← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إلى فعل/ ص ٣٦ واحد والإكراه ما يصح أن يكون معه دواع إلى الفعل وإلى خلافه وضده. وأهل اللغة لا يفصلون بين الإلجاء والإكراه والقهر والجبر والاضطهاد والحمل, كل ذلك عندهم بمعنى واحد, فلا وجه للافتيات عليهم في الأسماء. فأما المعنى فما ينكر أحد أن يكون منه ما هو خوف تلف النفس وتخويف بذلك, ومنه ما يكون خوفًا على ما دون النفس, ومنه ما يكون معه داع واحد, ومنه ما يكون معه دواع مختلفة ومتفاوتة ومترجحة, ولا طائل في هذا الخلاف. فصل ويدل على جواز دخول فعل المكره تحت التكليف تكليف الله تعالى ترك قتل البريء مع الإلجاء, وأمره لنا بالكف عن ذلك, وكذلك فقد كان يجوز أن يكلفنا ترك كل فعل يكره على إيقاعه, فبطل ما قالوه.

стр. 247

فصل فإن قيل: فهل للإكراه الذي يزول معه فرض ترك الفعل حد؟ قيل له: حده " ما أباح الشرع إيقاع الفعل عنده خوفًا من حصول كل ضرر يخوَّف به الإنسان من تلف النفس وما دونه إلا أن يكون يسيرًا يحتمل مثله"، وذلك موقوف على الاجتهاد وعلى ما يرد به السمع من ذلك, وقد كان يجوز ورود التعبد بترك كل فعل يخوف المكلف بضرر عليه, قل الضرر أم كثر, وأن يلزم إيقاعه, وإن خوفنا بالقتل وعلمنا نزول القتل بفاعله يقينًا, كل ذلك مجوز في العقل, فسبيله إيقافه على السمع. وقد زعمت القدرية أنه إنما يصح أن يباح ويطلق من القبائح عند الإكراه ما كان يصح إطلاقه وإباحته من غير الإكراه, فأما ما لا يصح

стр. 248

الابتداء بإباحته فإن الإكراه لا يجوز أن يبيحه. وهذا باطل, لأن جميع القبائح إنما تكون قبيحة بالسمع, ولو لم يقبحها السمع لم تقبح, وقد كان يجوز إباحة جميعها على معنى أنه لا ينهى العاقل عن شيء منها, ولا يتوعد بعقاب على فعله, فأما جواز الأمر بها فصحيح - أيضًا - إلا الكفر بالله تعالى, فإنه محال لعلل قد ذكرناها في أصول الديانات, ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد. وإنما الكفر الذي يستحيل الأمر به هو اعتقاد الجهل بالله والإشراك به, دون إطلاق القول بذلك الذي أطلقه الشرع لمن يحسن المعاريض ولمن لا يحسنها, ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد.

стр. 249

فصل وقد اختلف الناس في صحة الإكراه على الزنى, فأجاز ذلك قوم, وأنكره آخرون, وقالوا لأنه لا يفعل/ ص ٣٧ إلا مع الشهوة والإنعاظ وقوة الدواعي, وهذا باطل, لأن الإنسان يجد من نفسه صحة الترك لفعل ما يشتهيه وفعل القصد إلى الانصراف عنه مع فرط الشهوة له والحاجة إليه, فإذا أكره على فعل ما لولا الإكراه لتركه مع الشهوة وشدة الحاجة العاجلة وجب صحة الإكراه عليه. فصل واعلموا أن الإكراه لا يصح إلا على أفعال الجوارح المشاهدة, والمعلوم وقوعها إذا وقعت, والانصراف عنها إذا تركت, فأما الإكراه على ما غاب ويظن من أفعال القلوب (لا) يجوز أن يكره العبد على علم بشيء أو جهل به أو حب له أو بغض أو اعتقاد وعزم, فذلك محال لا سبيل إليه, وقد

стр. 250

قال الله تعالى في المكره على إظهار كلمة الكفر ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني من اعتقد الكفر, وإنما فرق تعالى بين القولين "ثالث ثلاثة" وبين اعتقاد ذلك من حيث أثر الإكراه, وصح في أحدهما وامتنع في الآخر, وهذه جملة في ذلك كافية.

стр. 251

باب القول في ذكر الأمر المقتضي من المكلف بالأمر والنهي اعلموا أن المقتضي من المكلف بالأمر والنهي أحد أمرين لا ثالث لهما: أحدهما: الإقدام على الكسب أو الاجتناب والترك له فقط, ولا واسطة بين هذين يتناوله الأمر والنهي. والجمهور من المتكلمين متفقون على أن تحت الأمر باجتناب الفعل والنهي عن الدخول فيه أمرًا بترك له وفعل ضد ينفيه, وبذلك تقع المطالبة,

стр. 252

وزعم نوابت القدرية أنه قد يكون تحت الأمر باجتناب الفعل أمر بفعل ترك ضد له يدخل المكلف فيه فيكون مطيعًا ويكون تحت الأمر باجتناب الفعل أن لا يفعل المكلف الفعل فقط, ويعرى منه من غير أن يفعل له تركًا وضدًا نافيًا. وهذا باطل, لأن المطالبة باجتناب الفعل لا بد أن تكون مطالبة بأمر يتعلق بالعبد, ويكون به وعدم الفعل, وأن لا يكون من المكلف, وبقاؤه على عدمه ليس بمقدور للعبد, ولا أمر يكون به ويفعله, لأن عدم المعدوم باتفاق لا يتعلق بفاعل ومعدم/ ص ٣٨, وقد أوضحنا ذلك بغير طريق ووجه, قد بيناه في كتب أصول الديانات, وبطل ما قالوه. ولأنه لو كان من طولب بفعل وأوجب عليه إذا لم يفعله مع استحقاقه وتعينه وتضيق وقته فلم يفعل تركًا له لوجب أن يكون معاقبًا ومذمومًا لا على شيء وأن يكون غير عاص ولا فاعل للقبيح, وهذا خروج عن الإجماع وقد بينا بطلان ركوبهم لهذا في الكلام في استحقاق الذم, وامتناع خلو العبد من الفعل والترك, فبطل ما قالوه. فإن قالوا: أفليس المباح داخلًا تحت التكليف؟ وليس هو مطلوبًا بالإباحة ولا بتركه؟

стр. 253

قيل لهم: هذا باطل من وجهين: أحدهما: أن المباح ليس بداخل تحت التكليف لما نبينه من بعد. والوجه الآخر: أن الإباحة إطلاق وإذن, والله تعالى لا يأذن إلا في شيء, ولا يطلق الأشياء فسقط ما ظنوه. فإن قالوا: كيف يسوغ لكم القول بأن الأمر لا بد أن يتعلق بفعل للمكلف أو اجتناب له هو فعل ضده, وقد يؤمر والمفتي والحاكم بفعل يكون من الغير ويتعلق به لا بالمكلف؟ يقال لهم: هذا باطل, لأن التعليم والحكم والفتيا فعل المعلم والحاكم والمفتي, وإنما أمر بالإقدام على ذلك ليقع من الغير تعلم والتزام حكم وفتيا لا يجبان عليه إلا عند فعل الحاكم والمفتي للقول الذي هو الحكم والفتيا, فبطل ما توهموه. فإن قيل: ولم أنكرتم أن يكون المأمور بالفعل والمنهي عنه مأمورًا بأن يخلق ويبدع الأعيان ومنهيًا عن الخلق والاختراع؟ قيل له: من أجل إجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله, ولأجل قوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ وقد عبدت الملائكة من دونه, ولقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾

стр. 254

والقائل بأن غير الله يخلق خارج عن إجماع الأمة, ومخالف لنصوص كتاب الله تعالى, وقد تقصينا إفساد قول القدرية هذا في كتب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه/ ص ٩.

стр. 255

باب القول في بيان الصفات التي يكون المأمور به عليها ليصح الأمر به والنهي عنه اعلموا أن الصفات التي يكون المأمور به عليها ليصح الأمر به والنهي عنه هي: أن يكون مما يصح أن يحدث. أو أن يكون مما يصح اكتسابه. والثالث: أن يكون معلومًا متميزًا للمأمور مما ليس منه, أو أن يكون في حكم المعلوم للمأمور, بأن يكون المأمور على صفة من يصح أن يعلمه لو نظر واستدل. والرابع: أن يكون مما يصح كونه مرادًا للمأمور على وجه إذا أريد صار قربة مأمورًا به إذا لم تكن إرادة في نفسه للعمل لله أو مبتدأ بالتكليف وكان مما لا يحصل طاعة وقربة إلا بإرادة الله تعالى به, ويكون جهة في كونه طاعة وعبادة.

стр. 256

هذا قدر ما يلزم المأمور به من الصفات حتى يصح الأمر به والنهي عنه, دون جميع ما يدعيه القدرية من أنه: أولًا: يجب أن يكون له صفة زائدة على حدوثه وحسنه تقتضي الأمر به أو صفة زائدة على حدوثه وصفة قبحه تقتضي النهي عنه. ثانيًا: وأن يكون شاقًا على المكلف وثقيلًا فعله. ثالثًا: وأن لا يكون حادثًا. رابعًا: أن لا يكون وقته حاضرًا. خامسًا: ولا أن يكون منقضيًا ماضيًا. سادسًا: وأن تكون القدرة عليه موجودة. سابعًا: وأن يكون المكلف عليه قادرًا. ثامنًا: وأن يشترط فيه أن لا يكون المأمور عليه مكرهًا وإليه ملجأ. تاسعًا: وأن يكون مردًا للآمر به المكلف لفعله. عاشرًا: ومما يقصد به إثابة المأمور وتعريضه لنفع وثواب يصل إليه. أحد عشر: وأن لا يكون القادر عليه ممنوعًا من فعله بوجود ضد لمقدوره, أو عدم آلة في إيقاعه. كل هذه الشروط عندنا في صفة المأمور باطلة, فمنها شيء قد تقدم

стр. 257

كسر قولهم فيه, نحو صحة دخول فعل المكره تحت التكليف, ومنها ما نبين فساده من بعد ومنها أشياء قد تقصينا نقضها في كتب أصول الديانات تتعلق بالكلام في أحكام الاستطاعة وإعادة الأعراض وبقائها. ويخرجنا الشروع فيه عن غرض الكتاب, وربما لا يكاد يبلغ الفقيه إليها, ونحن نقتصر على ذكر ما لأجله اشترطوا هذه الشرائط الزائدة على ما قلناه, ونقيم الدليل على وجوب قدر ما شرطناه نحن لنقرب الكلام في ذلك. فأما اشتراطهم له صفة زائدة على حدوثه وحسنه تقتضي الأمر به, ولأجل قولهم إن المباح حادث حسن غير أنه لا صفة له تزيد على حسنه تقتضي فيه الأمر به من كونه لطفًا في فعل حسن في العقل أو اجتناب لقبيح فيه, وكذلك المنهي عنه إنما ينهى عندهم عنه لكونه على صفة في القبح تقتضي النهي عنه زائدة على حدوثه, بأن يكون قبيحًا في نفسه أو داعيًا إلى فعل قبيح في العقل وترك واجب فيه. وأما اشتراطهم كونه ثقيلًا شاقًا على المكلف فلأجل قولهم: إنه لا يصح التكليف إلا مع الكلفة والمشقة في تحمل الفعل والانصراف, ومتى لم يكن كذلك لم يصح تكليفه. وأما قولهم: وأن لا يكون حادثًا فلأن الحادث موجود, ومحال عندهم القدرة على موجود, وذلك باطل على قولنا.

стр. 258

وأما اشتراطهم ألا يكون وقته حاضرًا, فلأن ما حضر عندهم وقته ولم يفعل استحال فعله في ذلك الوقت مع عدمه فيه, لأن ذلك يوجب كونه معدومًا موجودًا وذلك محال, واستحال - أيضًا - فعله فيما بعد ذلك لكونه مختصًا بالوقت, وذلك باطل عندنا. وأما قولهم, وأن لا يكون وقته ماضيًا, فلأنه إذا مضى وقته استحال وجوده لاختصاصه - أيضًا - بالوقت إذا كان مما لا يصح بقاؤه. وأما اشتراطهم أن لا يكون الفعل ماضيًا منقضيًا فلقولهم - أيضًا - إنه يستحيل إعادته وتجدد حدوثه بعد تفصيه إذا كان من أفعال العباد باقيًا أو غير باق, ومما يختص بالوقت وذلك محال عندنا. وأما اشتراطهم وجود القدرة عليه فلقولهم إن تكليف ما لا قدرة للمكلف عليه من الله تعالى ومنا قبيح, وهذا أيضًا باطل على أصولنا. وأما اشتراطهم ألا يكون المأمور به مع كونه مقدورًا ممنوعًا منه فلقولهم: إنه القدرة على الفعل قد يجامعها المنع منه وفقد الآلة فيه, وهذا فاسد عندنا. وأما اشتراطهم رفع الإكراه عليه فلما قدمناه عنهم من استحالة

стр. 259

تكليف المكره على الفعل, وقد بينا فساد ذلك. وأما اشتراطهم كونه مرادًا للآمر به فلقولهم: إنه إنما يكون القول أمرًا به لكونه مرادًا للآمر, وهذا القول باطل لما نبينه من بعد. وأما اشتراطهم أن يكون فيه نفع وثواب يصل إليه فاعله, فلأجل/ ص ٤١ قولهم بوجوب الثواب على الله تعالى, ووجوب فعل الأصلح لعباده وقصد بالتكليف نفع كل مكلف وإن علم أنه يهلك ويعطب, وهذا الأصل - أيضًا - باطل, وإن كان نافعًا بالتكليف لمن المعلوم من حالة القبول وحسن الطاعة. هذه المذاهب هي التي دعتهم إلى إلزام المأمور به هذه الشروط, وهي باطلة كلها. ونحن الآن نذكر الدلالة على قدر ما شرطناه في صفة الفعل. فأما الدلالة على وجوب كونه مما يصح حدوثه فهو لعلمنا بأن ما يستحيل حدوثه من القديم والباقي, واجتماع الضدين, وقلب الأجناس يمتنع دخوله تحت التكليف, لاستحالة حدوثه.

стр. 260

وأما ما يدل على وجوب اشتراط كونه مع حدوثه مما يصح اكتسابه فهو لأنه ليس كل ما حدث يصح أن يقدر عليه العبد ويكون له مكتسبًا أو تاركًا, لأن الأجسام والألوان والقدر والحواس محدثة, وليس مما يصح الأمر به والنهي عنه لاستحالة دخوله تحت قدرة العبد, وإنما قلنا: "وأن يكون مما يصح اكتساب المكلف له"، فلأنه ليس كل شيء يصح أن يكتسب يجوز اكتساب كل مكلف له, لأن كسب زيد لا يصح اكتساب عمرو له, وإن كان مثله ومن جنسه وجنس مقدورات المكلفين لما قام من الدليل على استحالة مقدور لقادرين محدثين وإيجاب ذلك لكونه موجودًا بهما معًا, وذلك محال. وأما الدلالة على وجوب كون الفعل المأمور به معلومًا للمكلف ومتميزًا له في جنسه وصفته ووقته, وأن الله تعالى هو الآمر به, أو أن يكون في حكم المعلوم المأمور به فهو لأنه إنما أمر أن يوقع الفعل طاعة لله تعالى وقربه إليه, وأن يجتنبه إن كان محرمًا على هذا الوجه, ويقصد الإقدام عليه أو الترك له بعينه, ومحال وقوع هذا القصد والتقرب بالفعل أو تركه إلا من عالم به ومميز له من غيره, ومما أمر الله تعالى به وتعبد بفعله فوجب لذلك كونه معلومًا متميزًا للمكلف لكي يصح قصده إليه أو إلى اجتنابه, أو أن يكون في حكم المعلوم المتميز له, ومعنى ذلك أن تكون الأدلة عليه منصوبة ويمكن النظر, ويكون المكلف على صفة من يصح منه الاستدلال بها وإن كان

стр. 261

مع ذلك كافرًا أو جاهلًا بالله وبرسوله, وأنه تعالى مكلف له فعل ذلك, وهذا الشرط مخصوص فيما يجب أن يكون معلومًا للمكلف إذا فعله متقربًا به فأما ما عداه فلا يجب ذلك فيه, على ما سنبينه من بعد. وأما وجه اشتراط كون المأمور به مما يصح كونه مرادًا بإرادة مؤثرة في كونه عبادة وقربة نحو كون السجود عبادة له تعالى, وما يفعل من الضرب جزاء وقصاصًا واحدًا ومستحقًا, وكون الصلاة واجبة وندبًا, وأمثال ذلك فهو لأن من العبادات ما لا يصح كونه طاعة وقربه دون القصد به إلى التقرب وفعله له تعالى, نحو ما قدمناه, وهو أكثر العبادات. والذي يصح كونه طاعة وقربة من غير حاجة إلى إرادة له تعالى به النظر والاستدلال الواقع من العبد في مهلة تكليفه, وكذلك سبيل العلم الأول الواقع لحكم النظر في هذا الباب, ونفس الإخلاص بالعمل والإرادة له به, فإنهما لا يحتاجان إلى إرادة هي إخلاص له, لأنه لا يصح أن يريد وجه الله تعالى وطاعته بالنظر في وجوده وتوحيده من ليس بعارف به, ولو أراده بذلك لكان عالمًا به, ولا يستغني عن النظر في دليل عليه, وكذلك الإرادة له بالعمل, ولو لم يخلص كونهما طاعة وقربة إليه إلا بإرادة له بذلك لاحتاج إلى إرادة للإرادة أبدًا إلى غيرها به, وذلك محال, هذا قدر ما يلزم في صفة فعل المكلف من الشروط.

стр. 262

وإنما يَشترط وجوبَ حدوث المأمور به وكونه مما يصح أن يكون كسبًا للمكلف ومعلومًا له أو في حكم المعلوم مَنْ يُحيل من أهل الحق من جهة العقل تكليفَ العاجز, ومن لا يصح منه فعل ما كلف وتركه, فأما من أجاز ذلك منهم - وإن لم يرد به سمع ولا تعبد في شرع - فإنه لا يوجب في صحة التكليف منه تعالى هذه الشروط على ما قد بيناه في أحكام الاستطاعة والتكليف من الكلام في الأصول, ولو اختصرت هذه الشروط, فقيل يجب أن يكون من شرط المأمور به أن يكون مما يصح اكتساب المكلف له لكان ذلك كافيًا, وكان في ضمنه صحة حدوثه وصحة كونه معلومًا ومرادًا على وجه تؤثر الإرادة في كونه طاعة لأجل أنه لا يصح أن يكتسب العبد إلا حادثًا, وإلا ما يصح مع حدوثه كونه كسبًا, وإلا ما يصح كونه كسبًا له, وإلا ما يصح كونه مقصودًا ومعلومًا له, غير أنا قد بينا ذلك على أوجز ما يكون من الشرح.

стр. 263

باب ذكر جملة أحكام الأفعال الداخلة تحت التكليف وما ليس بداخل تحته اعلموا - أحسن الله توفيقكم - أن أحكام جميع الأفعال/ ص ٤٣ لا تخرج عن حكمين عقلي وشرعي لا ثالث لهما: فأما الأحكام العقلية الثابتة لها فهي التي تكون عليها في ذواتها من الأحكام والصفات إما لأنفسنا وما هي عليه من أجناسها التي خلقها الله عليها, أو لمعان تتعلق بها ضربًا من التعلق. فالأول: نحو كون الفعل حركة وسكونًا وإرادة وعلمًا ونظرًا وأمثال ذلك. والثاني: نحو كون الفعل مقدورًا ومعلومًا ومدركًا ومرادًا ومذكورًا, وأمثال هذا مما يوصف به لتعلق العلم والإرادة والقدرة والذكر بها, وكذلك وصفها بأنها أعراض وحوادث وموجودة - وغير باقية, ونحو هذا إنما هي أحكام عقلية, ولا يجوز أن يثبت لها حكم عقلي لمعان توجد بها وتختص بذواتها لكونها أعراضًا يستحيل حملها لأمثال لها من الأعراض, وذلك نحو استحالة وصفها بأنها متحركة وساكنة وحية وعالمة مريدة, وأمثال ذلك, وكل

стр. 264

الأحكام التي قدمنا ذكرها أحكام عقلية غير شرعية. ومعنى إضافتها إلى العقل أنها مما يعلم كون الفعل عليها بقضية العقل المنفرد عن السمع وقبل مجيء السمع, وكل حكم للفعل علم من هذا الطريق مما ذكرنا وأضربنا عن ذكره فإنه حكم عقلي ليس بشرعي, ولا نعني بذلك أنه لا يصح أن يرد الشرع بالإخبار عن كونها كذلك وتأكيد أدلة العقل على أحكامها, وإنما نعني أنها مما يعلم بها عقلًا, وإن لم يرد السمع, وقد دخل في هذه الجملة سائر أفعال العباد المكلف منهم وغير المكلف, وأفعال سائر الحيوان - أيضًا - لأنها كلها لا تنفك من الأحكام التي ذكرناها. والضرب الآخر من أحكامها أحكام شرعية, وهي التي تختص بها أفعال المكلفين من العباد دون غيرها, وذلك نحو كون الكسب حسنًا وقبيحًا ومباحًا ومحظورًا وطاعة وعصيانًا وواجبًا وندبًا وعبادة لله وقربة وحلالًا وحرامًا ومكروهًا ومستحبًا, وأداء وقضاء ومجزئًا صحيحًا وفاسدًا وعقدًا ماضيًا نافذًا صحيحًا أو باطلًا وفاسدًا فكل هذه/ ص ٤٤ الأحكام الثابتة للأفعال شرعية, لا سبيل إلى إثبات شيء منها والعلم به من ناحية قضية العقل, وهذا هو معنى إضافتها إلى الشرع, لا معنى لها سوى ذلك, غير أنه لا يمكن أن يعرف أحكامها الشرعية إلا كامل العقل ومستدل بعقله على صحة السمع, وصدق مورده, وتلقي التوقيف على هذه الأحكام من جهته, ولولا ورود السمع بها لما علم بالعقل شيء منها لما نبينه وندل عليه من بعد.

стр. 265

فإن قال قائل, فإذا صح عندكم ورود السمع بالأخبار عن هذه الأحكام العقلية وكونه طريقًا إلى العلم بها أو إلى تأكيد العلم بها كما يصح أن يعلم عقلًا, فلم قلتم هي عقلية دون أن تقولوا هي أحكام شرعية أو تقولوا هي عقلية شرعية لحصول العلم بها من الطريقتين؟ يقال له, أما من قال لا تعلم أحكامها هذه بالسمع, وإنما يجب أن تعلم عقلًا, وإنما يرد السمع بتأكيد أدلة العقل فقد يسقط عنه هذا الإلزام, لأنه يجعل معنى هذه الإضافة إلى ما يعلم الحكم به, وإن لم يكن بسمع, وإذا لم يقل ذلك, قلنا: إنما وجه إضافتها إلى العقل دون السمع أمران: أحدهما: إنها أحكام معلومة بالعقل قبل ورود السمع, ولو لم يرد سمع أصلًا لكانت إضافتها لذلك إلى العقل أولى. والوجه الآخر: إنها تعلم بالعقل لو لم يرد السمع, ولا يصح أن تعلم بالسمع لو لم تثبت بالعقل, فصارت إضافتها لأجل ذلك إلى العقل أولى. فأما قول المطالب فهلا قلتم إنها شرعية عقلية, فإن أراد به أنها لا تعلم إلا باقتران العقل والسمع أو بكل واحد منهما وإن لم يحصل الآخر, فذلك باطل, لأنها تعلم وإن لم يقترنا وتعلم بمجرد العقل لو فرض عدم السمع, ولا يصح أن تعلم بالسمع لو فرض عدم العقل.

стр. 266

فإن أراد بذلك أنها تعلم عقلًا ويصح أن تعلم سمعًا أو يؤكد السمع الأدلة العقلية عليها كان ذلك صحيحًا, ولا معتبر بالعبارات والإطلاقات.

стр. 267

باب البيان عن الأمر المطلوب علمه بالنظر في أدلة الفقه وأصوله اعلموا أن المطلوب بالنظر في أصول الفقه وأدلته إنما هو حكم فعل المكلف الشرعي/ ص ٤٥ دون العقلي, نحو كونه حسنًا وقبيحًا ومباحًا ومحظورًا وطاعة وعصيانًا وواجبًا وندبًا وطلقًا حلالًا, وصحة العقد والتمليك, أو فساد ذلك, وكل هذه أحكام للفعل, وليس هي ذات الفعل الذي يوجد عاريًا من هذه الأحكام عند زوال التكليف, وتعلم ذاته وسائر أحكامه وأوصافه العقلية وإن لم يرد السمع فيه بحكم من الأحكام. وزعم قوم أن حكم الفعل المطلوب بالسمع وما انتزع واستخرج منه, إنما هو ذات الفعل ونفسه, وهذا جهل من قائله, لأن وجود الفعل وذاته وجميع ما هو عليه من الصفات الراجعة إليه معلوم قبل السمع, على ما بيناه من قبل, فبطل قولهم.

стр. 268

وقد اعتلوا لذلك بضرب من الجهل - أيضًا - فقالوا: يدل على ذلك أنه لو توهم عدم الفعل, لعدمت سائر أحكامه هذه, فوجب أن تكون أحكامه هي هو, وهذا باطل, لأنه قول يوجب أن تكون جميع صفات الأجسام وأحكامها وأقوالها وأفعالها هي هي, لأنه لو تصور عدم الجسم لعدمت أقواله وأكوانه ونواهيه وأوامره وجميع متصرفاته فيجب لذلك أن تكون أفعاله وتصرفه وسائر صفاته هي هو, ولما لم يجب ذلك باتفاق فسد ما ظنوه. على أن يقال لهم: فهلا استدللتم على أن أحكام الفعل ليس هي ذات الفعل بالاتفاق, على أنه لا يجب انتفاء الفعل بانتفاء أحكامه الشرعية من نحو كونه حلالًا وحرامًا وما جرى مجرى ذلك, ولا جواب لهم عنه. واستدلوا - أيضًا - على أن حكم الفعل هو الفعل بأن حكمه هو كونه حلالًا وحرامًا, قالوا والكل يقولون هذا الفعل حلال وهذا حرام, فيجعلون نفس الفعل هو الحلال والحرام, فوجب أن يكون حكم الفعل هو الفعل. وهذا باطل, لأنه لا معتبر بالإطلاقات التي منها حقيقة ومنها مجاز وإنما يصفون الفعل بأنه حلال وحرام على معنى أنه محلل ومحرم ومحظور ومندوب إليه وموجب, والتحليل والتحريم والندب والإيجاب هو حكم الله تعالى وإخباره عن الشيء بأنه قد جعله كذلك, وهو غير الفعل وعلى أنه لو سلم أن الحلال والحرام هو الفعل لوجب أن يكون هذا الحكم ثابتًا له لمعنى يتعلق به, وهو حكم الله تعالى, فالمطلوب لا محالة حكم في الفعل وصفة حاصلة له بالسمع دون ذاته, وما هو عليه مما هو معلوم بمجرد العقل فبطل ما قالوه.

стр. 269

باب في أقسام الفعل الداخل تحت التكليف ونقول إن جميع أفعال المكلف الداخلة تحت التكليف - دون ما يقع منه في حال الغلبة وزوال التكليف - لا يخلو من قسمين لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما: أحدهما: للمكلف أن يفعله والآخر ليس أن يفعله, ولا يجوز أن يقال أن بينها ما لا يقال له فعله ولا ليس له فعله, وذلك معلوم بضرورة العقل, كما يعلم بأول فيه أن المعلوم لا يخرج عن عدم أو وجود, وأن الموجود لا يخرج عن قدم أو حدث, والذي له فعله منها حسن كله, وهو ينقسم إلى مباح وندب وواجب, وسنبين حدود ذلك من بعد, والذي ليس له فعله هو القبيح المحرم الإقدام عليه, وكل مكلف له فعل شيء مما وصفنا فلا يجوز أن يكون له بحق الملك والاختراع وإنشاء الأعيان الذي لله تعالى التصرف فيها بحق الربوبية واستحقاق العبادة, وإنما يكون للمكلف الفعل على وجه ما حده له مالك الأعيان وأذن له فيه, ومتى قيل أن للمكلف وغيره من الخلق شيئًا من الذوات نحو الأمة والعبد والريع, فإنما معنى ذلك أن

стр. 270

له التصرف فيه والانتفاع بقدر ما أذن له المالك تعالى وحده, وتعدي ذلك ظلم منه ومحظور عليه.

стр. 271

باب القول في الحسن والقبيح من فعل المكلف وطريق العلم بذلك والقول حسن أحسن من حسن وقبيح أقبح من قبيح قد قلنا من قبل أن كل/ ص ٤٧ ما للمكلف فعله فإنه حسن, وكل ما ليس له فعله فإنه قبيح, واعلموا أنه ليس تحت وصف فعل المكلف بأنه حسن أو قبيح صفة هو في نفسه عليها يستحقها لذاته وجنسه, أو لمعنى يقوم به, أو لوجه هو في العقل عليه على ما يقوله القدرية, وأن الحسن في نفسه نحو العلم والعدل والإنصاف وشكر النعمة, وما يجري مجرى ذلك, والقبيح في نفسه نحو الظلم والجهل وكفران النعمة, وأمثال ذلك, وما يدعو في المعلوم إلى فعل الحسن ولا يعلم كونه داعيًا إلى ذلك إلا بالسمع, نحو الصلاة

стр. 272

والحج والصيام, وغير ذلك من الواجبات والقرب التي لا يعلم وجودها عقلًا والداعي إلى فعل القبيح كالزنا واللواط وشرب الخمر وترك الصلاة والفرائض السمعية, هذا جملة الحسن والقبيح العقليين والشرعيين عندهم. ولا أصل لهذا عند أهل الحق, بل العقل لا يحسن شيئًا في نفسه لما هو عليه من الصفة والوجه, ولا شيئًا يدعو إلى ما هذه سبيله, ولا يقبح شيئًا في نفسه وما هو عليه, ولا شيئًا يدعو إلى فعله, كل هذا باطل لا أصل له, وإنما يجب وصف فعل المكلف بأنه حسن وقبيح إنه مما حكم الله بحسنه أو قبحه.

стр. 273

ومعنى حكمه بذلك ليس هو إخباره تعالى عن صفة هو في العقل عليها, وإنما معناه أمره لنا بمدح فاعل الحسن وتعظيمه وحسن الثناء عليه والعدول عن ذمة وانتقاصه, لا معنى لوصفه بأنه حسن أكثر من ذلك. وكذلك معنى وصف الفعل/ ص ٤٨ بأنه قبيح إنه مما أمرنا الله تعالى بذم فاعله وانتقاصه وسوء الثناء عليه به, وقد يدلنا على حكمه فيهما بذلك بخبره عن أنه قد حكم به, ويدل عليه بأمره بالحسن ونهيه عن القبيح المحرم, لإجماع الأمة على ذلك بحسنٍ ما وحكمه بما أمر بفعله وحكمه بقبح ما حرمه بالأمر والنهي في الدلالة على هذين الحكمين بمثابة الخبر عن الحكم بذلك. فصل فأما معنى قولنا حسن أحسن من حسن, وقبيح أقبح من قبيح, فإنما هو أن الذي أمرنا به من تعظيم فاعل ما قيل أنه أحسن والمدح له والثناء عليه أكثر مما أمرنا به في فاعل ما هو دونه في الحسن, ومعنى قولنا هذا أنقص رتبة في الحسن أن ما يلزمنا من المدح والتعظيم عليه أقل, وكذلك معنى قولنا في أقبح القبيحين أنه أقبح أن المأمور به من الذم والانتقاص والإهانة في أقبح القبيحين أكثر ذمًا مما أمرنا به في الأدون, لا معنى لقبيح أقبح من قبيح أكثر من هذا.

стр. 274

فصل فأما ما يدل على أنه لا مجال للعقل في تقبيح شيء من الأفعال أو تحسينه, فقد بيناه وكشفناه في كتب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه. ومن أقرب ما يدل على ذلك أنه لو كان طريق العلم بحسن شيء من ذلك أو قبحه العقل لم يخل أن يكون معلومًا بضرورة العقل أو دليله, ومحال أن يكون معلومًا بضرورته مع جحدنا وجحد أكثر العقلاء للعلم بقبح شيء من جهة العقل, وقول سائرهم بأنا لا نعلمه إلا بدليل السمع, لأن ما علم بضرورة العقل, فالعقلاء فيه مشتركون, ولا يجوز أن يجمع على جحده منهم قوم بهم ثبتت الحجة وينقطع العذر, ويعلم صدقهم ضرورة فيما يخبرون عنه. فبطل بذلك أن يكون معلومًا بضرورة العقل, وقد اتفقنا وإياهم على أنه غير معلوم بأدلة العقل, لأنه لو كان ذلك كذلك لصح أن يجهل حسن العدل والإنصاف وشكر المنعم وقبح الظلم والعدوان وكفران الإنعام كثير من العقلاء إذا قصروا في النظر أو عدلوا عنه جملة وهذا باطل عندهم, فثبت بذلك أنه لا سبيل لهم إلى علم شيء من ذلك من جهة العقل. وقولهم بعد هذا: أنتم تعلمون قبح هذه الأمور وحسنها عقلًا وضرورة وتظنون أنكم تعلمون ذلك دليلًا وسمعًا, لأن العلم بأن العلم ضرورة أو كسب طريقه النظر لا الضرورة بمثابة قولنا لهم بل أنتم تعلمون ذلك كسبًا ونظرًا ودليلًا, وإنما تظنون أنكم تعلمون ذلك عقلًا واضطرارًا, لأنه قد غلط قوم واعتقدوا أن كثيرًا من علوم الاكتساب علوم ضرورية, كما اعتقد قوم أن بعض العلوم الضرورية علوم كسبية, وهذا اعتقدوه وإن وصفوا العلوم

стр. 275

الضرورية أنها علوم كسبية, وهذا ما لا فصل فيه. فإن قالوا: إنما ينفصل قولنا من قولكم باتفاقنا على أن كل عاقل يعلم حسن ما قلناه وقبحه, ولو كان ذلك معلومًا بنظر لاختلف العقلاء فيه, وهذا علامة كون العلم بالشيء معلومًا ضرورة, وهو أن لا يختلف العقلاء في العلم به. يقال لهم: متى سلم لكم أن جميع العقلاء ممن علم صحة السمع وأقر به, ومن جهله وأنكره من الملحدة وغيرهم, يعلم حسن حسن وقبح قبيح من الأفعال, وهؤلاء جميعًا أعني من جهل السمع غير عالمين عندنا بقبح فعل ولا بحسنه وإن اعتقدوا ذلك من غير جهة العلم, وإذا لم يسلم ذلك بطل ما قالوه. فإن قالوا: أردنا اعتقاد جميع العقلاء كذلك, لا العلم به. قيل لهم: ولم قلتم إنه إذا أجمع جميع العقلاء على اعتقاد شيء وبعضهم عالم به, وبعضهم غير عالم به وجب أن يدل ذلك على أن العلم بذلك الشيء ضرورة, وإنما يعلمه منهم من استطرق إليه بطريقة دون من اعتقده ظنًا وتقليدًا, فلا يجدون إلى تصحيح دعواهم هذه طريقًا. ويقال لهم: نحن لا نعلم أن جميع العقلاء يعتقدون حسن ما ادعيتم وقبحه, فلا وجه لدعواكم هذه. ويقال لهم: فقد اعتقد جميع أهل الملل, وكل من خالف الدهرية إثبات الصانع وحدوث العالم, واعتقد جميع مثبتي النبوات من أهل كل ملة صحة بعثة الرسل وصدقهم, وببعضهم يثبت التواتر, فيجب أن يستدلوا

стр. 276

بذلك على أنهم مضطرون إلى العلم بما اعتقدوه من ذلك وأنه لا مقلد فيهم. فإن مروا على ذلك تركوا دينهم, وإن أبوه, وقالوا: هؤلاء قد استدلوا على علم ما اعتقدوه مع كثرة عددهم, أو أكثرهم مستدل ومنهم المقلد والظان في اعتقاده. قيل لهم: مثل ذلك في جميع العقلاء المعتقدين لحسن ما ذكروه وقبحه ولا فرق, وإلا فما الفصل بين إجماع أمم عظيمة وأهل أقاليم على اعتقاد شيء وبين إجماع جميع الناس في هذا الباب؟ فإن قالوا: لو كان طريق العلم بحسن هذه الأمور وقبحها السمع دون العقل لوجب أن لا يعلم ذلك منكروا السمع والجاهلون بصحته. قيل لهم: كذلك هو, وإنما يعتقدون ذلك ظنًا وتقليدًا لأهل الشرائع, وعلى حسب اعتقاد جميع العامة عندكم للتوحيد والنبوة, وإن لم يكونوا لذلك عالمين, لأن من لم يعتقد الشيء من بابه وبدليله لم يصل أبدًا إلى علمه, ولا طريق إلى العلم بحسن الحسن وقبح القبيح إلا السمع.

стр. 277

فإن قالوا: لو لم تعلم هذه الأمور بالعقل لم يعلم به شيء أصلًا. يقال لهم: ولو تعلم هذه الأمور بالسمع لم يعلم شيء أصلًا, ولو لم يعلم بالعقل قبح شرب الخمر ووجوب الصلاة والصيام لم يعلم به شيء أصلًا, ولو لم يعلم بعض الأشياء بضرورة العقل لم يعلم بها شيء أصلًا. ولو لم يعلم بدليله كثير من الأشياء لم يعلم به شيء أصلًا, فإن لم يجب هذا لم يجب ما قلتم ولا مخرج لكم من ذلك, ولسنا نعني - وفقكم الله - بقولنا إنه لا يعلم بضرورته ولا بدليله حسن الفعل ولا قبحه, إنه لا يعلم به/ ص ٥١ حسن نظم الكلام وقبحه, وحسن رمي المؤمن للكافر والكافر للمؤمن ودقته وإصابته, ولا نريد أنه لا يعلم بالحواس حبس الحلق والأصوات وقبح ذلك الذي تنفر عنه النفوس, وإنما نريد أنه لا يعلم وجوب الذم والمدح والثواب والعقاب على الأفعال, وكذلك فما نريد بذلك أن العاقل الحساس لا ينفر من ضربه وإيلامه وتجريده للحر والبرد, ولا يميل إلى التذاذه وإطعامه وإسقائه ودفع الضرر والحر والبرد والآلام عنه, وأنه لا يألم بضرب السيف والكي بالنار, ولا يميل إلى أكل طيب الطعام وشرب لذيذ الشراب, هذا جهل من

стр. 278

راكبه, ولكن ليس يقول مسلم أن العلم على حسن الشيء ميل الطبع إليه وعاجل النفع به, والعلم على قبحه نفور الطبع عنه, ولا أن ذلك هو معنى وصف الحسن والقبيح بأنه حسن وقبيح, لأن الطباع تميل إلى ترك النظر والبحث والاسترسال إلى الراحة, وإمراج النفس في شهواتها ودفع الألم بالنظر وغيره عنها, وتميل إلى الزنا واللواط وشرب الخمر والتبسط في أملاك الغير, كل ذلك قبيح مع ميل الطبع إليه, وعاجل النفع به, وكذلك فهي تنفر عن النظر وكد القلب بدقيق الفكر في أدلة التوحيد, وعن الصيام في أيام القيظ والصلاة, وعن الحج والسعي وسائر العبادات. وليس ذلك بدليل على قبحها, فالمسلم لا ينبسط لتحقيق معنى الحسن والقبيح بهذا. وكثير من القدرية وإخوانهم من المجوس والبراهمة وأهل الدهر يرجعون في معنى الحسن والقبيح إلى هذا, وهو خلاف دين المسلمين, وهذه جملة في معنى الحسن والقبيح وطريق العلم بهما كافية إن شاء الله.

стр. 279

باب أقسام ذكر الحسن والقبيح من الأفعال / ص ٥٢ وما للفاعل فعله منها وما ليس له فعله قد قلنا من قبل, إن جميع أفعال المكلف إما أن يكون له فعلها أولًا يكون له ذلك, وهي كلها بعد ذلك تنقسم على ثلاثة أقسام لا رابع لها: فضرب مأمور به, وضرب منهي عنه, وضرب منها مباح مأذون فيه, والمأمور به منها على ضربين: واجب وندب. فالواجب: هو الموصوف بأنه واجب أن يفعل. والمندوب إليه: يوصف بأنه الأولى أن يفعل والأفضل, ونحو ذلك. والمنهي عنه - أيضًا - على ضربين: فضرب منه محرم محظور, وهو الموصوف بأنه يجب تركه واجتنابه ومنهم من يقول هو الذي يجب أن لا يفعل

стр. 280

من غير ذكر ترك واجتناب له, بناء على تجويز خلق المكلف من الفعل والترك, وذلك باطل بما قدمناه. والضرب الآخر من المنهي عنه منهي عنه على سبيل الندب والفضل, لا على وجه التحريم والحظر لتركه, ويوصف هذا الضرب بأنه الأولى والأفضل ألا يفعل, والأفضل الأولى فعل تركه والاجتناب له. فأما المباح فقسم مخالف لهما, وهو المأذون فيه الذي لا يوصف بأنه يجب أن يفعل, والأولى والأفضل أن يفعل, أو يجب أن لا يفعل, والأفضل أن لا يفعل, إذ كان فعله وتركه سيان, وليس في فعل المكلف شيء خارج عن هذه الأقسام.

стр. 281

باب القول في حد المباح من الأفعال, وهل هو داخل تحت التكليف أم لا ؟ فإن قال قائل: ما حد المباح ومعنى وصفه بذلك؟ قيل له: حده إنه "ما ورد الإذن من الله تعالى فيه وتركه غير مقرون بأمر بذم فاعله أو مدحه, ولا بذم تاركه ولا بمدحه" ولا يحتاج في ذلك إلى القول: "غير مقترن بوعد على فعله بثواب أو على تركه بعقاب" لأن الله تعالى لو أوجب علينا فعلًا/ ص ٥٣ أو حرمه علينا من غير وعد بثواب عليه أو عقاب على تركه لكان واجبًا أو محرمًا بإيجابه وتحريمه وإن لم يكن فيه ثواب ولا عقاب, فإذا قلنا هو المأذون من قبل الله تعالى في فعله, على هذا الوجه فصلنا بينه وبين فعل الله, لأنه ليس بمأذون له فيه, وبين الواجب والندب من أفعالنا وبين أفعال الأطفال والبهائم والمجانين, لأنها غير مأذون لهم فيها. ويصح أن يحد المباح بأنه: "ما أعلم فاعله من جهة السمع أنه لا نفع

стр. 282

له في فعله ولا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له". وهذا - أيضًا - حد يفصله من فعل القديم, وفعل كل من ليس بمكلف, لأنه تعالى غير معلم بحكم ذلك من فعله من جهة سمع, ولا من ذكرنا حاله ممن ليس لمكلف من المنتقصين. فإن قيل: ما معنى قولكم: ما أعلم فاعله ذلك من حكمه من جهة السمع؟ قيل له: لأن العاقل يعلم أنه لا ضرر عليه في ترك الفعل ولا نفع له فيه من جهة العقل, ولا يوصف فعله بأنه مباح. فإن قيل: فما معنى قولكم: حده ما أعلم فاعله أنه لا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له. قيل له: لأجل أنه لو ترك تارك المباح بفعل المعصية الحرام لكان معاقبًا على ذلك ومستضرًا به, لا من حيث كان تاركًا للمباح ولكن من حيث كان في نفسه محظورًا. وقد حد كثير من الناس المباح بأنه "ما كان فعله وتركه سيان" وهذا باطل, لأنه يوجب كون فعل القديم تعالى مباحًا, لأن فعله وتركه سيان في أنه لا نفع له ولا ضرر عليه في فعله ولا تركه إن كانوا أرادوا بتساويهما هذا الوجه, وإن أرادوا تساويهما في المصلحة, فذلك - أيضًا - باطل, لأنه قد تستوي كثير من أفعال القديم وتروكها وأضدادها في المصلحة, فيجب كون

стр. 283

فعله مباحًا, وذلك باطل باتفاق, ويبطل ذلك بعلمنا بأن أفعال المكلفين قبل السمع قد تستوي وتروكها في عروها من نفع وضرر ولا تكون مباحة, وكذلك أفعال البهائم والمنتقصين.

стр. 284

باب القول في حد الندب فأما حد الندب فإنه "المأمور به الذي لا يلحق الذم والمأثم بتركه من حيث هو ترك له على وجه ما، وما لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ترك له من غير حاجة إلى فعل بدل له". وكل ندب فهذه حاله. وهذا أولى من قول من قال: "هو المأمور به الذي ليس بمنهي عن تركه" لأن المندوب منهي عن تركه على وجه ما الآمر آمر به، علي ما نبينه من بعد. ولو حُد بأنه " ما كان فعله خيراً من تركه من غير ذم ومأثم يلحق بتركه" لم يكن بعيداً والأول أولى، لأنه قد يكون الفعل الواقع من الفاعل

стр. 285

قبل ورود السمع خيرا له من تركه من غير مأثم ولا ذم يلحقه بتركه، وإن لم يكن ندباً فوجب أنه لا بد من ذكر الأمر به. فأما من حده من القدرية بأنه " ما إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم بتركه". أو " بأن لا يفعله" وإن لم يفعل له تركاً". فإنه حد باطل، لأنه يوجب أن يكون التفضل والإحسان من فعله تعالى ندباً لأنه يستحق المدح والتعظيم بفعله ولا يستحق الذم بأن لا يفعله. فلما بطل وصف فعله بالندب بطل هذا الحد. فإن قالوا. فما أنكرتم من كون التفضل من فعله تعالى / ص ٥٥ لمعنى الندب، وإن لم يوصف بذلك اتباعاً للسمع؟ يقال لهم، إن جازت هذه الدعوى جاز أن يقال: إن من أفعاله ما هو بمعنى المباح وإن لم يوصف بذلك وبمعنى الفرض الواجب اللازم وإن لم يوصف بذلك، وهم يصرحون بوجوب بعض الأفعال عليه من الثواب على الطاعة والتمكين مما أمر به، ونحو هذا، وإنما يمتنعون وسائر الأمة عن وصف شيء من أفعاله بأنه مباح. فإن قالوا. إن المباح ما تعلق بإباحة مبيح وإذن آذن، والله تعالى لا مبيح عليه ولا آذن. قيل لهم، وكذلك الندب والواجب هما ما تعلقا بإيجاب موجب وأمر نادب مرشد. والله تعالى لا آمر عليه ولا مكلف. فلم يجز وصف شيء من أفعاله ببعض هذه الصفات والحكم لها ببعض هذه الأحكام.
следующие страницы →