Полный текст (1 232 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قبل, وليس من كمال عقله علمه بوجوب واجب في العقل وحسن حسن وقبح قبيح فيه مما يدعي القدرية والمجوس والبراهمة إنه معلوم وجوبه وحسنه وقبحه بضرورات العقل بما سنبينه وندل عليه من بعد.
والأمر الأخر: أن يكون عالما بحصول الدليل وبالوجه الذي لحصوله عليه صار دليلا ومتعلقا بمدلولة غير ظان ولا متوهم لذلك, فمتى لم يعلم هذين الأمرين لم يصل بنظره إلى العلم.
стр. 212
القول في الوجوه التي من قبلها يخطئ الناظر في نظره
اعلموا أن الخطأ يدخل عليه من وجهين:
أحدهما: أن ينظر في شبهة ليست بدليل فلا يصل إلى العلم.
والآخر: أن ينظر نظرا فاسدا وفساد النظر يكون بوجوه:
منها: أن لا يستوفيه و (لا) يستكمله، وإن كان نظرا في دليل.
ومنها: أن يعدل عن الترتيب الصحيح في نظره فيقدم ما من حقه أن يؤخره، ويؤخر منه ما من حقه أن يقدمه.
ومنها: أن يجهل بعض صفات الدليل التي لا يتم كونه دليلا على الحكم إلا بحصوله عليها وحصول علم المستدل بها.
ومنها: أن يضم إلى صفة الدليل وصفا يفسده, نحو أن يقول إنما يدل خبر النبي ﷺ على تحريم الخمر, لأنه خبر عن تحريم الخمر, لأن ذلك يوجب أن لا يدل خبره على تحرين الميتة والدم على تحريمها, لأنه ليس بخبر عن تحريم خمر, ولو لم يدل خبره عن تحريمها على أنهما حرامان لم يدل- أيضا- خبره عن تحريم الخمر على كونه حراما, ولبطلت دلالة جميع أخباره عن سائر الأحكام، فهذه الزيادة وأمثالها في أدلة العقل ⦗٢٢⦘ والسمع مفسدة للاستدلال. وجهل الناظر ببعض صفات الدليل التي يحتاج إلى علمها نقصان منه ومفسد للنظر فيه, وصورة ذلك أن يسمع المكلف خبر النبي ﷺ عن تحريم الخمر, ولا يعلم مع ذلك أنه خبر رسول الله ﷺ ، فلا
стр. 213
يعلم لجهله بصفة كونه دليلا, وكذلك لو شاهد ما يظهر على يده من إحياء الميت وفلق البحر, ولم يعلم أنه من أفعال الله تعالى مقصودا به إلى تصديقه لم يعلم كونه دلالة على نبوته في أمثال ذلك. هذه جملة ما يدخل به الخطأ والتخليط على الناظر.
فصل
فيما يجب كون الناظر عليه من الصفات
حتى يصل بنظره إلى العلم
اعلموا أن قدر ما يلزمه من الصفات أن يكون كامل العقل مفارقا للمنتقصين حتى يصح منه النظر, وليس من كمال عقله علمه بوجوب واجب في العقل أو حسن حسن وقبح قبيح فيه, مما يدعي القدرية والمجوس والبراهمة أنه معلوم وجوبه وحسنه وقبحه بضرورات العقول, لما سنبينه وندل عليه من بعد.
وأن يكون مع كمال عقله عالما بحصول الدليل, وحصوله على الوجه والوصف الذي بحصوله عليه تعلق بمدلوله غير جاهل بذلك ولا متوهم له, هذا قدر ما يجب كونه عليه من الصفات.
стр. 214
باب
القول في أحوال الأمور المنظور فيها
والمستدل على الأحكام بها
اعلموا- وفقكم الله- أن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين:
فضرب منها، أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه. وما هذه حاله موصوف بأنه دليل على قول جميع مثبتي النظر وباتفاق المتكلمين والفقهاء، وقد دخل في ذلك جميع أدلة العقول المتوصل بها إلى العلم بحقائق الأشياء وأحكامها وسائر القضايا العقلية. ودخل فيه جميع أدلة السمع الموجبة للقطع وللعلم من نصوص الكتاب والسنة/ ص ٢٣
стр. 215
ومفهومهما ولحنهما، وإجماع الأمة، والمتواتر من الأخبار، وأفعال الرسول ﷺ الواقعة موقع البيان، وكل طريق من طرق السمع يوصل النظر فيه إلى العلم بحكم الشرع، دون غلبة الظن.
والضرب الثاني، أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن ويوصف هذا الضرب بأنه أمارة على الحكم، ويخص بهذه التسمية للفرق بينه وبين ما يؤدي النظر فيه إلى العلم والقطع، وهذا تواضع من الفقهاء والمتكلمين،
стр. 216
وليس من موجب اللغة، لأن أهلها لا يفرقون بين الأمارة والدلالة والسمة والعلامة.
ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يقع عند النظر في غالب الظن أنه طريق للظن او موصل أو مؤدي إليه أنه مما يقع الظن عنده مبتدءاً، لا أنه طريق إليه كالنظر في الدليل القاطع الذي هو طريق إلى العلم بمدلوله، وإنما نتجوز بقولنا "يوصل ويؤدي وأنه طريق للظن ". وهذا الضرب الذي يؤدي النظر فيه إلى الظن على ضربين:
فمنه، ما لا أصل له معين، نحو النظر والاجتهاد في جزاء الصيد وقيمة المثل وأرش الجنايات وقيم المتلفات ونفقات الزوجات والاجتهاد في عدالة الأئمة والقضاة والشهود، وأمثال ذلك مما لا أصل له معين يرد إليه ويقاس عليه، كقياس النبيذ على الخمر، والأرز في تحريم التفاضل على البر بعلة جامعة بينهما ومحققوا النافين للقياس مقرون بصحة هذه الأمارات ووجوب الحكم بما يؤدي النظر والاجتهاد فيها إليه.
стр. 217
فصل
فالكل من أهل العلم قد اتفقوا على أن هذه الأمارات عقلية من حيث كان الرجوع فيها إلى العادات المعقولة وإلى القيم المعروفة وإلى مماثلة الصور وقدر الحاجات في الأقوات، وما يعرف به من الأحوال عدالة الأئمة والقضاة والولاة والشهود ظاهراً، فكل هذا عقلي والحكم المعلق عليه شرعي من إيجاب النفقة وقيمة الأرش وجزاء الصيد والحكم بالشهادة وما جرى مجرى ذلك.
فصل
والضرب الآخر، نظر فيما ل أصل معين فمنه ما/ ص ٢٤ يوصف أنه قياس،
وهو الاستدلال على ثبوت الحكم في الفرع بعلة الأصل بعد ثبوته وقيام الدليل على تعليله، إما بنص على علته يوجب العلم بها، أو استثارة لها تقتضي غلبة الظن لكونها علة ثم وجوب الحكم بأنها علة الأصل بعد غلبة الظن لذلك.
والقياس عندنا في الحقيقة هو نفس "حمل الفرع على حكم الأصل بالوجه الجامع بينهما ". فالقياس نتيجة الاستدلال على العلة والعلم
стр. 218
بها، وسنذكر في باب أحكام العلل تفصيل طرق الأدلة والأمارات على صحة العلة من التقسيم والمقابلة والطرد والجريان عند من رأى ذلك دليلاً، إلى غير ذلك.
ومن ذلك- أيضاً- الاستدلال بأصل معين من لغة أو حكم ثابت في الشرع دال على المراد، نحو قوله تعالى: ﴿إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وإنه زمن الحيض أو الطهر، وهل العفو إلى الزوج أو الولي، وذلك من باب الاجتهاد الذي يسوغ فيه الخلاف، وليس من باب حمل الفرع على الأصل بالعلة.
فصل
فأما من زعم أن الاستدلال على الحكم وموضع الحكم ليس بقياس، وأنه استدلال، فإنه لكونه استدلالاً جاز إثبات الدود والكفارات به، ولا يجوز إثباتها بقياس، فإنه باطل إذا سئلوا عن تفسيره، لأنهم إنما يذكرون فيه قياساً محضاً ظاهراً، لأنهم قد قالوا: هو نحو الاستدلال على وجوب الكفارة على الأكل عامداً في نهار رمضان لا بجنس الأكل، لكن
стр. 219
لاختصاصه بأنه مفسد لصوم عين رمضان على وجه يستحق به مأثم مخصوص مع انتفاء الشبهة عنه في خروج اليوم أو كون الصوم وقت الوطء مستحقاً، فأشبه الأكل عامداً الوطء لمشاركته له في هتك حرمة اليوم. وانتفاء الشبهة وحصول مأثم عظيم. وهذا نفس القياس ورد للأكل على الوطء بمعان جامعة بينهما، وبمثابة رد الأرز/ ص ٢٥ على البر والنبيذ على الخمر بالمعنى، لأن التحريم فيهما لم يجب للجنس، وإنما وجب لمعنى يشتركان فيه، وقد بينا من قبل أن القياس "إنما هو حمل الفرع على الأصل بوجه ما". وقد حملوا الأكل عامداً على الوطء في إيجاب الكفارة بوجه، فوجب أن يكون ذلك قياساً، وسنبين فيما بعد أن المطلوب بطرق الاجتهاد الظن لثبوت الحكم وغالب الظن.
فإذا جاز إثبات الحدود والكفارات بمثل هذا الاستدلال، وهو موجب لغالب الظن دون العلم لجواز الخلاف والاجتهاد فيه صح أيضاً. وجاز إثباتها بطريق القياس على العلة، لأنه أقوى وأثبت من هذه الطريقة، ولا وجه
стр. 220
لفصلهم في ذلك بين استدلال وقياس يوجبان غالب الظن دون العلم، فبطل ما قالوه.
وأما قولهم، إنما نعمل القياس في موضع الحد والكفارة ولا نعلمه في إثباتهما فإنه قول باطل، لأن موضعهما إذا لم يكن معلوماً بطريق يوجب العلم به، وصح أن يجعل بالقياس موضعاً لهما جاز- أيضاً- أن يثبتا بقياس لا يوجب العلم، ونحن نستقصي الكلام في هذا الفصل في فصول القول في القياس وأحكام العلل إن شاء الله.
فصل
وجميع أحكام الأمارات والعلل الشرعية شرعية ثابتة بالسمع دون قضية العقل، لأن العقل لا يوجب حكماً من أحكام العبادات والعقود على ما ندل عليه من بعد إن شاء الله.
стр. 221
باب
ذكر تفصيل ما يعلم بالعقل دون السمع، وما لا يعلم
ألا بالسمع دون العقل، وما يصح أن يعلم بهما جميعاً
اعلموا- رحمكم الله- أن جميع أحكام الدين المعلومة لا تنفك من ثلاثة أضرب:
فضرب منها، لا يصح أن يعلم إلا بالعقل دون السمع.
وضرب آخر، لا يصح أن يعلم عقلاً، بل لا يصح العلم به إلا من جهة السمع.
والضرب الثالث منها، يصح أن يعلم عقلاً وسمعاً.
فأما ما لا يصح أن يعلم إلا بالعقل دون السمع فنحو حدوث العالم وإثبات محدثه ووحدانيته، وما هو عليه من صفاته ونبوة رسله، وكل ما يتصل بهذه الجملة مما لا يتم العلم بالتوحيد والنبوة إلا به/ ص ٢٦ والدليل على ذلك أن السمع إنما هو كلام الله وقول من يعلم أنه رسول له وإجماع من خبر أنه لا يخطئ في قوله، ولن يصح أن يعرف أن القول قول لله، ولمن هو رسول له، وصدق من خبر الرسول ﷺ عن صوابه وصدقه إلا بعد معرفة الله تعالى، لأن العلم بأن القول قول له والرسول رسول له فرع للعلم به سبحانه، لأنه علم بكلامه وإرساله وصفة من صفاته، ومحال أن يعرف هذه الصفة لله من لا يعرف الله، كما أنه محال أن يعرف أن الكلام والرسول كلام ورسول لزيد من لا يعرف زيداً، فوجب أن يكون العلم بالله وبنبوة رسله معلوماً عقلاً قبل العلم بصحة السمع.
стр. 222
ولا يجوز أن يقول قائل، إني أعرف الله تعالى ونبوة رسله بسمع غير
стр. 223
قول الله وقول رسوله، لأن صدق أولئك المخبرين لا يعلم ضرورة، لأنهم غير مضطرين إلى ما يخبرون عنه من ذلك. ولن يضطر الله إلى صدق المخبرين في أخبارهم دون أن يكونوا إلى العلم بما أخبروا عنه مضطرين، لما نبينه من بعد في باب القول في أقسام الأخبار.
ولا يجوز- أيضاً- أن يكون صدقهم في الإخبار عن التوحيد والنبوة معلوماً بدليل العقل، لأن ذلك يوجب أن يكون ذلك الدليل والدليل الذي يه يعلم ثبوت التوحيد والنبوة دون خبر المخبر عنهما، وإنما يكون خبره عنهما تنبيهاً عليهما، وهي الدلالة دون قوله، فثبت أن العلم بهذه الجملة وما لا يتم ويحصل إلا أن به مدرك بقضية العقل من حيث لا مجال للسمع به، على أن المخبر عن ذلك لا يخلو أن يكون عالماً بصحة ما أخبر عنه بنظرٍ أو بخبر، فإن كان يعلمه بالنظر صح ما قلناه، وإن كان عالماً بذلك بخبرٍ مخبرٍ آخر، ثم
стр. 224
كذلك الثاني وجب إثبات أخبار ومخبرين لا نهاية لهم وذلك محال.
فصل
وأما ما يعلم بالسمع من حيث لا مسرح للعقل فيه, فنحو العلم بكون فعل المكلف حسنًا وقبيحًا وحلالًا وحرامًا وطاعة وعصيانًا وقربة وواجبًا وندبًا, وعقدًا ماضيًا نافذًا وتمليكًا صحيحًا وكونه/ ص ٧ أداء وقضاء ومجزئًا وغير مجزئ, وتحريم كل محرم من فعله على مراتبه, ونستدل على ذلك من بعد إن شاء الله تعالى.
فصل
وأما ما يصح أن يعلم بالعقل تارة وبالسمع أخرى, فهو كل حكم وقضية عقل لا يخل الجهل بها بالعلم بالتوحيد والنبوة, نحو العلم بجواز رؤية الله تعالى بالأبصار وجواز الغفران للمذنبين, والعلم بصحة التعبد بالعمل بخبر الواحد وجواز الغفران للمذنبين, والعلم بصحة التعبد بالعمل بخبر الواحد والقياس في الأحكام, وأمثال ذلك مما إذا جهله المكلف صح مع جهله به أن يعرف الله تعالى ونبوة رسله صلى الله عليهم وسلم. وهذه جملة كافية في هذا الباب وبالله التوفيق.
стр. 225
باب
القول في حقيقة الفعل, وحده وأقسام أفعال
الخلق المكلف منهم ومن ليس بمكلف
والذي يجب تقديمه في هذا الباب أن يعلموا أن وصف الفعل بأنه فعل ينصرف إلى معنيين, أحدهما حقيقة, والآخر مجاز.
والحقيقة منه: "هو الحادث من محدثه المخترع لذاته ذاتًا وعينًا", وكونه كذلك لا يتعلق إلا بالله تعالى المخترع لسائر الحوادث والأعيان, ومعنى أنه فعل أنه الحادث الموجود الذات بقدرة فاعله, لأنه لا يكون فعلًا قبل وجوده, ولا في حال بقائه, وإنما يكون فعلًا في حال حدوثه بقدرة مبدعه تعالى.
стр. 226
وقد يوصف تصرف العبد بأنه فعل له مجازًا واتساعًا على معنى أنه كسب له, وتفسير القول أنه كسب له إنه ما وقع مقدورًا له بقدرة محدثة, وليس قدرة على إحداثه وإنشائه. وقد بينا هذه الجملة في كسب المخلوق في أصول الديانات بما يغنى متأمله, وكون التصرف كسبًا هو الداخل تحت التكليف دون كونه موجودًا حادثًا الذي ليس بداخل تحت قدرة العبد.
стр. 227
فأما القدرية فإنها تحد الفعل بأنه "الموجود المتعلق بمن كان قادرًا عليه", يعنون بذلك أنه كان مقدورًا لفاعله قبل حال وجوده/ ص ٢٨ وأن الله تعالى
стр. 228
وغيره من الفاعلين لا يقدر على الفعل في حال حدوثه من حيث امتنع كون
стр. 229
الموجود مقدورًا, وقد منعوا لذلك الأمر بالموجود والنهي عنه والإباحة له والتحريم, ونحن نبين فساد هذا القول من بعد في أحكام الأوامر.
فصل
في ذكر أقسام اكتساب الخلق
اعلموا أنها في الأصل على ضربين:
فضرب منها كسب لعاقل مكلف, والضرب الثاني كسب لغير عاقل, فالعاقل منهم الملائكة والجن والبالغون من الإنس غير المنتقصين, والذي ليس بعاقل منهم البهائم والأطفال والمنتقصون من البله والمجانين, وأفعال هؤلاء باتفاق غير داخله تحت التكليف لخروجهم عن العقل والتمييز وصحة تلقي التعبد والعلم به وقصد ما يكلفونه بعينه, ولسنا نعني بزوال التكليف عنهم فيها إلا ترك المطالبة لهم بالاجتناب لها أو الإقدام عليها, وحصول وعد ووعيد وثواب وعقاب ومدح وذم عليها, ولا نعني به سقوط أحكام شرعية تجب فيها على ولي الطفل والمجنون, وصاحب البهيمة وقائدها من ضمان جناية, وغرم متلف, وقيمة أرش ووجوب زكاة في مال, غير أن لزوم ذلك لوليهما ليس بأمر وخطاب لهما, وإنما هو تكليف لغيرهما.
فصل
ولو حصل لبعض من لم يبلغ الحلم عقل البالغين لصح تكليفه التوحيد مما دونه, وغير محال في العقل حصول بعضهم كذلك, غير أنه معلوم بالسمع أنه لا يحصل لأحد منهم بدلالة وهي قوله ﷺ : "وعن الطفل حتى يبلغ".
стр. 230
ففي رفع القلم عنه دليل على عدم تمييزه لما يعرفه العقلاء, وسقوط فرائض الدين عنه من الصيام والجهاد وغير ذلك دليل على ما قلناه, وهذا مما سبق الإجماع عليه قبل خلاف من يحكي ذلك عنهم من أهل العراق وغيرهم.
فأما تعلقهم في ذلك بوجوب ضربهم على الصلاة لعشر, ولزوم غرم الجنايات في أموالهم, والزكوات على قول بعضهم, وإجزاء صلواتهم إذا
стр. 231
فعلت بشروطها عند دخول وقت الصلاة وقبل بلوغهم وسقوط الفرض بها عنهم/ ص ٢٩, وأن ذلك دليل على أنهم مكلفون ومخاطبون, فإنه تعلق باطل.
فأما ضربهم عليها لعشر, فمن تكليف الأب والولي لينشئا الطفل عليها ويألف إيقاعها, وأما لزوم الغرم والزكاة فمما يلزم الولي دون الطفل.
وأما قول من زعم أن صلواته قبل بلوغه إذا فعلت في الوقت بشروطها أجزأت عن الصلاة الواجبة عليه عند البلوغ فإنه لا حجة فيه, لأنه لا يمتنع أن يسقط عنه الفرض إذا بلغ بسبب فعل مثله قبل بلوغه وإن لم يكن ما فعله واجبًا, إذا دل السمع على أنه قائم مقامه, كما يقول بعض الفقهاء إن الصلاة المفعولة في أول الوقت نفل ليس بفرض وإن سقط بها الفرض عند وجوبه وتضيقه, فبطل ما قالوه, وثبت أن الطفل غير مكلف على وجه.
стр. 232
باب
القول في معنى التكليف
وقصد الفقهاء بوصف المكلف بأنه مكلف
اعلموا أن الأصل في التكليف أنه إلزام ما على العبد فيه كلف ومشقة, إما في فعله أو تركه, من قولهم: كلفتك عظيمًا, وتكلف زيد أمرًا شاقًا, وأمثال ذلك.
والفقهاء يستعملون ذلك على ثلاثة معان.
فوجه منها, ما قلناه وهو "المطالبة بالفعل أو الاجتناب له"، وذلك لازم في الفرائض العامة نحو التوحيد والنبوة والصلوات, وما جرى مجرى ذلك, فكل عاقل بالغ مطالب بذلك مكلف له, لا يسقط عنه فعل ذلك بفعل غيره لمثله, وقد يسقط عنهم بعض ما كلفوا إيقاعه إذا فعل غيرهم مثله, نحو غسل الميت والصلاة عليه والجهاد, وما جرى مجرى ذلك من اختلاف فرائضهم في أمور لا يعم فرضها.
стр. 233
والوجه الثاني, أن يقولوا: "إن العبد مكلف ومخاطب" على تأويل أن عليه فيما سها ونام عنه ولم يقع منه في حال السكر والغلبة فرض يلزمه, وعلى تأويل أن طلاقه نافذ واقع وحده واجب, وضمان جنايته لازم وأمثال ذلك, وإنما يخاطب بذلك قبل زوال عقله وتعمده, فيقال له: إذا نسيت صلاة أو نمت عنها في وقت لو كنت ذاكرًا فيه ويقظانًا لزمتك/ ص ٣٠ فقد وجب عليك قضاؤها وفعل مثلها, كما يقال للحائض إذا طهرت ليس عليك قضاء الصلاة التي لم تخاطبي بها بسبب عرض فأزال تكليفها عنك.
والوجه الثالث, أن يقولوا: إن الطفل مخاطب ومكلف, وكذلك العبد والمريض, يعنون بذلك أنهم إذا فعلوا ما لا يجب عليهم فعله ناب مناب ما يجب عليهم ووقع موقعه, فلذلك قالوا: إن المريض الذي يجهده الصيام والقيام إلى الصلاة - ولا يجب ذلك عليه - مخاطب بهما إذا فعلهما, يعنون بذلك أنه واقع موقع ما يجب عليه, ويقولون: إن العبد مخاطب بالجمعة إذا حضرها وفعلها, يعنون بذلك أنها نائبة مناب ما يجب عليه وإن لم تكن نم فرضه, وكذلك من يكلف الحج باستطاعة بدنه وإن لم يجد زادًا ولا راحلة مكلف بالحج بمعنى أنه نائب عن فرضه إذا وجد ذلك, وإن لم يكن ما فعله من تكليفه على قول من جعل الاستطاعة الزاد والراحلة, وكذلك قولهم: إن الطفل قد كلف الصلاة إذا فعلها بشروطها قبل البلوغ وفي الوقت, يعنون بذلك أنها نائبة مناب ما يجب عليه, وإن لم تكن من فرضه, فيجب تنزيل مقاصدهم على واجبها ومعرفة أغراضهم بذلك, لأننا قد نستعمل هذا أحيانًا
стр. 234
على هذه الوجوه
فصل
تفصيل أفعال المكلفين وما يدخل منها تحت التكليف
اعلموا - وفقكم الله - أن أفعال العقلاء على ضربين:
فضرب منها لا يصح دخوله تحت التكليف, وهو ما يقع منهم في الحال السهو والغفلة والنوم والغلبة بالسكر, وكل ما يقطع عن ثبوت العقل والتمييز.
стр. 235
وقال شذوذ من الفقهاء: إن على الغافل تكليفًا في هذه الأحوال, وربما حصل الخلاف منهم - عند التحصيل - في عبارة دون معنى, وهو أن يقولوا إنه يلزم الغافل عند إفاقته وتذكرة وغرم وطلاق وحد, وهذا ما لا خلاف فيه.
والذي يدل على امتناع تكليف الساهي فعل ما هو ساه عنه.
أن المكلف الفعل, إنما يكلف إيقاعه أو اجتنابه على وجه قصد التقرب وإرادة الله تعالى بالفعل أو الاجتناب, وقد علم أن القصد إلى التقرب بفعل بعينه أو اجتنابه متضمن للعلم به حتى يصح القصد إليه دون غيره, وموقع الشيء مع السهو عنه وعدم القصد لا يصح أن يكون مع سهوه عالمًا به
стр. 236
وقاصدًا إليه بعينه, فضلًا عن قصد التقرب به وفعله لله دون غيره, فثبت بذلك أنه غير داخل تحت التكليف.
ويدل على ذلك - أيضًا - أنه لو قيل للساهي: أقصد للتقرب بفعل ما أنت ساه عن فعله أن التقرب بالاجتناب له لوجب أن يقصد إلى إيقاع ما يعلم أنه ساه عنه أو اجتنابه, وعلمه بأنه ساه عنه ينقض كونه ساهيًا عنه, ولعاد عالمًا به إذا علم أنه ساه عن الفعل الذي يجتنبه أو يوقعه, وخرج عن كونه ساهيًا عنه, فاستحال لذلك تكليف الساهي التقرب بما هو ساه عنه أو اجتنابه.
وأما ما يدل على إحالة تكليف النائم والمغلوب والسكران فهو نفس ما دل على امتناع تكليف البهيمة والطفل المجنون لاشتراك جميعهم في زوال العقل والتمييز, بل قد علم أن الطفل والمجنون أقرب إلى العلم والقصد إلى كثير من الأشياء من المغلوب بالنوم والمرض والسكر, ومن حيث كان للطفل والمجنون قصود وعلوم بأشياء كثيرة, وقصدًا إلى التجوز والاجتلاب لأشياء كثيرة لا يعلمها السكران والمغلوب بالنوم والبرشام, ولأن النائم قد ينبه فيتنبه عاقلًا مميزًا, والمريض والسكران أسوأ حالًا من المجنون في زوال عقله وتعذر عوده إليه بأمر يكون من العباد, فثبت بذلك امتناع تكليف من هذه الحالة, كما يمتنع تكليف المجنون والطفل, وهما أمثل حالًا منهما.
فصل
فإن قالوا, كيف تحيلون دخول فعل النائم والمغلوب والسكران والساهي تحت التكليف مع إجماع الأمة من الفقهاء وغيرهم على لزوم أفعال
стр. 237
لهم بسبب الأفعال الواقعة منهم في حال السهو والنوم والغلبة بالسكر وغيره, نحو تكليف فعل الصلوات الفوائت في حال نومه وسكره, ولزوم طلاق السكران بسبب سكره, ووجوب حده, وقيمة ما أتلفه في حال سكره, إلى غير ذلك من الأحكام.
يقال له, فقد بان بما قدمناه زوال عقل النائم والسكران وأنهما أسوأ حالًا من الطفل والمجنون فامتنع تكليف الكل لذلك, وإنما يجب على النائم والسكران قبل زوال عقولهما أو عند إفاقتهما وعودهما إلى صحة العقل قضاء ما لم يفعلاه من الصلوات في حال النوم والسكر, وذلك خطاب لهما في حال عقلهما بفرض مبتدأ, ولكنه مع ذلك سبب خطابهما في حال العقل بفرض مبتدأ وغرم واجب, ولو لم يجعل الفوات وما وقع منه من الطلاق, وفعل فيه من السكر سببًا لوجوب القضاء, ونفوذ الطلاق, ووجوب الحد, ثم يسقط ذلك عنه إذا عقل لكان ذلك صحيحًا جائزًا بإجماع.
وكما يكون فعل البهيمة وقاتل الخطأ وحكم الحاكم وفتيا المفتي أسبابًا لوجوب أفعال على غير الفاعل لها, لا لأن فعل البهيمة وقتل الخطأ داخلان تحت تكليف العاقلة وصاحب البهيمة, وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون لزوم هذه الأمور في حال الإفاقة خطابًا وتكليفًا لمن لا عقل له.
فأما من توهم أن حد السكران إنما وجب عليه بسبب أدخله على عقله وهو السكر, فإنه باطل, لأن السكر من فعل الله تعالى فيه, وليس من كسب
стр. 238
العبد ومقدوراته مباشرًا ولا متولدًا.
فأما استحالة ابتدائه بفعل السكر في نفسه فباطل باتفاق, وأما امتناع كونه مولدًا لفعل السكر بسبب كان منه, فإنه ظاهر من قبل, إنه لم يكن منه إلا الشرب, وشربه للماء وسائر المائعات من جنس شربه الخمر العتيق, فلو ولد أحد الشربين السكر لولده الآخر, لأن الشيء إذا ولد عند أصحاب التولد شيئًا ولد مثله, ولو ساغ القول بأن الشرب يولد السكر لساغ أن يقال إن الأكل والشرب يولدان الشبع والري أن الوجبة تولد الموت, وكل هذا باطل, وأصل القول بالتولد عند أهل الحق باطل في فعل الله تعالى وفعل خلقه, فسقط
стр. 239
ما ظنوه, ولا يسوغ - أيضًا - لأحد أن يقول إن السكر إنما وجب وتولد عن ذات الشراب, لأنه جسم من الأجسام, والأجسام لا تولد شيئًا, ولأنه لو تولد السكر عن ذات الشراب لكان فعلًا لله تعالى, لأنه فعل الجسم الذي هو الشراب, فإذا لم يحد السكران بسبب كان منه, وهذا يبين في إبطال قول من زعم أن حد السكران إنما وجب عليه لأجل سبب كان منه وأمر أدخله على نفسه.
ولو قيل, إنه إنما حد لشربه ما قد أجرى الله تعالى العادة بفعل السكر عند تناوله لكان ذلك أولى, إلا أن يكون محدودًا على شيء فعله مع العقل لا مع زواله, لأنه شرب وهو عاقل مميز.
فصل
فإن قالوا, كيف يسوغ لكم منع تكليف السكران مع قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ونهيه لهم عن الصلاة في حال السكر, ولا فرق بين أن ينهاهم عن الصلاة مع السكر, وبين أن يأمرهم بها وبغيرها مع السكر, وهذا يبطل ما أصلتم؟
يقال لهم, إذا بان بما قدمناه أن حال المغلوب بالسكر أسوأ من حال النائم والطفل والمجنون, لأنه يبلغ إلى حال لا يفرق فيها بين ذوات
стр. 240
المحارم وغيرهن, ولا يكون له قصد ولا تمييز على وجه ثابت بذلك أنه غير مكلف لفعل ولا لاجتناب, ووجب حمل الآية على تأويل يوافق موجب هذه الحجة, ولها تأويلات:
أحدها, إن السكر سكران: أحدهما زوال العقل, وهذا هو الذي يمتنع معه التكليف وتوجيه الخطاب إلى العبد.
ولام, استحسان ما كان يستقبحه الشارب قبل شربه ولا يراه قبيحًا إذا شرب من الطرب والصياح والتصفيق والانخلاع وكثرة الانبساط مع بقاء عقله وصحة تمييزه وعلمه بأنه مكلف وكونه مفرقًا بين الضرب والنفع والخير والشر/ ص ٣٤ وليس هذا من زوال العقل في شيء, وإنما حظر على الشارب أن يقرب الصلاة وهو سكران على معنى حظر شرب يصيره إلى هذه الحال, ولم ينه عن نفس الصلاة, فكنى عن ذكر النهي عن الشرب بذكر الصلاة التي وجب المنع من الشرب لأجل استيفاء حقوقها, وإلا فمن هذه حالة في التمييز مأمور بفعل الصلاة باتفاق, وإنما نهي عن الشرب المؤدي إلى هذه الحال عند حضور أوقات الصلوات, لأجل ما يحدث في الشارب من ثقل اللسان والحرص على استدامة الشرب والتثاقل بالصلاة, وإقامة ما يجب لها من الركوع والسجود والخنوع والخشوع, ومحظور عليه شرب قليل ما يؤدي إلى ذلك وكثيره, إذا كان شرب القليل داعيًا إلى شرب الكثير, وما يؤدي إلى استثقال الفرض وحصول السكر.
فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يدل على أنهم لا يعقلون في حال ما نهوا عن الصلاة؟
стр. 241
يقال لهم, ليس الأمر كذلك وإنما أراد حتى تعلموا علمًا يكون معه التمكن من استكمال الفرض بحدوده وزوال استثقاله, وقد يحصل العلم بما يقولون مع الاستثقال ومع عدمه, وذلك حصول له على وجه دون وجه.
وقد قيل - أيضًا - في تأويلها إنه أراد بقوله ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ من النوم والاستثقال حتى تستيقظوا استيقاظًا يزول معه ثقل النوم, ويكمل معه التمييز والنشاط والتمكن من القيام بحقوق الصلاة.
وقيل - أيضًا - إنما أراد النهي لمن قدمنا ذكره ممن لم يسكر ولم يزل عقله عن الحضور مع النبي ﷺ في المساجد الجماعة تعظيمًا للنبي ﷺ والمؤمنين وتنزيهًا للمساجد, وإن كان الشارب لم يزل عقله بقدر ما شربه.
стр. 242
فصل
وقد زعم قوم أن الشرب الثاني الذي معه زوال العقل مما يحظره العقل, وأن الشرب الأول الذي يكون معه طيب النفس والانبساط مع بقاء العقل محظور بالسمع, وهذا باطل وخطأ من وجهين:
أحدهما: إن العقل لا يحظر شيئًا أصلًا لما نبينه من بعد.
والآخر: إن كان سكرًا على الحقيقة دون السكر الأول فهما جميعًا من فعل الله تعالى غير كسب للعبد, فكيف يتعلق عليه إباحة أو حظر, والله الموفق للصواب.
стр. 243
باب
القول في صحة دخول فعل المكره
تحت التكليف والاختلاف فيه / ص ٣٥
اعلموا أن المكره لا يكون مكرها إلا على كسبه وما هو قادر عليه, نحو المكره على الطلاق والبيع وكلمة الكفر, وكل ذلك إذا وقع كسب له, وواقع مع علمه به وقصده إليه بعينه فيصح لذلك تكليفه, كتكليف ما لا إكراه عليه فيه.
стр. 244
وقد زعمت القدرية أنه لا يصح دخوله تحت التكليف, لأنه لا يصح منه غير ما أكره عليه.
وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه قد يصح خلاف ذلك لأنه عندهم قادر على ما أكره وعلى ضده وتركه, فلو شاء فعل ضده, والانصراف عنه, ولتحمل الضرر وكف عنه, فسقط ما قالوه.
والوجه الآخر: أنه ليس كل من لا يصح منه الانصراف عن الفعل يمتنع تكليفه, لأن القادر عندنا على الفعل من الخلق لا يصح منه الانصراف عن الفعل في حال قدرته عليه لوجوب وجودها مع الفعل, وإن كان ذلك يصح منه بمعنى صحة بقائه على الحال التي كان عليها قبل وجود قدرته على الفعل, وأنه كان يصح كونه قادرًا على ضده بدلًا منه, فإنه تكليف صحيح.
ولأن أكثر أهل الحق يجيزون تكليف من لا يصح منه الفعل ولا تركه من الأحياء العقلاء, وإن لم يرد بذلك شرع, فبطل ما قالوه.
وزعم كثير من الفقهاء أن المعنى المزيل لدخول فعل المكره تحت
стр. 245
التكليف أنه واقع من فاعله بغير إرادة وقصد, فصار بمنزلة فعل النائم والمغلوب اللذين لا قصد لهما, وهذا - أيضًا - باطل باتفاق المتكلمين, لأن مطلق زوجته, وقاتل غيره عند الإكراه عالم بما يفعله وقاصد إليه دون غيره.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين المختار الذي لا إكراه عليه؟
قيل له: الفرق بينهما أن المختار مطلق الدواعي والإرادات والمكره مقصور الدواعي والإرادة على فعل ما أكره عليه, لا يختار غيره.
فإن قيل: ولم صارت هذه حاله؟
قيل: لما يخافه من عظيم الضرر, وهو يدفع أعظم الضررين بأدونهما, ودواعيه مقصورة عليه لأجل ذلك.
فإن قيل: فهل بين الإلجاء والإكراه فرق؟
قيل له: لا فرق بينهما من جهة اللغة.
وقد زعم قوم أن الإلجاء هو: "ما خيف معه القتل"، والإكراه: "ما يكون معه الخوف فيما دون النفس".
وقال أيضًا بعض القدرية: الإلجاء ما لا يكون معه إلا داع واحد
стр. 246
إلى فعل/ ص ٣٦ واحد والإكراه ما يصح أن يكون معه دواع إلى الفعل وإلى خلافه وضده.
وأهل اللغة لا يفصلون بين الإلجاء والإكراه والقهر والجبر والاضطهاد والحمل, كل ذلك عندهم بمعنى واحد, فلا وجه للافتيات عليهم في الأسماء.
فأما المعنى فما ينكر أحد أن يكون منه ما هو خوف تلف النفس وتخويف بذلك, ومنه ما يكون خوفًا على ما دون النفس, ومنه ما يكون معه داع واحد, ومنه ما يكون معه دواع مختلفة ومتفاوتة ومترجحة, ولا طائل في هذا الخلاف.
فصل
ويدل على جواز دخول فعل المكره تحت التكليف تكليف الله تعالى ترك قتل البريء مع الإلجاء, وأمره لنا بالكف عن ذلك, وكذلك فقد كان يجوز أن يكلفنا ترك كل فعل يكره على إيقاعه, فبطل ما قالوه.
стр. 247
فصل
فإن قيل: فهل للإكراه الذي يزول معه فرض ترك الفعل حد؟
قيل له: حده " ما أباح الشرع إيقاع الفعل عنده خوفًا من حصول كل ضرر يخوَّف به الإنسان من تلف النفس وما دونه إلا أن يكون يسيرًا يحتمل مثله"، وذلك موقوف على الاجتهاد وعلى ما يرد به السمع من ذلك, وقد كان يجوز ورود التعبد بترك كل فعل يخوف المكلف بضرر عليه, قل الضرر أم كثر, وأن يلزم إيقاعه, وإن خوفنا بالقتل وعلمنا نزول القتل بفاعله يقينًا, كل ذلك مجوز في العقل, فسبيله إيقافه على السمع.
وقد زعمت القدرية أنه إنما يصح أن يباح ويطلق من القبائح عند الإكراه ما كان يصح إطلاقه وإباحته من غير الإكراه, فأما ما لا يصح
стр. 248
الابتداء بإباحته فإن الإكراه لا يجوز أن يبيحه.
وهذا باطل, لأن جميع القبائح إنما تكون قبيحة بالسمع, ولو لم يقبحها السمع لم تقبح, وقد كان يجوز إباحة جميعها على معنى أنه لا ينهى العاقل عن شيء منها, ولا يتوعد بعقاب على فعله, فأما جواز الأمر بها فصحيح - أيضًا - إلا الكفر بالله تعالى, فإنه محال لعلل قد ذكرناها في أصول الديانات, ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد.
وإنما الكفر الذي يستحيل الأمر به هو اعتقاد الجهل بالله والإشراك به, دون إطلاق القول بذلك الذي أطلقه الشرع لمن يحسن المعاريض ولمن لا يحسنها, ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد.
стр. 249
فصل
وقد اختلف الناس في صحة الإكراه على الزنى, فأجاز ذلك قوم, وأنكره آخرون, وقالوا لأنه لا يفعل/ ص ٣٧ إلا مع الشهوة والإنعاظ وقوة الدواعي, وهذا باطل, لأن الإنسان يجد من نفسه صحة الترك لفعل ما يشتهيه وفعل القصد إلى الانصراف عنه مع فرط الشهوة له والحاجة إليه, فإذا أكره على فعل ما لولا الإكراه لتركه مع الشهوة وشدة الحاجة العاجلة وجب صحة الإكراه عليه.
فصل
واعلموا أن الإكراه لا يصح إلا على أفعال الجوارح المشاهدة, والمعلوم وقوعها إذا وقعت, والانصراف عنها إذا تركت, فأما الإكراه على ما غاب ويظن من أفعال القلوب (لا) يجوز أن يكره العبد على علم بشيء أو جهل به أو حب له أو بغض أو اعتقاد وعزم, فذلك محال لا سبيل إليه, وقد
стр. 250
قال الله تعالى في المكره على إظهار كلمة الكفر ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني من اعتقد الكفر, وإنما فرق تعالى بين القولين "ثالث ثلاثة" وبين اعتقاد ذلك من حيث أثر الإكراه, وصح في أحدهما وامتنع في الآخر, وهذه جملة في ذلك كافية.
следующие страницы →