Полный текст (1 232 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
فيه، وكذلك الأصل سقوط ضرب زيد أو حظره في كل حال. فإذا قال فإذا القيام بالأصل لا بدليل الخطاب، فبطل ما قالوه.
فصل: وقد اعتمدها في الاستدلال على ذلك باتفاق الكل من أهل اللغة والمعاني على أنه لابد للتقييد بالصفة الخاصة من فائدة. نحو قوله: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾ و"في سائمة الغنم زكاة"، ولا فائدة لذلك إلا وجوب الحكم فيما له الصفة وسقوطه عما ليس له.
فيقال لهم: هذا بعيد وباطل من وجوه:
أقربها: إنه غلط عظيم في الاستدلال، وذلك إنكم تتوصلون إلى العلم بمعنى الكلام في أصل الوضع الخاص من فائدته. وهذا عكس الواجب وقلبه، لأن العلم بفائدة الكلام تبع للعلم بما وضع له الخطاب. فإذا علم أنه موضوع لشيء وأمر من الأمور على أن ذلك الشيء هو فائدته وصار العلم بفائدته تبعا للعلم بما وضع له. وأنتم تجعلون العلم بفائدته طريقاً للعلم بما وضع له. وهذا قلب الواجب وتخليط ظاهر فيه.
والوجه الآخر: إنكم مخطئون في قولكم لا فائدة لتعليق الحكم بالصفة الخاصة إلا وجوب المخالفة في الحكم. فلم قلتم ذلك؟ وما الحجة عليه؟
فإن/ قالوا: لأننا لا نعلم لذلك فائدة سواه.
قيل لهم: ولم إذا لم تعلموا ذلك وجب القطع على أنه غير ثابت ولا معلوم لأجل أنكم يجب أن تعلموا كل معلوم وتعثروا بكل فائدة، فلا تجدون في ذلك متعلقاً.
стр. 1157
ويقال لهم: ما أنتم في هذه الدعوى عندنا إلا بمثابة من قال إنه لا فائدة لقوله: في الغنم زكاة، وفي أربعين شاة شاة، وتخصيص الغنم بتعليق الحكم عليها إلا الدلالة على الوجوب بإسقاط الزكاة عما عدا الغنم، لأنه لو لم يرد ذلك لقال في الماشية زكاة، لأنه اسم يعم الغنم وغيرها.
فإن مروا على ذلك أبطلوا قولهم، وإن أبوه وقالوا له فائدة غير ذلك.
قيل لهم: مثله في تعليق الحكم بالصفة الخاصة وإنما يلزم هذا من أبى دلالة تعليق للحكم بالاسم للعلم على المخالفة، ومن ركب ذلك فقد أبعد لما قدمناه من قبل.
ثم يقال لهم: لتعليق الحكم بالصفة الخاصة فوائد غير ما ظننتم، وهو أنه إذا قال في الغنم زكاة وجب بحق العموم عندكم وجوبها في المعلوفة والسائمة، وأغني ذلك عن قياس أحد الصنفين على الأخر والاجتهاد في طلب الحكم في شيء مما يقع عليه الاسم. وإذا قال في سائمة الغنم زكاة. أوجب النظر على أهل الاجتهاد في حكم المعلوفة، وهل يجب إلحاقها في الحكم بالسائمة لوجه يوجب ذلك. وهي هذا فرض صحيح وتعريض لثواب جزيل، ورفع للذين أتوا العلم درجات. وهو ساقط عند النص على وجوب الزكاة في جميعها.
وفائدة أخرى عظيمة، وهو أنه إذا كان مراده تعالى وجوب الزكاة في سائمة الغنم. فقال في السائمة زكاة فقطع النص على وجوبها فيها وجرى على كل مجتهد منع الزكاة فيها بضرب من القياس ووجوه الاجتهاد لأنه
стр. 1158
في منافاة حكم النص، وذلك دليل على بطلانه وفساده. ولو قال مكان ذلك غي الغنم زكاة، وهو يريد إيجابها في السائمة لا محالة لجان للمجتهد إخراج جميع ما فيه السوم عن وجوب الزكاة بضرب من القياس مع أنه مراد بالحكم لا محالة. فهذه فائدة - أيضا- واضحة لا إشكال فيها. فبطل ما ظنوه.
ولو لم يجمع لتعليق الحكم بالصفة الخاصة هاتين الفائدتين لم يخرج- أيضا-/ عن أن يكون له فائدة ثالثة، وهو أنه إذا قال في الغنم زكاة أوجبها في جميعها عندهم مع القول بالعموم- وجاز عندنا ذلك وجاز أن يريد السائمة دون المعلومة أو المعلوفة دون السائمة، ووجب الوقف والنظر عند أهل الوقف. وإذا قال في سائمة الغنم زكاة قطع الوقف فيما له هذه الصفة وعدل عن إيجابها في عموم الغنم، وكانت الفائدة في ذلك إيجابها في ذلك الصنف وتبقية الباقي على حكم العقل في سقوط وجوب الزكاة فيه وإذا كان ذلك كذلك بطل التعلق بذكر التخصيص من كل وجه.
فصل: واستدلوا - أيضاً- على وجوب القول بذلك بأن دليل الخطاب يجري مجرى لحنه ومفهومه. فإذا وجب القول بأحدهما وجب القول بالآخر وهذا باطل، لأننا قد اتفقنا من قبل أن مفهوم الخطاب جار مجرى نصفه، بل العلم به أسبق إلى القلوب من العلم بكثير من النصوص، وأن ذلك معلوم ضرورة من حكم المخاطب، فأغنى ذلك عن رده، وبينا أن تعليق الحكم بالوصف الخاص لا يدل على المخالفة يحال فبطل الجمع بين الأمرين.
فصل: واستدلوا - أيضاً- على ذلك بأن تعليق الحكم بالصفة الخاصة بمنزلة تعليق الحكم بالعلة، وكما يجب إثبات حكم ما فيه العلة وسقوطه عما ليس فيه. فكذلك حكم الصفة، وهذا باطل من وجوه:
стр. 1159
أحدهما: إن الأمر ض ذلك على حد سواء، غير أنه ليس فائدة علة الحكم ثبوت الحكم بثبوتها وسقوطه لفقدها أو إثبات ضد حكمها بما يخالفها من العلل، وإنما من حقها ثبوت الحكم بثبوتها متى وجدت. وكذلك تعليق الحكم بالصفة يوجب ثبوته بثبوتها، وقد يثبت حكمها بعلة تخالفها، لأن إثبات الحكم الواحد الشرعي بعلتين مختلفتين واجب صحيح على ما تبينه في أحكام العلل إن شاء الله. ولأجل هذا جاز إثبات وجوب القتل بالردة والقتل بالزنى مع الإحصان، ونجاسة العصير بكونه خمراً شديداً وبوقوع النجاسة فيه، وإن كان حلوا إلى غير ذلك. فهذا بأن يدل على صحه تساوى ماله الصفة الخاصة ض للحكم وما خالفه فيها أولى.
وشيء آخر: وهو أنه ليس فائدة تعليق للحكم بالعلة سقوطه/ عما يخالفها أو إثبات ضد حكمها بخلافها، وإنما فائدتها إذا قال حرمت السكر لحلاوته والخمر لشدته تعريفنا علة تحريم تلك العين، ولو لم نعرف علة تحريمها لم ندر لماذا حرمت. فأما أن تكون فائدتها زوال الحكم بزوالها عما عداها، فذلك باطل.
وكذلك فليس فائدتها وجوب وهى القياس عليها، وإنما يجب ذلك ويستفاد بالتعبد بالقياس لا بنصب علة للحكم. فبطل ما قالوه.
على أنه لو سلم أن فائدة العلة في حكم التعبد لحوق الحكم وسقوطه بانتقائها لكان إنما يجب ذلك من حكمها بتوقيف التعبد تعالى على وجوب
стр. 1160
العمل بالقياس، وإنما يجوز أن يقال يجب زوال الحكم عن هذه العين إذا زالت العلة إن لم يكن لتحريمها علة أخرى تقوم مقامها أو بدليل أوجب ذلك من حكم العلة، وليس مثل هذا التوقيف والدليل في إيجاب دلالة تعليق الحكم بالوصف الخاص على المخالفة، فبطل ما قالوه من كل وجه.
واستدلوا على ذلك بذكر آيات وسنن من الكتاب علقت الأحكام فيها بصفة خاصة وسقطت عند انتقائها وتتبعها يطول، ولا تعلق لهم في ذلك، لأن المخالفة في تلك الأحكام لم تجب بدليل الخطاب، وإنما وجب ذلك بأدلة قد نبهنا على كثير منها، فبطل ما قالوه. ولو كان ما قالوه دليلاً لكان وجودنا لأحكام كثيرة في الكتاب والسنة معلقة بصفات خاصة ومتناولة ما خالفها في الحكم دليل على ما قلناه.
فصل: القول في تعليق الحكم بالغاية هل يدل على المخالفة أم لا؟ اختلف الناس في ذلك.
فقال بعض منكري دليل الخطاب: إنه لا تدل عليه، كما لا يدل تعليقه بالصفة.
وقال بعضهم: بل هو دال على ذلك، وهو الأولي وبه نقول.
واحتج من قال بأنه لا يدل بأن ذلك غير مروي عن أهل اللغة، ولا ثابت بطريق نقطع به عنهم، فلا يجب القول به، وهذا لا تعلق فيه لما نذكره. وهو الدليل على ما أخبرنا، وهو أن أهل اللغة قد وقفونا على ما يقدم مقام نصهم.
стр. 1161
على أن ذكر الغاية بحتي وإلى وما يجري مجراهما يدل على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها.
وذلك أنهم متفقون على أن القول حتى يعطوا الجزية/، وحتى تنكح زوجاً غيره، وحتى يطهرن كلام غير تام ولا مستقل بنفسه.
وأنه لابد فيه من إضمار، وأن المضمر في الكلام الثاني هو المظهر في الأول المتقدم، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ وقوله ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ فتقديره والمتضمن فيه حتى تنكح زوجا غيره قتيل له وحتى يطهرن فاقربوهن. ولو لم يقدر هذا الكلام الإضمار في الكلام لصار قوله فلا تقربوهن لغواً، لا فائدة فيه اللهم إلا أن يقول: فلا تقربوهن حتى يطهرن، وحتى يتطهرن أو يقمن أو يصلين، ونحو ذلك، فيجعل حتى الأول إحدى الغايتين، والثاني غاية أخرى. ومتى لم يأت بغاية أخرى، ولم يضمر فتحل له. وحتى يطهرن فاقربوهن بطلت فائدة الكلام وخرج عن حد الاستعمال.
ولأجل هذا قبح استفهام قول من قال لا تعط زيداً شيئا حتى يقوم وإلى أن يقوم. وأن يقال له فأعطه إذا قام، لأن هذا مفهوم في الإضمار وتقدير الكلام، وبمنزلة قوله فإذا قام فأعطه، وإنما يضمر ويقدر ويحذف النطق لسبقه إلى فهم كل متكلم باللسان.
ويدل على ذلك - أيضا- أن الغاية نهاية الحكم، وكذلك غاية كل شيء نهايته والسبب الذي ينتهي إليه وينقطع عنده. فلو كان ما بعد الغاية مثل ما قبلها لخرجت بذلك عن أن تكون غاية لتساوي الحال قبلها وبعدها، فلهذا لم يحسن أن يقول القائل: اضرب المذنب حتى يتوب وهو يريد اضربه وإن تاب، لأنه إذا أراد ذلك - أيضاً- مع توبته لغا في كلامه وضربه لأنه لا فائدة لها، فثبت ما قلناه.
стр. 1162
ولأجل هذا بعينه قبح أن يقول القائل: لا أعطينك شيئاً حتى تقوم. فإذا قمت لم أعطك، لأنه يصير قوله لا أعطيك حتى تقوم كلاما لغواً لا معنى له، إذا كان لا يعطه إذا لم يقم وإذا قام، وهذا من توقيفهم معلوم، فوجب أن يكون ذلك بمنزلة قولهم ان تعليق الحكم بالغاية موضوع للدلالة على أن ما بعدها بخلاف ما قبلها. وقد كنا ربما نصرنا أنه لا يدل، وإن كان هذا هو الأولى الأصح عندنا.
فصل: فإن قال قائل: قد قلتم في غير موضع أن قوماً قالوا: إن تعليق الحكم بأنما يدل على نفي الحكم/ عن غير المذكور.
وإنما تدخل في الكلام محققة، فما الذي عندكم في ذلك؟
قيل: هي عندنا محتملة لأن يقصد تحقيق تعلق الحكم بالذكور وتأكيده فيه ويحتمل أن ترد لنفي الحكم عما عدا المذكور، لأنها قد تستعمل في الأمرين، وإن كان لا يبعد أن يقال ذلك، وإن جاز فإن ظاهر الكلام يقتضي تعلق الحكم بالذكور ونفيه عما عداه. ومنه قوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات، "وإنما الولاء لمن أعتق" ويمكن أن يكون إنما دخلت لتأكيد
стр. 1163
إثبات الحكم لمن علق عليه فقط دون نفيه عن غيره، ولذلك يحسن أن يقال: إنما الأعمال بالنيات، وبالألم وبالمشقة وأن يقول: إنما الولاء لمن اعتق ولمن وهب ومن صام وتصدق، ونحو ذلك، ولا يبعد أن يقال إن ظاهر تعليقه بإنما يدل على أن ما عدل المذكور بخلافه، وأنه قد عقل من قوله إنما الولاء لمن أعتق نفيه عمن لم يعتق، ومن قوله: إنما الأعمال بالنيات إن لم ينو فليس بعمل نافع، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ يعنى أنه وحده يستحق العبادة والوصف بالإلهية دون كل شيء سواه. ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ وظاهره أن غير العلماء لا يخشونه. وهذا ظاهر الإطلاق.
وقولهم ليس هذا ظاهره، لأنه يجوز أن يقوله ومن وهب وتصدق، فلو كان ظاهره نفي الحكم عمن عدا المذكور لم يجز إثباته لغيره ومساواته له فيه، فإنه غير قادح فيما قالوه، لأنه إنما يدل على نفي الحكم عن غيره إذا لم ينص على دخل بعض أغيارها وكلهم معه في الحكم المعلق عليه بإنما - فإذا جعل غيره كهو بطلت دلالة الكلام بما ضم إليه، ولو كان ما قالوه واجبا لبطل أن يكون قوله اقتلوا المشركين عاماً مستغرقاً لأنه يحسن أن يقول إلا زيد وفلان، فلو كان اللفظ موضوعاً للعموم لكان الاستثناء نقضاً له، فإذا لم يجب هذا لم يجب ما قالوه، لأنه إنما يدل بالتجريد له بالحكم من غير نص على مساواة للعين له، فزال القدح بهذا وثبت ما قلناه.
وقد يقول القائل/ لغيره إنما النبي محمد ﷺ تأكيداً لثبوت نبوته لا يقصد نفي كون ما عداه في سائر الناس نبياً، وإنما زيد عالم ولا نفي كون كل غير له عالما فزال ما قالوه.
стр. 1164
فإن قال قائل: فألا أجريتم لام التوكيد مجرى إنما حتى يدل قول القائل: إن العرب لتقري الضيف، وتحافظ على الجار، وتحمى الذمار، على أن ما عداهم لا يفعل ذلك.
قيل: لا يجب هذا باتفاق، لأنه إنما يفيد هذا القول إضافة هذه الأفعال إلى العرب، وليس في إضافة الفعل إلى فاعله وجوب نفي مثله عن غيره، ولذلك لم يعقل من قولهم إن زيدا لقائم، أن غيره ليس بقائم. وإنما معناه في ظاهر الاستعمال إثبات الفعل والصفة والحكم المذكور ونفيه عمن عداه. ولو قصد بقوله تعالي: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ إلى أن الجهال- أيضاً- يخشونه لأحال معنى الكلام، ولم يفد بذكر العلماء شيئاً، والله أعلم.
стр. 1165
باب
القول في أن تعليق الحكم بالشرط
يدل على نفيه عمن ليس له أم لا ؟
فقد اختلف - أيضاً- في ذلك.
فقال جمهور المنكرين لدليل الخطاب: إنه لا يدل على نفي الحكم عمن ليس فيه الشرط.
وقال بعض أهل العراق وابن سريج من أصحاب الشافعي إنه يدل انتقاء الحكم عمن انتفي عنه الشرط.
والذي نختار في ذلك إنه ليس بدليل على ذلك.
والذي يدل على هذا علمنا بأنه لا يمتنع ثبوت الحكم بشرطين مختلفين، ولذلك ما جاز أن يقول القائل إذا قام زيد فأكرمه وإذا تكلم، وإذا أكرمك، فإنما ساغ ذلك لأن نهاية ما في تعليق الحكم بالشرط جعله علامة على وجوب الحكم، وكونه علامة عليه لا يمنع من كون غيره علامة عليه، وأقصى
стр. 1166
حالاته - أيضاً - أن يكون بمثابة العلة الشرعية، وكون الشيء علة لا يمنع من كون غيره أيضاً علة، ولذلك جاز إثبات الحكم الواحد بعلتين مختلفتين. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
وقد زعم بعض من قال بذلك أن من حق الحكم المعلق بالشرط إذا ورد على وجه البيان أن يدل على نفي الحكم عما ليس هو فيه، وذلك نحو أن يقول: اقتلوا المشركين الحربيين والقتلة المغتالين، وفي خمس من الإبل السائمة زكاة، وأمثال هذا، ولا يدل إذا لم يرد كذلك وكان خطابه مفيدا.
وهذا- أيضاً- باطل لأنه لا فصل بين الأمرين، ولو ساغت هذه الدعوى لساغ قلبها وأن يقال: إذا ورد الحكم مبتدئاً ومعلقا بالشوط دل على المخالفة، وإن كان بياناً لمجمل لم يجب ذلك فيه وإلا فما الفرق بين أن يبتدئ فيقول في سائمة الغنم زكاة غير مبين به مجملاً تقدم، وبين أن يقول في الإبل إذا كانت سائمة زكاة/، وذلك ما لا يمكن الفصل فيه.
فإن قيل: فإذا جعلتم قوله في الغنم إذا كانت سائمة قدرها كذا زكاة هل تجعلون ذكر السوم بياناً؟
قيل: أجل، هو بيان لما تعبدنا به، وذلك لا يوجب نفي الحكم عما ليس سائمة، ولا يمنع أن يكون قوله السائمة بيان لما يجب الحكم فيه، وهو ما فيه السوم، وليس هو بيان لما لا يجب الحكم فيه. وقد يكون الشيء بيانا لشيء وحكما في شيء وإن لم يجب أن يكون بيانا لغيره، فيكون بيانا لحكم بعض ما اشتمل عليه الاسم.
فلا نجيز إذا كان ذلك كذلك أن يكون بيان ما فيه الحكم بياناً لغيره وهذا واضح في إبطال هذا القول.
وليس الشرط كالغية في هذا الباب لما بيناه من قبل، فلا يجب إذا كان
стр. 1167
ذلك كذلك أن يكون قوله احكم بالمال للمدعي إذا كانت له بينة. واحكم بالشهادة إذا كانت عادلة، واحكم بالمال إذا شهد به شاهدان، فإن شهد به شاهدان دالاً على أنه لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين والإقرار، ولا أن يقال إن ذلك زيادة على حكم النص موجبة لنسخه، لأن الحكم بالشاهد واليمين والإقرار ليس بمزيل لوجوب الحكم بالشاهدين، والرجل والمرأتين، وسنقول في تقصي ذلك في فصول القول في النسخ قولا بينا إن شاء الله، وبالله التوفيق، وبه تستعين.
стр. 1168
باب
الكلام فيما ثبت وجوبه في الشريعة من أحكام، وهناك لفظ يقتضي وجوبه، هل يجب القضاء بثبوته بذلك اللفظ وكونه مراداً به أم لا ؟
اعلموا - وفقكم الله - أن الآي والسنن التي قصد بها بيان إثبات الأحكام الشرعية على ثلاثة أضرب:
إما أن تكون مجملة محتملة، أو جارية على ما أريد بها على جهة المجاز أو نصوص ظاهرة وما يجري مجراها من للعموم عند مثبتيه، ومن لحن القول ومفهومه وفحواه، وقد بينا شرح هذه الجملة فيما سلف.
فإن كانت محتملة مجملة يجوز أن يراد بها إثبات ذلك الحكم، وأن لا يراد، لم يجب القضاء على أنه بها ثبت ذلك الحكم وأريد، لجواز أن يكون غير مراد به وثابتا بغيره، وذلك نحو قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ وقوله: (إلا بحقها) ونحوه، لأنه يجوز أن لا يكون ما ثبت من الجزية بإثباتها، بل
стр. 1169
يكون واجباً بغيرها ويجوز ثبوته بها، فالقطع على أنه مراد بها متعذر، وكذلك قوله: إلا بحقها/.
فإذا قيل في شيء معين إنه من حقها لم يجب القطع على ثبوته بتلك السنة لجواز أن يكون ثابتا بغيرها.
فإن قيل: إذا لم يكن في الشرع جزية سوى الثابت عليهم علم بالإجماع إنه هو المراد بتلك الجزية.
يقال: فإنما علم أنه مراد بها بدلالة الإجماع، ونحن لا نمنع ذلك، وإنما منعنا أن يعلم أنه مراد بها بنفسها مع كونها محتملة فثبت ما قلناه. وكذلك القول في كل حكم يصح أن يراد بمجمل من القول، ويصبح أن لا يراد به في إنه لا يجب القطع على أنه مراد به بنفس المجمل، من نحو قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ) و (أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ عند من رأى ذلك مجملا، وإن كنا لا نقول به.
وكذلك ما ثبت من الأحكام في تحليل أو تحريم، وهناك لفظ يجري عليه مجازاً واتساعاً، فإنه أبعد عن وجوب القطع بثبوته باللفظ الجاري عليه على طريق المجاز، لأنه إنما يعلم بدليل أنه مراد به وإلا بإطلاق اللفظ، فوجب حمله على ما وضع له حقيقة. وذلك نمو قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ لأنه قد زعم قوم أن اسم النكاح حقيقة للعقد دون الوطء.
стр. 1170
وقال آخرون: بل هو للوطء دون العقد، وإنما سمي العقد نكاحاً، لأنه وصلة وذريعة إليه، وأي الأمرين ثبت وجب أن لا يثبت الحكم من تحريم وطء من وطأه الأب، أو عقد من عقد عليه باللفظ الجاري على أحدهما مجازا، لأنه إنما يستعمل فيه بدليل غير مطلقه، فإن لجمع على انه مقصود مراد باللفظ الجاري عليه مجازا أصير إلى ذلك بدليل الإجماع وما يقوم مقامه لا بنفس اللفظ الجاري على الفعل مجازاً، لأنه يجوز أن يكون إنما أريد بلفظ غيره، وبما هو حقيقة له. وإن كان هذا اللفظ يجري عليه مجازاً واتساعاً.
وإن كان اللفظ يجري على شيئين أحدهما حقيقة، والآخر مجازا وجب أن يقال إن الحكم الذي يتناوله اللفظ حقيقة ثابت بنفس اللفظ إلا أن يمنع من ذلك دليل ويتفق على أنه ثبت في الأصل بلفظ آخر وورد هذا مؤكدا له.
فأما إذا لم يمنع منه دليل قضى على أنه ثابت به، لأجل ظاهر الحال، وما يجري عليه مجازا لا يجب القضاء على أنه ثابت باللفظ منه/ لجواز أن لا يكون ثبت به. فإن قام دليل من غير اللفظ على أنه ثابت به قضى به، لأجل ذلك الدليل لا بنفس اللفظ.
فأما الحكم الثابت وهناك نص وعموم ولحن بقوله يقتضيه فواجب القضاء علي م ثبت به إلا أن يمنع من ذلك دليل. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ و ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾ وأمثال ذلك من النصوصات والعمومات، ونحو
стр. 1171
قوله تعالى: (فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ) (ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) و"أدوا الخيط والمخيط" وأمثال هذا مما يجب إثباته بلحن القول وفحواه. فيجب تنزيل ذلك على ما رتبناه.
стр. 1172
باب
القول في ماهية البيان، ووجوهه، وتفصيل
ما يحتاج إلى بيان من قول وغيره، وما به
يقع البيان، وجواز تأخيره إلى وقت الحاجة
إليه، وغيه ذلك من فصول القول فيه
أما البيان فحقيقته أنه الدليل التوصل بصحيح النظر فيه إلى فعل العلم بما هو دليل عليه.
والدليل على ذلك أن البيان عند أهل اللغة هو ظهور الأمر وكشفه على وجه ينفصل عما ليس منه، ولذلك يقال: بان لي الأمر إذا انكشف، وأبان الرجل عن ضميره وما في نفسه إذا أظهره، وبان الهلال والفجر وإذا ظهرا واتضحا. وقال ﷺ : "ما بان من حي فهو ميت" يراد ما انفصل. ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي إظهار لما كلفوه. وقوله
стр. 1173
تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ أي ليصدع به ويظهر وقوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ أي ليظهرونه للناس.
ومنه قولهم ابنة وبين مرادك أي أظهره على وجه ينفصل به عما عداه. وإذا كان ذلك كذلك وجب أن نقول هذا معناه. وأن نحده بأنه "الدليل الذي يتوصل بالنظر فيه إلى فعل العلم الذي هو دليل عليه"، وإن كان البيان قولاً مظهراً لمعناه. فالنظر فيه إنما هو للعلم بالمواضعة على معناه، وأن كل ما سمعه من لا يعلم ما وضع لإفادته إذا لم يعرف المواضعة.
وقد بينا فيما سلف أن ما يعلم ضرورة لا يحتاج إلى بيان ودليل يتوصل به إلى معرفته/ وكل دليل على أمر من الأمور مظهر ومبين له من غيره من حيث كان النظر فيه طريق إلى العلم بما هو دليل عليه، وسواء كان الدليل المظهر المبين للمراد فعلا أو قولا أو إشارة وعقدا أو أي شيء كان.
وقد صار المعقول من دليل البيان في عرف الفقهاء والمتكلمين بيان معنى الكلام دون ما سواه من سائر ما يعلم بدليل.
فيجب على هذا الأصل أن يكون المبين هو الدال بما ينصبه من الأدلة على الأمر الذي يظهره الدليل.
وأن يكون للبيان قوله وما يقوم مقامه من الأدلة.
وأن يكون المبين له الحكم هو المدلول عليه بالقول وغيره.
وأن يكون المبين هو المدلول عليه من الأحكام العقلية والشرعية.
وأن يكون التبين هو العلم الواقع للمكلف بمدلول الدليل عند متأمله والعلم به.
стр. 1174
فصل: وليس من حق البيان أن لا يكون بيانا حتى يتبين به، أو حتى يتبين به كل من يصح أن ينظر فيه أو يسمعه إن كان قولا، وإنما من حقه أن يكون في نفسه على صفة ما إذا سمع وتأمل وعرفت المواضعة على معناه صح أن يعلم به ما هو بيان له، وقد تختلف أحوال الناس في سماعه وتأمله والنظر فيه.
فصل: وليس من حقه - أيضا - أن يكون بياناً لمجمل ومشكل من القول ومالا يستقل بنفسه، لأن العمومات والنصوص بيان لما وضعت له وكشف لمعناه. وإن لم تكن محتملة لبيان المراد بالجمل المحتمل ضرب من البيان، وإن كان منه ما ليس كذلك.
ولأجل هذا لم يصح قول من قال إن حد البيان "إنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى التجلي بأي وجه كان"، لأنه حد يخرج من البيان أكثره،
стр. 1175
ويوجب أن لا يكون البيان إلا بيان مجمل محتمل، وأن لا يكون العموم عند مثبتيه بيانا لما اشتمل عليه، وهذا باطل، لأن كل قول يكشف عن معنى ما وضع له، فهو بيان له، ولذلك صارت النصوص والعمومات ومفهوم الخطاب ودليله عند مثبتيه بياناً، وإن لم يكن بيان المحتمل من الكلام آخر هو بيان له.
فصل: فأما قول من حد البيان بانه العلم بالشيء فإنه باطل، لأن العلم به تبين له. وبيانه ما يمكن أن يتوصل به إلى معرفته، ولو كان العلم بالشيء بيانا له لكانت سائر العلوم الضرورية الواقعة عن درك الحاسة بيانا للمعلومات، ولكان المعلوم ضرورة يحتاج إلى بيان. وذلك باطل باتفاق.
ويدل على فساد ذلك إطباق الكل على أن الله سبحانه قد بين أحكام أصول دينه وفروعه للكافر والجاحد/ وإن لم يعلم ما بينه تعالى له. فلو كان البيان هو العلم المبين لكان من لم يعقل العلم بما كلف ضير مبين له. وهذا خلاف الإجماع.
ويدل على ذلك قولهم: بينت له الشيء فلم يتبين، ودللته عليه فلم يعلم، وذلك دليل على أن البيان غير التبيين.
ويدل عليه - أيضا- قولهم: بيان أبين من بيان، وأن مراتب البيان مختلفة في هذا الباب. وقد علم أن تعلق سائر العلوم للمعلومات تعلق متساوي غير مختلف، فوجب أن يكون للبيان غير التبيين.
стр. 1176
فإن قالوا: فيجب على ما أصلتم أن تكون الإدراكات التوصل بها إلى علم حقائق المدركات والفصل بين صفاتها دليلاً للمدركات على العلم بها.
قيل له: لا يجب ما قلته من وجهين:
أحدهما: أبدا قد شرطنا في الحد أنه الدليل الذي يتوصل بمعرفته وصحيح النظر فيه إلى فعل العلم بما هو دليل عليه، والادراكات لا نظر للمدرك فيها، ولا هي- أيضا - مما يتوصل بها إلى فعل العلم بالمدرك، لأن العلم به ضرورة مبتدأ من فعل الله دون المدرك فزال الاعتراض.
والوجه الآخر: إن الادراكات عندنا علم ضروري بالمدرك، وليست بطرق للعلوم، فسقط ما قاله المعترض.
ومما يدل على أن البيان معنى غير التبيين الذي هو العلم بالشيء قول أهل اللغة فيمن دل غيره على الشيء وبينه له هذا بيان منك لفلان. وعلى هذا قال الله سبحانه ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ فقد علم أن القرآن ليس بعلم لأحد، وأن المبين لغيره بالقول وما يقدم مقامه ليس بعلم لمن بين له، فبطل ما قالوه.
وقد تكلمنا على ما قاله الشافعي ﵀ من أن البيان اسم جامع لمعاني مجتمعة الأصول متشعبة الفروع. وأقل ما فيه أن يكون بيانا لمن يدل بلسانه في الكتاب الكبير بما يغني النظار فيه.
стр. 1177
باب
الكلام في تفصيل ما به يقع البيان
أما بيان العقليات المستنبطات فهو الدليل على كل شيء منها.
وأما بيان الشرعيات فإنه يحصل بالقول وما يقوم مقامه من الواسطة بين المتعبد جل ذكره، وبين المكلفين من عباده من العقل والكتابة والإشارة والإيماء والرمز وإقرار صاحب الشرع على الفعل على وجه يعمل به رضاه به وعدم إنكاره أو على ما قد بيناه من قبل.
ولا فرق بين أن يكون للبيان مبتدأ به، وبين أن يكون بياناً/ بالجمل ومحتمل متقدم لأنهما بيانان.
ومنه - أيضاً - البيان للأحكام بعللها المنصوص عليها والمستثارة بالنظر مع تعبده لنا بالقياس عليها والرد إليها، لأننا نعلم بالنص عليها والاستخراج لها وجوب ثبوت حكمها متى وجدت وأين وجدت كما يعلم ثبوت الحكم بالقول والفعل القائم مقامه.
ولا وجه لقول من قال: إن الصفات التي جعلت عللاً وعلامات على ثبوت أحكامها ليست ببيان، لأجل أن البيان ما أوصل إلى العلم والقطع على حكم ما هو بيان له. وليس هذه حال علل الأحكام، لأنها أمارات توصل إلى غلبة الظن دون العلم، لأننا وإن سلمنا أن البيان ما يوصل إلى العلم، ويتبين الشيء على ما هو به، فإننا نقول إن علة كل مجتهد ينصبها ويقيس عليها توصله إلى العلم بالحكم قطعاً، لأن الدليل قد قام بما نذكره في كتاب
стр. 1178
الاجتهاد على أن كل مجتهد مصيب، وأن الحق قطعاً في سائر الأقاويل يوجب أن تكون العلل بياناً.
وقد يجوز أن يقال إن للعلل والصفات المستشارة ليست ببيان، لأنه إنما يحصل عندها الظن لثبوت الحكم لما هي فيه لا العلم بذلك. ولكن الظن الحاصل عند استثارتها لكون للحكم متعلقاً بها هو البيان لثبوت الحكم، لأن به يعلم المجتهد وجوب الحكم قطعا بما يقلب على ظنه أنه حكم الله .
فأما من قال إن علل الأحكام توجب العلم والقطع على تعلق الحكم بها وأن الحق في واحد وأنه يقطع على خطأ مخالفه ومخطئ علة الحكم فقد زال عنه هذا الكلام، ووجب عليه جعل العلل بياناً.
فصل: وبيان أحكام الشرع مقصور على السمع دون أدلة العقل، وإن كان العلم بصحة السمع وما يودعه ويستخرج منه حاصل بالاعتبار العقلي غير أن علل الأحكام موضوعة بالسمع، ولولاه لم يعلم كونها عللاً وليست كالعقليات في هذا الباب. ونحن نشرح ذلك عند بلوغنا إلى القول في القياس وأحكام العلل إن شاء الله.
وجميع السمع الذي هو بيان الأحكام الكتاب والسنة على مراتبها التي قدمنا ذكرها، وأفعال الرسول ﷺ وإقراره الواقعين موقع أقواله، ثم إجماع الأمة، ثم ما استخرج من النطق سن الكتاب والسنة بطرق الاجتهاد.
стр. 1179
ومنه قياس علة، ومنه استدلال بشواهد الأصول، وما يجري مجرى ذلك، ويحل محل قياس العلة، ويسوغ الحكم للمجتهد به إذا رأى ذلك.
هذا جملة بيان الأحكام الشرعية.
стр. 1180
باب
ذكر وجه حاجة القول إلى بيان والفرق بينه وبين
مالا يحتاج منه إلى ذلك /.
وقد بينا فيما سلف أن الكلام على ثلاثة اضرب
فمنه النصوص وفحواها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها. وهذا الضرب لا يحتاج باتفاق إلى بيان لكونه مظهرا بنفسه لمعناه وما وضع له لإفادته. ومنه ضرب يستقبل من وجوه ولا يستقبل من وجه. وهذا الضرب يستغني عن البيان فيما هو مستقل بنفسه في إفادته. ومنه ضرب يستقبل من وجه ولا يستقبل من وجه. وهذا الضرب يستغني عن البيان فيما هو مستقل في إفادته ومحتاج إلى بيان فيما لا يستقل بنفسه في إفادته. وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ و ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ و ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لأنه لا يحتاج إلى بيان في أن فيه حقا وأن الجزية ضريبة وأتاوة, وأن القرؤ زمن معتاد بالحيض والطهر, ويحتاج إلى بيان فيما هو الحق وقدر الجزية وجنسها. وأي الزمانين من الأقراء وقع به الاعتداد. وهذا بين.
وكذلك القول في جميع الألفاظ والأسماء المشتركة بين أشياء مختلفة يجري على سائرها حقيقة في أنها غير محتاجة إلى بيان في كونها متناولة لجملة ما يقع عليه ومحتاجة إلى بيان في تفصيل ما أريد بها منه معينا وذلك
стр. 1181
نحو القول بيضة ولون وجارية وعين, وأمثال ذلك مما قدمنا ذكره.
والضرب الثالث: هو الذي لا يستقل بنفسه من وجه ما, وهو المجاز المستعمل في غير ما وضع لإفادته. فإذا أريد به مالم يوضع له احتاج إلى دليل وبيان يكشف غن قصد المتكلم به, اللهم إلا أن يكون مجازا قد غلب وظهر استعماله في الشيء الذي تجوز به فيه, وصار عرفا معهودا. وذلك نحو قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ﴾ وأمثاله مما غلب مجازه على حقيقته. وقد بينا هذا فيما سلف. وكشف ما ذكرناه الآن الفرق بين ما يحتاج إلى بيان أصلا وبين مالا يحتاج إليه من وجه, وبين ما يحتاج إليه في كشف المراد به من كل وجه.
فصل: ومن الجمل التي تحتاج إلى بيان قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ والسلطان هو الحجة, وحجة ولي المقتول غير معلومة عقلا, وإنما هي ما يجعله الشرع حجة له وقد يصح جعل حجته فعل قاتل وليه, ويصح جعلها أخذ ديته, أو غير ذلك مما يجوز العقل ورود السمع به. فإذا وصله بقوله تعالى: ﴿فَلا يُسْرِف فِّي القَتْلِ﴾ بين بذلك أن السلطان الذي جعله تعالى للولي قتل قاتل وليه بغير سرف?.
فصل: فأما قوله ﷺ :" لا يقتلن مؤمن بكافر" فليس بمجمل ولا
стр. 1182
محتاج إلى بيان على قول أهل العموم, لأنه عام في كل كافر من أهل الحرب والصلح وذي عهد ومن لا عهد له, وليس إثباته له بقوله" ولا ذو عهد في عهده" فوجب تخصيص قوله لا يقتلن مؤمن بكافر, حتى يحمل ذلك على أن لا يقتل بكافر حربي دون معاهد, لأنه لو قطع الكلام على قوله لا يقتلن مؤمن بكافر لتم وكان صحيحا عاما. وصلته به ولا ذو عهد في عهده استئناف حكم آخر, وهو النهي عن القتل للمعاهد في هده. فإذا نقض العهد زال النهي ورجع إلى حكم الأصل، فهو بمثابة أن يقول لا يقتل مؤمن بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده. وليس النهي عن ذي العهد من تخصص قوله: لا يقتلن مؤمن بكافر في شيء ويمكن أن يكون- أيضا- أراد بقوله ولا ذو عهد في عهد النهي عن قتل المؤمن بالكافر وقتل المعاهد بالكافر الحربي, فكأنه قال لا يقتل مؤمن بكافر ولا معاهد كافر بكافر حربي لا عهد له, ويصير بمنزلة قوله او قال: لا يقتلن مؤمن بكافر، ولا الرجل من الكفار بالمرأة.
وقوله: ولا يقتل الرجل من الكفار بالمرأة ليس بتخصيص لقوله لا يقتلن مؤمن بكافر- وقد تقصينا في الكتاب الكبير ذكر الآي التي ألحقت بالمجمل, وليست منه. وما أخرج منه وهو منه بما يغني عن الإطالة هاهنا, وبالله نستعين.
стр. 1183
باب
القول في حاجة الفعل إلى بيان
قد بينا فيما سلف أن القول الذي لا يستقل بنفسه في بيان ما قصد به محتاج إلى بيان, فإذا ثبت ذلك وجب حاجة فعل الرسول الذي به تبين الأحكام إلى بيان, هو قول يتقدمه أو يتعقبه, وما يقوم مقام القول من الأحوال التي يعلم بها أنه قاصد بالفعل إلى بيان.
وذلك نحو قوله ﷺ :" خذوا عني مناسككم" " وصلوا كما رأيتموني أصلي" ونحوه, لأنه قد يفعل القرب الشرعية لا على وجه البيان لأمته، لكونهم مشاركين له فيه, بل لكونه مخصوصا بالتعبد به. وكذلك فقد يقع الفعل على وجه القربة وغير القربة لا لبيان مجمل تقدم, بل لتعبده بذلك واختصاصه به. كذلك? فلا يجوز أن يعلم في الجملة أن قوله قربة قبل النظر في أنه بيان مبتدأ لأمته أو لجملة تقدمت بنفس الفعل الظاهر منه وحقيقته وحال يرجع إليه إلى صورته, لأننا قد بينا فيما سلف إنه لا يكون قربة لنفسه وجنسه وصورته, لأننا قد بينا فيما سلف إنه لا يكون قربة لنفسه وجنسه وصورته وبعض صفاته الراجعة إليه, وإنما يكون قربة إذا قصد به وجه الله سبحانه ويتقيد موجب الأمر به والطلب لثوابه. وذلك غير معلوم بصورة الفعل وجنسه, وما عليه من الصفات في ذاته, وسنزيده إيضاحا عند انتهائها إلى القول في أحكام أفعال ﷺ , فبان بذلك أن الفعل
стр. 1184
أحوج إلى البيان من القول الذي لا يستقل بنفسه في بيان ما أريد به. وليس لأحد أن يقول لا يجوز البيان للمجمل بالفعل, لأن من حق البيان أن لا يتأخر، والفعل والعلم بالقصد إليه يقع منفصلا من الخطاب, لأننا نتبين من بعد جواز تأخير البيان, ولو صح أيضا ما قاله لم يمتنع أن يكون من الأفعال ما يعقبه بتلاوة الخطاب, ويظهر معه ما يعلم به قصده إلى بيان المراد به، فلا يكون لذلك متأخرًا.
стр. 1185
باب
القول في منع تأخير بيان ما يحتاج
إلى بيان عن وقت الحاجة
لا خلاف بين الأمة في أن الشرع لم يرد بأمر يجب تقديمه وتمس الحاجة إلى تنفيذه مع تأخير بيانه. وهذا هو المعتمد في أنه لا يجوزك تأخير البيان عن وقت الحاجة
وقد اختلف في جواز تأخير بيانه من جهة العقل.
فقال جميع القدرية ومن قال بقولها في التعديل والتجوير والحسن والقبح إن ذلك محال في التكليف, وعبث وظلم غير جائز في صفحة الحكيم العليم تعالى, وأنه بمثابة التكليف للفعل مع عدم القدرة عليه والعجز عنه, وعدم محله والآلة في إيقاعه. وذلك ظلم قبيح عندهم. وقد بينا فساد مذهبهم هذا في غير موضع من الكلام في الأصول.
وأقر أهل الحق في ذلك. فمن قال من أصحابنا لا يجوز أن يكلف إلا من يصح منه فعل ما كلف أو تركه أحال ذلك, لا لأنه ظلم ولكن لإحالة فعله وتركه.
стр. 1186
وقال شيخنا أبو الحسن ﵁: إن ذلك جائز من جهة العقل, وعدل وصواب منه, غير أنه لم يرد به سمع.
стр. 1187
باب
القول في جواز تأخير بيان المجمل والعموم
لوثبت, وكل ما يحتاج إلى بيان إلى حين
وقت الحاجة إلى التنفيذ /
اختلف الناس في هذا الباب
فقال أهل الحق, وكل من خالف القدرية من الفقهاء بجواز تأخير بيان المجمل والعموم إلى وقت الحاجة, وعليه كثير من الفقهاء، وممن قال به من أصحاب الشافعي أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الأصطخري وابن أبي هريرة والطبري والقفال.
стр. 1188
وقالت المعتزلة ومن وافقها من الفقهاء بإحالة تأخير بيان العام إذا أريد به الخاص. وممن قال بهذا كثير من أصحاب أبي حنيفة, وعليه كثير من أصحاب الظاهر منهم ابن داود وغيره. ومن أصحاب الشافعي أبو إسحاق المررزي وأبو بكر الصيرفي, ومن قال بقولهما.
وفرق كثير منهم بين جواز تأخير البيان للمجمل الذي لا يستقل بنفسه في كشف المراد به, وبين تأخير بيان العام المستقل بنفسه في الاستغراق.
стр. 1189
قالوا لأنه لا يجب علينا اعتقاد أمر مخصوص في المجمل إلى حين ورود بيناه, ولفظ العموم موضوع للاستغراق, فإذا أريد به الخاص وآخر بيانه لزمنا اعتقاد العموم وخلاف ما أريد به, وذلك غير جائز.
وسوى كثير منهم بين الأمرين العام كقوله اقتلوا المشركين ونحوه, والمجمل كقوله: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ و ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ وأمثاله. وأهل الوقف يجعلون اللفظ المدعى للعموم مجملا في احتماله البعض والكل. ومن المجمل أيضا قوله: افعل عدا صلاة آمرك بقدرها وشروطها ووقتها (وآمرك) واقتل رجلا على صفات أبينها لك, وافعل من الحج والزكاة ما أوقفك عليه, ونحو ذلك، فليس تأخير البيان مقصورا على بيان المجمل الذي يذكرونه والعموم فقط, بل هو جائز في تأخير بيان كل ما يحتاج إلى بيان إذا كان موجبه على التراخي.
وحكي عن قوم من المتكلمين أنهم يجبرون تأخير بيان الأوامر والنواهي والواجب من مضمونها على التراخي في العام والمجمل, ويحيلون تأخير بيان المراد بالخبر العام الوارد على الوعد والوعيد. وفصلوا بين ذلك مما لعلنا أن نذكر من بعد هذه جملة الخلاف في هذا الباب.
стр. 1190
والذي يدل على صحة ما اخترناه من ذلك أنه لا يخلو تأخير بيان من ذكرناه من أن يكون جائزا أو محالا، فإذا بطلت إحالته وجب القول بجوازه. وقد ثبت أنه لو كان منه وجه من الإحالة لوجب أن يكون إلى العلم بذلك سبيل وطريق, وإذا ثبت أن طريق ما يدعون? إحالته من جهته باطل, ليس على ما يدعونه, بما نبينه من بعد ثبت جوازه, إذ لا منزلة بين الجواز والإحالة وقد علم أن محيله إنما يتعلق في إحالته بأن ذلك يوجب استعمال الخطاب على وجه يقبح, وأنه بمنزلة خطاب العربي بالعجمية, وبمثابة خطاب الميت بالجماد, ومن لا عقل له, ونحن نبين فساد ذلك من بعد, أو بأن ذلك يوجب أن يكون ورود الخطاب بمنزلة عدمه, أو بأنه يوجب الوقف في العموم مع ثبوت ذلك, أو بأنه يريد منا تعالى اعتقاد العموم وإن كان مخصوصا وذلك إيجاب للجهل وخلاف المراد, أو بأنه يوجب أن يدلنا على الشيء بما يدل على ضده ونقيضه. أو بأنه يوجب الإخلال بصحة أداء الفعل وقت الحاجة إلى إيقاعه, أو لأنه يقتضي جواز تأخير بلاغ الرسول مع الأمر له بتقديمه, أو بأنه يوجب صحة تأخيره الدهر الطويل مع حضور الحاجة إلى تنفيذه. وذلك باطل.
فأما إذا لم يرد تنفيذه وأمر (يلزم) الرسول تقديم البلاغ, فإنه جائز
стр. 1191
تأخيره. أو لأنه يوجب اعتقاد فعل اعتقاد لا فعل تعجل لا تعرف صفته, أو لأنه يوجب جواز قطع الكلام عن تمامه, والابتداء عن خبر, أو يوجب جواز تأخير الاستثناء عن المستثنى منه الدهر الأطول. هذا جملة ما يتوصلون به إلى إحالة تأخير البيان فإذا أفسدنا جميع ما يذكرونه من بعد ثبت جواز تأخيره لبطلان كل ما يتعلق به في إحالته.
ويجب إذا أريد الاستدلال بهذه الدلالة أن يقال إما أن يكون جائزا على ما نقول أو محال. وقد تعلق في إحالته بأمور كثيرة يطول تعتادها. فإن كنت أيها السائل تقول إنه يفسد سائرها شرحنا ذلك وتقصيناه.
وإن كنت إنما تحيله لوجه أو وجوه محصورة من ذلك فاذكره ليكون الكلام عليه. فإذا أفسدناه بالحجة, وفسد ما عداه باتفاقنا وإياك ثبت جوازه.
وإن قال السائل إنه لا مذهب لي في ذلك ولا علة, وإنما أنا واقف ومسترشد.
قيل له: إن جميع ما يمكن التعلق به في إحالته كذا وكذا ونذكر ما ذكرناه عنهم ونبين له فساد وجه وجه. فإذا فسد صح ما قلناه. وليس لأحد منهم أن يقول دلوا على صحة قولكم بجوازه بسيئ غير المفسد لإحالته, لأن ذلك تجبر? وتحكم, ولا وجه له إذا كان إبطال جميع ما يتوصل به إلى إحالته أحد الأدلة على صحته وجوازه. ونحن نكشف عن فساد جميع ما ذكروه في هذا الباب. فصح ذلك القول بجوازه.
دليل آخر: ومما يدل على جواز ذلك- أيضا- أن البيان إنما يحتاج إليه المكلف لإيقاع الفعل على وجه ما أمر بالتقرب به, كما أنه يحتاج إلى القدرة والآلة في إيقاعه لكونه مكلفا له, ولو لم يؤمر به لم يجب البيان له والإقدار
стр. 1192
عليه وإيجاد الآلة, ولذلك لا تجب هذه الأمور لمن ليس بمكلف للفعل, وإذا كان ذلك كذلك. وكان تأخير البيان إلى وقت الحاجة وإيراده قبل تلبس المكلفين بالفعل ووقت التضيق لجزء من الزمان لا يخل بصحة أدائه إذا قدم بيانه بهذا القدر, كما لا يخل بصحته تأخير القدرة عليه والآلة منه إلى وقت الحاجة وقد جاز باتفاق تأخير آلته وإقداره إلى وقت الحاجة وجب كون البيان بمثابته ولو ركب راكب إحالة تأخير ذلك أجمع إلى وقت الحاجة لأبطله, لأن تأخيره إلى وقتها لا يخل باتفاق بصحة الفعل وأدائه إذا قدم قبله بجزء من الوقت. وقد بينا إنه إنما يحتاج إلى ذلك أجمع لصحة أداء الفعل وحاجته إلى تنفيذه. فإذا لم يخل تأخيره إلى حين الحاجة بصحة التنفيذ بطل قوله, وصح ما قلناه.
فإن قال محصلوهم ما يحل ذلك, لأن تأخيره يخل بصحة الأداء وقت الحاجة. لكن لأن الخطاب به قبيح وبمنزلة الخطاب للعربي بالأعجمية، ولأنه يوجب اعتقاد عموم ما هو مخصوص أو ما لعله أن يكون مخصوصا فسنبين فساد ذلك عند ذكرنا استدلالهم به, فصح ما قلناه.
فصل: ومما يدل على ذلك- أيضا- إجماع الآمة على صحة النسخ وجواز تأخير بيان القول الموجب ظاهره, أو دليل وجوب تكراره بغير اللفظ لزوم الفعل في عموم الأزمان, واعتقاد? تجويز تركنا ظاهره ودليل تكراره
стр. 1193
ولزوم العبادة لنا ما دمنا أحياء سالمين, وجواز نسخه وورود البيان منه تعالى برفعه في بعض الأزمان، وبأن المراد كان به عندهم إلى ذلك الزمان وإن كان اللفظ العام ودليل التكرار لا ينبئ عن ذلك, بل عن نقيضه وضده لو تجرد عنه. وإذا كان كذلك ولم يوجب تأخير بيان اللفظ المقيض لعموم الأزمان شيئا من سائر ما قالوه في جواز تأخير بيان العموم في الأعيان بطل ما قالوه, وصح ما قلناه.
واعلموا أن هذه الدلالة غير مستمرة مع القول بأن النسخ إنما هو رفع ما ثبت حكمه وعلم استقراره. وهذا هو الذي نختاره, لأنه إذا ثبت وجوب دوام لزوم العبادة باللفظ العام- لو ثبت- وبدلالة التكرار فقد علم لزوم ذلك قطعا في جميع الأزمان فإذا ورد النسخ أزال ما كان ثبت حكمه وبدله, ولم يجز أن يقال تبين به أنه أريد التعبد بالقول إلى تلك المدة, لأن ذلك يدخله في التخصيص دون النسخ, وإنما تثبت هذه الدلالة على أصولهم, لأنهم يقولون أن ما ينسخ مما اقتضى لفظ العموم أو دليل التكرار دوامه تبين بنسخه إنه إنما أريد بإطلاق اللفظ العام العبادة إلى ذلك الوقت (وأن تأخير) وأن تأخر بيانها. وهذا نفس ما نقوله نحن في تأخير بيان العام لو ثبت. وكل شيء يتعلقون به في إحالة ذلك مبطل لجواز النسخ الذي يذهبون إليه، ولا محيص لهم عن ذلك.
ولسنا نحتاج إلى إعادة ذكر كل ما حكيناه عنهم في إحالة ذلك وكشف
стр. 1194
لزومه لهم, لأنه بين عند التأمل. وقد خلطوا في جواب هذه الدلالة أنواعا من التخاليط? عجيبة نحن نكشفها.
وقال فريق منهم الفرق بين جواز تأخير بيان الأزمان وتأخير بيان الأعيان أن تأخير النسخ الذي هو بيان الأزمان لا يخل بصحة أداء الفعل على مجه ما كلفناه إذا قدم بيانه قبل تضيقه, وتأخير بيان الأعيان يخل بأداء الفعل.
وإن قدم قبل وقت التضيق, وهذا ما لا يذهب فساده على ذي تحصيل لأنهما متساويات في عقل كل عاقل.
ويقال لقائل هذا لو قبلت هذه الدعوى فقيل تأخير بيان الأزمان مخل بالأداء. وليس كذلك تأخير بيان الأعيان. ما الذي كنت صانعا. ويقال له: قد بينا فيما سلف أن تأخير بيانه إلى حين الحاجة لا يخل بصحة أدائه. وأنه بمثابة تأخير القدرة والآلة، وكل ما يحتاج في إيقاع الفعل إلى وجوده. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما ظنوه.
فإن قالوا لم نرد بأنه مخل بأداء نفس المأمور به, وإنما عنينا أنه مخل بأداء اعتقاد وجوبه على وجه ما أمرنا به وذلك إنه إذا أطلق اللفظ وآخر البيان أوجب علينا بحق اللفظ اعتقاد عمومه بأداء كان مخصوصا عنده وآخر عنا بيانه لزمنا اعتقاد مراده به, وأنه مخصوص مع فقد الدليل عليه, وأخل تأخيره بصحة اعتقاد خصوصه، بل يجب علينا اعتقاد ضد ذلك من عمومه.
يقال لهم: من سلم لكم أن الواجب اعتقاد خصوصه أو عمومه, وهل المنازعة إلا في ذلك. بل ما أنكرتم أن يكون الواجب علينا اعتقاد جواز تركنا
стр. 1195
وموجب اللفظ فيكون عاما وجواز ورود تخصيص له فيكون خاصا ووقوفنا في ذلك وتجويز كل واحد من الأمرين، فلا يجدون إلى دفع ذلك طريقا.
ويقال لهم: فهذا بعينه لازم لكم في جواز تأخير النسخ الذي هو بيان الأزمان، لأنه إذا أطلق لفظ التأبيد, وما يقتضي التكرار? في سائر الأزمان أو دل عليه بما يقتضي التكرار, أو يجب علينا اعتقاد وجوبه في عموم الأزمان, فإذا كان مخصوصا عنده ومرادا به بعض الأزمان وجب علينا اعتقاده ولا جواب عن ذلك يراده. وكونه مخصوصا مع أن اللفظ ودليل التكرار يدلان على نقيض ذلك فيحل تأخيره بما يجب علينا من فعل الاعتقاد.
فإن قالوا: ليس يجب علينا بما يقتضي عموم الأزمان القطع على بقائه وتأبيده, ولا على نسخه وإزالته. وإنما ويجب علينا اعتقاد تجويز كل واحد من الأمرين. فهذا نفس جواب الذي به أسقطنا شبهتهم، فبطل ما قالوه.
وأجاب فريق آخر منهم عنه بأن قالوا- لعمري-: إنه لا فصل بين الأمرين، وليس من حق بيان مدة انقطاع العبادة المسمى نسخا أن يتأخر عن الخطاب العام, بل يجب أن يكون مقرونا به, وكل فصل يتعاطى في ذلك باطل. وهؤلاء وإن كانوا قد الصقوا في التسوية بين الأمرين فقد خرجوا عن الإجماع, وأبطلوا النسخ جملة بما ركبوه, لأن أهل اللغة والمعاني لا يقول أحد منهم أن بيان مدة انقطاع التعبد بالفعل المقترن بالخطاب نسخ للعبادة والأمر, ولذلك لم يقل أحد أن قول القائل اضربه إلى الليل, واضربه ما دام مصرا. فإذا تاب فلا تضربه نسخا للأمر بالضرب. ولذلك لم يقل أحد من
следующие страницы →