← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ في شرح اللمع أن هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال، وذلك أن عثمان بن عفان ﵁ لما قتل ظهرت البدع، وكثرت الشرور. فقال أهل الشام: نحن نطالب بدم عثمان، وقوم من أصحاب علي تبرؤا منه. وجرت بينهم من الحروب مالا يخفي. فجاءت المعتزلة بعدهم بقليل فقالوا: ننزلهم منزلة بين المنزلتين، فلا نسميهم كفارًا ولا مؤمنين، ونقول: هم فسقه، حتى أطلقوا هذا القول على عظماء الصحابة كطلحة والزبير، حتى قال كبراؤهم، مثل واصل بن عطاء: "لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أقبل حتى يكون معهما ثالث، لأن أحدهما فاسق". فقيل لهم: "إن الإيمان في اللغة، وقد نقل في الشرع إلى غيره، فجعل اسما لمن لم يرتكب شيئًا من المعاصي، فمن ارتكب شيئًا منها خرج من الإيمان ولم يبلغ الكفر". تحرير محل النزاع في المسألة: ١) محل النزاع هو الأسماء الشرعية فقط دون الحرف والفعل. قال الرازي في المحصول: الأقرب أنه لا يوجد الفعل الشرعي والحرف الشرعي، والدليل على ذلك الاستقراء، وكذلك فإن الفعل يكون شرعيًا بتعًا للمصدر، وليس لذاته. ٢) النزاع في الألفاظ التي وضعها المشرع لتدل على معاني جديدة بلا قرينة، فهي حقائق شريعة، مثل الصلاة والزكاة والصيام.

стр. 107

أما ما استعمله المتشرعة - الفقهاء والمتكلمون - من ألفاظ، كلفظ الإجماع ولحن الخطاب فتحمل على المعنى الشرعي فقط اتفاقًا، لأنها أصبحت حقائق عرفية، تعارف عليها أهل الشرع، فلا حاجة لهم فيها إلى قرينة. ٣) اتفق جميع أهل العلم على أن الأسماء الشرعية يستفاد منها في الشرع معنى زائدًا عن أصل وضع اللغة، وهذا صرح به الباقلاني. واختلفوا في تلك الزيادة هل تجعل الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع، كما يقول المعتزلة، أو هي منقولة للشرع مع وجود علاقة بين المعنيين، أو هي مبقاة على الوضع اللغوي، وإنما تصرف الشرع في شروطها وأحكامها. وتتميما للفائدة نقل الزركشي في البحر المحيط عن تعليقة القاضي حسين أن التصرف الذي حدث من الشرع في هذه الأسماء لا يعدو عن ثلاث حالات هي: الأولى: ما زاد فيها من كل وجه، كالصلاة، فإنها في اللغة الدعاء، فأبقاها الشارع على معنى الدعاء، وزاد القراءة والركوع والسجود. الثانية: ما نقص فيها من كل وجه كالحج، فإنه في اللغة القصد، وفي الشرع القصد إلى بيته الحرام. الثالثة: ما نقص فيها من وجه وزاد من وجه، كالصوم، فإنه في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص مع شروط أخرى كالنية وغيرها.

стр. 108

وبهذا اتضح أن محل النزاع هو الأسماء الشرعية دون الحرف والفعل، وكذلك هو الألفاظ التي استعملها المشرع دون الألفاظ التي اصطلح عليها المتشرعة، وفي أن المعنى الزائد الذي دلت عليه هذه الأسماء هل يكون نقلًا للفظ نقلًا كليًا بدون علاقة، أو هو نقل مع علاقة بين المعنيين، أو لا يوجد نقل، بل هي مبقاة. وسيأتي مزيد تفصيل لذلك عند ذكر أقوال أهل العلم في محل النزاع بإذن الله. الأقوال في المسألة: ١ - نقل أبو الحسين البصري في المعتمد عن قوم من المرجئة نفي جواز نقل الألفاظ، وقال: "وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك، وبعض عللهم الأخرى تدل على أنهم قبحوه". وكذلك فعل أبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد فقال: والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: إنه يجوز نقل الأسماء، وكذلك فعل في الجزء الثاني من التمهيد. ولكن الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام نقلا الاجماع على جواز النقل عقلًا وحصرًا الخلاف في الوقوع. ومن علم حجة على من لم يعلم. فما ذكره أبو الحسين - من وجود الخلاف في الجواز مع تسمية من قال بعدم الجواز، واستدل لهم - يُقدم على نفي الرازي والآمدي. ٢ - ذهب المعتزلة والخوارج وتابعهم على ذلك بعض الفقهاء إلى جواز نقل الألفاظ اللغوية إلى معاني شرعية نقلًا كليًا بدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. فهي معاني مبتكرة ابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث أن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي

стр. 109

والمعنى الشرعي فإنه اتفاق بطريق الصدفة ليس مقصودًا. فالأسماء الشرعية عندهم ليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها. قال أبو الحسين في المعتمد: "ذهب شيوخنا والفقهاء إلى أن الاسم اللغوي يجوز أن ينقله الشرع إلى معنى آخر. ثم قال: ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم مبتدأ، وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة مستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، بل نقل اسم لغوي إليه أولى": ووافق المعتزلة في مذهبهم أبو الخطاب في التمهيد رأيًا استدلالًا. ونقله عن شيخه أبي يعلي. ولكن الموجود في العدة خلافه. ونقله عن أبي حنيفة. وما نقله أصحاب أبي حنيفة خلافه، والصحيح أن الذي قال بهذا القول هو الدبوسي والسرخسي والبزدوي، كما في فواتح الرحموت وأصول السرخسي وميزان الأصول. ٣ - ذهبت جماهير الأصوليين إلى أن الشرع تصرف في اللفظ اللغوي، كما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها الموضوعة له أصلًا، إما على سبيل قصر اللفظ على بعض معناه، كقصر لفظ الدابة على ذوات الأربع، أو على سبيل التجوز بإضافة الشيء إلى غير ما هو له كقولهم: الخمر محرمة، والمحرم شربها. وقالوا: وكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظه الصلاة، واستعملت في دعاء مخصوص. ولكن اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الواقع. فبعضهم عبر عنه أنه نقل، ولكن ميزة عن قول المعتزلة بأنه ليس نقلًا مطلقًا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، مثل فعل

стр. 110

أهل اللغة بالألفاظ العرفية. وبعضهم اضطرب مثل الشيخ أبي إسحاق الشيرازي فسماه في التبصرة نقلًا، وتردد في شرح اللمع. وبعضهم أبي أن يسميه نقلًا. ي وحرروا مرادهم بدون وصفه بأنه نقل. وهذا القول كما هو ظاهر إنه مذهب وسط بين مذهب الباقلاني والمعتزلة. واتفق أصحاب هذا القول على أنها مجازات لغوية لعدم استعمال المشرع لها في معانيها اللغوية. وذهب بعضهم إلى أنها اشتهرت فأصبحت حقائق شرعية. ٤ - مذهب الباقلاني: قال في التقريب ص ٣٨٧ "إن الذي عليه أهل الحق وجميع سلف الأمة من الفقهاء وغيرهم أن الله لم ينقل شيئًا من الأسماء اللغوية إلى معان وأحكام شرعية، ولا خاطب الأمة إلا باللسان العربي ولا أجرى سائر الأسماء والتخاطب إلا على ما كان جاريًا عليه في وضع اللغة". ولكنه في نقاشه للمعتزلة في ص ٣٩٥ قال: "الصلاة في اللغة هي الدعاء، ولكن أخذ علينا أن تكون دعاء على شروط ومعه نية وإحرام وركوع وسجود وقراءة وتشهد وجلوس، فالاسم في الشريعة لما كان صلاة في اللغة، وإن ضمت إليه شروط شرعية". وقال: "الحج في اللغة هو القصد، ولكنه في الشرع قصد إلى بيت مخصوص". وبضم كلام الباقلاني إلى بعضه يظهر أنه يقول بوجود تغيير في استعمال اللفظ في الشرع عن استعماله في اللغة. ولكن مع هذا فإنه لا يقر بوجود ألفاظ تسمى بالشرعية، ولا يسلم بالنقل. ونقل كثير من الأصوليين عن الباقلاني موافق لما هو في التقريب.

стр. 111

وأما إمام الحرمين - وهو أكثر العلماء اشتغالًا بآراء الباقلاني الأصولية - قال في البرهان: وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات، لم تنقل، ولم يزد في معناها، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ﵀" ثم وصف ما هو عليه أنه لجاج ظاهر، ووصفه بأنه قول غير سديد. ونسب المازري قول الباقلاني في شرحه للبرهان للمحققين من الفقهاء والأصوليين من المالكية. ونقله الزركشي في البحر المحيط عن أبي الحسن الأشعري. ٥ - ذهب أبو إسحاق الشيرازي للقول بالنقل في الأسماء الشرعية دون الأسماء الدينية احترازًا عن بدعة المعتزلة والخوارج. ونسب هذا القول الزركشي في البحر المحيط لابن الصباغ واختاره. قال في شرح اللمع ويمكننا أن نحترز من هذه المسألة عن الألفاظ الدينية، فنقول: إن الأسماء منقولة إلا هذه المسألة". وقال: "ويمكننا نصرة ذلك - أي النقل - من غير أن نشارك المعتزلة في بدعتهم، وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ". ٦ - ذهب الآمدي في الإحكام إلى التوقف. قال في الأحكام: "وإذا عرفت ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين، وأما ترجيح الواقع منهما فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه.

стр. 112

فهذه أهم الأقوال في المسألة. وسأحاول الاستدلال لها مع مناقشة الأدلة التي فيها ضعف إن شاء الله. أدلة القول الأول وهم القائلون بعدم الجواز: ١) نقلها عما وضعت له في اللغة يكون قلبًا للحقيقة، وقلب الحقائق مستحيل لا يجوز. وأجيب: إن كون الاسم اسما للمعنى غير واجب له، وإنما هو تابع للاختيار، بدلالة انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة، وأنه كان جائزًا أن يسمى المعنى بغير ما سمي به نحو تسمية البياض سوادًا، إلى غير ذلك. وعليه يجوز أن يصطلح على سلب الاسم عن معناه ونقله إلى غيره وقولكم "إنه مستحيل" يصح لو كان انفكاك الاسم عن المعنى مستحيلًا. ٢) ومن قال بالقبح قال: إن نقل الاسم عن معناه إلى معنى آخر يقتضي تغيير الأحكام المتعلقة به وتعطيلها، وهو قبيح. وأجيب: بأننا لا نسلم أن تعطيل الأحكام قبيح، فإن النسخ يعطل الأحكام وليس قبيحًا. ولو سلمنا قبحه، فإنما يكون في الاسم الذي تعلق به فرض دون ما لم يتعلق به فرض، ثم لو نقل اسم الصلاة عن الدعاء لم يسقط فرض الدعاء. ولو قصد المشرع سقوطه لبين لنا ذلك. واستدل أبو الحسين البصري في المعتمد للقول بالجواز: ١ - إن الشريعة جاءت بعبادات لم تكن معروفة في اللغة، فلم يكن بد من وضع اسم لها لتتميز به عن غيرها، كما يجب ذلك في مولود يولد للإنسان، كما يضع أهل الصنائع لكل ما يستحدثونه من أدوات أسماء تعرف بها، ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسما مبتدأ، وبين أن ينقل

стр. 113

إليها اسم من أسماء اللغة مستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، بل نقل اسم لغوي إليه أولى. ٢ - لا يمتنع تعلق مصلحة بنقل اسم من معناه اللغوي إلى معنى شرعي، كما لا يمتنع ثبوتها في جميع العبادات، ولا يكون في هذا النقل وجه قبح. وإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع حسنه، إذ المصلحة وجه حسن. وبهذا يتضح أن نقل الاسم من معناه اللغوي إلى معناه الشرعي غير مستحيل، بل هو جائز عقلًا. لأن الاسم ليس واجبًا للمعنى بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وأن أرباب الحرف يحدثون أسماء لأدواتهم المستحدثة، وكذلك من يولد له مولود يضع له اسما. أدلة المعتزلة والخوارج على وقوع النقل: ١) احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على وقوع النقل بأن الشرع أطلق اسم إسلام وإيمان وكفر وفسق على معاني مخصوصة. وهو ما لم يعرفه أهل اللغة، ولا وضعوا هذه الأسماء لما أطلقت عليه. ويدل على ذلك الحديث المتفق عليه والذي فيه: جاء جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ في صورة رجل، فقال: يا محمد، ما الإسلام؟ ... ثم قال: ما الإيمان؟ ... ثم قال ﷺ "هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم". فلولا أن الاسم شرعي لما احتاج إلى بيانه، لأن العرب تعرفه. واعترض على هذا بأن صاحب الشريعة بعث ليعلم الناس الأحكام لا الأسماء.

стр. 114

وأجيب: بأن المشرع إذا وضع حكمًا فلابد أن يضع له اسما يعرف الناس هذا الحكم، ليميزه عن غيره، فصار ذلك عائدًا إلى الأحكام. ٢ - إن لفظ "الصلاة" لم يكن مستعملًا في اللغة لمجموع الأفعال الشرعية كالركوع والسجود والتسبيح والتكبير والقعود والنية وغيرها، لأن أهل اللغة لم يكونوا يعرفون هذه الصلاة ولا شروطها وأركانها، ثم صار اسم الصلاة اسما لمجموع هذه الأفعال، حتى لا يعقل من إطلاق اسم الصلاة سواها. فيكون بذلك نقلها المشرع إلى استعمال جديد. واعترض الباقلاني على هذا الدليل بأن الصلاة أطلقت على جميع هذه الأفعال، لأن الصلاة في اللغة بمعنى الإتباع، فالتالي للسابق يسمى مصلٍ لأنه تالٍ له، وكذلك المأموم متبع لفعل الإمام ومقتفٍ أثره. وأجاب المعتزلة أنه يلزم على ذلك أن لا تسمى صلاة المنفرد صلاة، وهو مخالف لإجماع الأمة، وكذلك السنة التي ورد فيها تسمية صلاة المنفرد صلاة. واعترض الباقلاني - أيضًا - بأن الصلاة سميت صلاة للدعاء الذي فيها. ولذا لم تنقل الصلاة في الشرع، بل بقيت في معناها الذي وضعت له، وهو الدعاء. وأجاب المعتزلة عن هذا الاعتراض بأنه إذا قصد الباقلاني من كلامه أن لفظ الصلاة تطلق على جملةٍ من الأفعال التي تتألف منها الصلاة لأن فيها دعاء فقد سلمتم بما نريده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده في اللغة. وإن قصدتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء، فذلك باطل، لأن المفهوم من لفظة "صلاة" جملة الأفعال. لأننا نفهم من قولكم فلان خرج من الصلاة إذا فرغ من أفعالها، وإن كان متشاغلاً بالدعاء.

стр. 115

ويلزم على قولكم أن الصلاة هي الدعاء أن صلاة الأخرس لا تسمى صلاة لأنه لا دعاء فيها. ويلزم - أيضًا - أن المصلي إذا أخل بالقراءة والركوع والسجود أن يقال إنه قد صلى. ويرد على هذين الإلزامين بعدم صحتهما. وهو أن صلاة الأخرس فيها دعاء، ولا يلزم النطق في الدعاء. ويبطل الإلزام الثاني، لأننا لا نقول بصحة الصلاة بدون شروطها" ٣ - كان لفظ الصوم يفيد في اللغة الإمساك عمومًا سواء كان عن الكلام كقوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ أو الأكل والشرب ليلًا أو نهارًا، وأصبح يفيد في الشرع إمساكًا مخصوصًا. وكذلك لفظ "الزكاة" يفيد في اللغة النماء. ثم جعل في الشرع اسم لإخراج جزء من المال طهرة له. وهو في الحقيقة نقصان وليس بزيادة. وكذلك "الحج" في اللغة القصد مطلقًا. وفي الشرع هو قصد البيت الحرام، مع الوقوف والإحرام والطواف. فالشرع في جميع هذه الألفاظ تصرف بنقلها إلى معان غير معانيها اللغوية. وأجاب الباقلاني ﵀ أن هذه الألفاظ بقيت في معانيها اللغوية ولم تنقل، ولكن شرط المشرع في كونها مجزئة شروطًا آخر تنضم إليها، فالمشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغيير الوضع. ولم يسلم الباقلاني بأن الشرع أحدث عبادة لم يكن لها في اللغة اسم.

стр. 116

٤ - نقل أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع (٣٠) عن أبي علي الجبائي بأنه استدل لوقوع النقل بأن المشرع شرع عبادات ذات أركان وهيئات، ولم يكن لها اسم في اللغة، لذا دعت الحاجة إلى وضع أسماء لها تتميز بها عن غيرها، وكان أولى الأسماء بها ما ثبت له عرف في الشرع، وكثر استعماله فيه. وصار هذا بمنزلة أرباب الصناعات في صناعتهم إذا استحدثوا آلات وأدوات لم يكونوا وضعوا لها أسماء تتميز بها عن غيرها. لحاجتهم إلى ذلك، وعلى هذا وضع الأسامي في اللغات، فكذلك هنا. والباقلاني يرد على هذا الدليل بعدم التسليم بإحداث الشرع عبادة لم يكن لها اسم في اللغة، كما تقدم. والذي يجيب به أصحاب القول الوسط عن أدلة المعتزلة. بأنهم يسلمون بتصرف المشرع في استعمال الألفاظ، وذكر الرازي في المحصول أن استعمال المشرع وتصرفه من باب التجوز، فأصبحت الألفاظ مجازات لغوية. ومن المعلوم أن التجوز لا يكون إلا بعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الجديد. فالمشرع لما اختار لفظ الصلاة ليدل على العبادة المعروفة إنما اختارها لوجود علاقة بين المعنيين، وهي أن الصلاة في الشرع فيها حقيقة الدعاء. بل الدعاء مخ العبادة، وكذلك لفظ "الصوم" يوجد علاقة بينه وبين المعنى الشرعي لأن كلًا منهما إمساك. وكذلك سائر الأسماء الشرعية. ولذا يمنعون نقل المشرع للفظ نقلًا مطلقًا بدون علاقة، كما فعل المعتزلة.

стр. 117

أدلة الباقلاني على عدم النقل: ١) وصف الله القرآن الكريم بأنه عربي في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾. وظواهر هذه الآيات وغيرها يوجب كون القرآن كله عربيًا مستعملًا فيما استعملته العرب، وإلا كان خطابًا لهم بغير لغتهم. وبذلك يبطل دعوى المعتزلة وغيرهم أن المشرع تصرف بوضع أسماء على غير إطلاق اللغة. وأجاب الجمهور وغيرهم عن هذه الآيات بأن استعمال الشرع لبعض هذه الألفاظ في غير ما وضعته له العرب لا يخرج القرآن عن كونه خطابًا بلسان العرب. فالعرب استعملت بعض الألفاظ في غير ما وضعت له، مثل كلمة حمار للبليد، والبحر للكريم، ولم يقل أحد إن هذا إخراج للخطاب عن لغة العرب. وكذلك اشتمال القرآن على ألفاظ شرعية قليلة لا يخرجه عن كونه عربيًا. فالعبرة بالأعم الأغلب. ولذا لا يمتنع إطلاق اسم الأسود على الثور الأسود وإن كان في جلده شعرات بيض. ثم الآيات التي استدللت بها لا تدل على كون القرآن كله عربي، لأنه قد يطلق لفظ القرآن على بعض القرآن. فقد قال سبحانه في سورة يوسف ﴿إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ وأراد تلك السورة. وذهب الفقهاء إلى

стр. 118

أنه لو حلف شخص أن لا يقرأ القرآن فقرأ آية منه حنث في يمينه. فالآية الواحدة تسمى قرآنًا. ٢ - لو كان الرسول ﷺ قد نقل بعض الأسماء اللغوية إلى أحكام شرعية لوجب عليه ﷺ أن يوقف الأمة على نقل هذه الأسماء توقيفًا تقوم به الحجة على المكلفين ليقطع عذرهم، فيكون بطريق يفيد العلم الضروري أو النظري. وما دام لم يثبت خبر يفيد القطع في ذلك ولا ورد في الكتاب، ولا أجمعت الأمة عليه، ولا دل على ذلك العقل الجازم يجب القطع على كذب دعوى المعتزلة. وأجاب عن هذا الدليل أصحاب القول الوسط والمعتزلة. أن النبي ﷺ قد بين بيانًا تامًا ما المعاني التي نقلت الألفاظ إليها، فبين المقصود بالصلاة بصلاة جبريل بالرسول ﷺ ، ثم صلاته ﷺ بأصحابه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وبين المقصود بالحج وقال: "خذوا عني مناسككم" وبين ما تجب فيه الزكاة وأنصبتها وشروطها ولمن تدفع وكيف تدفع. كما قام جبريل ﵇ ببيان بعض هذه الأسماء كما حدث في بيان معنى الإسلام والإيمان والإحسان. وكذلك قام الصحابة ببيان مدلولات هذه الألفاظ لمن بعدهم. وأجابوا عن اشتراط الباقلاني حدوث البيان بطريق يفيد العلم بأنه قد حدث في بعضها، وذلك بتكرار فعل تلك العبادة كالوضوء والصلاة. وكذلك

стр. 119

اشتراطه ثبوت البيان بطريق قطعي إنه لا دليل عليه، وهو متعذر لا يصح إلا على قول من يقول بالتكليف بما لا يطاق. ٣ - يلزم على قول المعتزلة بأن المشرع نقل الأسماء عن معانيها اللغوية ولو لم يكن بينهما مناسبة أنه يجوز أن يقول المشرع: اقتلوا المشركين وهو يريد المؤمنين. ويقول: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ وهو يريد القاتلين، وبذلك يكون قد خاطبهم بغير لغتهم. وأجاب الجمهور عن هذا أنه لازم على قول المعتزلة والخوارج، لأنهم يقولون بالنقل المطلق. وأما القائلون بالنقل بشرط وجود علاقة فلا يلزم على قولهم. وقد يجيب المعتزلة بأن لازم القول ليس بقول لقائله، ولم ينقل أحد عن المعتزلة ولا عن غيرهم مثل هذا الاستعمال. دليل من قال بالتفريق بين الدينية والشرعية: حجة أبي إسحاق الشيرازي في عدم القول بالنقل مطلقًا، بل يقول بالنقل فيم دل الدليل عليه. هو ترتب حدوث بدعة على قول المعتزلة في جوازه في الألفاظ الدينية. ولهذا حصر قوله في النقل في الألفاظ الشرعية. ولهذا قال في شرح اللمع: "ويمكننا نصرة ذلك - يعني النقل - من غير أن نشارك المعتزلة في بدعتهم. فنقول: إن هذه الألفاظ التي ذكرناها منقولة من اللغة إلى الشرع، وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ، وإنما يكون على حسب ما يدل عليه الدليل. ولم يثبت النقل في جميع الألفاظ مثل: الفرس والتمر، والخبز، وإنما ثبت في بعض الأسماء دون بعض".

стр. 120

دليل القول بالتوقف: أما الآمدي في الإحكام بعد أن ذكر أدلة الأقوال الواردة في المسألة وناقشها قال: "وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين، وأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه" وهذا يدل على أنه متوقف في المسألة لعدم وجود دليل قطعي يدل على أحد القولين، وخاصة وأن الآمدي يرى أن القواعد الأصولية قواعد قطعية لا تثبت بأدلة ظنية. حجة القول الوسط: استدل من توسيط بين المذهبين سواء صرح بالنقل مع وجود علاقة، أو أثبت تصرف المشرع، ولكن لم يسمه نقلًا. وبعض أصحاب هذا القول مثل فخر الدين الرازي اقتصر على تسميتها مجازات لغوية، وبعضهم قال: إن هذه المجازات اللغوية اشتهرت حتى أصبحت المعاني المجازية هي المتبادرة إلى الذهن. وبذلك أصبحت حائق شرعية. ويمثل هذا الرأي الوسط جماهير الأصوليين منهم الشافعي وإمام الحرمين والغزالي وابن برهان وغيرهم. وقد أنكر هؤلاء على أصحاب القول بالنقل للألفاظ اللغوية من اللغة إلى الشرع، نقلًا بدون علاقة، وهم المعتزلة، كما تقدم في إجابتهم عن أدلة المعتزلة. وأنكر على من أنكر تصرف المشرع في بعض الألفاظ بنوع من التصرف، سواء سموه نقلًا لوجود علاقة، أو لم يسموه نقلًا. وقال هؤلاء: إن الموضوعات الشرعية مسميات لم تكن معهودة من قبل، فلابد لها من أسماء تعرف بها تلك المسميات. وهذا التصرف الذي حدث من المشرع فيها لا يخرج عن حالتين:

стр. 121

أولهما: تخصيص اللفظ ببعض المسميات، كما فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية، كلفظ الدابة: ولم ينكر أحد هذا التصرف. ومثله فعل المشرع في لفظ الحج والصوم والإيمان. حيث استعملها في معان لها علاقة بمعناها اللغوي. فهو ليس نقلًا كليًا للفظ. كما يقول المعتزلة، بل يوجد ارتباط وعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. ثانيهما: إطلاق أهل اللغة الاسم على ما يتعلق به ويتصل به، كتسميتهم الخمر محرمة، وفي الحقيقة المحرم شربها. وكذلك تصرف المشرع في لفظ الصلاة بعد أن كانت لا يفهم منها إلا الدعاء، أصبحت في الشرع تدل عليه وعلى غيره معه من تكبير وقراءة وركوع وسجود وقيام، وكل ما أدخله عرف الشرع في معناها. وبذلك أثبت أصحاب هذا القول تصرفًا للمشرع في بعض الألفاظ، ولكن انكروا على المعتزلة ما ذهبوا إليه من القول بالنقل بدون ارتباط أو علاقة. ومما أنكر به أصحاب هذا القول على من لم يُثبت للمشرع تصرفًا ما قاله الغزالي: "إنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه قوم". ثم قال: "فتسليم هذا القدر من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، فما أحدثه الشرع من عبادات ينبغي أن تكون لها أسماء معروفة، ولا يكون ذلك إلا بنوع تصرف في الألفاظ اللغوية". وأما إمام الحرمين فعبارته في حق الطرفين حادة كعادته. فقال في شأن المعتزلة، ومن قال بقولهم: "ومن قال: إنها نقلت نقلًا كليًا، فقد

стр. 122

زل، فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار للمعاني اللغوية". وقال في حق الباقلاني ومن تابعه: "أما القاضي ﵀ فإنه استمر في لجاج ظاهر، فقال في الصلاة إنها الدعاء، وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام، وهذا غير سديد". والذين لم يعبروا عن تصرف المشرع بالنقل احتجوا: ١) - بأن النقل خلاف الأصل. ٢) - التجوز في استعمال اللفظ أو قصره على بعض معانيه لا يسمى نقلًا، لأنه كفعل أهل العرف. ولم يسم أهل العرف ما فعلوه نقلًا. ٣) - لم يسموه نقلًا كرد فعل على مذهب المعتزلة والخوارج، الذين تشددوا في تسميته نقلًا. ولما ترتب على قول المعتزلة في بدعة الطعن على الصحابة بقولهم إن الإيمان الذي حدث منهم هو الإيمان اللغوي. ولم يحدث منهم الإيمان الديني. الترجيح: بعد ما أوردنا أدلة كافة الأقوال في المسألة وناقشناها. ظهر أن كل قول من القولين المتطرفين - قول المعتزلة وقول الباقلاني - جمع بين صواب وخطأ. فقد أخطأ المعتزلة في قولهم وضع المشرع أسماء لما استجد من عبادات ومعاني شرعية بدون اعتبار معاني الألفاظ من جهة اللغة. وألحق أن جميع الأسماء الشرعية - بعد التقصي - لها علاقة بمعانيها اللغوية. وأصاب المعتزلة في إثبات التصرف للمشرع، لأن تطابق المعنى الشرعي والمعنى اللغوي من كل وجه لم يحدث. وأما تسمية تصرف المشرع نقلًا أو عدم تسميته نقلًا فهو خلاف لفظي.

стр. 123

أما الباقلاني فجمد بقوله إن الألفاظ مبقاة على وضعها اللغوي، وإن كان عند استدلاله أثبت تصرفًا للمشرع في نطاق ضيق على فلتات لسانه، فجعل ما دلت عليه الألفاظ الشرعية من معنى زائد عن المعنى اللغوي إنما هو شروط فقط، ولكن لم تتغير ماهية اللفظ. والذي حدا بالباقلاني ﵀ إلى الوقوف في هذا الموقف الجامد - الذي عابه عليه أشد الناس تأثرًا بآرائه الأصولية كإمام الحرمين والغزالي - مسألة جد خطيرة، وهي استغلال المعتزلة هذه المسألة في الطعن على الصحابة بعدم إثبات الإيمان الشرعي لهم. كما سنذكر ذلك في ثمرة النزاع في هذه المسألة . بل ذهب الخوارج إلى أبعد من ذلك، فوصفوا بعض الصحابة بالكفر. وبناء على ما تقدم يكون القول الوسط هو الراجح. وهو قول من أثبت تصرف المشرع، فنقل الأسماء عن معناها اللغوي على سبيل التجوز لوجود علاقة بين المعنى الشرعي والمعنى اللغوي. فأصبحت الأسماء الشرعية مجازات لغوية. ثم لما اشتهرت بحيث إذا أطلقت لم يفهم منها إلا المعنى الشرعي أصبحت حقائق شرعية، لأن أمارة الحقيقة التبادر إلى الذهن. ثمرة النزاع في هذه المسألة: يوجد للنزاع في هذه المسألة ثمرات عدة، بعضها يعود للاعقاد، وبعضها الآخر للفروع الفقهية، وبعضها الآخر للغة. أما في جانب الاعتقاد فاختلف العلماء في حقيقة الإيمان بناء على اختلافهم في جواز نقل الشرع بعض الأسماء من اللغة إلى الشرع. واختلفوا أيضًا في وجود منزلة بين الإيمان والكفر أو لا يوجد. ومن أهم العوامل التي سببت النقاش حول وجود منزلة بين المنزلتين، وحكم مرتكب الكبيرة هو ما وقع من حروب على أثر مقتل عثمان بن عفان -

стр. 124

رضي الله عنه - كوقعة الجمل وصفين، مما جعل الناس يتساءلون عن الحق وعن المخطئ. وهل المخطئ كافر أو مؤمن؟ فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكب الذنوب، والمرجئة تقول: إنهم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأهل السنة عمومًا ذهبوا إلى أنهم مؤمنون ناقصوا الإيمان بقدر ما ارتكبوا من الكبائر. وذهب واصل بن عطاء - مؤسس مذهب الاعتزال - إلى أنهم فاسقون في منزلة بني منزلتي الكفر والإيمان. وهذه أول مسألة من مسائل المعتزلة. وقد أجمعوا عليها على تعدد فرقهم واختلاف مشاربهم. ونقل أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع حقيقة قولهم فقال إنهم قالوا: "ننزل الصحابة منزلة بين المنزلتين، فالا نسميهم لا كفارًا ولا مؤمنين، ونقول إنهم فسقة"، ونقل عن واصل بن عطاء أنه قال: "لو شهد عندي علي وطلحة على باقة من البقل لم أقبل حتى يكون معهما ثالث، لأن أحدهما فاسق" ثم قال الشيرازي: "قيل لهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، الصحابة مصدقون موحدون. وقد وعد الله المؤمنين الجنة في قوله تعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فقالوا: صدر منهم الإيمان اللغوي الذي هو التصديق، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى فعل الطاعات. فالصحابة صدقوا ولم يطيعوا، بل ارتكبوا شيئًا من المعاصي فخرجوا من الإيمان، ولم يبلغوا الكفر، فهم فاسقون في منزلة بين المنزلتين. وبهذا يتضح أن المعتزلة بنوا طعنهم في الصحابة، ووصفهم إياهم بعدم الإيمان على نقل كلمة الإيمان من معناها اللغوي الذي هو التصديق إلى المعنى الشرعي. ولذا فالإيمان عند المعتزلة والخوارج هو مجموع ما أمر الله به ورسوله ﷺ .

стр. 125

والباقلاني - وهو القائل بعدم النقل - يرى أن الإيمان باق على معناه اللغوي، وهو التصديق. ولكن أهل الحق ذهبوا إلى أن الإيمان لم يبق على معناه اللغوي تمامًا، بل أصبح في الشرع عبارة عن "التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح" ولم يختلفوا في دخول التصديق بالقلب فيه، واختلفوا في دخول العمل في الإيمان. ولهم في ذلك تفصيلات ليس الغرض من ذكر ثمرة النزاع تحرير المذاهب، فمحل ذلك كتب العقيدة، فيرجع في ذلك إلى لوامع الأنوار البهية، وشرح العقيدة الطحاوية والمواقف للإيجي وغيرها. والمقصود من إيراد هذه الثمرة بيان استغلال المعتزلة والخوارج مسألة نقل اللفظ للطعن على الصحابة رضوان الله عليهم. الثمرة الثانية: وهي لغوية: ذهب من قال بالنقل من المعتزلة وغيرهم إلى أن الحقائق ثلاثة: الأولى: الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ الذي وضعه أهل اللغة لمعنى ابتداء، ولم يطرأ عليه تغيير، مثل كلمة إنسان. الثانية: الحقيقة العرفية. وهي اللفظ الذي نقل عن موضوعه الذي وضع له ابتداءً وأصبح هو المتبادر للذهن. فإن كان النقل على يد أهل اللغة عمومًا سمي عرفية عامة، مثل كلمة دابة كانت في كل ما دب على الأرض، وأصبحت في ذوات الأربع. لا يكاد يفهم منها إلا ذلك إذا أطلقت.

стр. 126

وإن كان النقل على يد أصحاب الفنون كالأدباء والنحويين والفقهاء مثل كلمة: الرجز والعطف والمناسخة. تسمى عرفية خاصة. الثالثة: الحقيقة الشرعية: وهي الأسماء التي استعملها المشرع فيما فرض من عبادات وغيرها. والمعتزلة ترى أن الأسماء الشرعية وضعها المشرع وضعًا مبتدئًا. فهي حقائق شرعية. ولهذا عرف أبو الحسين البصري المعتزلي في المعتمد الحقيقة بأنها: "ما أفيد بها ما وضعت له في الأصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به". ثم قال: "ودخل في هذا الحد الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية، والحقيقة الشرعية". وذهب القائلون بعدم النقل إلى عدم دخول الأسماء الشرعية في الحقيقة وقصروا إطلاق الحقيقة على الحقيقة اللغوية فقط. ولذا عرفها شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني بأنها: "كل كلمة أريد بها نفس ما وضعت له في وضع واضع وقوعًا لا يستند فيه إلى غيره". وعرفها ابن الأثير في كتابه المثل السائر أنها "اللفظ الدار على موضعه الأصلي". وعرفها ابن جني بأنها: "ما أقر في الاستعمالات على أصل وضعه في اللغة" وقد جرى ابن قدامة في الروضة في تعريفه للحقيقة على هذا المذهب، حيث قال في تعريفها: "هو اللفظ المستعمل في وضعه الأصلي". الثمرة الثالثة: وهي تعود للفروع الفقهية. الأسماء الشرعية المجردة عن القرائن على ماذا تحمل؟

стр. 127

ذكرنا أن أهل العلم اختلفوا في الأسماء الشرعية على ثلاثة أقوال: الأول: إنها حقائق لغوية، لم تنقل عن ما وضعتها له العرب، وهو ما ذهب إليه الباقلاني ومن تابعه. الثاني: إنها مجازات لغوية، وهو قول فخر الدين الرازي، ونقله الزركشي في البحر المحيط عن الإمام الشافعي ﵀. الثالث: إنها حقائق شرعية سواء كانت متعلقة بأصول الدين أو بفروع الشريعة، وهو مذهب المعتزلة والخوارج، ومن قال بقولهم. تحرير محل النزاع: اتفق أهل العلم على أنه إذا وجدت قرينة تبين المراد في الإطلاق، فإنها تحمل عليه، فهي ليست في محل النزاع. فإذن محل النزاع إذا تجرد الاسم عن القرائن. ١ - ذهب المعتزلة إلى حملها على عرف الشرع، فإذا وردت لفظة الصلاة مجردة عن القرينة حملت على العبادة المعروفة ذات الركوع والسجود، وكذلك لفظة الحج تحمل على قصد بيت الله الحرام، وكذلك سائر الألفاظ. قال أبو الخطاب الكلوذاني في كتابه التمهيد وهو ممن يقول بقول المعتزلة في هذه المسألة" "وفائدة الخلاف أن يخاطبنا الشرع بشيء مثل الصلاة، فإنها عندنا محمولة على الصلاة الشرعية، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة، وعندهم المراد به الصلاة اللغوية، لا يجوز العدول عنها إلى هذه الشريعة إلا بقرينة".

стр. 128

٢ - وقال الباقلاني في كتابه هذا - التقريب والإرشاد. فإن قيل: فما تقولون لو ثبت أسماء شرعية، وإن كانت ألفاظًا لغوية، لكنها منقولة في الشرع إلى أحكام غير التي وضعت لها في حكم اللسان، ثم ورد الشرع بذكرها، هل كان يجب حملها على موجب اللغة أو موجب الشرع؟ قيل: "كان يجب الوقف في ذلك، لأنه يجوز أن يراد بها ما هي له في اللغة، ويجوز أن يراد بها ما هي له في الشرع، ويجوز أن يراد بها الأمران إن كانا مثلين يمكن أن يقعا معًا في وقت واحد أو وقتين. فإن كانا خلافين صح أن يريدهما جميعًا معًا، وإن كانا ضدين صح أن يريدهما على الترتيب، ويجب لتجويز ذلك أجمع الوقف إلى أن يدل دليل على المراد به - على ما نبينه من بعد في حكم المحتمل من الألفاظ". فخلاصة كلام القاضي أنه ذهب إلى الوقف لوجود الاحتمالات التي ذكرها، فعاملها معاملة المجمل، لأنها لفظ مشترك عنده. وعاب الإبياري في شرحن البرهان على الباقلاني ما ذهب إليه، فقال: "قول القاضي: إنه مجمل يناقض مذهبه في حجة الأسماء الشرعية - اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال مع اتحاد جهة الدلالة محال. أو يكون ذلك منه تفريعًا على قول من يثبتها، وهذا ضعيف. فإنه من أين له الحكم عليهم أنهم يسوون بين النسبة إلى المسمين". وتعقيبًا على كلام الإبياري أقول: "لقد تقدم في تحقيق الأقوال في المسألة أن ما نسبه إمام الحرمين في البرهان للقاضي أبي بكر الباقلاني

стр. 129

من عدم تصرف الشرع أدنى تصرف في الألفاظ اللغوية لا بزيادة ولا بنقص مخالف لما صرح به الباقلاني، ونقلته عنه من التقريب، وقد جرى الإبياري في نقده على ما نقله إمام الحرمين عن الباقلاني في البرهان. ولذا ما نقد به الإبياري الباقلاني صحيح لو كان نقل إمام الحرمين لمذهب الباقلاني صحيحًا. ولذا استدرك الإبياري في نقده بعبارة لطيفة، تدل على شدة يقظته، وحدة ذكائه، وذلك لبعد احتمال وقوع الباقلاني في مثل هذا التناقض. وبناء على ما تقدم أقول: لقد صرح الباقلاني في كتابه هذا بأن المشرع استعمل بعض الألفاظ اللغوية، وتصرف فيها نوعًا من التصرف، ولهذا حكمه عليها بالإجمال متناسب مع مذهبه لترددها بين إرادة المعنى اللغوي والمعنى الشرعي عند إطلاقها. فمثلًا لفظ " الوضوء" هل يراد به الطهارة التي تبيح الصلاة وترفع الحدث، أو يراد به النظافة، وكذلك غيرها. الإبياري معذور في نقده الباقلاني، أو يراد به النظافة، وكذلك غيرها. والإبياري معذور في نقده الباقلاني، لأنه بناء على ما وجده في البرهان، فظنه هو حقيقة مذهب الباقلاني. ٣ - وممن قال بالاجمال القاضي أبو يعلي في العدة حيث قال: "فأما قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإن ذلك مجمل، لأن الصلاة في اللغة الدعاء، فكان كما قال تعالى: ﴿ومَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وتَصْدِيَةً﴾ وفي الشريعة هي التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والسلام، ولا يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة، فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينبئ عنه وجب أن يكون

стр. 130

مجملًا، وكذلك الزكاة في اللغة النماء والزيادة، من قولهم زكا الزرع إذا زاد ونما، والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك، واللفظ لا يدل عليه ولا بنبئ عنه. وهذا ظاهر كلام أحمد ﵀ ذكره في كتاب طاعة الرسول ﷺ . ثم قال: "ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس بمجمل، وأن الصلاة في اللغة دعاء، فكل دعاء يجوز إلا أن يخصمه الدليل". ٤ - وقال الغزالي في المستصفي: "والمختار عندنا أن ما ورد في الإثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي، وما ورد في النهي كقوله ﷺ : "دعي الصلاة أيام أقرائك". فهو مجمل. وبني على قول الغزالي هذا صحة صيام النفل بنية من النهار لقوله ﷺ : "إني إذن صائم" حملا على الصيام الشرعي. أما نهيه ﷺ عن صيام يوم النحر فيكون مجملًا، لأنه في النهي. قال الآمدي في الإحكام: "والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الإثبات، وظهوره في المسمى اللغوي في طرف الترك".

стр. 131

١ - فمن فروع خلافهم هذا اختلافهم في المراد بقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة" هل المراد به أن الطواف كالصلاة حكمًا في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة. ٢ - وكذلك اختلافهم في المراد بقوله ﷺ : "الاثنان فما فوقهما جماعة" هل المراد به أقل عدد تنعقد به الجماعة في الصلاة أو المراد به الجماعة الحقيقية. فذهب جماعة إلى أن لفظ الصلاة، ولفظ الجماعة في الحديثين مجملان، فلا يحمل كل لفظ على أحد معنييه إلا بقرينة، وذهب آخرون إلى أنه أظهر في المعنى الشرعي. فيحمل الحديث الأول على أن الطواف كالصلاة في اشتراط الطهارة ويحمل الثاني على أن أقل عدد يحصل به فضيلة الجماعة هو اثنان. ٣ - وكذلك اختلفوا في قوله ﷺ "توضؤا مما مست النار" هل المقصود به الوضوء الشرعي أو الوضوء اللغوي. فمنهم من قال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة. ومنهم من يرى أنه يحمل على المسمى الشرعي، لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أظهر.

стр. 132

٤ - وكذلك اختلفوا في المراد من قوله ﷺ : "لا ينكح المحرم ولا ينكح". فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن المراد به المعنى اللغوي، وهو الوطء ومنه قول الشاعر: كبكر تريد لذيذ النكا ح وتهرب من صولة الناكح ولذا ذهب الحنفية إلى أنه يحرم الوطء على المحرم ولا يحرم عليه العقد. وذهب المالكية وغيرهم إلى حمل النكاح في الحديث على العقد، ولهذا ذهبوا إلى تحريم العقد أيضًا، وذلك لأن حمل كلام المشرع على المعنى الشرعي أظهر. ٥ - وكذلك اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فحمل الحنيفة كلمة (ما نكح) على معناها اللغوي، وهو الوطء فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا من زنى بها الأب فهي موطوءة له. وذهب الشافعية وغيرهم إلى أن المراد بالنكاح في الآية العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ الشرع يحمل على المعنى الشرعي، ولذا فإن الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة عندهم.

стр. 133

المبحث السابع (في دراسة مسألة حمل اللفظ المشترك على معنييه لو معانيه) سبب اختيار هذه المسألة للدراسة: اخترت هذه المسألة للدراسة لأمرين: أولهما: إن الأصوليين لم يحرروا مذهب الباقلاني، بل نسبوا له ما لم يقل به. وسنذكر حقيقة مذهبه كما هو في كتابنا هذا، ونبين ما نسبه له الأصوليون في كتبهم عند بيان الأقوال في المسألة. ثانيهما: أن هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية اللغوية، التي لها فروع فقهية كثيرة جدًا. وهذا المسألة لأهميتها اشتهرت عند الأصوليين باسم "المسألة الشافعية" كما ذكر ذلك ابن السبكي في رفع الحاجب. وستظهر أهميتها عند ذكر بعض ما يتفرع عليها من فروع في نهاية المسألة. تحرير محل النزاع: عنوان الآمدي في الإحكام لها بما يلي: "اختلف العلماء في اللفظ الواحد، من متكلم واحد، في وقت واحد، إذا كان مشتركًا بين معنيين - كالقرء للطهر والحيض - أو حقيقة في

стр. 134

أحدهما، مجازًا في الآخر - كالنكاح المطلق على العقد والوطء - ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معًا، أو لا؟ ". ذكرت ما عنون به الآمدي للمسألة، لأن في القيود التي ذكرها تحرير جزئي لمحل النزاع في المسألة. وسأبين ما خرج عن محل النزاع بالقيود التي ذكرها. أضيف قيودًا أخرى لكي يتحرر محل النزاع في المسألة فأقول: احترز "باللفظ الواحد" عن اللفظين، فإنه يصح أن يراد بهما معنيين إجماعًا. واحترز بقوله: "من متكلم واحد" عن المتكلمين، لأنه يجوز أن يريد أحدهما باللفظ المشترك أحد المعنيين، ويريد الآخر المعنى الآخر إجماعًا. واحترز بقوله: "في وقت واحد" عن إطلاق المتكلم الواحد اللفظ المشترك لمعنيين في وقتين، فإن ذلك جائز إجماعًا. فنقول مثلًا: رأيت عينًا، ويريد الباصرة. وفي وقت آخر يقول: رأيت عينًا، ويريد الجارية. وقال: "إذا كانت مشتركة بين معنيين، أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، لأن الكلام في المسألتين واحد، عند جمهور المتكلمين فيهما. ويلحق بالحقيقة والمجاز ما له معنيان أحدهما صريح والآخر كناية، مثل قولهم: "كثير الرماد". والجمهور على أن الكناية من المجاز خلافًا ومجازان، وقام الدليل على عدم إرادة الحقيقة، فهل يحمل على مجازيه؟ واحترز بقوله: "ولم تكن الفائدة فيهما واحدة" عن اطلاق اللفظ المتواطئ، كالأسود يطلق على الزنجي والقار، فهو يفيد فائدة واحدة، وهي القدر المشترك بينهما، وهذا متفق على أن يدل على معنييه - الزنجي والقار.

стр. 135

بهذا تبين أنه خرج من محل النزاع: اللفظين، واللفظ الواحد إذا كان من متكلمين أو كان من متكلم واحد ولكن في وقتين، واللفظ المتواطئ لأن الفائدة من إطلاقه على معنييه واحدة. واشترط القائلون بحمل اللفظ على معنييه أو معانيه أن يكون الجمع بين المعنيين ممكنًا، فخرج بذلك ما كان معنياه ضدين، كاستعمال صيغة "إفعل" في الطلب والتهديد، فإنه لا يمكن الجمع بينهما، ولا الحمل عليهما. وكذلك يخرج النقيضان، كإطلاق لفظة (عسعس) على الإقبال والإدبار، ولم ينقل عن أحد القول بالجواز في حالة كونهما ضدين أو نقضين إلا عن أبي الحسن الأشعري، كما ذكره الزركشي في البحر المحيط نقلًا عن صاحب الكبريت الأحمر، واستغربت هذا النقل، ونقل الإجماع على المنع في حالة الضدين والنقيضين عن الأستاذ أبي منصور. وبهذا تحرر محل النزاع في المسألة، وظهر أنه فيما إذا كان الجمع بين معنيي المشترك ممكنًا بالإضافة لكون الإطلاق في آن واحد، من متكلم واحد، بلفظ واحد. المقصود بالأقسام الثلاثة الداخلة في المسألة: الأول: اللفظ المشترك: عرفه فخر الدين الرازي في المحصول بأنه: "اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا أولًا من حيث هما كذلك".

стр. 136

فخرج بقوله: "الموضوع لحقيقتين مختلفتين" الأسماء المفردة الموضوعة لحقيقة واحدة. وخرج بقوله: "وضعا أولًا" ما يدل على معنيين أحدهما حقيقي والآخر مجازي. وخرج بقوله: "من حيث هما كذلك" اللفظ المتواطئ، فإنه يتناول الماهيات المختلفة، ولكن لا من حيث إنها مختلفة، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد. وقوع المشترك في لغة العرب وطرق معرفته: المشترك واقع في لغة العرب والقرآن والسنة على الصحيح. ومنه لفظ "القرء" للطهر والحيض، "وعسعس" للإدبار والإقبال. "والصريم" لليل المظلم وللصبح. ويعرف كون اللفظ مشتركًا بطرق ثلاث هي: ١ - يثبت بإحدى طرق إثبات كون المعنى حقيقي على المعنيين أو المعاني كلها، كأن تكون جميع المعاني تبادرها للذهن على حد سواء. ٢ - بسماع أهل اللغة التصريح بالاشتراك في كتبهم اللغوية والمعاجم. ٣ - الاستدلال بحسن الاستفهام، لأن الاستفهام يحسن عند تردد الذهن بين معنيين.

стр. 137

الثاني: ما له معنى حقيقي ومعنى مجازي: والمعنى الحقيقي: هو المعنى المستفاد في أصل وضع اللغة. وأما المعنى المجازي: هو المعنى المستفاد من نقل اللفظ إلى معنى آخر، لوجود علاقة بين المعنيين، وقرينة صارفه عن إرادة المعنى المراد في أصل وضع اللغة، وذلك مثل استعمال لفظة "اللمس" في مس البشرة للبشرة على سبيل الحقيقة، وفي الجماع على سبيل التجوز، وكذلك استعمال كلمة "الأب" في الوالد على سبيل الحقيقة وفي الجد على سبيل المجاز. ويلحق بالحقيقة والمجاز الصريح والكناية، لأن جماهير أهل اللغة على أن الكناية من المجاز خلافًا لفخر الدين الرازي على ما ذكره صاحب الطراز مثل قولهم: "كثير الرماد" فمعناه الصريح أنه كثير الرماد المتخلف من إحراق الحطب. ومعناه المستفاد من الكناية هو كونه كريم. وعند جماهير أهل اللغة إن المعنى الحقيقي والصريح راجح على المعنى المجازي والكناية إذا تجرد عن القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي والصريح. الثالث: وهو وجود لفظ له معنى حقيقي قامت الدلالة على أنه غير مراد، وله مجازان أو عدة مجازات متساوية فهل يحمل على جميع مجازاته المتساوية إذا كان ممكنًا الجمع بينهما؟. ويمثلون لهذه الصورة بلفظ "الشراء" في قول القائل "لا أشترى" فلها معنى حقيقي، وهو نفي الشراء عن نفسه. فإذا قامت قرينة على عدم إرادته يكون المراد أحد معنييه المجازيين الذين هما: السوم وشراء الوكيل. والنزاع في كون اللفظ يحمل عليهما معًا أولًا".

стр. 138

الأقوال في المسألة: ١ - ذهب الشافعي وأبو علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد إلى جواز أني يراد باللفظ جميع ما يتناوله إذا تجرد عن القرينة، فيكون إطلاقه على معنييه على سبيل الحقيقة. نسب هذا القول للثلاثة الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام، ونسبه أبو الحسن في المعتمد للجبائي وعبد الجبار، ونسبه إمام الحرمين في البرهان لجماهير الفقهاء ونسبه الزركشي في البحر المحيط للشافعي ولأبي علي ابن أبي هريرة. واختاره أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وشرحها والتبصرة، وابن النجار في شرح الكوكب، ونسبه لأكثر أصحابه ونسبه السمرقندي في الميزان لعامة أهل الحديث، واختاره الإسنوي في التمهيد، ونسبه الجصاص لأبي يوسف ومحمد بن الحسن. ونسب الرازي في المحصول والآمدي في الأحكام وابن الحاجب في المنتهى والإسنوي في نهاية السول وغيرهم إلى الباقلاني هذا القول، وهو مخالف لما هو في كتابه هذا حيث قال في كتابه هذا ص ٤٢٢: "فإن قيل: فهل يجب حمل الكلمة الواحدة - التي يصح أن يراد بها معنى واحد، ويصح أن يراد بها معنيان - على أحدهما أو عليهما بظاهرها أم بدليل يقترن بها؟ قيل: بل بدليل يقترن بها لموضع احتمالها للقصد بها تارة إليهما، وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتمل من القول، وليس بموضوع في الأصل لأحد محتملية" وبهذا يظهر أن قول الباقلاني مطابق للقول الثالث وهو قول إمام الحرمين. وقد نقل الزركشي في البحر المحيط

стр. 139

اضطرابًا شديدًا فيما نسبه العلماء للباقلاني وسيأتي أن إمام الحرمين نقل عن الباقلاني التفريق بين المشترك? فإيجاز حمله على معنييه? ولكنه لم يجز حمل اللفظ على حقيقتة ومجازة? وما هو هنا لا يوافق هذا النقل? إلا أن يكون للباقلاني كلام في كتاب آخر يغاير هذا. ٢ - ذهب لمنع حمله على معنييه أبو هاشم الجباني وأبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري على ما في المعتمد لأبي حسين البصري. ونسبة الرازي في المحصول لأبي حسين البصري ونسبته ليست صحيحةً. واختاره ونصره ابن الصباغ على ما في البحر المحيط. ونسبةً الجصاص لأبي حنيفةً. ونسبة الباقلاني في كتابه هذا لجماعة من أصحاب أبي حنيفة. واختاره أبو الخطاب في التمهيد. ونقله ابن النجار في شرح الكوكب عن ابن القيم في كتابه جلاء الافهام? وعزاء للاكثرين. واختاره الجصاص ووصف حمله على معنييه بالاستحالة ونسبة الأمدي لأبي هاشم وأبي عبد الله البصري. وذكر أبو الحسين أن أبا عبد الله اشترط أربعة شروط. وهي التي سبق أن ذكرتها عند تحرير محل النزاع? فهي شروط متفق عليها عند الجميع وليست خاصة بأبي عبد الله البصري. ٣ - يجوز أن يحمل على معنييه إذا وجدت قرينة? ولا يحمل على معنييه إذا تجرد عن القرائن? وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في البرهان? وبه قال ابن الحجاج في المنتهى? وابن السبكي في جامع الجوامع? والقرافي في شرح تنقيح الفصول. وعلى هذا يكون إطلاقه على معنييه مجازًا? فلا يحمل إلا بقرينةً. وهو علامة المجاز.

стр. 140

٤ - يجوز الحمل على معنييه في الجمع والمثنى كلفة "الاقراء" دون لفظ "القرء" نقله الزركشي في البحر المحيط عن بعض الشافعية اعتمادًا على حكاية الماوردي ذلك عنهم? وهذا القول بناء على جواز تثنية المشترك وجمعه? ونقل هذا التفريق ابن النجار في شرح الكوكب المنير. ٥ - يحمل اللفظ المشترك على حقائقه مطلقًا? ولا يحمل على حقيقته ومجازه جميعًا. نسبة امام الحرمين في البرهان لجماعة منهم الباقلاني حيث قال: ((وعظم نكير القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا. وعلل ذلك بأن الجمع بين الحقيقة والمجاز جمع بين النقيضين)). وقد تقدم ما وجدته في التقريب? وهو مخالف لهذا النقل عن الباقلاني? ولعل ما ذكره إمام الحرمين موجود في كتبه الاخرى أو في هذا الكتاب في موضع آخر لم يبلغ تحقيقنا إليه. وبهذا القول قال أبويعلي في العدة ١/ ١٨٨. ولكنه ذهب لجواز الحمل بدون تفريق ففي موضع أخر من كتابه العدة وهو: ٢/ ٧٠٣. ٦ - لا يجوز في وضع اللغة استعماله في معنييه على الجمع? ولكن يجوز أن يريد به المتكلم المعنيين. وبهذا قال أبو الحسين في المعتمد والغزالي في المستصفي والرازي في المحصول. ومال لاختياره السمرقندي في الميزان ولم يصرح به. ٧ - ذهب الهمام بن الكمال في التحرير على ما في التقرير والتحبير إلى أنه يحمل على معنييه لغةً إذا كان اللفظ مثنى أو مجمع? مثل قولهم: ((القلم أحد اللسانين? والخال أحد الأبوين)). ويحمل على معنييه إن كان مفردا عقلًا لا لغةً.

стр. 141

وهذا القول يشارك القول السادس فيما إذا كان اللفظ المشترك مفردًا. ٨ - ذهب قوم الى التفريق بين النفي والإثبات. فقالوا: يحمل اللفظ المشترك على معانيه في النفي دون الإثبات? وذلك لأن النكرة في سياق النفي تعم. ومثلوه بأنه لو حلف لا يكلم مواليه يتناول الاعلى والأسفل. ٩ - الوقف الأمدي في الأحكام ولكنه لم يصرح بالوقف? بل ناقش أدلة الفريقين? وترك المسألة بدون ترجيح واختار حمله على معنييه في منتهى السول. الاستدلال: سأجمل الاستدلال بحيث أذكر أدلة المانعين عمومًا? ثم استدل لمجوزي حمل المشترك على معنييه عمومًا. وبعد الانتهاء من الاستدلال للفريقين? أذكر معتمد كل قول من الأقوال الفرعية - بإذن الله - وسأبدأ بذكر أدلة المانعين. أدلة المانعين: احتج أبو عبد الله البصري بدليل عقلي? وهو أن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظ في حقيقته ومجازة معًا? كما يتعذر تعظيم زيد والاستخفاف به في أن واحد. ويجاب على ذلك بجوابين:

стр. 142

الأول: لا نسلم بحكم الأصل. فإنه لا يمتنع تعظيم زيد والاستخفاف به في حال واحد. الثاني: سلمنا جدلًا بحكم الأصل? ولكن يوجد فرق بين الأصل والفرع? فالقياس باطل? فتعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد يختلف عن حمل اللفظ المشترك على معنييه. أو اللفظ على حقيقته ومجازة? فالمتكلم يجوز أن يريد المعنى الحقيقي والمعنى المجازي بخطابين في وقت واحد? فالتعظيم بنبئ عن ارتفاع حال المعظم? والاستخفاف به ينبئ عن أتضاع حالةً? ومحال أن يكون الإنسان في حال واحدةً مرتفع الحال متضع الحال? وليس ذلك إرادة الاعتداد بالحيض ثم نحن لا نقول بالحمل إلا فيما يمكن فيه الجمع بين المعنيين. واحتج أبو عبد الله البصري -أيضًا- بهذا القول بأن المتكلم لو استعمل الكلمة الواحدةً في حقيقتها ومجازها في آن واحد لكان قد أراد استعمالها فيما وضعت له? وأراد العدول بها عما وضعت له في آن واحد? وذلك متنافي. كما يستحيل إرادة الاقتصار على الشيء والمجاوزة عنه إلى غيره. ويجاب عن ذلك أن المتكلم إذا استعمل لفظة ((النكاح)) في العقد وفي الوطء? فإنه يكون أراد بها الوطء? وأراد بها العقد? فلا يوجد في فعله هذا عدول? بل يكون استعمالها في معنييها? فإن قصد أبو عبد الله انه أراد أن لا يستعملها فيما وضعت له فليس صحيحًا. فإن قال: هذا لازم على حملكم لها على معنييها.

стр. 143

يجاب عنه: بأنه لا يلزم? لأننا نقول يراد بها المعنى الحقيقي? والمعنى المجازي. المستعمل للكلمةً فيما هي مجاز فيه لابد أن يضمر فيها كاف التشبيه? وأما المستعمل لها فيما هي حقيقةً فيه فلا يضمر كاف التشبيه فيها. ومحال أن يضمر الشيء ولا يضمره. ويجاب على ذلك: بأن المتكلم لو قال: ((رأيت أسباع)) وأراد أنه رأى أسدًا ورجالًا شجعانًا? فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه في بعضهم دون البعض? لأن معنى إضمار الكاف هو أن يقصد باسم الأسد ما هو كالأسد. استدل أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في كتابه ((الفصول)) بأن الصحابة لما اختلف في المراد من قوله تعلى: ((أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) أن كل من أثبت أحد المعنيين نفي المعنى الأخر أن يكون مرادًا. فعلي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ قالا: المراد الجماع? وكان عندها أن اللمس باليد غير مراد. وذهب ابن عمرو وعبد الله بن مسعود ﵄ إلى أن المراد بالآية اللمس باليد دون الجماع. فكانا لآجل ذلك لا يريان أن للجنب أن يتيمم. فحصل من ذلك اتفاقهم على انتفاء إرادة المعنيين جميعًا بلفظ واحد. وهذا يدل على أنهم كانوا لا يجيزون إرادة المعنيين بلفظ واحد.

стр. 144

ويمكن أن يجاب عن دليل الجصاص هذا بأننا لا نسلم أن كل من أثبت أحد المعنيين نفي المعنى الآخر أن يكون مرادًا. بل يوجد من الصحابة من حمل اللمس على المس باليد? ومع هذا أباح التيمم للجنب. مما يدل على أنه حمله على معنييه, والذين نقل عنهم من الصحابة أنه لا يرى للجنب أن يتيمم هو: عمر بن الخطاب? وعبد الله بن مسعود? وذكر الضحاك أن ابن مسعود رجع عن قوله هذا على ما في مصنف ابن أبي شيبة. ونقل قوله ورجوعه ابن قدامة في المغني أيضًا. واستدل لهذا القول من جهة اللغةً أبو الحسين في المعتمد بقوله: لا يجوز أن يراد بالكلمة الواحدةً المعنيين المختلفين سواء كانا حقيقتين أو حقيقة ومجازًا. فمثلًا: وضع أهل اللغة كلمة ((حمار)) للبهيمةً وحدها حقيقةً? والبليد وحد مجازًا? ولم يستعملوه فيهما معًا. ولو قال: ((رأيت حمارين)) لم يعقل منه أنه رأى بهيمتين ورجلين بليدين وكذلك في الحقيقتين مثل: القرء للحيض والطهر. فقد وضعته أهل اللغة للحيض وحده? وللطهر وحده? ولم يضعوه لهما معًا. لأنهم لو وضعوه لهما معًا? لكان استعماله في أحدهما مجازًا. وللزم - أيضًا - وضعهم لهما معًا? أن يفهم من لفظةً ((قرءان)) طهرين وحيضتين? ولا يمكن أن يكون مرادًا من قوله: اعتدي بقرء أن تعتد بالطهر والحيض معًا. وأجيب: لا نسلم بأنه إذا لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله في المجموع? بل وضعه لكل واحد من المعنيين كاف في الاستعمال في المجموع مجازًا.

стр. 145

ويمكن تقرير الجواب على وجه آخر: الوضع لكل واحد من معنييه كاف لاستعماله في الجميع? ويكون ذلك استعمالًا له فيما وضع له? لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ? ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع. ٦ - ذكر الباقلاني في كتابه الذي بين يديك أنهم استدلوا لمذهبهم بأنه لو جاز حمل اللفظ على معنييه لجاز أن يراد بالقول ((أفعل)) الإباحةً والزجر والإيجاب والندب. وكذلك لو جاز الحمل على معنييه لجاز أن يريد بقوله: ((اقتلوا المشركين)) المشركين والمؤمنين? وبقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) الناس والبهائم. وأجاب الباقلاني عن ذلك: بأننا لا نقول بحمل اللفظ على معنييه إلا إذا لم يمتنع الجمع بين المعنيين? وفي جميع الأمثلة التي ذكرتموها يمتنع الجمع للتضاد الموجود. كما أن لفظ ((الناس)) لا يجري على البهائم? وكذلك لفظ ((المشركين)) لا يجري على المؤمنين في حقيقة ولا مجاز. أدلة المجوزين لاستعماله في معنييه: ١ - وقوعه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ والصلاة من الله ((الرحمة أو المغفرة بالاتفاق? ومن الملائكة ((الاستغفار)). وهما معنيان متغايران? واستعملت لفظةً الصلاةً فيهما دفعةً واحدةً? وذلك بإسنادها الى الله تعالى وإلى الملائكة. وإنما عدت إلى الصلاة بحرف ((على)) ولم تعد باللام لمعنى التعطف والتحنن.
следующие страницы →