذا لم يسمع الخصوص.
واتفق الكل على أنه إذا كان العموم مخصوصًا بدليل العقل جاز أن يسمعه من لم يتقدم له نظر في الدليل على تخصيصه، وأن دليل العقل المخصص له متقدم عليه، لأن العقل وقضيته متقدم على ورود السمع.
стр. 1104
واتفق القائلون بجواز تأخير بيان العام على جواز سماع العام، وإن لم يسمع خصوصه، وإن كان التخصيص واردًا، لأن فقد سماعه/ للتخصيص بمنزلة تأخير بيان التخصيص. فقال: ابن سريج يجوز سماعه للفظ العام وإن كان مخصوصًا ببعض أدلة السمع، وإن لم يسمع تخصيصه، ولم يتقدم منه نظر فيما يخصه من جهة القياس. وأن عليه إذا سمع ذلك التصفح والبحث عن أدلة التخصيص. وتجويز أن يكون قد وردت معه أو بعد وروده. فإن وجد ما يجوزه من ذلك خصه، وإن فقده قضينا بعموم اللفظ - وهذا هو الذي نختاره.
والذي يدل على ذلك اتفاق الكل على أن الله سبحانه قد خاطب بالعمومات المخصوصة بأدلة العقل المكلفين واسمعهم ذلك، وإن لم يتقدم من كثير منهم النظر فيها والعلم بها.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ يريد بذلك أنه إنما يعلمه الطالب لمعناه الراسخ في العلم. فبين بذلك أنه قد يسمعه من ليس براسخ، ولا طالب، ولم يوجب على السامع العموم الذي لم يتقدم نظره فيما يخصه من أدلة العقل والإقدام على اعتقاد عمومه قبل نظره في أدلة العقل، بل أوجب عليه جواز إخراج دليل العقل لبعضه وجواز عدمه فألزمه النظر في ذلك والفحص عنه.
وإذا كان ذلك كذلك صح - أيضًا - وجاز أن يسمعه العام الوارد في الأحكام الشرعية ولا يسمعه الخاص، ولا يوجب عليه اعتقاد عمومه والقطع على ذلك، بل يلزمه تجويز كونه مخصوصًا، والنظر هل في الشرع ما يخصه أم لا؟.
فإن وجد ذلك خصه، وإن علم فقده قضى بعمومه.
стр. 1105
فإن قالوا: الفرق بين الأمرين أنه قد أعلم المكلفين وجوب بناء السمع على أدلة العقل وحمله على موافقتها.
قيل لهم: وكذلك فقد أعلم المكلفين بناء وجوب العام على الأدلة الموجبة لتخصيصه وأعلمهم جواز تخصيصه له، فوجب تساوي الأمرين. وهذه الدلالة بعينها هو جوابهم عن اعتلالهم لإحالة ذلك بأنه لو سمع العام ولم يسمع الخاص لوجب عليه اعتقاد العموم. وذلك إيجاب للجهل، وذلك محال.
وعن اعتلالهم لذلك بأن لو جاز أن يسمع العام من لا يسمع تخصصه لجاز أن يسمع المنسوخ من لا يسمع ناسخه، لأننا نجوز الأمرين وعلى السامع لذلك النظر فيما يخصه، فإن وجده وإلا أوجب عمومه، وكذلك يجب عليه التمسك بحكم المنسوخ الذي سمعه وتجويز كونه منسوخًا. فإن كان قد تعبد بالعمل بالمنسوخ لزمه ذلك حتى يعلم الناسخ له، وإن سمعه يتلى وجوز أن يكون منسوخًا قد أزيل حكمه لم يجب عليه العمل به حتى يتصفح الأدلة. فإن وجد ناسخه لم يعمل به. وإن فقد ذلك علم ثبوت حكمه، وعليه البحث والنظر.
وليس ما يدعونه من وجوب اعتقاد السمع لعموم اللفظ وثبوت الحكم المنسوخ بواجب، بل عليه اعتقاده ما وصفناه. فبطل تعلقهم بذلك.
واستدلوا على ذلك - أيضًا - بأنه لو جاز ما قلناه لجاز أن يسمع الخطاب المستثنى منه من لا يسمع الاستثناء.
стр. 1106
فيقال لهم: إن عنيتم بهذا أنه لورد/ الخطاب المستثنى منه شيء في قصد المتكلم به من لا يصل به الاستثناء، فذلك باطل، لأنه إذا فصله من الاستثناء فقد ألزم كونه عامًا إذا لم يكن فيه استثناء، ولا هناك دليل يقوم مقامه.
وإن عنيتم به أنه قد يجوز أن يسمع المستثنى منه من لا يستتم سماع الكلام إلى آخره، ومن يصده عارض من علةٍ وغفلةٍ و (عائق) عن سماع ما يتصل به من الاستثناء، فذلك صحيح، وعلته إذا كانت الحال هذه أن يبحث عما لم يستتم سماعه وصده عارض عن استغراق سماعه أن يسأل ويبحث هل ورد معه استثناء أم لا؟ فإن علم ما استثني منه حكم به. وإن علم أنه عارٍ منه قطع على أنه لا استثناء ورد فيه، وجوز مع ذلك أن يكون في أدلة الألفاظ ووجوه الاجتهاد ما يخصصه، ويكون قائمًا مقامه لاستثناءٍ فيه المتصل به. فإن وجد ذلك حكم به، وإن فقده حكم حينئذٍ بعمومه. فسقط ما عولوا عليه.
واستدلوا - أيضًا - على ذلك بأن سماع المخاطب العام، وإن لم يسمع الخاص ليس بحكمةٍ، لأنه بمنزلة خطاب العربي بالأعجمية. وهذا باطل، لأن الأعجمية لا يعلم العربي منها شيئًا. والعربي المخاطب بعام لم يسمع قرينته يعرف أنه خطاب عام. ويجوز أن يكون مخصوصًا بما يعرفه عند الطلب، وأن لا يكون كذلك، فافترق الأمران.
فصل: فإن قيل: فلم قلتم إن الذي على سامع العموم اعتقاد جواز كونه عامًا عاريًا مما يخصه، وجواز كونه مقرنًا بما يخصه والنظر في ذلك.
стр. 1107
قيل: لأنه لا يخلو أن يكون الواجب عليه اعتقاد العموم قطعًا أو اعتقاد الخصوص قطعًا، أو اعتقاد كونه خاصًا عامًا، أو اعتقاد كونه لا خاصًا ولا عامًا، أو اعتقاد كونه عامًا متجردًا. وجواز كونه مخصوصًا مقرنًا.
فإذا بطلت الأربعة الأقسام. وقسمان منها متفق على فسادهما، وهو وجوب كونه عامًا خاصًا، أو لا عامًا ولا خاصًا. وقسمان منها قد أفسدناهما، وهو اعتقاد العموم مطلقًا، أو الخصوص، لأنه قد وضع في عقولنا جواز تجرده وجواز إقرانه، ولم نقف على ذلك إلا بالبحث والطلب فلم يبق وراء ذلك إلا ما قلناه.
فصل: فإن قال قائل: وكم مدة الاجتهاد في البحث عن تجرده أو اقترانه بما يخصه؟.
قيل: ليس لذلك حد مقدر. وإنما يجب على العالم أن يبحث وينظر حتى يعلم قطعًا أنه متجرد أو مقترن، أو يغلب ذلك على ظنه ويبذل في ذلك وسعه وجهده. فإذا فعل ذلك وجب عليه القضاء إما بتجرده إن علم ذلك أو ظنه أو مقترنًا. ومدة الطلب لذلك وحصول الظن له أو العلم به، يختلف بحسب اختلاف طباع العلماء وقرائحهم وذكائهم واستدراكهم وبطء بعضهم.
стр. 1108
فطلب مهلة محدودة معينةٍ بعدي متعذر. وإنما الواجب ما قلناه.
فإن قيل: فهل يجوز ورود المحتمل والمجمل من الخطاب الذي لم يتعين فرض تقديم العمل/ بالمراد به عاريًا مما يدل على المراد به.
قيل: أجل، لأن تأخير بيان المجمل والمراد بالعام صحيح جائز على ما نبينه من بعد، فجاز لذلك ورود خبر يرد عاريًا من دليل المراد وتأخره إلى وقت الحاجة إلى تنفيذه.
стр. 1109
باب
القول في المطلق والمقيد
قد بينا فيما سلف أن التقييد للعام بالصفات يوجب قصره وحصره وأن كلما زيدت الشروط في تقييده كان ذلك أضيق في تخصيص العام.
واعلموا أن التقيد للعام وما قصر عنه يكون بلفظ الاستثناء وبلفظ الشرط وبلفظ الصفة والنعت. وقد اتفق على أن ذلك أجمع مخصص للعام. وقد ذكرنا صورة هذه الألفاظ من قبل بما يغني عن رده.
واعلموا أن التقييد بذلك أجمع يوجب تخصيص العام بلفظ الجمع المعرف والمنكر وغيره من الألفاظ وتخصيص العام الشائع في الجنس وتخصيص المجمل القاصر له عن استغراق الجنس، لأنه إذا قال: اقتلوا المشركين إذا كانوا وثنيين أو حربيين خص ذلك اللفظ العام. وإذا قال: اقتل مشركًا، وأعط فقيرًا كان ذلك عامًا شائعًا في الجنس، فإذا قال إذا كان أو إن كان المشرك حربيًا. وكان الفقير شريفًا تقيد بذلك ما كان شائعًا.
стр. 1110
وكذلك إن قال: اضرب عشرة من الناس لكان ذلك شائعًا في كل عشرة. ولو قال: إذا كانوا مذنبين أو عجميين تقيدت الجملة بالصفة. ومن هذا قوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ولو لم يقيدها بالإيمان لأجزأت كل رقبة، وقوله ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ولو لم يقيدهما بالتتابع لأجزأ متتابعًا ومتفرقًا في أمثال هذا مما يطول تتبعه.
فصل: وقد اتفق أهل العلم على أن الحكم الواحد بعينه إذا أطلق في موضع وقيد في موضع كان الحكم لتقييده، ولم يعتبر بإطلاقه، نحو أن يقول في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ويقول فيها في موضع آخر: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، لأن مطلق هذا هو مقيده لعينه. وكذلك حكم إطلاق الصيام في كفارة الظهار وتقييده بالتتابع في موضع آخر، وأمثال ذلك.
واتفق الكل أيضًا على أن الحكم المقيد إذا كان غير المطلق ومتعلقًا بغير
стр. 1111
سببه ومخالفًا لجنسه، فإن المطلق من ذلك على إطلاقه والمقيد على تقييده، وذلك نحو تقييد الشهادة بالعدالة في أنه لا يوجب/ تقييد الرقبة بالإيمان، وتقييد التتابع في الصيام، ولا خلاف في ذلك.
واتفقوا - أيضًا - على أن المطلق من الحكم إذا كان من جنسه مطلق ومقيد فواجب حمله على إطلاقه، لأنه ليس بأن يُرد إلى المقيد من جنسه مقيد بالتتابع، وهو صيام الظهار، ومنه ما قد شرط فيه التفرق، وهو صيام المتمتع.
وهذا النوع واقع بين مطلق ومقيد.
واختلف الناس في الحكم المنفصل من التقييد إذا كان غير حكم آخر مقيد. وكان مع ذلك من جنسه إلا أنه متعلق بغير سببه هل يجب حمله على الإطلاق أو تقييده بتقييد ما هو من جنسه المتعلق بغير سببه.
стр. 1112
فقال أهل العراق وكثير من أصحاب مالك والشافعي: إن المطلق من ذلك عن إطلاقه والمقيد على تقييده، إلا أن يدل القياس على تقييده فيلحق بالمقيد قياسًا، لا من ناحية وجوب حمل المطلق على المقيد لموضع التقييد.
وقال بعض متقدمي أهل العراق ومتأخريهم إنه لا يجوز تقييد ما أطلقه القرآن والسنة بالقياس والاستدلال، لأن ذلك زعموا زيادة في حكم النص بقياس والنسخ لا يجوز بالقياس. وقد بينا نحن أن التقييد بالقياس وغيره نقصان لا زيادة.
وقال كل من خالفهم يجوز تقييد المطلق بقياس، لأنه ليس بزيادة ولا نسخ.
وقال كثير من أصحاب مالك والشافعي يجب تقييد المطلق بتقييد ما هو من جنسه المتعلق بغير سببه.
واختلفوا فقال بعضهم إن ذلك واجب من جهة وضع اللغة ومعقول اللسان. وهذا خطأ لما نذكر من بعد.
وقال آخرون منهم: بل يجب ذلك من جهة القياس إذا اقتصر حمله على حكم المقيد. وهذا صحيح على ما قالوه إن وجد قياس وشيء يقوم مقامه يوجب تقييده وإلحاقه بما ورد النطق بتقييده.
وهذا نحو اختلافهم في إطلاق الرقبة في كفارة الظهار، وهل يجب تقييدها بالإيمان لأجل تقييدها به في كفارة القتل أم لا.
والذي نقوله إن ذلك غير واجب من جهة اللغة وهما كفارتان متغايرتان ومتعلقتان بسببين مختلفين.
стр. 1113
وكذلك القول في إطلاق اسم اليد في التيمم وتقييدها بذكر المرافق في الغسل، لأن حكم التيمم غير حكم الغسل إلا أن/ يدل على ذلك قياس من الجمع بينهما بأنهما طهارتان أو مستباح بهما الصلاة، أو كون التيمم بدلًا من الغسل، وأمثال ذلك.
والذي يدل على صحة ما قلناه أن الحكم المطلق غير الحكم المقيد وإطلاق المطلق يقتضي نفي التقييد عنه، كما أن تقييد المقيد ينفي كونه مطلقًا. فلو وجب تقييد المطلق، لأن من جنسه ما هو مقيد لوجب إطلاق المقيد لأن من جنسه ما هو مطلق، ولا فصل بين الدعويين.
فإن قالوا: قد أجمعوا على منع رد المقيد على المطلق وإطلاقه لأجله.
قيل لهم هذا الإجماع هو الدليل على صحة ما قلناه وفساد ما قلتم، وإلا فكيف وجب رد المطلق على المقيد، ولم يجب رد المقيد إلى حكم المطلق إلا لأن للفظ كل واحد منهما حكم غير حكم الآخر.
وإن قال قائل: حمل المطلق على المقيد يقتضي تخصيصه، وتخصص
стр. 1114
العام جائز صحيح، وحمل المقيد على المطلق يوجب إبطال تقييده وفائدته، فاقترن الأمران.
قيل له: وحمل المطلق على المقيد يبطل فائدة إطلاقه ونفي عمومه فيما فيه الصفة. وفيما ليس فيه، ونحن لا ننكر تخصيص العموم بدليل وتقييد غير حكم المطلق المتعلق بغير سببه ليس بدليل على تخصصه أو تقييده، كما أن إطلاق المطلق ليس بدليل على إطلاق غيره المقيد. فبطل ما قلتم.
ويدل على ذلك - أيضًا - أن المطلق والمقيد الواردين في حكمين متعلقين بسببين مختلفين بمنزلة حكم خاص وحكم عام في وجوب إمضاء كل واحد منهما على موجبه، لأنه لو قال في كفارة الظهار: فتحرير رقبة، أي الرقاب كانت من مؤمنة وكافرة وذكر وأنثى لوجب عموم ذلك في كل الرقاب. ولو قال في كفارة القتل فتحرير رقبة مؤمنة لتقيدت بالإيمان، ولم يجب حمل مطلق هذا على تقييد باتفاق. وإذا ثبت ذلك وكان إطلاق الرقبة باتفاق تفيد عمومها شائعًا في سائرها. وقوله: أي الرقاب كانت، وأي رقبة شئت وأمثاله. إنما هو تأكيد لقوله فتحرير رقبة، فوجب حمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده.
فصل: ذكر ما يتعلق به المخالفون في ذلك. وقد تعلقوا في ذلك بأن موجب اللسان يقتضي حمل المطلق على المقيد، لأن أهله يكتفون بالتقييد للشيء عن تكرار تقييده وتقييد مثله اقتصارًا على ما ذكر منه/.
قالوا: وعلى مثل هذا ورد قوله تعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ﴾ يريد بنقص من الأموال، ونقص من الأنفس، ونقص من الثمرات. فيدل على إعادة ذكر النقص إيجازًا واختصارًا.
стр. 1115
ومنه قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ يعني قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال. وقوله: ﴿والذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتِ﴾ يعني والذاكرات لله. فحذف اختصارًا.
ومنه قول الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني
أالخير الذي أنا ابتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني
يعني أريد الخير أم الشر. فحذف ذكر إرادة الشر اجتزاءً بذكرها في الخير.
وقال آخر:
يا من يرى عارضًا يُسر به بين ذراعي وجبهة الأسد
يريد بين ذراعي الأسد وبين جبهته
وقال آخر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والأمر مختلف
يعنى نحن راضون بما عندنا
стр. 1116
قالوا: وعلى مثل هذا جاءت الآيات المُضمنة الأحكام. فقال في موضع: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ وأطلق الشهادة في موضع آخر، فتقيد المطلق منها بالمقيد وعقل ذلك المسلمون.
وكذلك فقد عقلت الأمة تقييد آخر جميع المواريث بأن تكون بعد قضاء الدين، لأجل تقييد بعضها بذلك في موضع مخصوص، وذلك قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ولم يقيد بذلك في قوله: ﴿ووَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ وقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ وأمثال ذلك، فوجب لأجل هذا أجمع حمل المطلق على المقيد الذي هو من جنسه.
يقال لهم: ما قلتموه من هذا أجمع غير واجب.
فأما تعلقهم بذكر الحذف والاختصار في كلامهم. فالفرق بينه وبين المطلق والمقيد أنه لو لم يحمل الثاني مما ذكر فيما وصفتم على معنى الأول ويُرد إليه ويُقدر الحذف فيه بطل الكلام وخرج عن أن يكون مفيدًا، وإن قدر فيه الابتداء به صار منقطعًا منبترًا وابتداءً لا خبر له، وإن قدر فيه معنى آخر غير الذي بدئ بذكره كان تعسفًا وتركًا لعادة الاستعمال لأننا متى لم نقدر الحذف في قوله: ﴿والأَنفُسِ والثَّمَرَاتِ﴾ وأنه أراد نقص من الأنفس والثمرات لم يكن الكلام مفيدًا، لأنه يتم عند قوله:
стр. 1117
﴿ولَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ﴾ /.
فإذا قال بعد ذلك. والأنفس والثمرات ولم يرد الابتلاء بالنقص منهما صار لذلك كلامًا مبتدءًا لا خبر له. وذلك باطل في الاستعمال.
وكذلك متى لم يقدر في قوله: والذاكرات الله صار ذكرهن لغوًا لا فائدة فيه. وكذلك القول في جميع ما ذكروه من الآي والشعر. وذلك واضح عند التأويل، فصار ما ذكرناه ضرورة ملجئة إلى حمل ثواني ما ذكر من هذا ونحوه على أوائله ورده إليه وتقدير المحذوف فيه، وإن حذف اختصارًا وإيجازًا.
وليست هذه حال المطلق والمقيد، لأن تقييد المقيد لا يلجئ إلى حمل المطلق عليه ولا يخرجه عن كونه مقيدًا إذا حمل على إطلاقه والمقيد على تقييده، وكل واحد منهما كلام تام منفصل عن صاحبه ومستقل بنفسه لا تعلق لأحدهما بالآخر، فبطل ما قالوه.
فأما قوله: إن الأمة عقلت تقييد الشهادات بالعدالة بتقييدها في الأموال، وعقلت تقييد دفع جميع المواريث إلى أهلها بعد الوصية والدين بتقييد ذلك في بعضها. فإنه قول باطل.
لأننا إنما نوجب تقييد ذلك في كل موضع بدليل قاطع من توقيف وإجماع وخبر واحد وقياس، وبعض ضروب أدلة الشرع. ولولا ذلك لما أجمعوا على رد المطلق إلى المقيد، وفي الأمة من لا يرى تقييد الشهادة في النكاح بالعدالة وإن كانت عنده واجبة، وإن كان من جنسها ما هو مقيد. وليس يجوز أن نظن بالأمة أنها قيدت المطلق من ذلك برده إلى المقيد، لأن ذلك إجماع منها على خطأ عظيم، وإن كنا لا ننكر أن يكون فيها مخطئ قد
стр. 1118
توهم وجوز تقييد المطلق لكون ما هو من جنسه مقيدًا، لأن البعض منهم يجوز الخطأ عليه. وهو ممتنع في جميعهم، ولا يقطع أيضًا على ما لأجله قيدوا المطلق المتفق على تقييده. وقد يتفقون على تقييده بطرق مختلفة فدعواهم الإجماع في هذا بعيد جدًا.
فصل: واستدلوا - أيضًا - على صحة قولهم بأن القرآن بأسره بمنزلة كلمة واحدة. فإذا قيد الحكم في موضع تقيد أمثاله في غيره، وإن تعلق بغير سببه، وهذا أبعد من الأول.
فيقال لهم: لم قلتم هذا؟ والله سبحانه يقول: إنه كلمات وقصص وسير وأحكام وآداب وأمثال، وفيه نفل وفرض، وحلال وحرام وإباحة وحظر، وخاص وعام، ومطلق ومقيد، ومجمل ومفسر، وظاهر ومكنى، ونطق وفحوى، ولحن ودليل خطاب عند مثبتيه إلى غير ذلك من الأقسام التي بدأنا بذكرها. وكيف يكون هذا أجمع/ بمثابة كلمة واحدة.
ثم يقال لهم: فلو قال لهم لأجل نتبين ما قلتم فيجب جعل المقيد مطلقًا، لأنه بمثابة المطلق، وجعل جميع العمومات مخصوصة لأن منه مخصوص، وجميع الأوامر على الندب، لأن منها ندب، وجميعها على الفور أو التراخي، لأن فيها كذلك، وجميعها ناسخ غير منسوخ، أو منسوخ غير ناسخ، لأن من أي القرآن كذلك هل كان في هذا إلا بمثابتكم، وإذا لم يجب هذا أجمع سقط ما قلتم.
فإن زعموا أنهم أرادوا بذلك أن الحكم الواحد المتعلق بسبب واحد إذا أطلق تارة وقيد أخرى وجب القضاء بإطلاقه.
قيل: هذا مسلم، فلم يجب ذلك إذا كانا حكمين متعلقين بسببين مختلفين، ولا شبهة لهم في ذلك.
стр. 1119
فصل: فأما قول من قال من أصحاب أبي حنيفة إنه لا يجوز تقييد الرقبة في كفارة الظهار، وتقييد الصيام بالتتابع في موضع إطلاقه بالاستدلال والقياس، لأجل أن ذلك زيادة في حكم النص، وهذا نسخ، والنسخ لا يجوز بقياس واجتهاد، فإنه خطأ على ما نبينه في فصول القول في النسخ. وقد بينا أن تقييد المطلق نقصان. والزيادة على النص منها نسخ، ومنها ما ليس بنسخ، على ما سنشرحه من بعد إن شاء الله.
стр. 1120
باب
الكلام على القائلين بالخصوص
اعلموا - رحمكم الله - أن هذا الفريق زعموا أن مطلق أسماء الجموع المعرفة والمنكرة إنما وضع لإفادة أقل الجمع، وهو الثلاثة على قول أكثرهم.
قالوا: فإن أريد به ما زاد عليه ذلك فبدليل يقرن باللفظ.
وكل دليل استدللنا به على إبطال القول بالعمومي من أن ذلك يحتاج إلى رواية تقطع العذر وتوجب العلم. وذلك متعذر من أن مطلق اللفظ يرد تارة يراد به والمراد به أقل الجمع، ويرد تارة لاستغراقه، وتارة يراد به ما بين استغراقه وأقله، فدعوى وضعه لبعض ذلك بمثابة دعوى وضعه لغيره.
ومن أن الاستفهام عن الجمع وكم قدر المراد به ثلاثة أم الاستغراق، أم قدرًا بين العددين أوضح دليل على أنه غير موضوع لبعض ذلك دون بعض.
стр. 1121
ومن أنه لو كان مجرده موضوعًا لإفادة الثلاثة فقط لكان ما دل على أن المراد به ما زاد عليها مصيرًا له مجازًا في الاستغراق، وكل عدد زائد على الثلاثة، لأنه يصرفه إلى غير ما وضع له مجرده، وذلك باطل باتفاق منا ومنهم ومن سائر أهل اللغة والمعاني، وقد أوضحنا في الدلالة وفساد القول بالعموم وجه الاستدلال بجميع هذه الأدلة، فأغنى ذلك عن الإطالة بإعادته.
فصل: وقد اعتمدوا في أن المعقول من مطلق اسم الجمع أقله بأن ذلك متيقن كونه مرادًا باللفظ، وما زاد عليه فيجوز أن يراد به وأن لا يراد، وهو مشكوك فيه.
فيقال لهم: لسنا نخالفكم في أن اسم الجمع إذا كان مستعملًا في حقيقته دون مجازه كان أقل الجمع منه متيقن/ القصد إليه، وهذا لا يوجب أن يكون مطلق اللفظ موضوعًا له فقط. وأن ما زاد عليه لا يصلح أن يكون مرادًا بمطلق اللفظ. وفي هذا الفصل بيننا وبينكم الخلاف، لأنكم تقولون إنه موضوع لإفادة الثلاثة فقد دون ما زاد عليها، ونحن نقول يصلح أن تراد وما زاد عليها، ويكون اللفظ مستعملًا فيها وفي الزايد عليها، وأنه إذا أريد ما زاد عليها كان حقيقة فيه وأنتم تزعمون أنه لا يعقل من مطلقة إلا أقل الجمع، ولا طريق لكم إلى ذلك، ولو وجب إذا كان يتيقن من إطلاق اسم الجمع الثلاثة التي هي أقله أن يكون اللفظ موضوعًا لهذا المتيقن دون ما عداه، فوجب أن يكون القول عشرة ومائة وكل عدد بين أقل الجمع وبين استغراقه موضوعًا للثلاثة التي هي أقل الجمع، لأن القائل إذا قال رأيت عشرة ومائة، فالثلاثة منهم متيقن القصد إليهم بالاسم، وإن لم يجب كون الاسم موضوعًا له، وكذلك اسم الجمع المطلق بغير تقدير يتيقن منه الثلاثة، ولا يجب كون الاسم موضوعًا له دون ما عداه.
стр. 1122
وكذلك فإن هذه العلة توجب عليهم أن يكون القول ناس، والناس اسم للواحد دون الثلاثة، لأن دخول الواحد فيه والقصد إليه متيقن، كما أن القصد إلى الثلاثة متيقن، فكيف صار الاسم موضوعًا لبعض ما تيقن منه دون بعض؟ فبطل بذلك ما قالوه.
ويقال للمعتل بهذا ممن لا يقول إن الأمر قد دخل فيه معنى الإباحة، وإن الإيجاب قد دخل فيه معنى الندب، وإن مطلق الأمر لا يعقل منه فعل دفعة واحدة، وأن التراخي قد دخل فيه معنى الفور.
فيجب لأجل اعتلالك هذا أن تقول مطلق لفظ الأمر موضوع لإباحة الفعل وإطلاقه، لأن ذلك متيقن منه، والاقتضاء له أمر زائد على إباحته، وكذلك ما حمل الإيجاب على الندب إلى الفعل، لأن الندب إلى الواجب والدعاء إليه متيقن وكونه فرضًا زائدًا على الندب إليه.
وكذلك إذا قال: اضرب وصل، فإن المرة الواحدة منه متيقن القصد إليه، وما زاد عليه مشكوك فيه، وإذا قال افعل ففعله عقيب الأمر متيقن إجزاؤه وتأخيره غير متيقن ومختلف فيه. فإن مر على هذا أجمع خلط وترك قوله. فإن أباه نقض اعتلاله.
فيقال لهم: في استدلالكم هذا تخليط ظاهر، لأنكم تزعمون أن المعقول من مطلق اللفظ الثلاثة فقط. ثم تقولون ما زاد عليها مشكوك فيه، وهذا نقض لما أصلتم، لأنه إذا كان اللفظ مفيدًا للثلاثة فقط. فما عداها متيقن كونه غير مراد ولا داخل في الإطلاق. فكيف يجوز أن يكون مشكوكًا فيه، وأن تقولوا يجوز أن يراد ويجوز بأن لا/ يراد؟ وما يجوز أن يراد باللفظ هو الذي يستعمل حقيقة أو مجازًا فيه. وقد اتفق على أنه إن أريد به فوق الثلاثة لم يكن مجازًا، وما وضع لقدر من العدد لا يجوز ولا يصلح أن يراد
стр. 1123
بمطلقه ما وضع له، ولهذا لم يجز أن يراد بذكر العشرة الماية والألف والأحد عشر، لأنه موضوع للعشرة فقط، دون ما عداه، فما زاد عليها متيقن كونه غير داخل في اللفظ.
وكذلك القول مشركون والمشركون لو كان مفهومه ومعقوله الثلاثة فقط لتيقن خروج ما زاد عليه منه، ولو كان ذلك متيقنًا لما حسن أن يقول لمن قال رأيت الناس، كم رأيت منهم؟.
فقولكم يجوز أن يراد به ما زاد على الثلاثة نقض لقولكم إنه موضوع للثلاثة، وكل هذا يدل على كونه مشتركًا بين الثلاثة وما زاد عليها من الأقدار إلى استغراق الجنس.
فإن قالوا: إنما يحسن الاستفهام في قوله رأيت الناس لجواز أن يكون أراد به فوق الثلاث ويكون مجازًا فيهم.
قيل لهم: هذا باطل باتفاق، لأنه حقيقة فيها، وفيما زاد عليها، على أن بإزاء هذه الدعوى قول أصحاب العموم إنه حقيقة لاستغراق الجنس، وإنما يجوز الاستفهام، لأنه قد يريد به المتكلم ما قصر عن الاستغراق من الثلاثة وما فوقها، ويكون مجازًا إذا استعمل فيما قصر عن الاستغراق، كما يكون مجازًا في الواحد إذا استعمل فيه. وهذا مع كونه خطأ أقرب من دعوى أصحاب الخصوص أنه مجاز في استغراق الجنس، وما زاد على الثلاثة من الأعداد، وليس تركب هذا منهم محصل لعلم هذا الباب. فبطل ما قالوه، وصح ما قلناه.
стр. 1124
باب
الكلام في أقل الجمع والخلاف في ذلك
قد بينا فيما سلف أن العموم هو الشمول، وذلك أصله، ويجب على ذلك أن يكون العموم المجموع تحت اللفظ وباللفظ هو الاثنان اللذان يشتمل اللفظ عليهما ويجمعهما، وليس معنى المجموع باللفظ، وفيه أنه موافٍ به ومنضم ومتقارب باللفظ الشامل له، لأنه قد يجمع باللفظ المجتمع في نفسه مع غيره والمنضم بعضه إلى بعض ويجمع به - أيضًا- في الذكر والخبر والأمر ما لا يجوز عليه الاجتماع والانضمام، نحو القديم سبحانه وصفاته والحوادث إذا ذكرت معه بلفظ يعمه وإياها. ونحو الأعراض التي لا يمكن فيها التقارب والانضمام، ونحو الجسم والعرض إذا جمعا في الذكر واجتماعهما محال. فبان بذلك أن الجمع من جهة القول ليس من معنى اجتماع المنضمين المتجاورين في شيء وإنما المراد به أنهما مجتمعان في الذكر.
وقد اختلف الناس في أقل الجمع الداخل تحت اللفظ من الصحابة رضوان الله عليهم.
فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت: "إن أقل الجمع اثنان"، وبه قال
стр. 1125
جلة من الفقهاء منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله/ وعليه كثير من أهل اللغة.
وقال عبد الله بن عباس وأبو حنيفة والشافعين وكثير من أهل اللغة إن أقل الجمع ثلاثة، وأول ما يجب أن يقال في هذا إن غرض الخلاف في ذلك ليس هو أن الاثنين ليسا بمجموعتين يجب لفظ يعمهما، لأن هذا ليس بقولٍ لأحد، وإنما الغرض منه أنه إذا قيل ناس ورجال، وتصدق على مساكين، وثلث مالي للمساكين أو الفقراء ومساكين هل يقع هذا الجمع على الاثنين حقيقة، وما زاد عليهما أم لا يقع إلا على ما زاد على الاثنين. وإن استعمل فيهما فعلى وجه المجاز.
следующие страницы →