Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
ومن أنه لو كان مجرده موضوعًا لإفادة الثلاثة فقط لكان ما دل على أن المراد به ما زاد عليها مصيرًا له مجازًا في الاستغراق، وكل عدد زائد على الثلاثة، لأنه يصرفه إلى غير ما وضع له مجرده، وذلك باطل باتفاق منا ومنهم ومن سائر أهل اللغة والمعاني، وقد أوضحنا في الدلالة وفساد القول بالعموم وجه الاستدلال بجميع هذه الأدلة، فأغنى ذلك عن الإطالة بإعادته.
فصل: وقد اعتمدوا في أن المعقول من مطلق اسم الجمع أقله بأن ذلك متيقن كونه مرادًا باللفظ، وما زاد عليه فيجوز أن يراد به وأن لا يراد، وهو مشكوك فيه.
فيقال لهم: لسنا نخالفكم في أن اسم الجمع إذا كان مستعملًا في حقيقته دون مجازه كان أقل الجمع منه متيقن/ القصد إليه، وهذا لا يوجب أن يكون مطلق اللفظ موضوعًا له فقط. وأن ما زاد عليه لا يصلح أن يكون مرادًا بمطلق اللفظ. وفي هذا الفصل بيننا وبينكم الخلاف، لأنكم تقولون إنه موضوع لإفادة الثلاثة فقد دون ما زاد عليها، ونحن نقول يصلح أن تراد وما زاد عليها، ويكون اللفظ مستعملًا فيها وفي الزايد عليها، وأنه إذا أريد ما زاد عليها كان حقيقة فيه وأنتم تزعمون أنه لا يعقل من مطلقة إلا أقل الجمع، ولا طريق لكم إلى ذلك، ولو وجب إذا كان يتيقن من إطلاق اسم الجمع الثلاثة التي هي أقله أن يكون اللفظ موضوعًا لهذا المتيقن دون ما عداه، فوجب أن يكون القول عشرة ومائة وكل عدد بين أقل الجمع وبين استغراقه موضوعًا للثلاثة التي هي أقل الجمع، لأن القائل إذا قال رأيت عشرة ومائة، فالثلاثة منهم متيقن القصد إليهم بالاسم، وإن لم يجب كون الاسم موضوعًا له، وكذلك اسم الجمع المطلق بغير تقدير يتيقن منه الثلاثة، ولا يجب كون الاسم موضوعًا له دون ما عداه.
стр. 1122
وكذلك فإن هذه العلة توجب عليهم أن يكون القول ناس، والناس اسم للواحد دون الثلاثة، لأن دخول الواحد فيه والقصد إليه متيقن، كما أن القصد إلى الثلاثة متيقن، فكيف صار الاسم موضوعًا لبعض ما تيقن منه دون بعض؟ فبطل بذلك ما قالوه.
ويقال للمعتل بهذا ممن لا يقول إن الأمر قد دخل فيه معنى الإباحة، وإن الإيجاب قد دخل فيه معنى الندب، وإن مطلق الأمر لا يعقل منه فعل دفعة واحدة، وأن التراخي قد دخل فيه معنى الفور.
فيجب لأجل اعتلالك هذا أن تقول مطلق لفظ الأمر موضوع لإباحة الفعل وإطلاقه، لأن ذلك متيقن منه، والاقتضاء له أمر زائد على إباحته، وكذلك ما حمل الإيجاب على الندب إلى الفعل، لأن الندب إلى الواجب والدعاء إليه متيقن وكونه فرضًا زائدًا على الندب إليه.
وكذلك إذا قال: اضرب وصل، فإن المرة الواحدة منه متيقن القصد إليه، وما زاد عليه مشكوك فيه، وإذا قال افعل ففعله عقيب الأمر متيقن إجزاؤه وتأخيره غير متيقن ومختلف فيه. فإن مر على هذا أجمع خلط وترك قوله. فإن أباه نقض اعتلاله.
فيقال لهم: في استدلالكم هذا تخليط ظاهر، لأنكم تزعمون أن المعقول من مطلق اللفظ الثلاثة فقط. ثم تقولون ما زاد عليها مشكوك فيه، وهذا نقض لما أصلتم، لأنه إذا كان اللفظ مفيدًا للثلاثة فقط. فما عداها متيقن كونه غير مراد ولا داخل في الإطلاق. فكيف يجوز أن يكون مشكوكًا فيه، وأن تقولوا يجوز أن يراد ويجوز بأن لا/ يراد؟ وما يجوز أن يراد باللفظ هو الذي يستعمل حقيقة أو مجازًا فيه. وقد اتفق على أنه إن أريد به فوق الثلاثة لم يكن مجازًا، وما وضع لقدر من العدد لا يجوز ولا يصلح أن يراد
стр. 1123
بمطلقه ما وضع له، ولهذا لم يجز أن يراد بذكر العشرة الماية والألف والأحد عشر، لأنه موضوع للعشرة فقط، دون ما عداه، فما زاد عليها متيقن كونه غير داخل في اللفظ.
وكذلك القول مشركون والمشركون لو كان مفهومه ومعقوله الثلاثة فقط لتيقن خروج ما زاد عليه منه، ولو كان ذلك متيقنًا لما حسن أن يقول لمن قال رأيت الناس، كم رأيت منهم؟.
فقولكم يجوز أن يراد به ما زاد على الثلاثة نقض لقولكم إنه موضوع للثلاثة، وكل هذا يدل على كونه مشتركًا بين الثلاثة وما زاد عليها من الأقدار إلى استغراق الجنس.
فإن قالوا: إنما يحسن الاستفهام في قوله رأيت الناس لجواز أن يكون أراد به فوق الثلاث ويكون مجازًا فيهم.
قيل لهم: هذا باطل باتفاق، لأنه حقيقة فيها، وفيما زاد عليها، على أن بإزاء هذه الدعوى قول أصحاب العموم إنه حقيقة لاستغراق الجنس، وإنما يجوز الاستفهام، لأنه قد يريد به المتكلم ما قصر عن الاستغراق من الثلاثة وما فوقها، ويكون مجازًا إذا استعمل فيما قصر عن الاستغراق، كما يكون مجازًا في الواحد إذا استعمل فيه. وهذا مع كونه خطأ أقرب من دعوى أصحاب الخصوص أنه مجاز في استغراق الجنس، وما زاد على الثلاثة من الأعداد، وليس تركب هذا منهم محصل لعلم هذا الباب. فبطل ما قالوه، وصح ما قلناه.
стр. 1124
باب
الكلام في أقل الجمع والخلاف في ذلك
قد بينا فيما سلف أن العموم هو الشمول، وذلك أصله، ويجب على ذلك أن يكون العموم المجموع تحت اللفظ وباللفظ هو الاثنان اللذان يشتمل اللفظ عليهما ويجمعهما، وليس معنى المجموع باللفظ، وفيه أنه موافٍ به ومنضم ومتقارب باللفظ الشامل له، لأنه قد يجمع باللفظ المجتمع في نفسه مع غيره والمنضم بعضه إلى بعض ويجمع به - أيضًا- في الذكر والخبر والأمر ما لا يجوز عليه الاجتماع والانضمام، نحو القديم سبحانه وصفاته والحوادث إذا ذكرت معه بلفظ يعمه وإياها. ونحو الأعراض التي لا يمكن فيها التقارب والانضمام، ونحو الجسم والعرض إذا جمعا في الذكر واجتماعهما محال. فبان بذلك أن الجمع من جهة القول ليس من معنى اجتماع المنضمين المتجاورين في شيء وإنما المراد به أنهما مجتمعان في الذكر.
وقد اختلف الناس في أقل الجمع الداخل تحت اللفظ من الصحابة رضوان الله عليهم.
فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت: "إن أقل الجمع اثنان"، وبه قال
стр. 1125
جلة من الفقهاء منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله/ وعليه كثير من أهل اللغة.
وقال عبد الله بن عباس وأبو حنيفة والشافعين وكثير من أهل اللغة إن أقل الجمع ثلاثة، وأول ما يجب أن يقال في هذا إن غرض الخلاف في ذلك ليس هو أن الاثنين ليسا بمجموعتين يجب لفظ يعمهما، لأن هذا ليس بقولٍ لأحد، وإنما الغرض منه أنه إذا قيل ناس ورجال، وتصدق على مساكين، وثلث مالي للمساكين أو الفقراء ومساكين هل يقع هذا الجمع على الاثنين حقيقة، وما زاد عليهما أم لا يقع إلا على ما زاد على الاثنين. وإن استعمل فيهما فعلى وجه المجاز.
стр. 1126
والذي نختاره في ذلك أن مطلق اسم الجمع يقع على الاثنين، وما زاد عليهما حقيقة وإن أقل الجمع اثنان.
والذي يدل على ذلك أشياء أحدها إجماع أهل اللغة وغيرهم على صحة إجراء اسم الجمع وكناياته على الاثنين كإطلاقه على الثلاثة وما فوقها، وقولهم فعلتم ويفعلون. ولا خلاف في ذلك. وقد ورد به القرآن ومنثور كلام العرب ومنظومه.
قال الله سبحانه في قصة موسى وهارون ﵉: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ وإنما هما اثنان.
وقال تعالى في قصة يعقوب ﵇: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وإنما هما يوسف وأخوه: وقوله بهم كناية عن الجمع.
وقال تعالى: ﴿إن تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وإنما هما قلبان، وقوله: قلوبكما اسم الجمع.
وقال تعالى: ﴿ودَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، وإنما هما إثنان. وقوله لحكمهم كناية عن الجمع. ولو قال لحكمهما لجاز.
وقال تعالى: ﴿وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وقوله: اقتتلوا اسم الجمع. ثم قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، وذلك لفظ التثنية، ثم قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، ثم قال: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ بلفظ الجمع.
стр. 1127
وقال تعالى: ﴿وهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرَابَ (٢١) إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ وإنما كانا داود وسليمان ﵉ وملكين من الملائكة، وقوله: تسوروا لفظ جمع.
وروي عن الرسول ﷺ "أنه أمر يستر ظهور القدمين"، وإنما هما ظهران.
وإذا كان ذلك كذلك وكان الاستعمال له قد جرى في الاثنين، كما جرى في الاثنين، كما جرى على ما زاد عليهما وجب كونه حقيقة فيهما، فمن ادعى (كونه مجازًا فيما استعمل فيه) عليه إقامة الحجة برواية قاطعة عنهم أو حجة عقل/ تحيل إجراء اسم الجمع على الاثنين وأني لهم بذلك، فثبت ما قلناه.
وقد تطلبوا لكل شيء مما تلوناه تأويلًا يوجب حمل ذلك على ما زاد على الاثنين.
فقالوا: أراد بقوله: ﴿إنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ﴾ موسى وهارون وفرعون وقومه وهم جماعة.
قالوا: وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فلا حجة فيه، لأنه باب ذكر فيه أهل اللغة أن ما في الإنسان من الجوارح زوج وما فيه منها فرد.
стр. 1128
وقوله: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يراد به اقطعوا يد كل أحد منهما.
قالوا: وقوله ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَاتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ إنما أراد به يوسف وأخاه والأخ الأكبر المتخلف عن العود إليه.
وقوله: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ فإنما المراد به حكمهما وحكم من حكما عليه ممن حضرهما.
وقوله: ﴿وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فإنما قال ذلك، لأن الطائفتين جماعتين، وهم جمع على الحقيقة، فإذا ذكروا بذكر الطائفتين عُبر عنهما بلفظ الاثنين.
فيقال لهم: جميع ما قلتموه في هذه الآيات من التخريج تعسف وترك لموجب الظاهر، لأن ظاهر الكلام أن لا ثالث مع كل اثنين ذكرا في هذه الآيات، فإدخالكم في الظاهر ما لم يذكر فيه مطرح، لأنه لا توقيف عن أهل اللغة على أن الاثنين لا يجري عليهما اسم الجمع حقيقة، وإنما يجري مجازًا فيلجئ توقيفهم على ذلك إلى بطلان التأويلات التي تعسفتموها، ولا حجة للعقل تحيل إجراء اسم الجمع في أصل الوضع على الاثنين لجريانه على ما زاد عليهما، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قلتموه.
وما قلتموه في قوله:
﴿وإن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وأن الطائفتين جماعتان باطل من وجهين: أحدهما دعواكم أن الطائفة لا تكون إلا جماعة، وليس الأمر كذلك، لأن الواحد من كل شيء طائفة منه. ولهذا استدل كثير من الناس على وجوب العمل بخبر الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ قال: والواحد من الفرقة طائفة.
стр. 1129
والوجه الآخر أن في الآية ما يوجب أنه أراد بذكر الطائفة الواحد، لأنه قال ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ والجماعة من الناس لا يقال: إنها أخوان، ولا يقال في الفرقة من الناس التي هي جماعة أنها أخ لجماعة أخرى أو لواحد.
فإن قيل: فقد قلتم إن الاثنين جمع فقط، فلم لا يجري على كل جمع اسم الاثنين، لأنه اسم جمع.
قيل لهم: إنما يجري على الاثنين اسم الجمع المشترك بين الاثنين وما زاد عليهما ولا يجري على الثلاثة، وكل جمع زائد/ على الاثنين اسم الجمع المفيد للاثنين فقط. كما لا يجري على كل جمع اسم الثلاثة والعشرة، وإن كانا اسم جمع، لأنه جمع مخصوص، فكذلك القول رجلان وطائفتان اسم جمع، غير أنه ليس بمشترك في كل جمع، فبطل ما قلتم.
فأما رومكم الانفصال في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، فإن أهل اللغة ذكروا ما في الإنسان من الجوارح زوج وما فيه فرد فلا تعلق فيه، لأنهم متفقون على أن القلب فرد في الإنسان وليس بزوج، كما أن الرأس فرد فيه. فساغ أن يقال أيديهما لأنها أربعة أيدي في الاثنين، ولم يسغ أن يقول فاقطعوا رؤوسهما، لأنه ليس لهما إلا رأسان، فكذلك إذا لم يكن لهما إلا قلبان وكان الاثنان لا يجري عليهما عندهم اسم الجمع لم يسغ أن يقال فقد صغت قلوبكما، بل يجب أن يقال فقد صغت قلباكما. وهذا لا مخرج منه.
ومما يدل - أيضًا - على أن الاثنين جمع على الحقيقة إجماع أهل اللغة على أن القول قمنا وفعلنا وفعلوا وقالوا من كنايات الجمع وأسمائه، وأن الثلاثة وما فوقها مستعمل ذلك فيه، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الاثنان يخبران عن أنفسهما بما يخبر به الجماعة عن أنفسها فيه، ولأن فعلنا وقلنا وقمنا حسب ما تقوله الثلاثة وما فوقها وجب لذلك كون الاثنين جمعًا على الحقيقة.
стр. 1130
فإن قالوا: فيجب على هذا كون الواحد جمعًا، لأن الواحد قد يقول فعلنا وقلنا، وقد قال الله سبحانه: ﴿والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا﴾ و ﴿إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ وقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾، ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقال: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾ إلى أمثال ذلك.
يقال لهم: نحن لم ننكر أن تستعمل بعض الألفاظ عل طريق النقل والمجاز. وقد علمنا ضرورة من توقيف أهل اللغة أن الواحد ليس بجمع، وأنه إنما يجري عليه اسم الجمع مجازًا، وليس مثل هذه الضرورة التوقيف في نفي كون الاثنين جمعًا، فسقط ما قالوه.
فليس يمكن أحد أن يقول استعمال قلنا وفعلنا في الاثنين مجاز، وفيما زاد عليهما حقيقة، لأنه من ألفاظ الجمع للاتفاق على أنه لفظ جارٍ على الاثنين حقيقة، كم يجري على ما زاد عليهما، وبمثابة قولنا "الناس" الجاري على كل جمع من الجموع زاد أو نقص، وليس بموضوع لقدر منه مخصوص.
فصل: وقد استدلوا على أن الاثنين ليستا بجمع بأن أهل اللغة قالوا: إن الأسماء على ثلاثة أضرب توحيد وتثنية وجمع. فالتوحيد قولك رجل وزيد والتثنية قولك زيدان ورجلان. والجمع قولك زيدون ورجال، فيجب أن تكون التثنية ليست بجمع، كما أن الموحد ليس بجمع.
стр. 1131
فيقال لهم: إنهم لم يقولوا إن الاثنين ليستا بجمع على الإطلاق، وإنما أرادوا أن القول رجلان ليس باسم جمع يشترك فيه الاثنان وما فوقهما، بل هو جمع بمنزلة الاثنين/ مما زاد عليهما، وهو جمع مخصوص ومفيد لقدر ٤٨٣ من الجموع مخصوص. وهذا كما قالوا إن القول رجال وناس اسم جمع، والقول مائة وعشرة مفيد لقدر من العدد وإن كان مع ذلك اسم جمع. وجملة ذلك أنهم قصدوا بقولهم هذا أن القول رجال جمع مشترك بين الاثنين وما فوقهما، ورجلان جمع مخصوص.
فصل: واستدلوا- أيضاً- على ذلك بأن صورة القول رجلان مخالف لصورة القول رجال، والأسماء إذا اختلفت صورها اختلفت معانيها. فإذا كان القول رجال مفيداً لجمع لم يفده قولنا رجلان.
وهذا باطل، لأننا قد قلنا إن القول رجلان يفيد جمعاً مقدراً مخصوصاً، ورجال جمع مشترك فقد اختلفت الفائدتان، ولأن هذا اعتلال يوجب أن يكون القول عشرة ومائة ليس بجمع، لأنه مخالف لصورة القول رجال، فإن لم يجب هذا لم يجب ما قالوه. على أننا قد بينا في صدر الكتاب أن الأسماء قد تختلف صورها وتفيد معنى واحداً وإن اختلفت (صورها) فسقط ما قالوه.
قالوا: ويدل على ذلك أن السابق إلى فهم كل واحد من قول القائل ناس ورجال وفقراء الثلاثة وما زاد عليهما دون الاثنين.
فصار الاسم مختصاً بما زاد عليهما. وهذا باطل، لأن فيه الخلاف. وليس السابق ذلك إلى فهم السامع، بل هو مشترك، كما بين الاثنين وما فوقهما.
стр. 1132
فصل: واستدلوا -أيضاً- على ذلك بأنه لا يحسن أن يقال رأيت اثنين رجالاً، كما يقال: رأيت ثلاثة رجال، وليس ذلك إلا لأن القول رجال اسم الجمع والاثنين ليسا بجمع، وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: إن الاثنين وإن كانا جمعاً فإنهم لم يستعملوا رأيت اثنين رجالاً، ولا يجب أن يتعد استعمالهم. ولو قالوا ذلك لقلناه.
والوجه الآخر: إن القول اثنين يفيد جمعاً مخصوصاً مقدراً. والقول رجال جمع مشترك بين الاثنين وما زاد عليهما، فلم يستحسنوا تعقيب اسم الجمع المقدر المفسر باسم جمع مبهم ومحتمل، وحسن أن يقولوا رأيت اثنين رجلين وفرسين، لأنه يفيد التقدير، كما يفيده الاثنين، وهذا مسلم على ما استعملوه، فسقط ما قالوه.
стр. 1133
باب
الكلام في دليل الخطاب
أما مفهوم الخطاب ولحنه وفحواه فمتفق على صحته ووجوب القول به وقد ذكرنا منه طرفاً في صدر الكتاب، وهو نحو قوله: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾، وأمثال ذلك.
فأما دليل الخطاب عند مثبتيه فهو تعلق الحكم بأحد وصفي الشيء، فيصير إثبات الحكم فيما له الصفة دليلاً ينبه عما خالفه فيها، وذلك نحو قوله: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ و ﴿إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ وقوله ﵇ ٤٨٤: "في سائمة الغنم زكاة "وأمثاله مما يكثر تتبعه. فهذا يوجب ثبوت الحكم فيما فيه الصفة ونفيه عما خالفه عندهم.
стр. 1134
وقد اختلف الناس في ذلك:
فقال الجمهور من الفقهاء بثبوت القول به وأشهرهم به الشافعي ﵀ وأصحابه، وعليه الأكثرون من أصحاب مالك وأهل الظاهر.
وقال شيخنا أبو الحسن- رحمة الله عليه- في الاحتجاج للعمل بخبر الواحد بقول تعالى: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ قال: فدل ذلك على أن العدل بخلافه.
واحتج- أيضاً- بوجوب رؤية المؤمنين الله في المعاد بقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ قال: فدل تخصيص الكفار بالحجاب على رؤية المؤمنين له.
وقال أهل العراق وكثير من أصحاب مالك وغيرهم من المتكلمين والفقهاء بإبطال دليل الخطاب، وبه قال أبو العباس بن سريج وحذاق أصحاب الشافعي من أتباعه. وهذا هو الصحيح وبه نقول.
стр. 1135
وتجاوز بعض أصحاب الشافعي ذلك بأن تعليق الحكم بالأعيان وأسماء الأعلام المحضة تدل على نفيه عمن عدا العين، وقالوا بذلك في تعليق الحكم بالعدد والغاية وفي تعلقه بالشرط.
وقد قال بدليله إذا علق بغاية وشرط بعض منكري دليل الخطاب إذا علق بالصفة. ونحن نفصل القول في ذلك إن شاء الله.
والذي يدل على فساد القول بذلك أشياء:
أحدها: إنه لو كان ذلك كذلك لم يثبت القول به إلا لغة وتوفيقاً، وما يقوم
стр. 1136
مقامه من استقراء لكلامهم يعلم به قصدهم اضطراراً، ولو كان عنهم في ذلك توقيف لكان لا يخلو أن يكون متواتراً معلوماً صحته ضرورة أو بدليل، أو من أخبار الآحاد التي لا يعلم صحتها، ومحال أن يكون فيه تواتر من الأخبار مع جحد أكثر الناس لذلك.
وكذلك فلا خبر فيه دل دليل من الأدلة التي قدمنا ذكرها في غير بابٍ على صحتها صحة الأخبار وإن كان المخبر عنهم بذلك مخبراً عن الآحاد. وقد بينا بغير وجه سلف فساد إثبات لغة يقطع بها على الله ، ويحمل عليها كتابه تعالى وسنة رسوله ﷺ وأحكام دينه المعلومة بأخبار الآحاد، على ما بيناه قبل هذا بما يغني عن إعادته. وإذا لم يثبت في ذلك رواية وتوقيف على معاني الكلام في لغتهم سقط ما قالوه.
فإن قيل: ما معنى قولكم او ما يقوم مقام التواتر بتوقيفهم مما يعلم قصدهم به عند استقراء كلامهم.
قيل: ومثل علمنا بأن مرادهم بقوله ضروب وقتول وأمثاله مراد به تكثير المضاف إلى المذكور من القتل والضرب. وقيل: تكثير الفعل. وما ٤٨٤ قلناه/ أولى. ومثل قولم أعلم وعليم، وأقدر وقدير، وأجسم وجسيم، لأننا بالضرورة نعلم أن قصدهم بقوله أجسم وجسيم، وأقدر وقدير المبالغة والتفضيل في الصفة.
وقد قالوا لنا: إن معنى المبالغة في الاسم مأخوذة من معنى الاسم فعلم أن القول قاتل وضارب وجسيم مفيد للضرب والقتل والتأليف.
стр. 1137
فإن قيل: فأنتم إذا قلتم أن تعلق الحكم بالصفة لا يدل على المخالفة احتجتم في ذلك إلى رواية عنهم.
قيل له: لا نحتاج إلى رواية فيما لم يضعوه، لأن ذلك فيما لا نهاية له، وإنما نحتاج إلى نقل ما وضعوه له، وقد مر بيان هذا من قبل بما يغني عن إعادته.
ومما يدل على ذلك- أيضاً- حسن الاستفهام لمن قال إذا ضربك زيد عامداً فاضربه، وأن يقال له: فإن ضربني خاطئاً أضربه أم لا؟ وكذلك إذا قال لا تقتل ولدك خشية إملاق، وزك السائمة من ماشيتك وأن يقال له: أفأقتله إن لم أخش إملاق وأزكى المعلوفة- أيضاً- أم لا؟ وكذلك لو قال: إذا قتلت الصيد عامداً فعليك الجزاء حسن أن يقول فما الحكم إن قتلته خطأ؟ وقد بينا فيما سلف أن حسن الاستفهام عن الشيء دليل على صلاح تناول الخطاب له في حقيقة أو مجاز، وأن دعوى كون المستفهم عنه متجوز به يحتاج إلى برهان وتوقيف متعذر، فثبت أن ما عدا ماله الصفة موقوف لجواز الاستفهام عن حاله.
ويدل على ذلك- أيضاً- أننا نجدهم يعلقون الحكم بالصفة تارة، ويكون حكمهم فيما خالف تلك الصفة كحكمهم فيما يعلقونه تارة بالصفة، ويكون حكم ذلك مخالفاً لنفي الحكم عنه. فثبت بذلك أن ذلك مفيد لثبوت الحكم فيما له الصفة بنصه وخلافه فيها بوقوف حكمه يجوز مساواته له فيه ويجوز انتفاؤه عنه.
стр. 1138
فإن قالوا: إذا كان ما خالف ذا الصفة مساوياً لحكمٍ كان الخطاب مستعملاً على جهة التجوز والاتساع.
قيل لهم: انفصلوا ممن قال وإذا انتفي الحكم عمن خالف ذا الصفة، فذلك مجاز واتساع. وإلا فموضوعه مساواة المختلفين في الصفة في الحكم، ولا فرق في ذلك.
ومما يدل على أن تعليق الحكم بالصفة لا يدل على المخالفة أن تعليقه بها بمثابة الخبر عن ذي الصفة ببعض الأفعال. وقد اتفق على أنه إذا قيل قام أو انطلق أو خرج الأسود لم يدل على نفي ذلك عن الأبيض. وكذلك قوله اضرب الأسود أو السودان لا يدل على نفي الضرب عن البيضان.
فإن قالوا: نحن نسوى بين الأمرين، فنقول ذلك في الخبر والأمر.
قيل لهم: فانفصلوا من قول من قال إن تعليق الحكم والخبر بالاسم العلم يدل على نفيه عمن ليس الاسم له حتى إذا قيل ركب زيد أو قام أو ٤٨٦ صلى لوجب نفي ذلك عن كل أحد غير زيد، وهذا بعد/ وخطأ ظاهر ممن بلغه. ونحن نتكلم على قائله من بعد.
ومما يدل على ذلك-أيضاً- اتفاق الكل من أهل اللغة والمعاني على أن الغرض بوضع أسماء الأعلام والأسماء التي هي النعوت والصفات تمييز من له الاسم ممن ليس له سواء كان مفيداً صفة فيه، كالقول قائم وضارب، أو علم كالقول زيد وعمرو، وأنهم إذا علقوا الحكم بالاسم فقصدهم إثبات الحكم له، فلو دل تعليقه بالاسم الصفة على المخالفة لدل تعليقه بالعلم واللقب المحض على ذلك. وفي العلم بفساد ذلك دليل على ما قلناه.
стр. 1139
فإن قالوا: هذا قياس منكم لبعض الأسماء على بعض، واللغة عندكم لا تقاس.
يقال لهم ليس الأمر كذلك، لأننا روينا عن أهل اللغة أن الغرض بوضع الأسماء تميز المسميات. وأن تعليق الحكم بالاسم يفيد إثباته لمن هو له كالاسم العلم يفيد نفيه عمن ليس له، فكما يحتاج مدعي ذلك إلى توقيف منهم، فكذلك دعواكم، وأني لكم به.
وأما من يرى القياس في الأسماء فليس يمتنع عنده قياس النعوت والصفات في هذا الباب على الألقاب. فزال ما قلتم.
فإن قال قائل فقد ركب قوم منهم وجوب دلالة تعليق الحكم باللقب على المخالفة، فما المبطل لذلك من قولهم.
قيل لهم: إن الواجب عندنا أن لا نناظر قائل ذلك، لأننا نعلم بضرورة من مقاصد أهل اللغة إنهم لم يضعوا قولهم رأيت زيداً إنهم لم يروا ثوبه ولا شيئاً غيره يواريه، وإنما رأوه مجرداً، وقولهم زيد عالم للدلالة على أن الله سبحانه وملائكته وأنبياءه وجميع من عداه من الإنس وغيرهم ليس بعالم، وقولهم محمد نبي، وأن كل غير له من إبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل ليس بنبي، وقولهم عمر عدل رضي للدلالة على أنه كذلك، وإن كل من عداه غير عدل ولا رضي مما يعلم أنه غير موضوع في
стр. 1140
لغتهم ضرورة، فلا يحسن مناظرة من ركب لنصرة دليل الخطاب.
ومما يزيد ذلك كشفاً ووضوحاً اتفاق أهل اللغة على أن في لغتهم خبر عن مخبر واحد متعلق بمن له الاسم، ذا مالا يختلفون فيه، كما لا يختلفون في أن في لغتهم خبراً عن مخبرين وأكثر. وإذا كان ذلك كذلك لم يجز قولهم رأيت زيداً أو قام زيد خبراً عن قيامه، وعن انتقاء القيام عن غيره، لأن ذلك يوجب كونه أبداً خبر عن مخبرين. أحدهما إثبات أمر والآخر انتفاء غيره.
وكذلك قولهم رأيت الطريق، وقام الطويل إن كان خبراً عن إثبات ٤٨٧ الحكم/ عمن قضى عليه وعن نفيه عن غيره، فليس في اللغة خبر عن مخبر واحد مثبت ولا منتفي. وإذا كانوا مطبقين على بطلان ذلك ثبت أن الخبر عن قيام زيد وانطلاقه ورؤيته ليس بخبر عن نفي ذلك عن غيره.
وقد قيل: لو كان الخبر عن قيام زيد خبراً عن نفيه عن غيره لكان القول بأن زيداً قد قام وعمرو، أو زيد وغيره مناقضة لا محالة، لأن الخبر عن قيامه ينفي القيام عن غيره، فإذا ضم إليه ما يثبت ذلك كان نقضاً ظاهراً. ولما لم يعد ذلك أحد نقضاً بطل ما قالوه.
وهذه الدلالة إذا صحت فهي- أيضاً- دلالة على فساد دعوى دلالة تعليق الحكم بالصفة على نفيه عمن ليست له، لأنه كان يجب أن يكون قوله في سائمة الغنم زكاة، وفي المعلوفة نقضاً، وكذلك قوله في الغنم زكاة وفي الخيل والإبل، وإذا لم يكن ذلك نقضاً بطل ما قالوه.
فصل: ذكر ما تعلقوا به في أن تعليق الحكم بالصفة دال على المخالفة.
وقد استدلوا على ذلك بأمور نخن ذاكرون لها ومعترضون عليها:
стр. 1141
فمنها: أن قالوا: إن ذلك موضوع لغة العرب، وأن الشافعي إذا قاله عن العرب ثبتت لغة لهم. وأن أبا عبيد" قال بذلك في قوله ﵇: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته، وأن دليله أن من ليس بواجد لا يحل ذلك منه".
وفي قوله ﵇: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً لأنه قيل له إنما إريد بذلك الهجاء من الشعر وسب الناس
стр. 1142
أو ما هجي به الرسول ﵇. فقال: لو كان ذلك هو المراد لكان لا معنى لتعليق ذلك، وتعليق التحذير منه والنهي عنه بامتلاء الجوف، لأن قليل الهجاء ككثيرة، يعني بذلك إن ما دون ملأ الجوف لا يلحق الذم به. ففهم أبو عبيد من تعليق الذم عليه بامتلاء الجوف عليه أن ما دون ذلك بخلافه وأن قليل الهجاء وكثيره هو مراد به، وقول أبي عبيد حجة في هذا الباب.
فصل: واستدلوا على ذلك بأي من القرآن وأخبار عن الرسول والصحابة فمنها: قوله: "لأزيدن علي السبعين" لما قيل له (إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، فعقل أن ما زاد علي السبعين بخلافها.
ومنها: قول ابن عباس في امتناعه من حجب الأم عن الثلث إلى السدس، وأن ما دون الثلاث وأقل الجمع لا يحجب الأم. فعقل أن ما دون أقل الجمع بخلافه حكمه في الحجب به.
стр. 1143
ويقول الصحابة إن قوله: "الماء من الماء" منسوخ بقوله "إذا التقى الختانان وجب الغسل" ونصه باتفاق غير منسوخ، وإنما نسخ دليله، وهو أن لا ماء من غير ماء.
وبقول يعلى بن أمية لعمر: كيف نقصر الصلاة وقد أمنا ويقوله عجبت مما عجبت/ منهم سألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" فعقلا من إطلاق قصر الصلاة عند الخوف وجوب الإتمام عند للأمن وكونه بخلاف حكم الخوف.
стр. 1144
وقالوا - أيضاً - قد قال ابن عباس: إن الربا لا يكون إلا في النسيئة لقوله ﷺ : "إنما الربا في النسيئة" فعقل أن البيع نقلا لا ربا فيه، وأنه بخلاف حكم النسيئة.
فصل: فاستدلوا - أيضاً- على أن تعليق الحكم بالشرط دال على أن ما عداهما بخلافهما. ويجب تجنب العمل بما يكون قد جاء في سائر ما ذكروه.
فأما تعلقهم بأن الشافعي قال ذلك، وأنه موجب لغة العرب وأبو عبيد، فإنه لا تعلق فيه من وجوه:
أحدها: إنه لم يثبت عنهما أنهما رويا عن العرب، وإنما قالا إن ذلك موجب اللغة، وقد يظنان أن ذلك موجب اللغة، وإن لم يكن الأمر كذلك يكون اجتهادهما المؤدي لهما إلى القول بذلك ليس بصحيح، وهما غير معصومين من أن يظنا بالنبي ﷺ وبالعرب ما ليس كما ظناه. وقد قال الشافعي وأبو عبيد لو لم يكن الواجد بخلاف حكم من ليس بواجد، وحكم السائمة بخلاف حكم العاملة. ولو لم يكن لقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" "ولي الواجد يحل عرضه وعقوبته"، فائدة لبطل معنى التخصيص،
стр. 1145
فهذا اجتهاد منهما واستدلال ليس بصحيح لما نذكره من بعد.
والوجه الآخر: إنهما لو رويا ذلك عن للعرب لم يحصل العلم بروايتهما له عنها، لأنها رواية الواحد، ومن جرى مجراه، ولا دليل يدل على ثبوتها. وقد بنا من قبل أن اللغة لا يثبت للعلم بها يمثل هذه الرواية وإن استعمل مثلها فيما يتعلق بالآداب ومعاني الشعر والحكايات، وبينا هذا بما يغني عن إعادته.
والوجه الآخر: إنهما إذا أرويا ذلك وقال خلق من أهل اللغة، وكل من لم يقل بدليل الخطاب إن ذلك ليس بلغة للعرب تكافأت الدعاوي وسقطت، وكانت مسألة خلاف عن العرب، فيحتاج كل مدع ما ليس منها إلى دليل على دعواه. وقد قيل إنه لا يجوز أن يقبل في إثبات لغة قول ذوي الآراء والروايات. لأنهم ربما قصدوا بذلك نصرة المذهب والقول وكل ذلك يوجب أنه لا حجة في مثل هذه الرواية في إثبات لغة يحمل عليها الكتاب والسنة ويمكن أن يكون أبو عبيد قد اعتقد سقوط عقوبة من ليس بواجد ولزومها للواجد من جهة العقل، لكون الواجد قادرا على دفع الحق مع إلطاطه وعجز المعدم عن ذلك.
فأما المحكي عنه في قوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً، فيمكن أيضا أن يكون أبو عبيد إنما قال ذلك لاعتقاده أن قليل الشعر الذي هو هجو للنبي ﷺ وسبه لأعراض/ الناس شر كلمة ومستحق
стр. 1146
عليه الذم والعقاب فلا يكون لقوله: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعرا". معنى. وإذا قاله من هذه الجهة كان مستدلاً وغير حاك عن العرب، ولا قائل به من ناحية دليل الخطاب.
وأما تعلقهم بما روي عنه من قوله ﷺ : "والله لأزيدن على السبعين" فلا تعلق فيه من وجوه:
أحدهما: إن هذا الخبر من أخبار الآحاد التي لا يعلم ثبوتها، فلا حجة فيه.
ولا يبعد أن يقول الرسول ذلك، وهو أفصح العرب وأعلمهم بمعاني الكلام فقد علم أن قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) إنما خرج مخرج الإياس وقطع الطمع في الغفران لهم، وأنه بمنزلة قول القائل منهم اشفع لزيد أولا تشفع له، فلو شفعت له سبعين مرة لم تشفع فيه، ومثل هذا لا يجوز أن يخفي على الرسول ﷺ ، فبطل التعلق بهذه الرواية.
وقد يجوز أن يشفع النبي ﵇ شفاعات تزيد على السبعين مع العلم بأن الله سبحانه قد آيسه من قبول شفاعته لضرب من الاستصلاح والسياسة وتألف قلوب المنافقين والمنحرفين عنه، لأنه معلوم ميل القلوب وحبها لمن يشفع ويلح في السؤال في الصفح عن المسيء إليه فيوقع الشفاعة في المنافقين لهذا الضرب من التآلف والاستصلاح للحي منهم، لا لأنه يعتقد أن ما زاد على السبعين مخالفا لها، وأن الغفران واقع به لا محالة أو مجوز وقوعه به، فبطل ما قالوه.
стр. 1147
وليس ما نتبع به القدرية في هذا الخبر تصحيح من أنه لو حلف المزيد على السبعين لوجب أن يزيد عليها وإلا صار عندهم كاذباً ونفروا عن طاعته ولو زاد عليها فأجيب بطل دينه وتوقيفه على أن جميع الكفار خالدين في النار، وإن لم يجب إلى ذلك لانحطت عند الأمة منزلته، وأدى ذلك إلى النفور عن طاعته. وذلك غير صفته، لأنه لا يمنع عندنا أن يقدم الرسول ﷺ على مسألة الله سبحانه فيما يجوز إجابته إليه. ويجوز أن لا يجاب إليه، لأن ترك إجابته ليس بقادح في إعلام نبوته. وقد تكون المصلحة له ولمن سأل حاجة له أن لا يجاب إلى ذلك. وقد تكون المصلحة في إيقاع ما سأل فعله به أو بأنه لا يفعل إلا عند المسألة، ولو ابتدئ به من غير مسألة لصار مفسدة له أو لهم، فلو كان ترك إجابته تنفيراً عن طاعته لكان وقوع المعاصي الصغائر منه جائز عندهم، وجواز/ للسهو والغفلة عليه فيما عدا البلاغ عن الله مقتضيا لانحطاط قدره والنفور عن طاعته، لأن ذلك أعظم في النفوس من ترك إجابته في بعض ما سأل فيه، فبط لما قالوه.
وقد يجوز أن يكون قال ذلك قبل توقيفه وتوقيف أمته على أنه لا يغفر لأحد من الكفار، لأن للعقل يجوز الغفران لهم، وإنما يمنع سمعاً: ثم نزل
стр. 1148
قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، ولا تعلق فيما قالوه، بل القدح في التعلق بالرواية من حيث قلنا بدئا أولى.
وشيء أخر: وهو إنه إذا كانت العقول تجوز الغفران لهم بما زاد على السبعين عقل ﵇ جواز ذلك بقضية العقل لا بدليل الخطاب، وأن تعليق منع الغفران لهم بالسبعين يوجب وقوعه بما زاد عليها، فبطل ما قالوه. وعلى أنه لو كان إنما زاد على السبعين من ناحية دليل الخطاب لوجب أن يوجب الزيادة على السبعين وقوع الغفران لا محالة، لأنه منع وقوعها بالسبعين، فدليله أن ثبت القول بدليل الخطاب وجوب وقوعها بما زاد عليها لا جواز ذلك، وليس في الأمة قائل بأن النبي ﷺ كان قاطعاً بوقوع الغفران لهم بما زاد على السبعين، وهو موجب دليل الخطاب، فبطلها قالوه.
فإن قالوا: إذا جوز ﵇ وقوع الغفران لهم بما زاد على السبعين وفي دليل الخطاب حقه، وإن لم يقطع عل ذلك.
قيل: هذا خطأ، لأنه إنما علق بالسبعين عدم الغفران لا نفي جوازه، فدليل ذلك وقوعه بها زاد عليها، وليس ذلك بدين النبي ﷺ ، ولا لأحد من الأمة فسقط ما قالوه.
فأما تعلقهم يقول من روى عنه من الصحابة: "إن الماء من الماء" منسوخ، فإنه لا تعلق فيه من وجوه:
أولها: إنه من أخبار الند التي لا يعلم صحتها بضعة أو دليل ولا حجة في مثل هذا فيما يوجب العلم، وإنما يقبل فيما يوجب العمل.
ووجه آخر: وهو أنه لم يرو ذلك ثن كافة المهاجرين والأنصار، وإنما روي أن قائلاً قال: إن فلانا أو قوماً من الأنصار قالوا حين روت عائشة
стр. 1149
رضوان الله عليها ما روت في وجوب الغسل من التقاء الختانين، وأنها فعلته ورسول ﷺ واغتسلا.
وقال قائل أو قائلون عند ذلك الماء من الماء منسوخ، ولا سبيل أبدا إلى العلم بأن جماعة المهاجرين والأنصار، قالوا ذلك ورضوا به واتفقوا عليه، وقول البعض لا حجة فيه. هذا إن كان قائل قاله من ناحية دليل الخطاب. وهذا -أيضا - مالا سبيل إليه، وإنما قال من قال ذلك ليبين بذكره غير دليل الخطاب. فبطل ما قالوه.
والوجه الآخر: إنه يمكن أن يكون/ قول من قال منهم "الماء من الماء" منسوخ لاعتقاده العموم وأنه قد نسخ بعضه بعد استقراره، لأن القائل بالعموم منهم يقول إن قوله ﷺ : "الماء من الماء" عام مستغرق. وبمثابة قول كل الاغتسال وجميعه وسائره إنما يجب بإنزال الماء، فلما استقر هذا الحكم. ثم روى لهم قوله ﷺ : "إذا التقى الختانان وجب الغسل" اعتقد القائل أنه منسوخ إنه قد نسخ الحكم بأن جميع الاغتسال واجب بالماء، لأنه قد أوجب بعد ذلك بعض الماء من غير إنزال الماء فصار عنده نسخاً لبعض العام. وليس القول بهذا من دليل الخطاب في شيء.
وشيء آخر: وهو أنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ماء إلا من الماء" وفي هذا نفي وإثبات. فإثباته وجوب الاغتسال من الماء، ونفيه قوله: لا ماء إلا من الماء، فهو بمثابة قوله: "لا نكاح إلا بولي" وأمثاله. وهو نص على نفي النكاح بغير ولي.
стр. 1150
وروي - أيضاً- رواية ظاهرة أن رسول الله ﷺ أتى باب رجل من الأنصار فصرخ به، فاحتبس ساعة ثم خرج ورأسه يقطر، فقال ﷺ ": عجلت عجلت، ولم تنزل فلا تغتسل والماء من الماء" وهذا نص منه على أنه لا ماء من غير الماء، وليس هذا من دليل الخطاب في شيء. فبهذا الخبر والذي قبله وأمثاله. وقوله: إنما الماء من الماء وجب سقوط الاغتسال بالماء من غير إنزال لا من ناحية قوله الماء من الماء.
وقد قال قوم قوله: "إنما الماء من الماء" دخل لتحقيق وجوب الماء من الماء ونفيه عن غيره. لأن هذا عنده حكم قوله "إنما" لأنها محققة وقد تقدم القول في ذلك.
وبعد فقد بينا فيما سلف أن تعليق الحكم بالاسم للعلم لا يدل على أن ما عداه بخلافه. وقوله الماء من الماء تعليق وجوب الغسل بالاسم العلم، لأن الاسم ماء اسم علم محض فلا يفيد ذلك سقوط الغسل من غير الماء وصفة الماء أن يقول الماء من غليظ الماء أو كثيره أو أبيضه ونحو ذلك من صفاته فأما القول ماء فليس لصفة لها خلاف.
فإن قالوا: فيه حذف يقوم مقام الصفة، لأنه أراد الماء من إنزال، وقد يكون الماء منزلا وغير منزل.
قيل: والقول إنزال اسم علم أيضاً، فتعلق الحكم به لا يدل على نفي الحكم عن غيره، ولو قال نصاً الماء من ماء منزل لكان يجب على قولهم أن لا يجب الغسل من ماء غير منزل/ فأما أن لا يجب بشيء غير ماء وغير منزل فباطل، وإنزال الماء صفة للماء، وليس بصفة لنزوله، وإنما صفة نزوله أن يقال نزول قوى أو ضعيف وكثير أو قليل، وما جرى مجرى ذلك، فبطل التعلق بهذا الخبر من كل وجه.
стр. 1151
فإن قالوا: ما روي عن أحد منهم أنه قال نسخ قوله" "إذا التقى الختانان وجب الغسل" قوله: لا ماء إلا من الماء، وقوله إذا لم ينزل فلا يغتسل، والماء من الماء، وإنما قالوا الماء من الماء منسوخ.
قيل أرادها هذا المعنى ونسخ بعضه إذا كان عموماً، ويقال لهم: فما روي عن أحد منهم حرفاً يقول فيه نسخ دليل قوله الماء من الماء، فوجب أن يكونوا قالوا إنه منسوخ من حيث قلنا، وقد أجمعوا على أن وجوب الغسل بالماء من إنزال الماء غير منسوخ، بل ثابت ولا دليل له عندنا، فيجب أن يكون نسخ بعضه أو نسخت الأدلة التي هي غير دليل الخطاب.
فأما تعلقهم بقول يعلى بن أمية لعمرو ﵁: "ما بالنا نقصر من الصلاة وتد أمنا، وقول عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وقوله فعقلا جميعاً من قوله: ﴿إنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)﴾ أن حال الأمن يجب أن يكون بخلاف حال الخوف.
فيقال لهم: ليس للأمر في هذا على ما ظننتم، بل إنما تعجبا، لأن الأصل في الصلاة كان الإتمام وحظر القصر ثم شرط إباحته بحصول الخوف. وذلك يوجب أنه إذا زال الخوف بقي الفرض على أصل الإتمام
стр. 1152
ورجعا إليه فلما وجدا القصر مباحاً مع عدم الشرط تعجبا وقالا ما الذي قام مقام الخوف، وقد عدم والأصل الإتمام إلا أن يوجد الخوف. فقال الرسول ﷺ لم يبح القصر مع زوال الخوف لشيء قام مقامه لكنه صدقة تصدق الله بها عليكم، فلهذا تعجبا لا لأجل اعتقادهما أن تعلق إباحة للقصر بحصول الخوف، دال على أن ما عداه بخلافه.
فإن قالوا: لم يكن لهما أن يتعجبا من نسخ وجوب الإتمام بالقصر، لأن العقول تجوز ذلك.
قيل لهم: لم يتعجبا لاعتقادهما إحالة نسخ وجوب الإتمام بإباحة القصر، وإنما تعجبا لظنهما إنه لم ينسخ، وأن هناك شرط يقوم مقام الخوف، فسقط ما قلتم.
فيقال لهم: وليس لهم أن يتعجبا من التسوية بين حال الخوف والأمن لأنهما يجوزان ورود الشرع بالتسوية بين ذي الصفتين المختلفين في الحكم، فإن وجبت المخالفة عند عدم الدليل على/ وجوب التسوية، فيجب أن لا يكون لهما التعجب من ذلك، ولو اعتقدا دليل الخطاب. فبطل ما قالوه.
فأما تعلقهم في ذلك بأن ابن عباس ﵁ عقل من قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" جواز البيع متفاضلا نقدا لأن النقد خلاف النسيئة، فعقل من تعليق الحكم بالنسيئة إن التبايع نقداً بخلافه. وكذلك فقد عقل من قوله: ﴿فَإن كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أن ما نقص عما يقع عليه اسم إخوة، وهو عنده ثلاثة لا تحجب بهما الأم من الثلث إلى السدس، وعلم أن حكم الأخوين خلاف الأخوة في ذلك.
وكذلك فقد قال إن الأخوات لا يرثن مع الأولاد.
стр. 1153
واحتج بقوله: (إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) وإنه لما جعل ميراثها النصف بشرط عدم الولد دل ذلك عنده على أنه لا شيء لها مع وجود الولد، وكل هذا قول منه بدليل الخطاب.
فإنه يقال لهم: لا تعلق لكم فيما ذكروه من وجوه:
أولها: إنه لو ثبت أن ذلك مذهب ابن عباس وصرح به، وقال: إنما قلت ذلك بالمخالفة في هذه الأحكام من ناحية دليل الخطاب لم يثبت به حجة، لأنه قول له واجتهاد منه، فظن أن ذلك موجب وضع اللغة وقد ثبت أنه ليس الأمر كذلك، وتقليده فيما هو دون القول بدليل الخطاب غير سائغ فكيف به فيه.
والوجه الآخر: إن جميع الصحابة خالفته في ذلك ولم تعقل المخالفة في الحكم. فإن كان قوله حجة فقولهم هم حجة - أيضا - لنا، ولا فصل في ذلك.
والوجه الآخر: إنه ليس عنه حرف مروي في أنه أوجب المخالفة في هذه الأحكام من ناحية دليل الخطاب، وإذا لم يرو ذلك عنه، فمن أين لنا أنه يوجب الخالقة لأجل ذلك، وقد يجب بأدلة صحيحة غير دليل الخطاب.
والوجه الآخر: إنه إنما حرم البيع رباً متفاضلا نسيئة ولم يحظره نقداً لأجل اعتقاده أن التبايع كله غير محرم من جهة العقل متساوياً ومتفاضلا في الجنس الواحد والي المختلف، وأنه لا يجب أن يحرم منه إلا قدر ما حرمه الشرع، فورد بتحريم الربا، ثم قال: إنما الربا في النسيئة، فكأنه قال حرمت الربا إذا كان نسيئة فحرم هذا القدر، وعقل جوازه نقداً، وأنه غير محرم بحكم العقل وبظاهر قوله: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ وعقل/ أن الربا المحرم في النسيئة بقوله: "إنما الربا في النسيئة" وإباحته نقداً بالأصل الذي كان
стр. 1154
عليه في حكم العقل، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون الأولى والأليق به أن يكون خالف بين الحكمين من هذه الناحية دون دليل الخطاب.
وشيء آخر: وهو أنه قد روى عنه ﵇ أنه قال: "لا ربا إلا في النسيئة" وهذا نص علي أن التفاضل نقداً ليس بربا، وليس القول بموجب هذا النص من القول بدليل الخطاب في شيء، فسقط ما قالوه.
ويمكن أن يكون قال ذلك لأجل قوله: "إنما الربا في النسيئة" وأن قوله "إنما" دخلت في الكلام محققة، وأنها بمعنى قوله لا ربا إلا في النسيئة، لأن من الناس من اعتقد ذلك فيها على ما بيناه من قبل. وليس هذا من القول بدليل الخطاب في شيء.
فأما منعه حجب الأم بدون ما هو عنده أقل الجمع وهما الاثنان، فلم يقل ذلك من ناحية دليل الخطاب، وإنما قاله لأجل أن للأخت ولكل وارث أصل وميراث مقدر في الشريعة، فإذ نقل عن ذلك القدر الذي هو الأصل في ميراثه بشرط، ثم عدم الشرط عاد استكمال ميراثه إلى أصل ما جعل له، لأنه إنها نقل عنه بوجود أمر، فإذا لم يوجد بقي علي ما كان عليه. فإذا كان ميراث الأم مقدراً بالثلث، ونقلت عنه إلى ما دونه بشريطة وجود إخوة، فإذا لم يوجدوا عاد الميراث إلى أصله، وليس هذا من القول بدليل الخطاب في شيء.
стр. 1155
وكذلك سبيل منعه توريث الأخت النصف مع وجود الولد ليس من ناحية دليل الخطاب، لكن لأن الشرع جعل ميراثها النصف مع عدم الولد. فإذا عدم وجب لها، وإذا وجد الولد ولها ميراث في الأصل مع عدمه ردت إليه.
وكذلك لو لم يجعل لها شيء مع وجود الولد وجب أن لا تأخذ شيئاً أصلاً مع وجوده. وإنما عمل في هذا أجمع بالرجوع عند عدم الشروط إلى الأصل، لا إلى دليل الخطاب.
هذا على أن في الناس من يرى أن تعلق الحكم بالعدد والغاية والشروط يدل على المخالفة ويوجبه وإن لم يقل بذلك في تعليق الحكم بأحد الوصفين، فيمكن أن يكون ابن عباس من القائلين بذلك في العدد والغاية والشرط وإن لم يقله في الوصف الخاص فبطل ما تعلقوا به عنه من كل وجه/.
علة لهم أخرى: واستدلوا - أيضاً- على ذلك بأن القائل إذا قال لعبده اشتر لي عبداً أسود عقل منه منع شراء الأبيض. وإذا قال له: إذا قام زيد فاضربه، عقل منه سقوط وجوب ضربه إذا لم يقم. وهذا هو القول بدليل الخطاب، وهو لغة العرب. وهذا باطل. وفيه - أيضأ- وقع الخلاف.
فإن قالوا: فمن أين عقل المخاطب إنه لا يجوز له شراء الأبيض، ولا ضرب زيد إذا لم يقم.
قيل لهم: من حيث عم أن الأصل إنه لا يجب ضربه ولا شراء عبد ولا غيره إلا أن يؤمر بذلك. فإذا قال اشتر لي عبداً وليكن أسود لزمه شراء من له هذه الصفة، ولم يجز له شراء غيره، لأن الأصل أن لا يجب ذلك أو حظر شراء عبد لسيده أسود وغير أسود دون أن يأمر بذلك. فإذا أمره بشراء شيء مطلق أو مقيد بصفة وجب عليه ذلك وبقي حظر شيء غيره، وما خالفه في صفته على سقوط وجوبه أو على حظر شرائه، وهنا واضح لا إشكال
стр. 1156
فيه، وكذلك الأصل سقوط ضرب زيد أو حظره في كل حال. فإذا قال فإذا القيام بالأصل لا بدليل الخطاب، فبطل ما قالوه.
فصل: وقد اعتمدها في الاستدلال على ذلك باتفاق الكل من أهل اللغة والمعاني على أنه لابد للتقييد بالصفة الخاصة من فائدة. نحو قوله: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ و"في سائمة الغنم زكاة"، ولا فائدة لذلك إلا وجوب الحكم فيما له الصفة وسقوطه عما ليس له.
فيقال لهم: هذا بعيد وباطل من وجوه:
أقربها: إنه غلط عظيم في الاستدلال، وذلك إنكم تتوصلون إلى العلم بمعنى الكلام في أصل الوضع الخاص من فائدته. وهذا عكس الواجب وقلبه، لأن العلم بفائدة الكلام تبع للعلم بما وضع له الخطاب. فإذا علم أنه موضوع لشيء وأمر من الأمور على أن ذلك الشيء هو فائدته وصار العلم بفائدته تبعا للعلم بما وضع له. وأنتم تجعلون العلم بفائدته طريقاً للعلم بما وضع له. وهذا قلب الواجب وتخليط ظاهر فيه.
والوجه الآخر: إنكم مخطئون في قولكم لا فائدة لتعليق الحكم بالصفة الخاصة إلا وجوب المخالفة في الحكم. فلم قلتم ذلك؟ وما الحجة عليه؟
فإن/ قالوا: لأننا لا نعلم لذلك فائدة سواه.
قيل لهم: ولم إذا لم تعلموا ذلك وجب القطع على أنه غير ثابت ولا معلوم لأجل أنكم يجب أن تعلموا كل معلوم وتعثروا بكل فائدة، فلا تجدون في ذلك متعلقاً.
стр. 1157
ويقال لهم: ما أنتم في هذه الدعوى عندنا إلا بمثابة من قال إنه لا فائدة لقوله: في الغنم زكاة، وفي أربعين شاة شاة، وتخصيص الغنم بتعليق الحكم عليها إلا الدلالة على الوجوب بإسقاط الزكاة عما عدا الغنم، لأنه لو لم يرد ذلك لقال في الماشية زكاة، لأنه اسم يعم الغنم وغيرها.
فإن مروا على ذلك أبطلوا قولهم، وإن أبوه وقالوا له فائدة غير ذلك.
قيل لهم: مثله في تعليق الحكم بالصفة الخاصة وإنما يلزم هذا من أبى دلالة تعليق للحكم بالاسم للعلم على المخالفة، ومن ركب ذلك فقد أبعد لما قدمناه من قبل.
ثم يقال لهم: لتعليق الحكم بالصفة الخاصة فوائد غير ما ظننتم، وهو أنه إذا قال في الغنم زكاة وجب بحق العموم عندكم وجوبها في المعلوفة والسائمة، وأغني ذلك عن قياس أحد الصنفين على الأخر والاجتهاد في طلب الحكم في شيء مما يقع عليه الاسم. وإذا قال في سائمة الغنم زكاة. أوجب النظر على أهل الاجتهاد في حكم المعلوفة، وهل يجب إلحاقها في الحكم بالسائمة لوجه يوجب ذلك. وهي هذا فرض صحيح وتعريض لثواب جزيل، ورفع للذين أتوا العلم درجات. وهو ساقط عند النص على وجوب الزكاة في جميعها.
وفائدة أخرى عظيمة، وهو أنه إذا كان مراده تعالى وجوب الزكاة في سائمة الغنم. فقال في السائمة زكاة فقطع النص على وجوبها فيها وجرى على كل مجتهد منع الزكاة فيها بضرب من القياس ووجوه الاجتهاد لأنه
стр. 1158
في منافاة حكم النص، وذلك دليل على بطلانه وفساده. ولو قال مكان ذلك غي الغنم زكاة، وهو يريد إيجابها في السائمة لا محالة لجان للمجتهد إخراج جميع ما فيه السوم عن وجوب الزكاة بضرب من القياس مع أنه مراد بالحكم لا محالة. فهذه فائدة - أيضا- واضحة لا إشكال فيها. فبطل ما ظنوه.
ولو لم يجمع لتعليق الحكم بالصفة الخاصة هاتين الفائدتين لم يخرج- أيضا-/ عن أن يكون له فائدة ثالثة، وهو أنه إذا قال في الغنم زكاة أوجبها في جميعها عندهم مع القول بالعموم- وجاز عندنا ذلك وجاز أن يريد السائمة دون المعلومة أو المعلوفة دون السائمة، ووجب الوقف والنظر عند أهل الوقف. وإذا قال في سائمة الغنم زكاة قطع الوقف فيما له هذه الصفة وعدل عن إيجابها في عموم الغنم، وكانت الفائدة في ذلك إيجابها في ذلك الصنف وتبقية الباقي على حكم العقل في سقوط وجوب الزكاة فيه وإذا كان ذلك كذلك بطل التعلق بذكر التخصيص من كل وجه.
فصل: واستدلوا - أيضاً- على وجوب القول بذلك بأن دليل الخطاب يجري مجرى لحنه ومفهومه. فإذا وجب القول بأحدهما وجب القول بالآخر وهذا باطل، لأننا قد اتفقنا من قبل أن مفهوم الخطاب جار مجرى نصفه، بل العلم به أسبق إلى القلوب من العلم بكثير من النصوص، وأن ذلك معلوم ضرورة من حكم المخاطب، فأغنى ذلك عن رده، وبينا أن تعليق الحكم بالوصف الخاص لا يدل على المخالفة يحال فبطل الجمع بين الأمرين.
فصل: واستدلوا - أيضاً- على ذلك بأن تعليق الحكم بالصفة الخاصة بمنزلة تعليق الحكم بالعلة، وكما يجب إثبات حكم ما فيه العلة وسقوطه عما ليس فيه. فكذلك حكم الصفة، وهذا باطل من وجوه:
стр. 1159
أحدهما: إن الأمر ض ذلك على حد سواء، غير أنه ليس فائدة علة الحكم ثبوت الحكم بثبوتها وسقوطه لفقدها أو إثبات ضد حكمها بما يخالفها من العلل، وإنما من حقها ثبوت الحكم بثبوتها متى وجدت. وكذلك تعليق الحكم بالصفة يوجب ثبوته بثبوتها، وقد يثبت حكمها بعلة تخالفها، لأن إثبات الحكم الواحد الشرعي بعلتين مختلفتين واجب صحيح على ما تبينه في أحكام العلل إن شاء الله. ولأجل هذا جاز إثبات وجوب القتل بالردة والقتل بالزنى مع الإحصان، ونجاسة العصير بكونه خمراً شديداً وبوقوع النجاسة فيه، وإن كان حلوا إلى غير ذلك. فهذا بأن يدل على صحه تساوى ماله الصفة الخاصة ض للحكم وما خالفه فيها أولى.
وشيء آخر: وهو أنه ليس فائدة تعليق للحكم بالعلة سقوطه/ عما يخالفها أو إثبات ضد حكمها بخلافها، وإنما فائدتها إذا قال حرمت السكر لحلاوته والخمر لشدته تعريفنا علة تحريم تلك العين، ولو لم نعرف علة تحريمها لم ندر لماذا حرمت. فأما أن تكون فائدتها زوال الحكم بزوالها عما عداها، فذلك باطل.
وكذلك فليس فائدتها وجوب وهى القياس عليها، وإنما يجب ذلك ويستفاد بالتعبد بالقياس لا بنصب علة للحكم. فبطل ما قالوه.
على أنه لو سلم أن فائدة العلة في حكم التعبد لحوق الحكم وسقوطه بانتقائها لكان إنما يجب ذلك من حكمها بتوقيف التعبد تعالى على وجوب
стр. 1160
العمل بالقياس، وإنما يجوز أن يقال يجب زوال الحكم عن هذه العين إذا زالت العلة إن لم يكن لتحريمها علة أخرى تقوم مقامها أو بدليل أوجب ذلك من حكم العلة، وليس مثل هذا التوقيف والدليل في إيجاب دلالة تعليق الحكم بالوصف الخاص على المخالفة، فبطل ما قالوه من كل وجه.
واستدلوا على ذلك بذكر آيات وسنن من الكتاب علقت الأحكام فيها بصفة خاصة وسقطت عند انتقائها وتتبعها يطول، ولا تعلق لهم في ذلك، لأن المخالفة في تلك الأحكام لم تجب بدليل الخطاب، وإنما وجب ذلك بأدلة قد نبهنا على كثير منها، فبطل ما قالوه. ولو كان ما قالوه دليلاً لكان وجودنا لأحكام كثيرة في الكتاب والسنة معلقة بصفات خاصة ومتناولة ما خالفها في الحكم دليل على ما قلناه.
فصل: القول في تعليق الحكم بالغاية هل يدل على المخالفة أم لا؟ اختلف الناس في ذلك.
فقال بعض منكري دليل الخطاب: إنه لا تدل عليه، كما لا يدل تعليقه بالصفة.
وقال بعضهم: بل هو دال على ذلك، وهو الأولي وبه نقول.
واحتج من قال بأنه لا يدل بأن ذلك غير مروي عن أهل اللغة، ولا ثابت بطريق نقطع به عنهم، فلا يجب القول به، وهذا لا تعلق فيه لما نذكره. وهو الدليل على ما أخبرنا، وهو أن أهل اللغة قد وقفونا على ما يقدم مقام نصهم.
следующие страницы →