Полный текст (1 232 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
باب
الكلام في أقسام العلوم
جميع العلوم تنقسم قسمين: فقسم منها علم قديم ليس بحادث لا عرض ولا جنس من الأجناس, ولا يحصل العلم به اضطرارا ولا استدلالا, ولا مما له ضد ينفيه, ولا يصح عدمه, ولا يختص في تعلقه بمعلوم أو معلومات مخصوصة, بل هو متعلق بما لا نهاية له منها, وهو علم الله سبحانه الذي هو لم يزل ولا يزال عالما به, وقد بينا هذه الجملة وغيرها من أحكامه في كتب أصول الديانات بما يقنع متأملة إن شاء الله.
فصل
والضرب الآخر منها: علوم الخلق من الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأحياء. وهي كلها تنقسم قسمين. فقسم منها علم اضطرار, والقسم الآخر علم نظر واستدلال أو واقع عن تذكر نظر واستدلال.
стр. 177
فعلم الاضطرار منها ما وقع عن درك الحواس, ومبتدأ في النفس من غير درك حاسة, وهي التي يوصف كل علم منها بأنه أول ومبتدأ وحاصل بأوائل العقول.
ومعنى وصف هذا القسم بأنه ضرورة ينصرف إلى ثلاثة معان.
أحدهما: متواضع عليه بين الفقهاء والمتكلمين. والمعنيان الآخران لغويان.
فأما معنى وصفه بأنه ضرورة في المواضعة, وهو أنه ما لزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه والانفصال منه ودفعه عن نفسه بحجة أو بشبهة, ولا تلحق الشكوك والريب في متعلقة, وكل هذا الألفاظ بمعنى واحد, وهو أنه لا يمكن دفعه عن النفس بحال.
وإنما قلنا: ما لزم نفس المخلوق لزوما لا يمكن دفعه والخروج عنه, ولم نقل ما لزم نفس العالم لكي يخرج علم القديم بهذا الشرط عن كونه ضرورة ويخرج سبحانه عن كونه مضطرا ⦗٧⦘ لأن علمه بكل معلوم لازم لذاته على الوجه الذي يلزم ذواتنا علوم الضرورات، فالباطن عندنا عنده ظاهر, والخفي علينا جلي عنده, وسرنا علانية له, وليس لأحد أن يقول لنا قولوا لذلك إنه
стр. 178
مضطر إلى العلم بمعلوماته, لأننا إنما وضعنا قولنا" علم ضروري" لما لزم نفس المخلوق على هذه السبيل, ومنعنا ذلك في القديم لمنع الأمة له, ولئلا يوهم كونه محتاجا إلى العلم بما يعلمه لدفع ضرر عنه, أو أنه ملجأ ومكره على العلم بما هو عالم به, ومحال في صفته الأمران جميعا.
فأما معنى وصف العلم وغيره بأنه ضرورة في وضع اللغة فهو إنه مما تمس الحاجة إليه, أو مما يقع الإكراه عليه والإلجاء إليه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْه﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَاد﴾. وقالوا في المكره على الطلاق والعتاق وغير ذلك إنه مضطر إليه ومحمول ومكره عليه.
فصل
فأما معنى وصف القسم الثاني بأنه علم نظر واستدلال وهو أنه علم لا يحصل للعالم به إلا عن ابتداء نظر أو تذكر النظر. ومبتدئ النظر هو الذي ينظر ويستدل ليعلم حقيقة ما ينظر فيه ما ليس بعالم به, ومتذكر النظر هو المنتبه من نومه والمفيق من غلبته والذاكر له بعد سهوه ونسيانه.
فصل
وقد يكون تذكر النظر كسبا للعبد تارة, ويكون ضرورة غير كسب له لأن تذكر النظر هو العلم به, وقد يكتسب هذا العلم تارة ويضطر إليه أخرى.
وقولنا:" علم نظر واستدلال" لفظ إضافة له, إلى النظر أو تذكر
стр. 179
النظر اللذين كان عنهما.
وقولنا: "علم نظري واستدلالي" نسبة له, وهو على أوزان الأسماء المنسوبة. نحو قولك عربي وقرشي وفارسي وأبطحي, وأمثال ذلك من الأسماء المنسوبة. فمعنى النسب والإضافة فيه واحد.
فصل
وقد يوصف هذا الضرب من العلوم بأنه كسبي, كما يوصف بأنه نظري, ومعنى وصفه ووصف غيره من أجناس مقدورات العباد بأنه كسب عند المتكلمين من أهل الحق ومخالفي القدرية" إنه ما وجد بالموصوف به, وله عليه قدرة محدثة", وبذلك انفصل معنى الكسب من معنى الإبداع والإنشاء والخلق الذي ينفرد الله تعالى بالوصف به والقدرة عليه دون خلقه. وأما معنى وصفه بأنه كسب ⦗٨⦘ في وضع اللغة فهو إنه مما يجتلب المكتسب له به نفعا ويدفع به ضررا. ولذلك يقولون في الجوارح المعلمة أنها كواسب لحصول الانتفاع بصيدها. والله تعالى لا يجوز كونه قادرا على ما يحدثه بقدرة محدثة, ويستحيل اجتلابه للمنافع ودفع
стр. 180
المضار, فاستحال لذلك في صفته الاكتساب.
стр. 181
باب
القول في ذكر طرق العلوم الضرورية
وجميع علوم الاضطرار تقع للخلق من ست طرق لا سابع لها.
فمنها العلوم الخاصلة بالمعلومات عن درك الحواس، وهي حاسة الرؤية وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة اللمس, وكل علم حصل عند إدراك حاسة من هذه الحواس فهو علم ضرورة لا ريب فيه. ولابد من حصول العلم بالمدركات لكل عاقل سليم من الآفات, لأن العلم بذلك من كمال العقل, نعني بذلك أنه لابد من كون العاقل عالما بما يدركه وإن كان
стр. 182
يعلم ذلك من ليس بكامل العقل على ما نبينه من بعد في الإخبار عن ماهية العقل.
والإدراك جنس يوجد بجزء واحد من الحاسة. فالمدرك من الحي ما قام به الإدراك من جملته، والإدراك صفته, واللمس والذوق والشم مماسات يوجد الإدراك ببعض الحواس عندها, وهو جنس يخالفها. والمدركات شيء غيرها، وقد تكون أجساما وتكون أعراضا, وإدراك كل شيء غير الإدراك لغيره وخلافه سواء كان غيره مثله أو ضده وخلافه, أو خلافه وليس بضده, لذلك يدرك الشيء من لا يدرك مثله ولا ضده ولا خلافه, وهو في هذا الباب جار مجرى العلوم التي يجب اختلافها متى تغايرت معلوماتها, والمختلف من جميع العلوم والإدراكات غير متضاد, وليس من الإدراكات عند أهل الحق ما يحتاج إلى بنية مخصوصة وبله. وإنما لا يوجد النوم بكل حاسة من هذه الحواس إلا إدراك جنس أو أجناس مخصوصة، لإجراء الله العادة بذلك. ولوخلق إدراك جميع المدركات في حاسة واحدة في وقت واحد لكان ذلك صحيحا جائزا ⦗٩⦘ ولو بعث نبيا يخرق هذه العادات لكان ذلك عاما من أعلامه. والحواس على التحقيق أربعة, وهي: حاسة الرؤية وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق. وجميع جوارح الإنسان الحية حاسة اللمس, لأنه يدرك بها بها الحرارة والبرودة والصلابة والرخاوة واللين والخشونة، وليس إدراك ذلك حاسة مخصوصة, وإنما خصت اليد بالوصف بأنها حاسة
стр. 183
اللمس, لأن اللمس إنما يقع غالبا دون غيرها من الجوارح وإن كانت موضعا للإدراك, وجميع المدركات لنا إنما هي الأجسام والألوان والأكوان على اختلافها, والكلام والأصوات على اختلافها, والروائح والطعوم على اختلافها, والحرارة والبرودة والصلابة والرخاوة واللين والخشونة والاعتماد. هذه جملة أجناس المدركات. وقد شرحنا هذه الجمل في الكلام في أصول الديانات بما فيه كفاية لمتأمله إن شاء الله.
وإنما وجب القضاء على أن العلم بجميع الدركات ضروري للزومه- مع اختلافه- للنفس على وجه لا يمكن دفعه عنها، على حد ما بيناه من قبل.
فصل
وأما الطريق السادس من طرق الضرورات فهو العلم المبتدأ في النفس من غير درك حاسة من هذه الحواس, وذلك نحو علم العالم بنفسه وما يجده فيها من الصحة والسقم واللذة والألم والميل والنفور والإرادة والأغراض والقوة والضعف, وغير ذلك مما يعلمه الحي إذا وجد به.
ونحو العلم باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين معا, وأن المعلوم لا ينفك من عدم أو وجود, ونعني بذلك أنه لا ينفك من أن
стр. 184
يكون شيئاً موجوداً أو ما ليس بشيء. وأن الموجود لا ينفك من أن يكون وجوده عن أول أو لا عن أول, وأن كل موجودين فلابد من أن يكونا مثلين أو مختلفين, وأن الاثنين أكثر من الواحد, وأن الأجسام متى كانت موجودة فلابد من أن تكون مجتمعة أو متفرقة. وأن الخبرين المتضاد مخبرهما لابد أن يكون أحدهما صدقا والآخر كذبا, والعلم بأن تصرف من نراه من العباد مقدور ومراد له على صفة تصرفنا ⦗١٠⦘ المقدور لنا.
ونحو حصول العلم بما جرت العادة بحصوله لا محالة، من نحو العلم بحصول الشبع والري والإسكان عند تناول الطعام والشراب, وحصول الاحتراق عند مجاورة النار, والألم عند الضرب, وأن ما يرى ويوجد من الدور والقصور, وضروب الأشكال والصور من المصنوعات لا يحصل مخترعا في وقتنا والعادة بحالها إلا عند ممارسة العبادة له وحركاتهم واعتماداتهم, ونحو العلوم الحاصلة لهم بامتناع ما جرت العادة بامتناعه من إحياء الأموات وقلب الجماد حيوانا ودجلة ذهبا وشيب الغراب وابيضاض القار, وأمثال ذلك من علوم العادات, ونحو العلم بشجاعة الشجاع وجبن الجبان وبر البار وعقوق العاق والتحية والاستهزاء وإلطاط الملط وإلحاح الملح وخجل الخجل ووجل الوجل, وقصد القاصد إلى من يقصده ويخاطبه, وما يريده أحيانا بكلامه, وإرادة المعرض في كلامه, والرامز المشين بجوارحه.
والعلم بما تواترت عنه الأخبار من دعوة الرسل وشرائعهم
стр. 185
وتحذيرهم لقومهم, وغير ذلك من الممالك والدول والوقائع والسير, والعلم الحاصل بالصين وخراسان وغيرهما ما قرب وبعد من الأقاليم والأمصار.
فصل
وجميع هذه العلوم المبتدأة في النفس بالمعلومات من غير إدراك لها على ضربين:
فضرب منها يحصل مبتدأ في النفس, لا عند سبب يشاهد أو يسمع, نحو علم العالم بوجود نفسه, وما يجده فيها من تعاقب الصفات التي ذكرها من الصحة والسقم والغم والفرح والقوة والضعف, إلى غير ذلك. ونحو العلم بموجب العادات من وجوب ما يجب فيها وامتناع ما يمتنع، ونحو العلم بأن الحي لا يكون ميتا والموجود لا يكون معدوما، وأن العشرة أكثر من الخمسة إلى أمثال ذلك مما يطول تتبعه.
فصل
والضرب الآخر لا يبتدئ في النفس بجري العادة إلا عند سبب يشاهد أو يسمع نحو, العلم بالبر والعقوق, والخجل والوجل, والشجاعة والجبن، وما يقصد القاصد بخطابه? والعلم بمخبر الأخبار المتواترة لأن الله تعالى قد أجرى العادة بأن لا يفعل العلم بشيء من ذلك دون سماع الخبر, ومشاهدة الأحوال والأمارات من الرموز والإشارات، والكر والفر, والصفرة والحمرة, واضطراب الشكل والجوارح واللفظ, وغير ذلك مما يعلمه العالم من حال غيره عند مشاهدة أحوال ظاهرة عليه, وهذه الأحوال والأسباب لا حد لها ولا صفة مخصوصة تخصص وتنعت بلفظ أو خط, وإنما يحدث العلم بمشاهدتها عند المشاهدة, وقد تختلف وتزيد وتنقص, وإنما يختص بالعلم بمخبر هذه الأخبار والأحوال التي ذكرناها العاقل السليم من الآفات دون البهائم والأطفال والمنتقصين. وقد يعلم كثيرا من مقاصد المشير والمخاطب من له
стр. 186
ضرب من التمييز من الأطفال والمنتقصين.
فصل
وجميع هذه الأسباب التي تحصل العلوم عند مشاهدتها وسماعها على ضربين:
فضرب منها: من مقدورات الله سبحانه غير كسب للعباد ولا من مقدوراتهم، نحو صفرة الوجل وحمرة الخجل, وتغير الألوان واضطراب الأشكال, وذلك غير مقدور للعباد وما جرى مجراه.
والضرب الآخر: من خلق الله تعالى وكسب العباد, نحو الأخبار المتواترة, والكر والفر والإقتضاء والدفع, وما جرى مجرى ذلك من مقدورات الخلق, وجميع هذه الأحوال التي يضطر عند العلم بها إلى العلم بأحوال أصحابها ليست أدلة على العلم بما يضطر إليه ولا موجبة له ولا مولدة له, وإنما يخترع العلم عندها اختراعا.
وليس من علوم الضرورة المبتدأة في النفس العلم بحسن حسن وقبح قبيح, ووجوب فعل أو إباحته أو حظره, بل ذلك معلوم بقضية السمع دون العقل, على ما نبيته من بعد, ولا العلم بالصنائع الحاصل عند التعلم والممارسة، بل ذلك حاصل باكتساب، وعلى قدر القرائح والأذهان والحرص والإعراض، ولذلك يتفاضل في العلم بذلك العقلاء, ويضعف العلم ويقوى
стр. 187
وتختلف أحوال حصوله بحسب ما ذكرناه من أسباب اكتسابه.
стр. 188
باب
الإخبار عن ماهية العقل وكماله وحقيقته
اختلف الناس فقه فقال قائلون:"هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات".
وقال آخرون: مادة وطبيعة.
وقال قوم" جوهر بسيط.
وقال الجمهور من المتكلمين: هو العلوم الضرورية.
والذي نختار أنه" بعض العلوم الضرورية" التي سنذكرها.
والذي يدل على أنه لا يجوز أن يكون جوهرا من الجواهر, لأن
стр. 189
الدليل قد دل على أنها كلها من جنس واحد، فلو كان العقل جوهرا لكان من جنس العاقل, ولا يستغنى العاقل بوجود نفسه ولكان في كونه عاقلا ما يغنيه عن وجود مثله وما هو من جنسه, وقد ثبت أنه ليس بعاقل بنفسه. فمحال كونه عاقلا بجوهر من جنسه.
ويدل على فساد ذلك أنه لو كان جوهرا لصح قيامه بداية ووجوده لا بعاقل, ولصح أن يحيا ويعقل ويفعل ويكلف, لأن ذلك أجمع مما يصح ويجوز على الجواهر, وفي فساد ذلك أجمع دليل على أنه ليس بجوهر, فيجب لذلك أن يكون عرضا، ومحال أن يكون عرضا غير سائر العلوم، لأنه لو كان ذلك كذلك لصح وجود سائر العلوم مع عدمه حتى يكون العالم بدقائق الأمور غير عاقل, أو وجوده مع عدم سائر العلوم حتى يكون الكامل العقل غير عالم بنفسه ولا بالمدركات ولا بشي من الضرورات، إذا لا دليل يوجب تضمن أحدهما للآخر, وذلك نهاية الإحالة.
ولأنه لو كان غير سائر العلوم لكان لا يخلو أن يكون مثلها أو ضدها وخلافها, أو خلافها وليس بضد لها, فمحال كونه مثلا لها, لأنها مختلفة, والشيء لا يشبه أشياء مختلفة. ولأنه لو كان مثلها لاستغنى بها عن وجوده ولوجب أن يكون عقلا, ويستحيل أن يكون ضدها وخلافها، لأن ذلك يوجب استحالة اجتماعها. وذلك باطل باتفاق, ومجال كونه خلافا, وليس بضد لها, لأنه لو كان ذلك كذلك لجاز وجود كل واحد منهما مع ضد صاحبه ووجود أحدهما مع ضد الآخر حتى يكون العقل موجودا مع الجهل بالضرورات والمشاهدات, أو يوجد العلم بالضرورات, وبكل ضرب من العلوم والدقائق مع ⦗١٣⦘ ضد العقل من الخبال والاختلال، وذلك معلوم فساده بأول في العقل, فثبت أنه لا يجوز أن يكون جنسا مخالفا لسائر العلوم، ووجب أن يكون هو العلوم كلها أو بعضها، ومحال أن يكون هو كل العلوم ضروريها وكسبيها, لأن العاقل يكون عاقلا كاملا مع عدم جميع العلوم النظرية، ولا يجوز أن
стр. 190
يكون هو كل العلوم الضرورية، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون من فقد العلم بالمدركات لعدم إدراكه لها غير عاقل ولا مكلف.
ويستحيل أيضا أن يكون هو علم العالم بوجود نفسه وما يجده فيها من الألم واللذة والصحة وأمثال ذلك هذا يوجب كون الأطفال والبهائم والمجانين عقلاء لعلمهم بوجود أنفسهم وما يوجد فيها من هذه الأمور, وذلك باطل, فيجب أن يكون هو بعض العلوم الضرورية التي يختص بها العقلاء, نحو: العلم بأن الضدين لا يجتمعان، وأن المعلوم لا يخرج عن أن يكون موجودا أو غير موجود لا ينفك عن أن يكون عن أول أولا عن أول, وإن الاثنين أكثر من الواحد، والعم بموجب العادات التي تختص بها العقلاء دون غيرهم من الأحياء, والعلم بموجب الأخبار المتواترة, وما جرى مجرى ذلك مما يختص العقلاء بالعلم به دون غيرهم فمن حصل له هذه العلوم كان عاقلا مكلفا.
فصل
ولا يصح على التحقيق أن يكون عقل أكمل من عقل وأوفر وأرجح من عقل لما بيناه من ماهية العقل. وإنما يقال إن أحد العاقلين أكمل عقلا
стр. 191
وأوفر وأرجح من الآخر على معنى أنه أكثر استعمالا لعقله, وأشد تيقظا وبحثا واستنباطا وتجربة، وهذه جملة من الأخبار عن ماهية العقل وحقيقته مقنعة إن شاء الله.
стр. 192
باب
القول في حد الحد
إن قال قائل: ما حد الحدود؟
قيل له:"هو القول الجامع المانع المفسر لاسم المحدود وصفته على وجه يحصره على معناه, فلا يدخل فيه ما ليس منه, ويمنع أن يخرج منه ما هو منه" فهذا هو الحد الفلسفي الكلمي الفقهي الذي يضرب للفصل بين المحدود وبين ما ليس منه.
وإطلاق اسم الحد مشترك بين الحد المنطقي الكلمي الفقهي وبين الحد الهندسي الصناعي كحد الدار والبستان- وهي العلامات الموضوعة ⦗٤⦘ للفصل بين الملكين, والحد الشرعي الموضوع للعقوبة والردع كحد القاتل والسارق والزاني، فأصله مأخوذ من المنع من تسمية البواب حدادا لمنعه الداخل والخارج, ومن إحداد المعتدة الذي هو امتناعها عن الزينة وما يجب
стр. 193
على المعتدة اجتنابه.
فصل
وقد قال السابقون إلى الكلام فيه: إن الزيادة في الحد نقصان من المحدود، وإن النقصان منه زيادة فيه.
فصل
فأما الزيادة فيه عندنا فعلى ضربين:
منها نقصان ومنها غير نقصان.
فأما التي هي نقصان, فنحو قول الفقيه:"حد الواجب إنه صلاة في فعله ثواب وفي تركه ذم وعقاب". وذلك يوجب خروج كل ما ليس بصرة عن كونه واجبا, فعادت بالنقصان.
وأما التي ليست بنقصان فهي اللازمة لكل من له الحد, نحو قول القائل: حد الواجب: إنه عرض في فعله ثواب وفي تركه ذم وعقاب". لأن كل واجب فإنه غرض من الأعراض.
وأما النقصان منه فإنه أبدا زيادة فيه, نحو قول القائل:" حد الواجب إنه ما كان في فعله ثواب" بحذف القول" وفي تركه عقاب". لأن
стр. 194
ذلك يدخل النفل في الواجب, لأنه مما عليه ثواب, ولهذا بسط وأمثال, وفيما أو مأنا إليه كفاية في هذا الباب.
стр. 195
باب
القول في معنى الدليل وحقيقته
فإن قال قائل" فما معنى الدليل وفائدة وصفه بذلك؟
قيل له: معناه " إنه كل أمر صح أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم باضطرار" وسواء كان موجودا أو معدوما أو قديما أو حادثا, أو مما قصد فاعله إن كان مفعولا إلى الاستدلال به على ما هو دليل عليه, أو لم يقصد ذلك, لأننا قد نستدل بعدم ظهور الآيات على مدعي
стр. 196
الرسالة على العلم بكذبه، ونستدل بعدم أدلة العقل والسمع على إثبات الحكم الشرعي على براءة الذمة منه وبقائه على حكم العقل, وبعدم الأدلة على أنه ليس لما عقلناه من الأجناس من الصفات أكثر مما علمناه لها, على أنه لا صفة لها أكثر من ذلك, في أمثال هذا مما يطول تتبعه, فثبت بذلك إنه ليس من حق المستدل به أن يكون موجودا، وإذا لم يكن ذلك من حقه ⦗١٥⦘ لم يكن من حقه أن يكون حادثا وأن يكون له محدثا, وأن يكون قاصدا بإحداثه إلى الاستدلال به, لأن هذا أجمع مبني على وجوب وجوده. فإذا بطل هذا الأصل بطل توابعه, وفسد ما يقوله القدرية في هذا الباب من وجوب حدوث كلام الله تعالى، لكونه دليلا على أحكام دينه.
والدليل على أن ما وصفناه هو معنى وصفه بأنه دليل إطباق أهل اللغة على تسمية كل أمر صح أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما هو دليل عليه من غير قصر التسمية على بعض ذلك دون بعض, هذا من علامات الأسماء الحقيقة نعني جريانها واطرادها في كل ما وجد فيه معنى الاسم. وتسمية الرجل دليلا إنما جرت عليه مجازًا
стр. 197
واتساعاً, وعلى معنى أنه دال للركب بقوله ومشيه وإشارته فسمي باسم فعله وما كان منه, وعلى سبيل قولهم رجل عدل إذا تكرر ذلك منه، والعدل في الحقيقة فعله, وهو عادل ليس بعدل، وقولهم دال مشتق من دل يدل لا من فعل الدلالة، ولذلك قولهم عادل وجائز مأخوذ من جار وعدل لا من فعل العدل والجور.
فصل من القول فيه
اعلموا - وفقكم الله- أن الأدلة على ضربين:
فضرب منها عقلي والضرب الثاني وضعي.
فأما ما يدل بقضية العقل ووجه هو في العقل حاصل عليه
فأما ما يدل بقضية العقل ووجه هو في العقل حاصل عليه. فنحو دلالة
стр. 198
حدوث الفعل على فاعله وكونه قادرا عليه. ودلالة كونه محكما على كونه قاصدا عالما وأمثال ذلك, وذلك واجب لازم لا ينقلب ولا يتغير, ولا يحتاج في كونه دليلا إلى مواطأة وتوقيف.
فأما ما يدل بطريق المواضعة علا دلالته, فنحو دلالات الألفاظ والرموز والإشارات والكتابة والعقود وأمثال ذلك مما يدل بعد مواضعة أهله على دلالة, ولولا مواضعتهم لما دل, ولا يتم التواضع على دلالة شيء دون أن يمكن مما يدرك، ويكون إلى العلم به طريق مراد, نحو الألفاظ والإشارات وغيرها من الأكوان وأفعال الجوارح ⦗١٦⦘ فأما الضمائر وأفعال القلوب التي لا طريق إلى العلم بحصولها, فلا تتم المواطأة على دلالتها.
فصل آخر من القول فيه
و يجب لا محالة اطراد الدليل وجريانه كيف تصرفت حالة في قضيته عقلا أو تواطؤا, لأنه إن لم يجر فسد وانتقض, ولو صح وجوده أو وجود مثله غير دال مع ثبوت العقل أو التواضع عليه لفسدت قضية نصبه, وانتقض
стр. 199
طريق المواضعة على دلالته والمقيد من ذلك يجري بشرطه وتقييده, والمطلق منه يجري ويطرد بإطلاقه. ولهذا الفصل شرح نذكره في باب منع القياس في الأسماء إن شاء الله.
فصل آخر من القول فيه
ومن حق الدليل المتعلق بمدلوله, والعلم المتعلق بمعلومه، والخبر الصدق المتعلق بمخبره أن يكون جميعه تابعا لحصول المدلول والمخبر عنه والمعلوم, ولا يجعل شيء من ذلك على وسببا لحصول المدلول على ما هو عليه, لأنه لو لم يحصل على ما هو عليه لم يصح كون الدليل دليلا عليه, ولا صح تعلق العلم بكونه كذلك, ولا كان الخبر عن كونه كذلك صدقا, فكيف يجعل علة حصوله على ما هو به كون الدليل عليه, وكون العلم والخبر متعلقين به.
стр. 200
القول في الفصل بين الدليل والدال والمدلول له والمدلول عليه
والمستدل عليه والمستدل له والاستدلال والعبارة عنه
وذكر احتمال بعض هذه الأسماء لمعان مختلفة
اعلموا- رحمكم الله- أن الدليل والدلالة والمستدل به أمرا واحدا, وهو البيان والحجة والسلطان والبرهان, كل هذه الأسماء مترادفة على الدلالة نفسها.
فأما الدال فهو المبين لغيره بنصبه الدليل, وهو الله تعالى الناصب لأدلة العقل والسمع, وكل من نصب لغيره دليلا على شيء فهو دال له بما نصبه. وقد يوصف المخبر عن الدلالة والمنبه عليها بأنه دال مجازا واتساعا وتشبيها له بحال ناصب الدليل.
وأما المدلول بالدلالة فهو المنصوب له الدلالة سواء استدل بها أو لم يستدل، وقد يقع مدلول على المجاز إلى ذكر الدلالة عند السؤال عنها مجازا وتشبيها بحال من نصبت له الدلالة. ⦗١٧⦘
وأما المستدل: فإنه اسم مشترك بين الباحث الناظر المفكر الطالب
стр. 201
لعلم حقيقة الأمر المنظور فيه وبين السائل عن الدلالة على المذهب والمطالب بها.
والباحث الناظر لا يتعلق نظره بغيره, والمساءلة والمطالبة مفاعلة لا تصح إلا من بين اثنين. وقد يغلط المستدل تارة وقد يصيب، وكلاهما استدلال منه.
وأما المستدل - بفتح الدال- فهو المطالب بالدلالة والمسؤول عنها.
وأما المستدل له. فقد يحتمل أن يكون هو الحكم المطلوب علمه بالنظر في الدليل, ويحتمل أن يكون هو الرجل المطالب بالدلالة السائل إذا أجيب إليها.
فأما المستدل عليه فلا يجوز أن يكون إلا الحكم المطلوب علمه بالنظر في الدليل, كتحريم شرب الخمر وعلة التفاضل في البر, وأمثال ذلك.
فأما الاستدلال فقد يقع على النظر في الدليل والتأمل المطلوب به العلم بحقيقة المنظور فيه. وقد يقع أيضا على المساءلة عن الدليل والمطالبة به.
فالأول لا يتعلق باثنين، والثاني مساءلة ومفاعله لا تصح إلا بين اثنين.
وأما العبارة عن الاستدلال فهي هذه الأصوات المسموعة وإنما تكون عبارة عن الاستدلال إذا وجدت من حي قاصد عالم بما يعبر عنه, ولذلك لا تكون عبارة عن ذلك إذا وجدت من نائم ومغلوب وطفل ملقن لا قصد له ولا رؤية. فيجب تنزيل هذه الأقسام على ما وصفناه, ويجب تنزيل المعلل
стр. 202
والمعتل والمعلول له والعلة والاعتلال والمعتل به والمعتل له والمعلل له والتعليل على نحو ما رتبناه
في الدليل والدال وما بعدهما من الأقسام.
стр. 203
باب
القول في حقيقة النظر ومعناه
إن قال قائل, ما حقيقة النظر؟
قيل له. إن مطلق اسم النظر يحتمل أن يراد به رؤية البصر والانتظار والتوقع والرحمة والتعطف والاعتبار والتأمل.
فأما النظر المطلوب به معرفة الحق والباطل, والفصل بينهما، ومعرفة الصالح, ما لا تكليف على العبد في النظر فيه فهو " فكرة القلب ونظره وتأمله المطلوب به علم هذه الأمور أو غلبة الظن لبعضها" وقد يصيب فيه الناظر ويخطئ, وكلاهما نظر منه. وقد ⦗١٨⦘
وقد لا يصل إليه إذا قصر وغلط وخلط فيه, أو نظر في شبهة ليست بدليل.
стр. 204
و القول في أن النظر الذي وصفناه لا يولد العلم
وإن كان صحيحا ولا الجهل ولا الشك إذا كان فاسدا
واعلموا- رحمكم الله- أننا قد بينا في أصول الديانات واضح الأدلة على إبطال التولد في أفعال الله تعالى وأفعال خلقه وفساد ما تدين به القدرية في ذلك, وإذا ثبت هذا استحال أن يكون النظر مولدا للعلم, ووجب أن يكون العلم الحاصل بعده مبتدأ بقدرة تخصه وتتناوله غير القدرة على النظر الذي تتضمنه.
ولا شبهة لهم في إيجاب كونه مولدا للعلم، لأن وجوب حصول العلم لا محالة بعد إتمامه واستكماله، وأنه لو لم يولد العلم لجاز أن يوجد ولا يولده مع البقاء وسلامة الحال, ولصح أن يقع بعده الجهل والشك بدلا من العلم.
وهذا باطل لأنه قد يجب وجود الشيء أو بعده من جهة تضمنه له, لا لكونه مولدا له.
يدل على ذلك وجوب وجود الكون عند وجود الجوهر لتضمنه لوجوده لا لكونه مولدا له, ووجوب وجود العلم المراد عند القصد إليه والإثبات له بعينه لا لكونه القصد مولدا للعلم, ونحو وجوب وجود العلم المدرك عند إدراكه، وإن لم يكن الإدراك مولدا له, ولكنه طريق إليه في أمثال هذا مما يطول تتبعه.
ومما يدل على فساد هذه الشبهة أنه لو كان الأمر على ما قالوه لوجب
стр. 205
أن يكون تذكر النظر مولدا للعلم بما سبق النظر فيه من حيث اتفقنا على أنه لابد من حصول العلم عند تذكر النظر دون الجهل وغيره من الأجناس، ولما اتفقنا على فساد ذلك سقط ما استدلوا به. وإنما لم يمكنهم أن يقولوا إن تذكر النظر مولد للعلم, لاتفاقنا على أن تذكره هو العلم به بعد الذهاب عنه, وقد يكون العلم به والذكر له ضرورة من فعل الله تعالى, فلو ولد العلم لكان المتولد عنه من فعله , وذلك باطل عندهم. وهذا واضح في أن ما أوجبوا به توليد النظر للعلم باطل لا أصل له.
فصل ⦗١٩⦘
فإن قال قائل: أفتقولون إن النظر الفاسد يتضمن الجهل والشك كما يتضمن الصحيح منه العلم؟
قيل له: لا, وإنما يفعل الجاهل والشاك والجهل والشك مبتدئا به, لا عن شيء تضمنه هو طريق له. ولو كان الفاسد من النظر, أو النظر في الشبهة طريقا للجهل لم يقع بعده الشك والظن، ولو كان طريقا للشك والظن لم يقع بعده الجهل, ولأنه قد ينظر العالم في الشبهة كما ينظر فيها الجاهل فلا يقع له الجهل, ولا يخرج عن العلم, وقد يقصد إلى إفساد النظر فيقع منه فاسدا كما يقع ممن لا يقصد ذلك فلا يتولد له جهل ولا شك, ولا يخرج به عن كونه عالما بحال المنظور فيه, فثبت أن صحيح النظر في الدلالة طريق للعلم وليست فاسدة, والنظر في الشبهة طريق للجهل والشك والظن وغلبة الظن.
стр. 206
باب
القول في الدلالة على صحة النظر
إن قال قائل: ما الذي تعنون بصحة النظر؟
قيل له: نريد بذلك أنه متضمن للعلم بحال المنظور فيه وطريق إليه.
فإن قال: وما الدليل على كونه طريقا إليه؟
قيل له: يدل على ذلك حصول العلم لنا بحال المنظور فيه عند صحيح النظر فلو لم يكن طريقا إليه لم يحصل بحصوله.
ويدل على صحته- أيضا- أنه لا يخلو أن يكون صحيحا أو فاسدا فأن كان صحيحا فهو ما يقول, وإن كان فاسدا لم يخل العلم بفساده من أن يكون ضرورة أو استدلالا, فإن كان ضرورة وجب على كل مثبت له ودائن بصحته أن يكون مضطرا إلى بطلانه وفساده. وهذا بهت من راكبه, وإن كان فساده معلوما بنظر, فقد صح أن من النظر ما هو طريق للعلم ببعض
стр. 207
الأمور، وهذا اعتراف بما يقول, وكل أمر لا يمكن نفيه إلا بإثباته فإثباته واجب لا محالة.
فإن قالوا: فأنتم تعلمون صحة النظر ضرورة أم بديل؟ فإن كل بضرورة وجب أن يعلمه كل من نفى صحته، وذلك باطل. وإن كان بنظر فبماذا علمتم صحة النظر الثاني ⦗٢٠⦘
يقال لهم, إنها يعلم صحة النظر بوجهين:
أحدهما: حدوث العلم لنا بحال المنظور فيه عند صحيح النظر, وذلك أمر يبين لسائلنا عند مساءلتنا عن دليل عين كل مسألة لنريه كيف يجب حصول العلم بها فكل نظر حصل عنده علم علم أنه صحيح وطريق إليه وكل ما ليست هذه سبيله فليس بصحيح.
والوجه الآخر: أننا نعلم صحة النظر بضرب من النظر داخل في جملة النظر، وهو النظر الذي به علمنا فساد قول من قال لا أعلم شيئا إلا بدرك الحواس أو بالضرورة المبتدأة في النفس أو بالتقليد, ولا وجه سوى ذلك إلا النظر، وهذا ليس بنقص لما أصلناه, ومثله نقض لمذهبهم إذا استدلوا على فساد النظر بضرب من النظر.
стр. 208
فصل في وجوب النظر
فإن قال قائل: فما الدليل على وجوب النظر مع كونه صحيحا، إذا ليس كل حق وصحيح واجبا؟
قيل له: الذي يدل على وجوبه السمع دون قضية العقل, وقد ثبت إيجاب الله تعالى علينا معرفته وشكره ووصفه بصفاته وباعتقاد الحق واجتناب الباطل فيما اختلف فيه أهل الصلاة, وقد ثبت أن ذلك أجمع لا يعلم ضرورة لاختلاف العقلاء فيه, ونفي كثير منهم له, فوجب أن يكون طريق
стр. 209
العلم به الاستدلال. فإذا وجب العلم بهذه الجملة وهو لا يقع، ويتم وجوده إلا عن نظر فقد لزمنا ووجب علينا فعل كل مالا يتم لنا العلم بذلك إلا بفعله, لأن كل واجب لا يتم وقوعه إلا بفعل غيره فهو وكل ما لا يتم إلا به واجب, على ما بيناه في أحكام الأوامر والتكليف, فثبت وجوب النظر لوجوب مالا يتم إلا به.
стр. 210
باب
ذكر جملة ما يحتاج إليه النظر
الذي هو طريق إلى العلم بالمنظور فيه
اعلموا أن النظر لا يكون طريقا للعلم حتى يكون صحيحا، ولا يكون كذلك حتى يكون واقعا على وجهين يحتاج إليهما:
أحدهما يرجع إلى النظر نفسه, والآخر يرجع إلى صفة فاعلة.
والذي يرجع إليه: أن يكون نظرا في دليل ليس بشبهة ⦗٢١⦘ وأن يكون نظرا في حكم وأمر غير معلوم للناظر بضرورة أو دليل, لأن ما حصل معلوما من أحد الوجهين لم يصح طلب العلم به وإن ساغ أن ينظر في طرق الأدلة عليه, وهل هي أدلة عليه أم لا؟ وليس ذلك من طلب العلم بالمدلول عليه في شيء.
وأما ما يرجع إلى فاعل النظر فأمران:
أحدهما: أن يكون كامل العقل, وقد بينا ما هو العقل وكماله من
стр. 211
قبل, وليس من كمال عقله علمه بوجوب واجب في العقل وحسن حسن وقبح قبيح فيه مما يدعي القدرية والمجوس والبراهمة إنه معلوم وجوبه وحسنه وقبحه بضرورات العقل بما سنبينه وندل عليه من بعد.
والأمر الأخر: أن يكون عالما بحصول الدليل وبالوجه الذي لحصوله عليه صار دليلا ومتعلقا بمدلولة غير ظان ولا متوهم لذلك, فمتى لم يعلم هذين الأمرين لم يصل بنظره إلى العلم.
стр. 212
القول في الوجوه التي من قبلها يخطئ الناظر في نظره
اعلموا أن الخطأ يدخل عليه من وجهين:
أحدهما: أن ينظر في شبهة ليست بدليل فلا يصل إلى العلم.
والآخر: أن ينظر نظرا فاسدا وفساد النظر يكون بوجوه:
منها: أن لا يستوفيه و (لا) يستكمله، وإن كان نظرا في دليل.
ومنها: أن يعدل عن الترتيب الصحيح في نظره فيقدم ما من حقه أن يؤخره، ويؤخر منه ما من حقه أن يقدمه.
ومنها: أن يجهل بعض صفات الدليل التي لا يتم كونه دليلا على الحكم إلا بحصوله عليها وحصول علم المستدل بها.
ومنها: أن يضم إلى صفة الدليل وصفا يفسده, نحو أن يقول إنما يدل خبر النبي ﷺ على تحريم الخمر, لأنه خبر عن تحريم الخمر, لأن ذلك يوجب أن لا يدل خبره على تحرين الميتة والدم على تحريمها, لأنه ليس بخبر عن تحريم خمر, ولو لم يدل خبره عن تحريمها على أنهما حرامان لم يدل- أيضا- خبره عن تحريم الخمر على كونه حراما, ولبطلت دلالة جميع أخباره عن سائر الأحكام، فهذه الزيادة وأمثالها في أدلة العقل ⦗٢٢⦘ والسمع مفسدة للاستدلال. وجهل الناظر ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى علمها نقصان منه ومفسد للنظر فيه, وصورة ذلك أن يسمع المكلف خبر النبي ﷺ عن تحريم الخمر, ولا يعلم مع ذلك أنه خبر رسول الله ﷺ ، فلا
стр. 213
يعلم لجهله بصفة كونه دليلا, وكذلك لو شاهد ما يظهر على يده من إحياء الميت وفلق البحر, ولم يعلم أنه من أفعال الله تعالى مقصودا به إلى تصديقه لم يعلم كونه دلالة على نبوته في أمثال ذلك. هذه جملة ما يدخل به الخطأ والتخليط على الناظر.
فصل
فيما يجب كون الناظر عليه من الصفات
حتى يصل بنظره إلى العلم
اعلموا أن قدر ما يلزمه من الصفات أن يكون كامل العقل مفارقا للمنتقصين حتى يصح منه النظر, وليس من كمال عقله علمه بوجوب واجب في العقل أو حسن حسن وقبح قبيح فيه, مما يدعي القدرية والمجوس والبراهمة أنه معلوم وجوبه وحسنه وقبحه بضرورات العقول, لما سنبينه وندل عليه من بعد.
وأن يكون مع كمال عقله عالما بحصول الدليل, وحصوله على الوجه والوصف الذي بحصوله عليه تعلق بمدلوله غير جاهل بذلك ولا متوهم له, هذا قدر ما يجب كونه عليه من الصفات.
стр. 214
باب
القول في أحوال الأمور المنظور فيها
والمستدل على الأحكام بها
اعلموا- وفقكم الله- أن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين:
فضرب منها، أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه. وما هذه حاله موصوف بأنه دليل على قول جميع مثبتي النظر وباتفاق المتكلمين والفقهاء، وقد دخل في ذلك جميع أدلة العقول المتوصل بها إلى العلم بحقائق الأشياء وأحكامها وسائر القضايا العقلية. ودخل فيه جميع أدلة السمع الموجبة للقطع وللعلم من نصوص الكتاب والسنة/ ص ٢٣
стр. 215
ومفهومهما ولحنهما، وإجماع الأمة، والمتواتر من الأخبار، وأفعال الرسول ﷺ الواقعة موقع البيان، وكل طريق من طرق السمع يوصل النظر فيه إلى العلم بحكم الشرع، دون غلبة الظن.
والضرب الثاني، أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن ويوصف هذا الضرب بأنه أمارة على الحكم، ويخص بهذه التسمية للفرق بينه وبين ما يؤدي النظر فيه إلى العلم والقطع، وهذا تواضع من الفقهاء والمتكلمين،
следующие страницы →