Полный текст (1 232 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
أما مناظراته في بلاد الروم فمواضيعها كما يلي:
١ - قصة الإفك. حاولوا فيها التشنيع على الرسول ﷺ ، وألزمهم فيها بما نسب لمريم ابنة عمران. وقد ذكرتها في مبحث صفاته كدليل على فطنته وحدة ذكائه.
٢ - سؤال البطريك الأعظم عن أهله وولده، لإلزامهم بنفي الولد عن الله، وقد ذكرتها في مبحث صفاته _أيضاً- كدليل على فطنته.
٣ - انشقاق القمر ومحاولة تكذيبهم لهذه الآية. وقد ألزمهم بالقول بها بنزول المائدة وبرؤية الكسوف في موضع دون موضع.
٤ - قول النصارى في عيسى ﵇ إنه ابن الله اعتماداً على إحيائه الموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص. وبين لهم أنه عبد الله ورسوله، وأن ما ظهر على يديه هو بفعل الله .
٥ - قولهم باتحاد اللاهوت بالناسوت.
أما مناظراته في مجالس عضد الدولة وغيرها في دولة بني بويه فلا حصر لها، ونذكر منها:
١ - قصته مع ابن العلم المعتزل لما وصف القاضي ﵀ بأنه شيطان .. ذكرتها في مبحث صفاته، دليلاً على فطنته وسرعة بديهته.
٢ - التكليف بما لا يطاق. حدثت مع الأحدب رئيس المعتزلة البغداديين، وبرفقته عدد كبير من معتزلة البصرة منهم: أبو إسحاق النصيبي. وانتهت المناظرة بميل الملك القاضي الباقلاني.
٣ - مسألة الرؤية: أي رؤية الله يوم القيامة، التي ينكرها المعتزلة، وكانت بحضرة عضد الدولة ومعه أبو إسحاق النصيبي.
стр. 72
٤ - التنجيم: وكانت مع أبي سليمان المنطقي، وبحضور وزير عضد الدولة وابن الصوفي، قبيل سفر القاضي إلى بلاد الروم. وانتهت بانقطاع أبي سليم المنطقي.
٥ - الاجتهاد: حدثت مع شيخه أبي عبدا لله بن مجاهد الطائي، وبقيت إلى الفجر، وظهر كلام القاضي الباقلاني على شيخه. وكانت في محضر حافل من العلماء بيت أبي الفضل التميمي الحنبلي.
٦ - ناظر أبا سعيد الهاروني، وهي التي تحداه فيها أن يعيد كلامه ويعفيه من الجواب ولم توضح المصادر موضوع المناظرة.
٧ - طلب مناظرة قاضي قضاة المعتزلة عبد الجبار بن أحمد. فأرسل له أحد تلاميذه، وهو أبو القاسم البستي.
هذا ما استطعت الإشارة إليه من مناظراته، والمناظرات تعتبر من أهم النشاط العلمي، الذي لا تقل فائدته عن المصنفات.
стр. 73
المبحث العاشر
مؤلفاته
لقد تنوعت مصنفات الباقلاني فشملت شتي أنواع العلوم اللغوية والدينية. وقد أحصي منها القاضي عياض في ترتيب المدارك ما يزيد على خمسين مصنفاً بين كبير وصغير تناولت أصول الدين الفقه وأصول التفسير والفقه واللغة والجدل والسيرة والتاريخ. والذي بلغني أنه طبع منها خمسة فقط هي:
١ - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، المشهور بالتمهيد.
ألفه للأمير صمام الدولة بن عضد الدولة لما دفع والده به إلى القاضي ليؤدبه، ويبين له فيه ما يعتقد أهل السنة، والرد على أهل البدع والأهواء، وغيرهم، وخاصة المعتزلة. وقد بين فيه القاضي فساد عقائد هذه الطوائف، وذكر بعض فضائل الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة، وقد طبع هذا الكتاب أربع - فيما أعلم-
إحداها بتحقيق محمد عبد الهادي أبوريده ومحمود محمد الخضري طبع سنة ١٩٤٧ م.
وثانيها بتحقيق الأب اليسوعي رتشارد يوسف مكارثي.
وثالثها بتحقيق عماد الدين أحمد. صدر سنة ١٩٨٧ م.
ورابعتها بتحقيق الشيخ محمد عبد لرازق حمزة، شيخ دار الحديث المكية.
стр. 74
قال سزكين في "تاريخ التراث العربي": له شرح بعنوان ((التسديد في شرح التمهيد)) للقاضي عبد الجليل بن أبي بكر الربعي.
٢ - الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به.
ذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمة إعجاز القرآن أن الكتاب المطبوع باسم الإنصاف هو كتاب ((رسالة الحرة)) وقطع بذلك، واعتمد فيما ذهب إليه على أمرين: الأول: قال الباقلاني في مقدمته: ((قد وقفت على ما التمسته الحرة الفاضلة الدينية)). الثاني: إن القاضي عياض جامع كتب الباقلاني لم يذكر كتاب الإنصاف في كتبه. وقد ورد باسم ((رسالة الحرة)) في الفصل، وفي كتاب ابن القيم)) اجتماع الجيوش الإسلامية. وطبع باسم الإنصاف مرتين: الأولي بتحقيق محمد زاهد الكوثري سنة ١٣٦٩ هـ. والثانية بتحقيق عماد الدين أحمد حيدر سنة ١٩٨٦ م، وموضوعه في أصول الدين.
٣ - إعجاز القرآن: وهو في بيان وجوه الإعجاز في القرآن، وخاصة بديع نظمه وبلاغته، وما يحتويه من الأمور الغيبية سواء ما سيحدث، أو ما حدث في العصور الغابرة، وفيه مقارنة بينه وبين بعض الشعر والخطب.
مع ذكر بعض مسائل علوم القرآن. وقد طبع في القاهرة على هامش كتاب الإتقان للسيوطي سنة ١٣١٥ هـ، وطبع مرة أخرى بتحقيق وتعليق السيد أحمد صقر سنة ١٩٥٤ م بالقاهرة.
٤ - كتاب الانتصار لصحة نقل القرآن والرد على من نحله الفساد بزيادة أو نقصان. طبع بتحقيق الدكتور محمد سلاما مذكورا سنة ١٩٧٣ م.
стр. 75
له مختصر بعنوان ((نكت الانتصار)) لأبي عبدا لله الصيرفي بترتيب عبد الجليل ابن أبي بكر الصابوني الربعي على ما في تاريخ التراث لسركين. نقل منه السيوطي في الإتقان في عدة مواضع وكذلك ابن حزم في الفصل.
٥ - كتاب البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر، طبع بتحقيق الأب اليسوعي رتشارد يوسف المكارتين سنة ١٩٥٨. وقد أحال عليه المصنف في كتابنا هذا. وذكره القاضي عياض باسم ((الكرامات)). وفيما يلي كتبه التي لم تطبع:
٦ - هداية المسترشدين والمقنع في معرفة أصول الدين.
ذكر سزكين في تاريخ التراث ١/ ٤/٥٠ أنه يوجد منه قسم في مكتبة الأزهر في ٢٤٨ ورقة، برقم ٢١ كلام. وذكر أنه يوجد له مختصر بعنوان ((تخليص الكفاية من كتاب الهداية)) لمحمد بن أبي الخطاب بن خليل الأشبيلي، وله نسخة في جامع القيروان. ووصفه القاضي عياض في ترتيب المدارك بأنه كبير الحجم، وذكره أبوا لمظفر الاسفرائيني في التبصرة في أصول الدين، وذكره الباقلاني في التمهيد.
٧ - كتاب نقض النقض على الهمذاني.
ذكره الاسفرائيني في التبصير، وأشار إليه ابن تيمية في كتاب النبوات. وذكر أن عبد الجليل بن أحمد قاضي قضاة المعتزلة صنف كتابا في نقض اللمع لأبي الحسن الأشعري. ورد عليه الباقلاني بكتاب سماه ((نقض اللمع)). وذكره القاضي عياض في مصنفاته، ووصف بأنه كبير.
стр. 76
٨ - كتاب النقض الكبير:
ذكره إمام الحرمين في الشامل على ما ذكره السيد أحمد صقر في مقدمة إعجاز القرآن فقال إمام الحرمين: ((قال أبو بكر الباقلاني في النقض الكبير: من زعم أن السين من بسم الله بعد الباء والميم بعد السين الواقعة بعد الباء لا أول له، فقد خرج عن المعقول)).
والمذكور في ترتيب المدارك ((كتاب نقض الفنون للحافظ))، ولا أعلم هل هما كتابان أم كتاب واحد؟ نرجو أن يكشف المستقبل جوابا لهذا السؤال.
٩ - كتاب الإبانة عن إبطال مذهب أهل الكفر والضلالة.
ذكره ابن تيمية في الفتاوى ٥/ ٩٨، والفتاوى الحموية ص ٦٧، والرسالة التسعينية ص ٤٢١، وكذلك تلميذه ابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهنمية ص ١٤٧، وابن العماد في شذرات الذهب: ٣/ ١٦٩ والقاضي عياض في ترتيب المدارك.
١٠ - كتاب كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجاحد والعناد.
ألفه قبل التمهيد، لأنه يحيل عليه، فقأ في ص ٣٤ ((وتقصينا طرفا من الكلام في الأبواب التي قدمنا ذكرها في كتاب ((كيفية الاستشهاد في الرد على أهل الجاحد والعناد)) بما نستغني به عن الترداد. وذكره القاضي عياض باسم كتاب ((الاستشهاد)).
١١ - كتاب أكفار المتولين وحكم الدار.
ذكره في التمهيد ص ٤٧٩ حيث قال: ((وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب أكفار المتولين وذكرنا ما روي في معارضتها)). وقد ذكره في كتابه التقريب والإرشاد هذا، وذكره في ترتيب المدارك باسم (الكفار
стр. 77
المتولين وحكم الدار)). وذكره البغدادي في الفرق بين الفرق ص ١٣٣، ونقل منه حوالي عشر صفحات في الطعن على النظام.
١٢ - كتاب التعديل والتحوير:
ذكره في ترتيب المدارك باسم ((التعديل والتجريح)) وهو تصحيف.
١٣ - كتاب شرح اللمع.
اللمع لأبي الحسن الأشعري شرحه الباقلاني أثناء إقامته بشيراز، وطبع الأصل بتحقيق د. حمود غرابة سنة ١٩٥٥ م، وترجمه للإنجليزية الأب مكارتي، على ذكره سزكين في تاريخ التراث العربي ١/ ٤/٣٨، وذكره القاضي عياض.
١٤ - كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار في الرد على الباطنية.
ذكره ابن السبكي في طبقاته ٤/ ١٩٢ بعنوان ((كشف أسرار الباطنية)) وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١١/ ٣٤٦ وأفاد منه ابن حزم في الفصل ٤/ ٢٢٢، وذكره القاضي عياض.
١٥ - كتاب مناقب الأئمة ونقض المطاعن عن سلف الأمة.
ذكره الباقلاني في التمهيد ص ٥٤٨، فقال: وقد بسطنا ذلك ضربا من البسط في كتاب مناقب الأئمة. قال سزكين: موجود منه الجزء الثاني في ٢٣٥ ورقة في الظاهرية برقم ٦٦ تاريخ. وذكره القاضي عياض.
١٦ - كتاب دقائق الكلام والرد على من خالف الحق من الأوائل ومنتحلي الإسلام.
وذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١١/ ٣٥٠ بعنوان: ((دقائق الحقائق)).
стр. 78
وذكره القاضي عياض باسم ((دقائق الكلام)).
١٧ - كتاب التبصرة.
ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ١١/ ٣٥٠، والقاضي عياض في ترتيب المدارك.
١٨ - كتاب الإمامة الكبيرة.
ذكره ابن حزم في الفصل ٤/ ٢٢٥، وذكره القاضي عياض باسم الأمانة الكبيرة.
١٩ - كتاب الإمامة الصغيرة. ذكره القاضي عياض باسم الأمانة الصغيرة.
٢٠ - كتاب إمامة بني العباس.
ذكره القاضي عياض.
٢١ - نصرة العباس وإمامة بنيه في المعجزات.
أورده القاضي عياض بلفظ نبيه. قال هو جواب أهل استيجاب.
٢٢ - كتاب على المتناسخين.
ذكره القاضي عياض.
٢٣ - كتاب الحدود في الرد على أبي طاهر محمد بن عبدا لله بن قاسم ذكره القاضي عياض.
٢٤ - كتاب على المعتزلة فيما اشتبه عليهم من تأويل القرآن. ذكره القاضي عياض.
стр. 79
٢٥ - كتاب المقدمات في أصول الديانات.
ذكره القاضي عياض.
٢٦ - تصرف العباد والفرق بين الخلق والاكتساب.
ذكره القاضي عياض.
٢٧ - كتاب البيان عن فرائض الدين وشرائع الإسلام، ووصف ما يلزم ممن جرت عليه الأقلام من معرفة الأحكام.
ذكره القاضي عياض.
٢٨ - كتاب رسالة الأمير.
ذكره القاضي عياض.
٢٩ - كتاب المسائل القسطنطينية.
ذكره القاضي عياض.
٣٠ - المجالسات المشهورة.
ذكره القاضي عياض.
٣١ - كتاب جواب أهل فلسطين.
ذكره القاضي عياض.
٣٢ - البغداديات.
ذكره القاضي عياض.
٣٣ - النيسابوريات.
ذكره القاضي عياض.
٣٤ - الجرجاني.
ذكره القاضي عياض.
стр. 80
٣٥ - مسائل سأل عنها ابن عبد المؤمنز
ذكره القاضي عياض.
٣٦ - الأصبهانيات.
ذكره القاضي عياض.
٣٧ - كتاب شرح أدب الجدل.
ذكره القاضي عياض.
٣٨ - كتاب في أن المعدوم ليس بشيء.
ذكره القاضي عياض.
٣٩ - كتاب فضل الجهاد.
ذكره القاضي عياض.
٤٠ - كتاب الدماء التي جرت بين الصحابة.
ذكره القاضي عياض.
٤١ - كتاب الأحكام والعلل.
نقل منه الزركشي في البحر المحيط ٥/ ١١١ باسم "الأخبار عن أحكام العلل". وقال هو مجلد لطيف. ذكره القاضي عياض.
٤٢ - كتاب أمالي اجماع أهل المدينة.
ذكره القاضي عياض.
٤٣ - كتاب مسائل من الأصول.
ذكره القاضي عياض.
٤٤ - كتاب الأصول الكبير. أو التقريب والإرشاد الكبير.
стр. 81
أحال عليه في كتابنا هذا باسم الأصول الكبير. ووصفه الاسفرائيني في كتابه التبصير في الدين ص ١١٩ أنه يبلغ عشرة آلاف ورقة. ذكره القاضي عياض بالاسمين. ويغلب على الظن أنهما كتاب واحد.
٤٥ - كتاب الأصول الأوسط. أو التقريب والإرشاد الأوسط.
أحال عليه في كتابنا هذا. ولم يذكره القاضي عياض، ولكن ذكر مختصر التقريب والإرشاد الأوسط. وقال لم أره. والذي يظهر لي أنهما كتاب واحد سمي بالاسمين. بدليل اشتراكهما في كلمة الأوسط. وكذلكن فإن القاضي عياض ذكره بالاسم الأول في الكتب التي رآها. وذكره بالاسم الثاني في الكتب التي لم يرها.
٤٦ - كتاب الأصول الصغير. أو التقريب والإرشاد الصغير.
ذكره القاضي الباقلاني في الكتب التي رآها بالاسم الأول، وفي الكتب التي لم يرها بالاسم الثاني. والذي يبدو لي أنهما كتا بواحد، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، بدليل أنه أحال على الكبير والأوسط في كتابه هذا، فإذن هذا الكتاب هو التقريب والإرشاد الصغير.
٤٧ - المقنع في أصول الفقه.
ذكره القاضي عياض بهذا الاسم.
وقد ذكر آخرون كتبًا أخرى أظن أنها من باب الاختلاف في التسمية فقط. وهذا القائمة الطويلة من الكتب، والتي بلغ عدد صفحات بعضها عشرة آلاف ورقة تدل على قدرة فائقة على التأليف والتصنيف، وعلى أن الله بارك للباقلاني في وقته، وقد ذكر أبو الفضل التميمي أن مصنفات الباقلاني سبعين ألف ورقة في الرد على الملحدين على ما في تبيين كذب المفتري ص ٢٢١.
стр. 82
المبحث الحادي عشر
وفاته
توفي الباقلاني ﵀ آخر يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة سنة ٤٠٣ هـ. ودفن يوم الأحد. وصلى عليه ابنه الحسن، الذي اخترمته المنية بعد أبيه. ودفن القاضي ﵀ في داره بنهر دابق في بغداد، ثم نقل بعد ذلك إلى مقبرة باب حرب، ودفن بجوار قبر الإمام أحمد بن جنبل ﵏ جميعًا، وقال القاضي عياض في ترتيب المدارك: وجدت عند غير الخطيب البغدادي أنه توفى سنة ٤٠٤ هـ، أيام بهاء الدولة، والخليفة القادر بالله. ن ولكنه جزم بخطئه. والتاريخ الذي اختاره القاضي عياض اعتمد فيه على الخطيب البغدادي في تاريخه.
ذكر القاضي عياض أن تلميذه أبا عمران الفاسي أثبت سماعه منه إملاء في رمضان من سنة ٤٠٢ هـ.
وذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن شيخ الحنابلة أبا الفضل التميمي الحنبلي المتوفي سنة ٤١٠ هـ حضر يوم وفاته العزاء حافيًا مع إخوته وأصحابه، وأمرن أن ينادى بين يدي جنازته: "هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين، هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردًا على الملحدين، وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة". وقد كان بين أبي الفضل والقاضي مخالطة ومؤانسة وإعجاب وتقدير، وذلك لما ذكره القاضي أبو الفضل بأنه اجتمع رأسه ورأس القاضي على مخدة واحدة سبع سنين".
стр. 83
وهكذا انتهت حياة القاضي الباقلاني بعد صراع متواصل مع المعتزلة وسائر الفرق والطوائف تارة بالتصنيف وأخرى بالمناظرات. تصدر المجالس شابا وكان له فيها القدح المعلى. وفارق هذه الدنيا شيخًا عن عمر يزيد على الستين بقليل. وخلف وراءه ما خلد ذكراه من هذا التراث الضخم، الذي يبهر المطلع على عناوينه والذي يتمنى كل طالب علم أن تظهر مصنفاته الكثيرة والعظيمة إلى حيز الوجود.
стр. 84
الباب الثاني
في
كتاب التقريب والإرشاد
وفيه مباحث
الأول: اسم الكتاب وصحة نسبته للباقلاني.
الثاني: مخطوطة الكتاب وصفتها.
الثالث: المصادر التي أفاد منها، والتي أفادت منه في شتى العلوم.
الرابع: مختصراته وشروحه.
الخامس: أهمية الكتاب ومدى حاجته إلى التحقيق والنشر.
السادس: دراسة مسألة "الألفاظ الشرعية".
السابع: دراسة مسألة "حمل اللفظ المشترك بين معنيين على معنيية".
الثامن: عملي في الكتاب.
стр. 85
المبحث الأول
اسم الكتاب وصحة نسبته للباقلاني
ختم ناسخ نسخة الكتاب التي بين يدي الجزء الأول بما يلي: "تم الجزء الأول من كتاب التقريب والإرشاد، ويتلوه في الجزء الثاني. باب: الكلام في حكم أفعال الرسول صلوات الله عليه وسلامه، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. وهو بخط يد العبد الفقير إلى رحمة الله الغني بالله محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا القدسي، رحم الله من دعا له بالمغفرة".
وكتب على الصفحة الأولى من المخطوطة: "الجزء الأول من التقريب والإرشاد" وكتب في موضع آخر من الصفحة الأولى بخط مخالف لخط الناسخ، ويبدو أنه من المفهرس للمكتبة: "التقريب والإرشاد في علم الكلام والأصول للحافظ محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا المقدسي. وهذه النسخة بخط مؤلفها كتبها بيده سنة ٥٤٨".
وأقول ما كتب في آخر المخطوط بنفس خط المخطوطة يعتمد عليه في تعيين الكتاب أكثر مما يدونه مصنفو المكتبات. لأن مصنف المكتبة ظن أنه لنفس الناسخ وفي الواقع والحقيقة هو لغير الناسخ.
والكتاب بهذا الاسم نسبه للباقلاني كل من ترجم للباقلاني أو أرخ لعلم أصول الفقه. والمصدر الأهم في معرفة مصنفات الباقلاني هو كتاب القاضي عياض المالكي "ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك". والقاضي عياض ﵀ يشاركه في المذهب، وقريب العهد به وفاةً، حيث توفي سنة ٥٤٤ هـ. وقد جمع القاضي عياض في كتابه هذا للقاضي الباقلاني ما ينوف على خمسين مصنفًا معظمها وجدها بخط
стр. 86
شيخه أبي علي الصدفي كما ذكر هو ذلك عند ذكر هذه الكتب. وقد ذكر القاضي عياض للباقلاني ثلاثة كتب تسمى بالتقريب والإرشاد أحدها الكبير والثاني الأوسط والثالث الصغير. وقد أحال الباقلاني في موضعين من الكتاب الذي أيدينا إلى الكبير والأوسط. مما يدل على أن الكتاب الذي بين أيدينا هو "التقريب والإرشاد الصغير".
كما يشهد إلى أن الكتاب الذي بين أيدينا هو الصغير لا الكبير ولا الأوسط أن أبا المظفر الاسفرائيني في كتابه التبصير في الدين ذكر أن كتابه الكبير يشتمل على عشرة آلاف ورقة. والذي بين أيدينا لا يزيد على ألف صفحة.
والكتب التي ترجمت للباقلاني نسبت عامتها له كتاب التقريب والإرشاد، ولكن الكتب التي نقلت أراء الباقلاني فتارة كانت تذكر قول الباقلاني بدون عزوه لأحد من كتبه، وتارة تعزوه إلى كتاب التقريب والإرشاد وتارة تعزوه لكتاب التقريب على عادة كثير من المصنفين في اختصار اسم الكتاب المعزو إليه لشهرته بين العلماء، وتارة كانت تعزو القول إلى "مختصر التقريب والإرشاد" للباقلاني، تعزوه إلى "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين. وسنبين هذا بالتفصيل في الفصل المخصص لمن استفاد من كتاب التقريب والإرشاد.
وزيادة في التوثق من صحة نسبة الكتاب لمؤلفه. قابلت الكتاب الذي بين أيدينا بمختصر التقريب لإمام الحرمين الذي عندي مصور له. فوجدت الكتابين يخرجان من مشكاة واحدة، وكثيرًا يكون التوافق في العبارة بالإضافة إلى المعنى.
стр. 87
وزيادة في التوثق اخترت مواضع من الكتب التي نقلت عبارات منه وخاصة الكتب التي كانت تنص على أن هذا لفظ القاضي في التقريب ككتاب الزركشي "البحر المحيط" الذي ذكر في مقدمة كتابه أن عنده نسخة من التقريب والإرشاد ولهذا كان ينقل منه مباشرة بدون واسطة.
وإليك بعض النماذج المنقولة منه ومعزوة إليه باسم التقريب والإرشاد:
١ - قال الزركشي في البحر المحيط: وبهذا الأخير صرح القاضي في التقريب فقال: "فإن قيل: ما تقولون لو ثبت أسماء شرعية هل تحمل على موجب اللغة أو الشرع؟ قلنا: يجب الوقف، لأنه يجوز أن يراد بها ما هو لها اللغة، ويجوز أن يراد ما هو في الشرع، ويجوز أن يريد الأمرين، فيجب لتجويز ذلك الوقف حتى يدل دليل على المراد"، وهذا النقل مطابق لما هو موجود في كتابنا هذا في الصفحة الخامسة والتسعين من المخطوطة.
٢ - قال الزركشي في البحر المحيط:
قال القاضي: واعتلوا لذلك بضرب من الجهل، وهو أنه لو توهم عدم الفعل لعدمت أحكامه بأسرها، فوجب أن تكون أحكامه هي هو".
وهذا مطابق لما هو في الصفحة الخامسة والأربعين من المخطوط من كتابنا هذا.
стр. 88
٣ - قال الزركشي في البحر المحيط:
"وهو الذي نص عليه القاضي في التقريب قال: ولا يحتاج إلى تكرارها والتكلم بها في وقتين، لعلم كل عاقل أنه يصح قصده من نفسه يقول: لا تنكح ما نكح أبوك، إلى نهيه عن العقد، وعن الوطء جميعًا".
وهذا موافق لما في الكتاب الذي بين أيدينا في الصفحة السابعة عشرة بعد المائة من المخطوط.
وقد وجدت عشرات المواضع متطابقة مع ما نقله الزركشي وعزاه إلى التقريب والإرشاد مما لا يدع مجالًا للشك أن الكتاب الذي بين أيدينا هو التقريب والإرشاد.
стр. 89
المبحث الثاني
مخطوطة الكتاب وصفتها
مخطوطة الكتاب محفوظة في مكتبة آصفية في سركار عالي بمدينة حيدرآباد الدكن برقم (٢٢٤٩) كلام قديم. ولا تزال هي النسخة الوحيدة التي نما إلى علمي وجودها، بالرغم من البحث المتواصل في فهارس المكتبات العامة والخاصة منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة. ولعل بإخراج الكتاب إلى النور ونشره أن تظهر له نسخ أخرى ممن هو مبتور الأول والآخر، ولا تعرف هويته.
والمخطوطة مكونة من جزئين. وصلني الجزء الأول منها، وعدد صفحاته ست وثلاثون وخمسماية صفحة. تتفاوت سطور صفحاته، فتتراوح ما بين تسعة عشر سطرًا وخمسة وعشرين سطرًا. وهي مكتوبة بخط نسخ جميل جدًا، وأكثر حروفها منقوطة، وبهامشها تصويبات وتعليقات مفيدة. بعضها إكمال لنقص وسقط وقع في المخطوط، يشير له بإشارة خاصة. وبعض العبارات توضيح للعبارة الموجودة في المتن، لأنها بنفس معنى المتن، لكن بأسلوب آخر. وكل هذا يؤكد أن ناسخها من طلاب العلم، بل من العلماء.
حالة المخطوط ممتازة خالية من النقص أو الطمس أو عبث الأرضة والرطوبة سوى سقط يسير جدًا في أولها يتعلق بتعريف الفقه لغة، وتداركت هذا النقص من كتاب "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين.
النسخة مكتوبة في سنة ٥٤٨ هـ بعد وفاة المنصف بمائة وخمس وأربعين سنة بخط الحافظ محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا القدسي. كما هو مدون في الصفحة الأخيرة من المخطوط. وأشار كاتبها إلى أن الجزء الثاني يبدأ بحكم أفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 90
وأما مصنف المكتبة فقد وهم وظن أن الكتاب لنفس الناسخ، فكتب على الصفحة الأولى: "التقريب والإرشاد في علم الكلام والأصول للحافظ محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا، وهذه النسخة بخط مؤلفها كتبها بيده" وهذا سبب عدم الاهتداء للكتاب هذه السنوات من عمر النهضة العلمية الحديثة.
وقد تابع بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي (٧٦٣) S,I مصنف المكتبة الآصفية. فنسب الكتاب لكاتبه محمد بن المظفر بن هبة الله بن سرايا القدسي. وتابع بروكلمان على هذا محمد رضا كحالة في كتابه معجم المؤلفين: ١٢/ ٣٨ حيث نسب كتاب التقريب والإرشاد إلى كاتبه المتقدم أيضًا.
стр. 91
المبحث الثالث
المصادر التي أفاد منها الباقلاني ،
والكتب التي استفادت منه
المصادر التي أفاد منها:
نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك عن علي بن محمد الحنائي قوله: "إن القاضي كان يهم أن يختصر ما يصنفه، فلا يقدر لسعة علمه وحفظه، وما صنف أحد كلامًا إلا احتاج أن يطالع كتب المخالفين غير أبي بكر، فإن جميع ما يذكره من حفظه".
ونقل عن الخطيب البغدادي أنه ذكر في تاريخه: "كان الباقلاني كل ليلة إذا صلى العشاء وقضى ورده، وضع الدواة بين يديه، وكتب خمسًا وثلاثين ورقة تصنيفًا من حفظه، فإذا صلى الفجر دفع إلى بعض أصحابه ما صنفه ليلته وأمر بقراءته عليه، وأملى عليه الزيادات فيه".
فعالم هذه حاله أصبح علمه ي صدره، ووهبه الله من دقة الفهم وقوة البيان ونبوع الاستنباط قلما يشير فيما يؤلفه إلى مصادر معلوماته، لأنها أصبحت محفوظة في صدره، لا يرجع عند تأليفه كتبه إلى تلك المصادر. فهي كالمادة الخام يصنعها ويصقلها وينقحها فيخرجها بكرًا.
ثم إن الباقلاني المتوفي سنة ٤٠٣ هـ. لم يتقدم عليه من فرسان فن أصول الفقه إلا اليسير. فبعد أول مدونٍ لعلم أصول الفقه - الشافعي ﵀ اقتصر طائفة ممن صنف في أصول الفقه إما على شرح الرسالة، أو
стр. 92
التأليف في مباحث في أصول الفقه، كما فعل عيسى بن أبان وابن سريج وأبو الحسن الكرخي. وأول من ألف كتابًا جمع فيه مباحث أصول الفقه - فيما أعلم - هو الجصاص أبو بكر أحمد بن على الرازي الحنفي في كتابه المسمى بالفصول. الذي ألفه مقدمة لكتابه أحكام القرآن. ويعتبر كتاب القاضي الباقلاني هذا هو الثاني الذي لم فيه شمل مباحث أصول الفقه. ولكنه كان أكمل وأشمل من كتاب الجصاص. وقد عاصره في التأليف قرينه قاضي قضاة المعتزلة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني الذي توفي بعد الباقلاني سنة ٤١٥ هـ، فكاد العلم أن يكتمل على يد قاضي قضاة المعتزلة. وقاضي الأشاعرة القاضي الباقلاني.
ولأجل ما تقدم، لا نجد ذكرًا لكتب المتقدمين، ولا لأسماء العلماء في كتابه هذا إلا نادرًا. فقد ذكر من الكتب كتاب "أحكام القرآن" للشافعي فيما انتهيت من تحقيقه، ولم أجد أنه أشار إلى غيره. وأما بالنسبة لمن سبقه من العلماء فقد أكثر من الإشادة لرأي القدرية، حتى لا تكاد مسألة تخلو منه، وقد ذكر بعض علمائهم بالاسم، منهم أبو الحسن الكرخي والثلجي وابن الجبائي. كما ذكر بعض الحنفية منهم عيسى بن أبان. كما ذكر من الطوائف الأخرى أبا شمر المرجئ.
وقد كان ﵀ يكثر من الإحالة على كتبه تارة بذكر اسمها مثل: إعجاز القرآن والكبير والأوسط في أصول الفقه، والفرق بين معجزات الرسل وكرامات الأولياء. وإكفار المأولين، وغيرها.
أما إحصاء أسماء الواردين في الكتاب من العلماء الذين نسبت لهم أقوال أصولية على وجه الدقة لا يكون إلا بعد الانتهاء من الكتاب كاملًا، وكذلك بالنسبة للكتب التي استفاد منها مباشرة.
стр. 93
الكتب التي استفادت منه:
الكتب التي استفادت منه لا تدخل تحت حصر، لأن كل من ألف كتابًا في أصول الفقه أو كتب العلوم الشرعية الأخرى، التي لها علاقة بمباحث أصول الفقه على طريقة المتكلمين، لابُد وأن يذكر آراء القاضي الباقلاني، سواء صرح باسم الكتاب الذي استقى منه آراء الباقلاني أو لم يصرح به.
ومن أهم من أفاد من كتاب الباقلاني "التقريب والإرشاد" هذا تلميذ الباقلاني - إمام الحرمين - الذي اختصر كتابه هذا وسماه "تلخيص التقريب" حيث أفاد منه في كتابه "البرهان" فيما يزيد على مائة وخمسين موضعًا. لم يذكر اسم الكتاب الذي بين أيدينا إلا مرتين فقط. وكان في عامتها ينقل رأي الباقلاني دون نسبته لكتاب باسمه، ولكن بتتبع هذه الآراء وجدتها موافقة لما في التقريب والإرشاد إلا نادرًا.
وقد تابع إمام الحرمين في نقل آراء الباقلاني، إما اعتمادًا على كتب الباقلاني مباشرة أو بواسطة كتب إمام الحرمين حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي، وسيف الدين الآمدي، وفخر الدين الرازي. وهؤلاء هم أساطين علم أصول الفقه على طريقة المتكلمين. وكل من جاء بعدهم من الأصوليين الذين صنفوا على طريقة المتكلمين كان عالة عليهم، ن وأفاد من مصنفاتهم، التي لا تخلو من آراء الباقلاني، فنقولها بواسطتهم أو بالاطلاع على كتب الباقلاني مباشرة.
والناظر إلى فهارس ما حقق منها، وزين بفهارس تنبؤ عن أسماء الكتب الواردة فيها، وعن أسماء العلماء الواردة في متن الكتاب يشعر بأهمية القاضي الباقلاني وآرائه الأصولية. وسأذكر نماذج للكتب التي استفادت منها اعتمادًا على فهارس ما حقق منها:
стр. 94
١ - البحر المحيط للزركشي:
ورد النقل عن الباقلاني فيه فيما يزيد على خمس ماية موضع في معظمها عزا النقل للباقلاني فقط، وفي بعضها عزاها للتقريب مقرونة باسم الباقلاني. وورد في بعضها العزو للتقريب بدون اقترانه بالباقلاني، وفي مواضع يسيره معزوًا للتقريب والإرشاد.
٢ - ذكره ابن النجار الحنبلي في كتابه "شرح الكوكب المنير" في ست مواضع باسم التقريب. ونقل عن الباقلاني بدون نسبة إلى كتاب محدد في خمس وستين موضعًا آخر.
٣ - ذكره كمال الدين بن أبي شريف المقدسي في حاشيته على الدرر اللوامع في تحرير جمع الجوامع في موضعين باسم التقريب والإرشاد، وفي أحد عشر موضعًا باسم التقريب ونسب للقاضي الباقلاني آراء بدون عزوها إلى كتاب في خمس وسبعين موضعًا.
٤ - ونسب الباجي في إحكام الفصول للباقلاني آراء في ستين موضعًا بدون نسبتها لكتاب معين. ولم يذكر الباقلاني مقرونًا بكتابه التقريب إلا في موضع واحد.
٥ - ونسب أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع للباقلاني أقوالًا في أربع وعشرين موضعًا لم يقرن باسمه اسم الكتاب الذي أخذ منه آراءه.
٦ - ذكره القاضي أبو يعلي بن الفراء الحنبلي - الذي عايشه فترة من الزمن - في كتابه العدة في ستة عشر موضعًا. لم يذكر فيها اسم كتابه التقريب إلا مرة واحدة. وقد وجدته استفاد منه في مواضع لم ينسبها إليه وخاصة في أول الكتاب.
٧ - ذكره الزركشي في كتابه سلاسل الذهب في ست وثلاثين موضعًا. قرنه مرة واحدة بالتقريب والإرشاد وأخرى بالتقريب فقط.
стр. 95
٨ - نقل عن الباقلاني الطوفي في شرح مختصر الروضة في سبع وثلاثين موضعًا، ولكنه لم يقرنه باسم كتابه الذي أخذ منه هذه الآراء.
٩ - ذكره الأصفهاني محمود بن عبد الرحمن في شرح المنهاج للبيضاوي في أربعين موضعًا لم يقرنه باسم كتابه الذي أخذ منه آراءه.
١٠ - أكثر من النقل عنه ابن السبكي في الإبهاج في شرح المنهاج. وكان غالبًا يقرن اسمه بالتقريب والإرشاد.
والقصد من ذكر هذه الكتب التمثيل والتدليل على انتشار آرائه والعناية بكتبه عمومًا والتقريب والإرشاد على وجه الخصوص. وبهذا يظهر مدى استفادة من جاء بعده بآرائه وكتبه."
стр. 96
المبحث الرابع
مختصرات الكتاب وشروحه
ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك للباقلاني ثمانية كتب في أصول الفقه. الذي يغلب على ظني أنها على وجه الحقيقة خمسة. ويكون قد كرر ثلاثة منها لتعدد تسميتها، وهو أنه ورد تسميتها تارة بكتاب الأصول الكبير، وكتابه الأوسط وكتابه الصغير، ووردت مرة أخرى باسم التقريب والإرشاد الكبير والأوسط والصغير. أما الكتابان الآخران لم يحدث فيهما تعدد الاسم وهما: المقنع في أصول الفقه وكتاب أمالي إجماع أهل المدينة.
والباقلاني ﵀ اشتهر عنه بسط العبارة في مؤلفاته، كما غلب عليه الاستطراد في نصب الحجج والبراهين بما لا تحتاج كتبه معه إلى شرح وتوضيح. وهذا شأن الباقلاني حتى في مناظراته، كما أورد ذلك عنه كل من ترجم له. فنقل القاضي عياض في ترتيب المدارك قول معاصريه فيه، فقال: "كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه فلا يقدر لسعة علمه وحفظه".
ويقول اليافعي في مرآة الجنان: "وكان ذا باع طويل في بسط العبارة مشهورًا بذلك حتى أنه جرى بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة يومًا، فأطال القاضي أبو بكر فيها الكلام ووسع في العبارة، وزاد في الإسهاب، وبالغ في الإيضاح والإطناب، ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت، لا غير، لم أطالبه بالجواب".
стр. 97
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: "وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورًا بذلك عند الجماعة".
وقد ذكر أبو المظفر الاسفرائيني في كتابه التبصير في الدين "إن كتاب الباقلاني الكبير في الأصول اشتمل على عشرة آلاف ورقة".
وبعد أن ألفه شعر القاضي الباقلاني لطول الكتاب أنه بحاجة إلى اختصار، فاختصره في الأوسط. ثم شعر ثانية أنه في حاجة إلى اختصار، فاختصره في الصغير - وهو الذي بين أيدينا - وهذا الكتاب ذكر ابن السبكي أنه كان عنده في أربع مجلدات. ومعظم من ينقل آراء الباقلاني ينقلها منه، ولذا كان أكثر تداولًا من الكبير والأوسط.
ولم يبلغني أن أحدًا شرح الكتاب الذي بين أيدينا، وذلك لأنه مبسوط العبارة مع أنه مختصر لكتابه الكبير. ولذا فإن كتابه الكبير يقوم مقام الشرح له، ولذا كان يحيل عليه وعلى الأوسط في كتابه الذي بين أيدينا. وحتى ولو قدر له أن شرح، فلا يتصور أن يكون في قيمة أصله، لأن خير من يشرح عبارة مؤلف من المؤلفات هو مؤلفه، لأنه أعلم بمقصوده.
والكتاب الذي بين أيدينا مع أنه مختصر لكتاب من قبل مؤلفه، فهو أيضًا أشد حاجة من الشرح إلى ربط أفكاره بعضها مع بعض، لأن طوله قد ينسي المتأخر المتقدم. كما أنه بحاجة إلى بيان مواضع الإحالات الكثيرة، التي كان يحيلها على كتبه الأخرى الأصولية وغيرها.
وشعر إمام الحرمين الجويني ﵀ أن الكتاب بحاجة إلى اختصار، ولذا قام بالمهمة فاختصره قبل أن يصنف كتابه "البرهان" الذي
стр. 98
استقلت فيه شخصيته العلمية، والذي أكثر فيه من مخالفة القاضي الباقلاني، وقد سمى إمام الحرمين المختصر ب "تلخيص التقريب".
وتلخيص التقريب عندي صورة لمخطوطته في ٢١٠ ورقات، كل ورقة فيها خمسة وعشرون سطرًا. وهي مكتوبة بخط دقيق. وفي هوامشها مقابلات. وبأولها تمزيق وسقط لعبث الأرضة بها في أكثر من عشرين ورقة من أولها. وسقط من وسطها ورقة كاملة لعلها من المصور. ويوجد للمخطوط صورة في قسم مخطوطات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم (١٨٧٢) والأصل موجود في جامع المظفر بتعز بالجمهورية اليمنية برقم (٣١٤).
وبمقابلة الكتاب الذي بين أيدينا بكتاب إمام الحرمين وجدت أنه اختصره إلى النصف تقريبًا. وقد كان في اختصاره له مقرًا لأقواله قلما يخالفه في رأي كسائر المبتدئين في متابعة من يشتغلون بكتبهم. وهذا كان هو شأن الغزالي مع إمام الحرمين، كان متابعًا له في كتابه المنخول. ولكن لما نضج فكره واستقلت شخصيته وألف المستصفى خالف إمام الحرمين في كثير من اختياراته.
وكثير ممن ينقل آراء الباقلاني من المتأخرين يعتمد في نقلها على "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين. وقد حدث خلط من بعض الأصوليين بين كتاب إمام الحرمين " التلخيص" وبين الكتاب الذي نحققه، لأن بعض الأصوليين يطلق على هذا الكتاب "مختصر التقريب" وبعضهم يقرن اسم الكتاب باسم المؤلف فيقرنه بإمام الحرمين، أو بالباقلاني، فيكون تمييزًا لأحدهما عن الآخر.
стр. 99
المبحث الخامس
أهمية الكتاب ، ومدى حاجته إلى التحقيق والنشر
ذهب جميع من أرخ لأصول الفقه خصوصًا وللتشريع عمومًا إلى أن أول من صنف في أصول الفقه هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، حيث وضع كتابه المسمى بالرسالة من أجل توحيد الصفوف وإنهاء الفرقة وإحلال الألفة بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي في المشرق بطلب من الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وقد أثمرت "الرسالة" فكانت هي البلسم الذي ضمد الجراح وشفا الصدور، فكانت هي المولود المبارك. ثم أردفها الشافعي ﵀ ببعض الكتب الأخرى في أصول الفقه كإبطال الاستحسان، واختلاف الحديث، وجماع العلم. وكل من جاء بعد الشافعي حاول أن يكمل المسيرة، ويتم ما بدأ به الشافعي إما بشرح وتوضيح ما احتوت عليه، أو التأليف في مباحث متفرقة في أصول الفقه، كما فعل عيسى بن أبان الحنفي حيث ألف حجية خبر الواحد، وحجية القياس. وبقي الأمر كذلك حتى وضع الجصاص أبو بكر أحمد بن علي الرازي كتابه الفصول مقدمة لكتابه أحكام القرآن، فجمع معظم مباحث أصول الفقه على طريقة الحنفية.
ويقول الزركشي في مقدمة البحر المحيط: "وجاء من بعد الشافعي فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا حتى جاء القاضيان، قاضي السنة أبو بكر بن الطيب وقاضي المعتزلة عبد الجبار بن أحمد، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الاجمال، ورفعا الأشكال". وقد ألف الأول عدة كتب كما تقدم في مصنفاته، وألف الثاني كتابه " العمد" وكتبًا أخرى. وكتاب
стр. 100
التقريب والإرشاد وكتاب العمد يعتبران أول كتابين جمعًا مسائل أصول الفقه وفوائده.
فكتاب الباقلاني الذي بين أيدينا يعتبر أول كتاب مستوعب لجميع مباحث أصول الفقه. ويمتاز عن كتاب القاضي عبد الجبار - العمد - بخلوه عن قواعد المعتزلة الأصولية، بل وجه الباقلاني همه فيه إلى إبطال قواعد المعتزلة التي لها علاقة بأصول الفقه كالقول بالتحسين والتقبيح العقليين، ووجوب الأصلح على الله، وخلق العباد أفعالهم وغيرها.
كما أن أهمية الكتاب تكمن - أيضًا- في كون كل من جاء بعد الباقلاني من المتكلمين كان عالة عليه، لابُد وأن يزين كتابه بذكر أقوال الباقلاني.
فالعثور على كتاب "التقريب والإرشاد" - في نظري - يعتبر حدثًا مهمًا بالنسبة للمختصصين في علوم الشريعة عمومًا وأصول الفقه خصوصًا.
ولكل ما تقدم فالحاجة ماسة جدًا لإخراج الكتاب من سجنه في ثوب قشيب بعد سجن دام ما يزيد على عشرة قرون. ولا أظن أن هناك كتابًا في هذا الفن أحق بالإخراج والظهور منه، لأن الكتاب يمثل مدرسة خاصة في آرائه. واعتمد عليه من جاء بعده أكثر مما اعتقد هو على غيره، فآراؤه تتسم بالابتكار إجمالًا.
وأما أهمية تحقيق الكتاب فهي نفسها التي تدعو لتحقيق أي كتاب آخر. ومنها: التأكد من صحة ما عزي إليه من أقوال في كتب المتأخرين عنه، وخاصة أن أكثر من ينقل أقواله كان ينقلها بالواسطة اعتمادًا على كتاب إمام الحرمين "تلخيص التقريب" أو البرهان، أو كتب من سبقهم عمومًا. وقد يعتري الناقل الغفلة أو الوهم فينسب للباقلاني ما لم يقله،
стр. 101
وفعلًا وجدت نماذج لذلك فعلى سبيل المثال نسب البعلي في القواعد والفوائد الأصولية وابن النجار في شرح الكوكب المنير إلى الباقلاني القول بالتفريق بين الفرض والواجب، وهو يقول في كتابه هذا: "فصل في أن الواجب هو الفرض".
ومنها: قد وجدت بعض الأقوال نقلت عن الباقلاني مبتورة مما توهم خلاف مراده. وبذلك لا يكون نقلها دقيقًا، وبتحقيق الكتاب ومقابلة ما فيه بالكتب التي أكثرت من النقل عنه يتضح ما بينه وما بين غيره من فوارق.
ومنها: حاجة الكتاب لربط مادته العلمية ببيان مواضع الإحالة في كتبه المطبوعة أو في المواضع المتقدمة في نفس كتابه هذا. حتى يسهل على الناظر فيه الوصول إلى ما يريد. وسأبين في الفصل الخاص بمنهج التحقيق ما قمت به ومدى فائدته.
стр. 102
المبحث السادس
الأسماء الشرعية
بين يدي هذه المبحث:
نظرًا لأن الحواشي في كثير من الأحيان تضيق عن كل ما يريد أن يقوله المحقق للكتاب. وقد يكون ضروريًا في بعض الأحيان استقصاء الكلام في بعض المسائل الواردة في الكتاب المحقق. لذا رأيت أن أقوم ببحث مسألتين من المسائل الواردة في الكتاب على وجه التفصيل والاستقصاء بقدر المستطاع من حيث جمع الأقوال، والاستطراد في الاستدلال لها، وبيان ثمرة النزاع فيها. أرجو أن يكون في ذلك نفع للناظر في الكتاب، وقد وقع اختياري على مسألتين، جعلت كل واحدة منهما في مبحث خاص. وسأبين في كل مسألة سبب وقوع اختياري عليها دون سائر المسائل، ولولا ما أخشاه من الإطالة لقمت ببحث أكثر من مسألتين. وكانت المسألة الأولى التي وقع اختياري عليها هي ما عنونت بها لهذا المبحث "الأسماء الشرعية".
سبب اختيار هذه المسألة:
الذي وجدته في معظم كتب أصول الفقه عدم الدقة في نسبة القول للباقلاني في هذه المسألة حتى من أقرب الناس للباقلاني وأكثرهم اشتغالًا بكتبه، مثل إمام الحرمين في البرهان فقد قال: "وقال آخرون: هي مقرة
стр. 103
على حقائق اللغات، لم تنقل ولم يزد في معناها، وهو اختيار القاضي أبي بكر ﵀". ثم قال: "واستمر القاضي على لجاج ظاهر". ثم قال: "وهو غير سديد، فإن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة، ومساق ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب".
وسيأتي عند ذكر الأقوال في المسألة وبيان حقيقة قول الباقلاني أن ما نقله عنه إمام الحرمين لم يكن دقيقًا. وقد تابع إمام الحرمين على هذا النقل جماعة باعتبار أنه أوثق مصدر لنقل أقواله في ظنهم. علمًا بأن الزركشي في البحر المحيط نقل الاتفاق على وجود زيادة في المعنى الشرعي عن المعنى اللغوي.
تعريف الأسماء الشرعية:
عرف أبو الحسين البصري في المعتمد الاسم الشرعي بأنه "ما استفيد بالشرع وضعه للمعنى".
وعرفها فخر الدين الرازي في المحصول بنفس تعريف أبي الحسين فقال: "هي اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى". وقال بعد ذكره التعريف: سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة، أو كانا معلومين، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو كان أحدهما مجهولًا والآخر معلومًا. فدخل في تعريف أبي الحسين الأقسام الأربعة المتقدمة. لكن القسم الرابع وهو ما كان المعنى معلومًا لأهل اللغة واللفظ غير معلوم - لا يعتبره الجمهور من الأسماء الشرعية. وتابع فخر الدين الرازي أبالحسين البصري في تعريفه، وبالتالي تابعه في اعتبار القسم الرابع من الأسماء الشرعية، كما تابع الرازي بعض الأصوليين على ذلك.
стр. 104
وذكر أبو الحسين البصري أن عبد الجبار بن أحمد اشترط في الاسم الشرعي شرطين هما: كون المعنى ثابتًا بالشرع. وكون وضع الاسم له بالشرع.
ومثل الصفي الهندي على ما في الإبهاج بشرح المنهاج الأقسام الأربعة الداخلة في تعريف أبي الحسين والرازي، فقال: مثال ما كانا مجهولين أوائل سور القرآن. ومثال ما كانا معلومين لأهل اللغة لفظة "الرحمن" في إطلاقها على الله سبحانه. ومثال ما كان اللفظ معلومًا لهم والمعنى غير معلوم هو لفظ "الصلاة والصوم". ومثال ما كان المعنى معلومًا لهم واللفظ غير معلوم كلفظة "الأب".
أما الفريق الآخر، وهم الذين يرون أن هذه الألفاظ كانت معروفة في اللغة، ولكن الشرع استعملها استعمالًا آخر، فقد أشعرت عباراتهم بذلك.
فعرفهما أبو يعلي في العدة بأن الاسم الشرعي: "هو الاسم المستعمل في الشريعة على غير ما كان عليه في موضوع اللغة".
وعرفها أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع بأنها "كون اللفظ في اللغة موضوعًا لمعنى وورد الشرع به في غيره".
فكل عرف الأسماء الشرعية بحسب حقيقتها عنده. فالمعتزلة ومن قال بقولهم - وهو أنها نقلت إلى معاني جديدة لا تشترط فيها علاقة بين المعنى التي كانت له في اللغة والمعنى الشرعي الجديد - عرفها بما عرفها به أبو الحسين.
стр. 105
ومن قال إنها نقلت من اللغة إلى الشرع، ولكن لوجود علاقة بين معناها اللغوي ومعناها الشرعي عرفها به أبو يعلي وأبو إسحاق الشيرازي.
فيما بينته في تعريف الألفاظ الشرعية ما يكفي لمعرفة المراد بها، ولكن نظرًا لأن المعتزلة قسموها إلى دينية وشرعية كان من المناسب بيان أصل هذا التقسيم وما يترتب عليه، وبيان سبب تفريق بعض الأصوليين بين الدينية والشرعية.
الأصل في تقسيم الأسماء الشرعية إلى دينية وشرعية هم المعتزلة. فقالت المعتزلة الأسماء الدينية ثلاثة: الإيمان والكفر والفسق. وهي عندهم مستعملة في الشرع في غير معناها اللغوي تمامًا. ولهذا أثبتوا المنزلة بين الإيمان والكفر وهي الفسق، وهي منزلة بين المنزلتين، فالفاسق ليس بمؤمن ولا كافر، فالمقصود بالدينية الاعتقادية أو ما يتعلق بأصول الدين.
وأما الشرعية عندهم فكما سبق بيان حقيقتها أنها أسماء لغوية نقلت في الشرع عن أصل وضعها اللغوي إلى أحكام شرعية كالصلاة والحج والزكاة والصيام. فالمقصود بالشرعية العملية.
ولكن الرازي في المحصول: نقل عن المعتزلة أنهم يقسمون الأسماء التي نقلها الشرع إلى أسماء أجريت على الأفعال كالصلاة والزكاة، وهي المسماة بالشرعية وإلى أسماء أجريت على الفاعلين كالمؤمن والفاسق، وهي المسماة بالدينية. وما نقله الرازي مخالف لما نقله غيره عنهم، وهو ليس بسديد، لأنه يلزم عليه دخول المصلي والمزكي لأنها من أسماء الفاعلين في الأسماء الدينية، ويلزم - أيضًا - دخول لفظ الإيمان والكفر والفسق في الشرعية، لأنها أفعال.
стр. 106
وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ في شرح اللمع أن هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال، وذلك أن عثمان بن عفان ﵁ لما قتل ظهرت البدع، وكثرت الشرور. فقال أهل الشام: نحن نطالب بدم عثمان، وقوم من أصحاب علي تبرؤا منه. وجرت بينهم من الحروب مالا يخفي. فجاءت المعتزلة بعدهم بقليل فقالوا: ننزلهم منزلة بين المنزلتين، فلا نسميهم كفارًا ولا مؤمنين، ونقول: هم فسقه، حتى أطلقوا هذا القول على عظماء الصحابة كطلحة والزبير، حتى قال كبراؤهم، مثل واصل بن عطاء: "لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أقبل حتى يكون معهما ثالث، لأن أحدهما فاسق". فقيل لهم: "إن الإيمان في اللغة، وقد نقل في الشرع إلى غيره، فجعل اسما لمن لم يرتكب شيئًا من المعاصي، فمن ارتكب شيئًا منها خرج من الإيمان ولم يبلغ الكفر".
تحرير محل النزاع في المسألة:
١) محل النزاع هو الأسماء الشرعية فقط دون الحرف والفعل.
قال الرازي في المحصول: الأقرب أنه لا يوجد الفعل الشرعي والحرف الشرعي، والدليل على ذلك الاستقراء، وكذلك فإن الفعل يكون شرعيًا بتعًا للمصدر، وليس لذاته.
٢) النزاع في الألفاظ التي وضعها المشرع لتدل على معاني جديدة بلا قرينة، فهي حقائق شريعة، مثل الصلاة والزكاة والصيام.
стр. 107
أما ما استعمله المتشرعة - الفقهاء والمتكلمون - من ألفاظ، كلفظ الإجماع ولحن الخطاب فتحمل على المعنى الشرعي فقط اتفاقًا، لأنها أصبحت حقائق عرفية، تعارف عليها أهل الشرع، فلا حاجة لهم فيها إلى قرينة.
٣) اتفق جميع أهل العلم على أن الأسماء الشرعية يستفاد منها في الشرع معنى زائدًا عن أصل وضع اللغة، وهذا صرح به الباقلاني.
واختلفوا في تلك الزيادة هل تجعل الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع، كما يقول المعتزلة، أو هي منقولة للشرع مع وجود علاقة بين المعنيين، أو هي مبقاة على الوضع اللغوي، وإنما تصرف الشرع في شروطها وأحكامها.
وتتميما للفائدة نقل الزركشي في البحر المحيط عن تعليقة القاضي حسين أن التصرف الذي حدث من الشرع في هذه الأسماء لا يعدو عن ثلاث حالات هي:
الأولى: ما زاد فيها من كل وجه، كالصلاة، فإنها في اللغة الدعاء، فأبقاها الشارع على معنى الدعاء، وزاد القراءة والركوع والسجود.
الثانية: ما نقص فيها من كل وجه كالحج، فإنه في اللغة القصد، وفي الشرع القصد إلى بيته الحرام.
الثالثة: ما نقص فيها من وجه وزاد من وجه، كالصوم، فإنه في اللغة الإمساك، وفي الشرع إمساك مخصوص مع شروط أخرى كالنية وغيرها.
стр. 108
وبهذا اتضح أن محل النزاع هو الأسماء الشرعية دون الحرف والفعل، وكذلك هو الألفاظ التي استعملها المشرع دون الألفاظ التي اصطلح عليها المتشرعة، وفي أن المعنى الزائد الذي دلت عليه هذه الأسماء هل يكون نقلًا للفظ نقلًا كليًا بدون علاقة، أو هو نقل مع علاقة بين المعنيين، أو لا يوجد نقل، بل هي مبقاة. وسيأتي مزيد تفصيل لذلك عند ذكر أقوال أهل العلم في محل النزاع بإذن الله.
الأقوال في المسألة:
١ - نقل أبو الحسين البصري في المعتمد عن قوم من المرجئة نفي جواز نقل الألفاظ، وقال: "وبعض عللهم تدل على أنهم أحالوا ذلك، وبعض عللهم الأخرى تدل على أنهم قبحوه". وكذلك فعل أبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد فقال: والكلام في هذه المسألة في فصلين: أحدهما: إنه يجوز نقل الأسماء، وكذلك فعل في الجزء الثاني من التمهيد.
ولكن الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام نقلا الاجماع على جواز النقل عقلًا وحصرًا الخلاف في الوقوع. ومن علم حجة على من لم يعلم. فما ذكره أبو الحسين - من وجود الخلاف في الجواز مع تسمية من قال بعدم الجواز، واستدل لهم - يُقدم على نفي الرازي والآمدي.
٢ - ذهب المعتزلة والخوارج وتابعهم على ذلك بعض الفقهاء إلى جواز نقل الألفاظ اللغوية إلى معاني شرعية نقلًا كليًا بدون أي علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. فهي معاني مبتكرة ابتكرها المشرع، يجوز أن لا يلاحظ فيها المعنى اللغوي، وإذا حدث أن وجدت علاقة بين المعنى اللغوي
стр. 109
والمعنى الشرعي فإنه اتفاق بطريق الصدفة ليس مقصودًا. فالأسماء الشرعية عندهم ليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها.
قال أبو الحسين في المعتمد: "ذهب شيوخنا والفقهاء إلى أن الاسم اللغوي يجوز أن ينقله الشرع إلى معنى آخر. ثم قال: ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم مبتدأ، وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة مستعمل في معنى له شبه بالمعنى الشرعي، بل نقل اسم لغوي إليه أولى":
ووافق المعتزلة في مذهبهم أبو الخطاب في التمهيد رأيًا استدلالًا. ونقله عن شيخه أبي يعلي. ولكن الموجود في العدة خلافه. ونقله عن أبي حنيفة. وما نقله أصحاب أبي حنيفة خلافه، والصحيح أن الذي قال بهذا القول هو الدبوسي والسرخسي والبزدوي، كما في فواتح الرحموت وأصول السرخسي وميزان الأصول.
٣ - ذهبت جماهير الأصوليين إلى أن الشرع تصرف في اللفظ اللغوي، كما تصرف أهل العرف في بعض الألفاظ بنقلها عن معناها الموضوعة له أصلًا، إما على سبيل قصر اللفظ على بعض معناه، كقصر لفظ الدابة على ذوات الأربع، أو على سبيل التجوز بإضافة الشيء إلى غير ما هو له كقولهم: الخمر محرمة، والمحرم شربها. وقالوا: وكذلك الألفاظ الشرعية خصصت لفظه الصلاة، واستعملت في دعاء مخصوص.
ولكن اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الواقع.
فبعضهم عبر عنه أنه نقل، ولكن ميزة عن قول المعتزلة بأنه ليس نقلًا مطلقًا، بل مع وجود علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، مثل فعل
стр. 110
أهل اللغة بالألفاظ العرفية. وبعضهم اضطرب مثل الشيخ أبي إسحاق الشيرازي فسماه في التبصرة نقلًا، وتردد في شرح اللمع.
وبعضهم أبي أن يسميه نقلًا. ي وحرروا مرادهم بدون وصفه بأنه نقل. وهذا القول كما هو ظاهر إنه مذهب وسط بين مذهب الباقلاني والمعتزلة. واتفق أصحاب هذا القول على أنها مجازات لغوية لعدم استعمال المشرع لها في معانيها اللغوية. وذهب بعضهم إلى أنها اشتهرت فأصبحت حقائق شرعية.
٤ - مذهب الباقلاني: قال في التقريب ص ٣٨٧ "إن الذي عليه أهل الحق وجميع سلف الأمة من الفقهاء وغيرهم أن الله لم ينقل شيئًا من الأسماء اللغوية إلى معان وأحكام شرعية، ولا خاطب الأمة إلا باللسان العربي ولا أجرى سائر الأسماء والتخاطب إلا على ما كان جاريًا عليه في وضع اللغة".
ولكنه في نقاشه للمعتزلة في ص ٣٩٥ قال: "الصلاة في اللغة هي الدعاء، ولكن أخذ علينا أن تكون دعاء على شروط ومعه نية وإحرام وركوع وسجود وقراءة وتشهد وجلوس، فالاسم في الشريعة لما كان صلاة في اللغة، وإن ضمت إليه شروط شرعية". وقال: "الحج في اللغة هو القصد، ولكنه في الشرع قصد إلى بيت مخصوص".
وبضم كلام الباقلاني إلى بعضه يظهر أنه يقول بوجود تغيير في استعمال اللفظ في الشرع عن استعماله في اللغة. ولكن مع هذا فإنه لا يقر بوجود ألفاظ تسمى بالشرعية، ولا يسلم بالنقل. ونقل كثير من الأصوليين عن الباقلاني موافق لما هو في التقريب.
следующие страницы →