Полный текст (1 232 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
باب
القول في حد المباح من الأفعال,
وهل هو داخل تحت التكليف أم لا ؟
فإن قال قائل: ما حد المباح ومعنى وصفه بذلك؟
قيل له: حده إنه "ما ورد الإذن من الله تعالى فيه وتركه غير مقرون بأمر بذم فاعله أو مدحه, ولا بذم تاركه ولا بمدحه" ولا يحتاج في ذلك إلى القول: "غير مقترن بوعد على فعله بثواب أو على تركه بعقاب" لأن الله تعالى لو أوجب علينا فعلًا/ ص ٥٣ أو حرمه علينا من غير وعد بثواب عليه أو عقاب على تركه لكان واجبًا أو محرمًا بإيجابه وتحريمه وإن لم يكن فيه ثواب ولا عقاب, فإذا قلنا هو المأذون من قبل الله تعالى في فعله, على هذا الوجه فصلنا بينه وبين فعل الله, لأنه ليس بمأذون له فيه, وبين الواجب والندب من أفعالنا وبين أفعال الأطفال والبهائم والمجانين, لأنها غير مأذون لهم فيها.
ويصح أن يحد المباح بأنه: "ما أعلم فاعله من جهة السمع أنه لا نفع
стр. 282
له في فعله ولا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له". وهذا - أيضًا - حد يفصله من فعل القديم, وفعل كل من ليس بمكلف, لأنه تعالى غير معلم بحكم ذلك من فعله من جهة سمع, ولا من ذكرنا حاله ممن ليس لمكلف من المنتقصين.
فإن قيل: ما معنى قولكم: ما أعلم فاعله ذلك من حكمه من جهة السمع؟
قيل له: لأن العاقل يعلم أنه لا ضرر عليه في ترك الفعل ولا نفع له فيه من جهة العقل, ولا يوصف فعله بأنه مباح.
فإن قيل: فما معنى قولكم: حده ما أعلم فاعله أنه لا ضرر عليه في تركه من حيث هو ترك له.
قيل له: لأجل أنه لو ترك تارك المباح بفعل المعصية الحرام لكان معاقبًا على ذلك ومستضرًا به, لا من حيث كان تاركًا للمباح ولكن من حيث كان في نفسه محظورًا.
وقد حد كثير من الناس المباح بأنه "ما كان فعله وتركه سيان" وهذا باطل, لأنه يوجب كون فعل القديم تعالى مباحًا, لأن فعله وتركه سيان في أنه لا نفع له ولا ضرر عليه في فعله ولا تركه إن كانوا أرادوا بتساويهما هذا الوجه, وإن أرادوا تساويهما في المصلحة, فذلك - أيضًا - باطل, لأنه قد تستوي كثير من أفعال القديم وتروكها وأضدادها في المصلحة, فيجب كون
стр. 283
فعله مباحًا, وذلك باطل باتفاق, ويبطل ذلك بعلمنا بأن أفعال المكلفين قبل السمع قد تستوي وتروكها في عروها من نفع وضرر ولا تكون مباحة, وكذلك أفعال البهائم والمنتقصين.
стр. 284
باب
القول في حد الندب
فأما حد الندب فإنه "المأمور به الذي لا يلحق الذم والمأثم بتركه من حيث هو ترك له على وجه ما، وما لا يلحق الذم بتركه من حيث هو ترك له من غير حاجة إلى فعل بدل له". وكل ندب فهذه حاله.
وهذا أولى من قول من قال: "هو المأمور به الذي ليس بمنهي عن تركه" لأن المندوب منهي عن تركه على وجه ما الآمر آمر به، علي ما نبينه من بعد.
ولو حُد بأنه " ما كان فعله خيراً من تركه من غير ذم ومأثم يلحق بتركه" لم يكن بعيداً والأول أولى، لأنه قد يكون الفعل الواقع من الفاعل
стр. 285
قبل ورود السمع خيرا له من تركه من غير مأثم ولا ذم يلحقه بتركه، وإن لم يكن ندباً فوجب أنه لا بد من ذكر الأمر به.
فأما من حده من القدرية بأنه " ما إذا فعله فاعله استحق المدح ولا يستحق الذم بتركه". أو " بأن لا يفعله" وإن لم يفعل له تركاً". فإنه حد باطل، لأنه يوجب أن يكون التفضل والإحسان من فعله تعالى ندباً لأنه يستحق المدح والتعظيم بفعله ولا يستحق الذم بأن لا يفعله. فلما بطل وصف فعله بالندب بطل هذا الحد.
فإن قالوا. فما أنكرتم من كون التفضل من فعله تعالى / ص ٥٥ لمعنى الندب، وإن لم يوصف بذلك اتباعاً للسمع؟
يقال لهم، إن جازت هذه الدعوى جاز أن يقال: إن من أفعاله ما هو بمعنى المباح وإن لم يوصف بذلك وبمعنى الفرض الواجب اللازم وإن لم يوصف بذلك، وهم يصرحون بوجوب بعض الأفعال عليه من الثواب على الطاعة والتمكين مما أمر به، ونحو هذا، وإنما يمتنعون وسائر الأمة عن وصف شيء من أفعاله بأنه مباح.
فإن قالوا. إن المباح ما تعلق بإباحة مبيح وإذن آذن، والله تعالى لا مبيح عليه ولا آذن.
قيل لهم، وكذلك الندب والواجب هما ما تعلقا بإيجاب موجب وأمر نادب مرشد. والله تعالى لا آمر عليه ولا مكلف. فلم يجز وصف شيء من أفعاله ببعض هذه الصفات والحكم لها ببعض هذه الأحكام.
стр. 286
باب
القول في حد الواجب ومعناه
أما حد الواجب فإنه " ما وجب اللوم والذم بتركه من حيث هو ترك له". أو بأن لا يفعل على وجه ما " وهذا القدر كاف في حده، من غير حاجة إلى القول: بأنه " ما يجب مدح فاعله وإثباته [؟ وإثابته] ولحوق الذم بتركه" لأن الندب مشارك للواجب في استحقاق المدح والثواب بفعله وليس بواجب ولكنه مفارق له في سقوط الإثم والذم بتركه فوجب انفصاله من الندب والمباح والحرام، بلحوق الذم بتركه على وجه ما. وإن حد بأنه " ما يستحق الذم بتركه وترك البدل منه" جاز ذلك. وما قدمناه أولى، لأنه منتظم لهذا المعنى.
وقولنا، ما يستحق الذم بتركه علي وجه ما ليفصل بينه وبين المباح والندب وكل ما ليس بواجب، لأن ذلك أجمع مما لا يستحق الذم بتركه على وجه ما. والواجب المضيق المستحق والمعين. يستحق الذم بتركه لا محالة، والواجب الموسع وقته والساقط إلى بدل يستحق الذم بتركهما على وجه ما إذا جمع بين تركه وترك البدل منه إن كان ذا بدل / ص ٦ وإذا ترك مع تضييق وقته إن كان موسعاً أو مع غلبة الظن لفواته إن كان متعلقاً بالذمة غير
стр. 287
مؤقت بوقت يتضيق فيه. وهذا معنى قولنا على وجه ما.
وقد أنكر قوم أن يكون العزم على فعل الصلاة في آخر الوقت بدلاً من فعلها وذلك صحيح، وإنما هو بدل من تقديم فعلها، ولو كان بدلاً منها لسقطت بفعل العزم على أدائها. فصار قولنا " ما استحق الذم بتركه على وجه ما" أولى.
فصل
في أن الواجب هو الفرض
قولنا واجب وفرض ولازم وحتم واحد. أما ما يقوله أهل العراق من أن في الواجب ما ليس بفرض، وإن كان كل فرض واجباً فإنه قول لا وجه له.
стр. 288
ولو أنهم قالوا: إن من الفرض ما ليس بواجب لكان ذلك أولى وأقرب، لأن الفرض هو التقدير مأخوذ ذلك من فرض القوس ومن فرائض الصدقة، وفرائض المواريث الذي هو تقدير الواجب منها. وقد يقدر النفل من الفعل، وتمتيع المطلقة، وغير ذلك فلا يكون واجباً لتقديره ويوصف بأنه فرض. والواجب اللازم الذي لا محيد عنه مأخوذ ذلك من وجوب الحائط إذا سقط، وليس كل فرض واجبا فصار قلب ما قالوه أولى.
وأعلموا - وفقكم الله- أنه ربما حصل الخلاف في ذلك خلافاً في عبارة، وربما حصل في معني. فالخلاف في العبارة أن يقولوا نريد بقولنا: الوتر واجب وليس بفرض، أنه سنة مؤكدة. وأن الثواب عليها والمدح لفاعلها أكثر منه ما قصر عن رتبته، وهذا صحيح غير منازع فيه، لأنه لا خلاف في أن / ص ٧ من المسنون ما بعضه آكد من بعض وأجزل ثواباً.
وأما الخلاف في المعني فهو ما حصله متأخروهم من أن معني الواجب الذي ليس بفرض أنه ما علم وجوبه من وجه وطريق غير مقطوع به علي الله تعالي، ولا يكفر من أنكره ورده. والواجب الفرض كالصلوات الخمس، وكل ما علم وجوبه بطريق يقطع به على الله تعالي ويكفر من جحده ورده. ويخرج بجحده عن طريقة التأويل، وهذا خطأ من قولهم، لأجل أن قول القائل القائل إن وجوب الشيء معلوم بطريق لا يقطع به على الله خطأ، وذلك لأن ما علم وجوبه فلن يجوز أن يكون طريق العلم بوجوبه إلا ما يقطع به على الله
стр. 289
تعالى، وكل طريق للعلم بحكم من الأحكام واجباً كان أو ندباً أو مباحاً، فإنه لا يكون إلا معلوماً مقطوعاً به على الله تعالي.
فقولهم "هو ما علم وجوبه" يقتضي العلم بوجوبه والقطع به علي الله تعالي. وقولهم. " من طريق لا يقطع به علي الله تعالي" نقض لقولهم: "إن وجوبه معلوم" فبان ظهور الغلط في هذا الكلام وكل طريق ليقطع بموجبه علي الله تعالي، فهو طريق للظن لوجوبه لا للعلم بذلك من حاله.
فإن قالوا. لم نرد هذا، وإنما أردنا أن من الواجبات ما يعلم وجوبه ضرورة من دين النبي ﷺ كالحج والصلوات الخمس، ومنه ما يعلم وجوبه بدليل لا يكفر من رده وتأوله وجهل موجبه لموضع خفائه والتباسه كوجوب العمل بخبر الواحد والقياس في الأحكام، والحكم بصحة الإجماع ووجوب/ ص ٥٨ الوتر ونحوه، فهذا واجب وليس بفرض، لأن الدليل علي وجوبه مشتبه، والأول غير ملتبس ولا مختلف فيه.
يقال لهم، أما فصلكم بين ما علم وجوبه ضرورة من دين النبي ﷺ وبين ما علم وجوبه بدليل، وبين ما علم بجلي من الأدلة متفق عليه، وبين ما علم بطريق ملتبس فأمر لا خلاف فيه بين أهل العلم,
وأما قولكم. إن ما علم وجوبه بطريق ملتبس ومختلف فيه واجب ليس بفرض فإنه غلط، لأن الواجب إذا كان واجباً في نفس يلحق المأثم بتركه سواء كان الطريق إلي وجوبه جلياً أو خفياً ملتبساً أو واضحاً مختلفاً فيه أو متفقاً عليه، فلا معتبر بطريق العلم إلي وجوبه وإن اختلفت في مراتبها ونصيتها. وإنما المعتبر بكون الشيء مفروضاً في نفسه، ولا يجب أن يكون
стр. 290
ما علم وجوبه من دين النبي ﷺ بدليل يمكن التأويل في مثله والغلط في اعتقاد موجبه، وما علم بالخفي من الأدلة وبالجلي منها مخالف في كونه واجباً فرضا لما علم وجوبه من دينه ﷺ ضرورة وباتفاق من الأمة، بل هما واجبان مفروضان وإن اختلفت الطرق إلي العلم بوجوبها.
وفعلهم هذا يوجب أن لا يكون الفرض من دين الرسول ﷺ إلا ما علم وجوبه ضرورة، وباتفاق من الأمة، وطريق غير سائغ فيه التأويل.
وهذا يوجب أن [لا] يكون فرض العامي الرجوع إلي قول المفتي، لأن ذلك مختلف فيه، ولا يكون فرض العالم العمل بالقياس وخبر الواحد والإجماع والعموم، لأن ذلك مختلف فيه وغير معلوم صحته بضرورة ولا اتفاق.
وأن لا يكون ترك استباحة الدار وقتل الذراري والأطفال فرضاً في الدين لأنه مختلف فيه، والخوارج متأولة في دفعه وغير عالمة بتحريمه ضرورة.
ويجب - أيضاً- أن لا يكون اعتقاد التوحيد والنبوة فرضاً، لأنه ليس بمعلوم ضرورة والدليل /ص ٥٩ عليها أخفي وأشد التباسا، ولما بطل هذا أجمع بطل ما قالوه.
ولو سلمت دعواهم هذه لساغ لغيرهم أن يقول إن الواجب الذي ليس
стр. 291
بفرض ما علم ضرورة وبطريق غير مختلف فيه. والواجب الفرض ما علم بطريق تحتمل التأويل، ولا يكفر من رده فلا يجدون في ذلك فصلاً.
وقد حكي عن قوم أنهم قالوا: الفرض من الواجبات: " ما نطق القرآن بوجوبه دون ما تقرر وجوبه بسنة الرسول ﷺ عن وحي ليس بقرآن، وما وقع باجتهاده ﷺ . وهذا باطل، لأن القرآن قد نطق بالندب في الأفعال- كما نطق بالواجب الفرض- في قوله تعالي ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ في أمثال هذا.
ونطقت السنة بالواجب الفرض من فرض النية في الصلاة، وتقدير دية الأصابع، ووجوب الدية علي العاقلة. ووجوب كثير من قصاص الجنايات، إلي ما يكثر تتبعه من الفرائض الثابتة بالسنة، فبطل ما قالوه، وثبت أن الواجب هو الفرض.
стр. 292
باب
القول في معنى وصف الفعل بأنه مكروه
اعلموا أن معني وصف الفعل بأنه مكروه ينصرف إلي وجهين لا ثالث لهما:
أحدهما، أنه منهي عن فعله نهي فضل وتنزيه، ومأمور علي وجه الندب بأن يفعل غيره الذي هو أولي وأفضل منه، وذلك نحو كراهتنا لترك صلاة الصحي وقيام الليل والنوافل المأمور بفعلها، فيقال للمكلف نكره لك ترك
стр. 293
هذه الأمور، والمراد بذلك أن فعلها أفضل من تركها، لأن في فعلها ثواباً، ولا ثواب في تركها.
والوجه الآخر. وصف المختلف في حكمه بأنه مكروه نحو وصف التوضي / ص ٦٠ بالماء المستعمل بأنه مكروه لموضع الخلاف في جواز التوضي به، ونحو التوضي بسؤر الهر مع القدرة على غيره لأنه أفضل، ونحو أكل لحوم السباع وما يجوز أكله، واتفق علي أن العدول عنه وأكل غيره أولي في أمثال هذا، مما العدول عنه إلي غيره أحوط وأولي وأفضل، وإنما يجب أن يقال في مثل هذا إنه مكروه في حق من رأي أن ذلك لا يجوز ولا يقال أنه مكروه علي الإطلاق، وسيما مع القول بأن كل مجتهد مصيب في فروع الدين، وأن الحق في جميع الأقاويل، وليس من دأب الفقهاء أن يصفوا ما أمرنا به مما ليس غيره أفضل منه ولا ما قطع الدليل علي تحريمه بأنه مكروه، فلذلك لا يجوز أن يقال في شيء من الفرائض والنوافل ولا في المباح المطلق أنه مكروه، ولا يصفون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر بأن مكروه لما كان مقطوعاً علي تحريمه.
وقد يقال في الفعل إنه مكروه إذا اختلف في تحليله وتحريمه اختلافاً حاصلاً مع عدم النص القاطع علي أحد الأمرين، بل واقع فيه من جهة الاجتهاد وغلبة الظن. فيقال في مثل هذا إنه مكروه فعله عند من أداه الاجتهاد إلي تحريمه وكان القول بذلك من فرضه، وتجويزه لغيره القول بتحليله إذا كان ذلك من جهد رأيه فيكون ذلك مكروها في حق العالم
стр. 294
وفرضه. وغير مكروه في حق غيره إذا اختلف اجتهادهما. لا وجه لقولهم مكروه سوى ما ذكرناه، وقد قال ﷺ في الأمر المشتبه: ((حلال بين وحرام بين، وأمور بين ذلك متشابهات لا يعلمها إلا قليل)). وقال ﵇ لوابصة: ((يا وابصة استفت نفسك وإن أفتاك المفتون)) أي خذ بالحزم والحذر وتجنب ما حاك في صدرك وارجع إلى الاجتهاد والنظر، واعدل عن التقليد، وهذا لا يكون إلا خطاباً للعالم، ولم يرد ﵇ بقوله ((متشابهات)) أنه لا دليل عليها ولكنه أراد غموض الدليل وخفاءه، فلذلك/ ص ٦١ قال: ((لا يعلمها إلا قليل)) ولو لم يكن عليها دليل لم يعلمها قليل ولا كثير، وكره للمرء الإقدام على ما حاك في صدره وخاف الزلل فيه وظن إصابة دليل قاطع عليه فلم يجب عليه الكف عن ذلك أحياناً.
стр. 295
فأما وصف الفعل الواقع بأنه مكروه لله وقوعه واكتساب العبد له، فذلك باطل. لأنه تعالى الخالق لجميع أفعال العباد والمريد لإيجادها، وقد يوصف بأنه كاره للقبائح منها على معنى أنه كاره لكونها ديناً مشروعاً وكاره لوقوعها من الأنبياء والملائكة ﵈، وممن علم أنها لا تقع منه، فأما من علم وقوعها منه على غير ذلك فباطل.
стр. 296
باب
ذكر معاني عبارات الفقهاء والمتكلمين في
وصف الفعل بأنه صحيح وفاسد ونحو ذلك
والذي يريده المتكلمون بذلك إنه فعل واقع على وجه يوافق حكم الشرع من أمرٍ به أو إطلاق له، ولا يعنون بذلك أن قضاءه غير واجب وفعل مثله بعده من غير لازم. وكذلك فإنما يريدون بوصف الفعل بأنه باطل وفاسد أنه قبيح ومفعول على مخالفة حكم الشرع، ولا يعنون بذلك أن قضاءه واجب وفعل مثله بعده لازم.
فأما كثير من الفقهاء فإنه يعني بقوله صلاة باطلة وفاسدة أن مثلها واجب بعد فعلها وقضاؤها لازم. وقولهم عبادة صحيحة إنما يعنون به براءة الذمة بفعلها وسقوط القضاء لها. فلذلك قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة ماضية وإن كانت معصية، والصلاة المقطوعة/ ص ٦٢ بطفي الحريق وإخراج الغريق وطلوع الماء على المتيمم باطلة وإن كانت طاعة لله يعنون بذلك وجوب قضائها وفعل مثلها بعدها، ونحن نتقصى القول في ذلك من بعد.
стр. 297
فأما قولهم عقد باطل وحكم باطل وشهادة باطلة وصحيحة وعقد صحيح. فإنما يعنون به نفوذه ووقوع التمليك به، ويريدون بقولهم فيه باطل أنه مما لا يقع به التمليك، وأن الشهادة والحكم والفتيا إذا قالوا باطلة إنه مما لا يلزم العمل والأخذ بها، ولا يجب الحكم بالشهادة، وكذلك قولهم: إقرار باطل وإنكار باطل في أمثال هذا مما لعلنا أن نشرحه من بعد.
هذه جملة المقدمات التي لا يتم معرفة أصول الفقه وأحكام أفعال المكلفين إلا بها كافية إن شاء الله.
стр. 298
باب
في أنه لا يجب نصرة أصول الفقه على أصل فقيه
من الفقهاء وموافقة مذهب من المذاهب
واعلموا - وفقكم الله- أنه إنما يجب أن يقال بالمذهب، لأن الدليل قد دل عليه، لا لأجل أن صاحبه قال به وذهب إليه. فيجب لذلك بناء المذاهب على الأدلة، لا الأدلة عليها.
ويبين ذلك -أيضاً- أنه قد يعرف صحة القول والحكم فيه بدليله وحجته من لا يفتقر في العلم بذلك إلى كون ما دان به وعرفه مذهباً لأحد، وإن جاز أن يوافق قوله الذي صار إليه بعض المذاهب، فبان أن العلم بالحكم لا يفتقر إلى بنائه على مذهب، وإنما يفتقر إلى العلم بطريق الحكم وبالله التوفيق.
стр. 299
باب
ذكر من يجب عليه العلم بأصول الفقه / ص ٦٣
اعملوا - رحمكم الله- أن فرض علم ذلك على الكفاية دون الأعيان.
والدليل على ذلك أن معرفة أحكام أفعال المكلفين المتوصل إلى علمها بأصول الفقه، وأدلة أحكام الفقه إنما هو فرض على الكفاية دون الأعيان، وإنما على العامي التقليد في ذلك والرجوع إلى قول العلماء، ولا معتبر بخلاف من يخالف في ذلك ممن حكم أنه من فرائض الأعيان. وسنقول في إبطال ذلك عند انتهائنا إلى الكلام في التقليد قولاً بيناً إن شاء الله، إذا ثبت هذا وكان العلم بأصول الفقه وأدلته إنما يجب لوجوب العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي تختص بها العلماء وجب أن تكون واجبة على العلماء دون العامة، كما أن العلم بما له يجب من فروض العلماء دون العامة، فإذا قام به البعض منهم سقط -أيضاً- عن باقي العلماء فرض العلم بذلك
стр. 300
إلا فيما يخصه وينزل به فلا يسوغ له فيه التقليد مع كمال آلته على ما سنذكره في فصول القول في التقليد، وما يجوز فيه وما لا يجوز إن شاء الله تعالى.
فصل
وإن كان في أصول الفقه ما يؤدي الجهل به إلى الجهل بالتوحيد والنبوة وما يتصل ببابهما، أو إلى الجهل ببعض الأصول التي يأثم مخطئ الحق فيها من فرائض الأعيان، التي العامة والخاصة فيها سواء وجب معرفة ذلك الأصل لأجل أن تضييع علمه يؤدي إلى الجهل بما قد فرض علمه، وما نعرف في أصول الفقه ما هذه سبيله. وكذلك وإن كان فيه ما يؤدي الجهل به إلى تضييع علم حكم من الأحكام الشرعية التي تستوي فيها فروض الأعيان.
وإن لم يكن العلم بثبوته من دين الرسول ﷺ ضرورة من فعل الله
стр. 301
سبحانه/ ص ٦٤ بل من كسب العبد وجب -أيضاً- على الأعيان معرفة ذلك الأصل، وذلك نحو الأصل الذي به يعلم تحريم النكاح في العدة وتحريم المرأة على عمتها وخالتها، والجمع بين الأختين، ونكاح المطلقة ثلاثاً من غير أن تنكح زوجاً غيره، ووجوب التقابض في الصرف في المجلس، وأمثال ذلك مما العلم بتحريمه عند كثير من فرائض الأعيان وجب على سائر المكلفين معرفة الأصل الموجب لتحريم ذلك، وهذا ما لا يجب إلا بعد قيام دليل قاطع أو إجماع على وجوب علم هذه الأحكام على سائر المكلفين، لأن الجهل به حينئذ يكون مؤدياً إلى الجهل بتحريم ما قد فرض العلم بتحريمه على الجميع.
فأما إذا لم يقم على ذلك دليل وكان باتفاق فرض علم ذلك، لأن ما للعلماء دون العامة وجب أن تكون معرفة الأصل الدال عليه من فرض العلماء، وكان فرض العامي في ذلك الرجوع فيه إلى من يعلم أنه من علماء الأمة وعدولها الذين يجوز لهم الاجتهاد والفتوى في الدين والأخذ بما يفتيه به في ذلك.
فأما الفتيا والحكم فمن قال من أهل العراق إنهما يجوزان بالتقليد فإنه يوجب فرض علم دليل الحكم والفتيا علي الكفاية، ومن منع من ذلك وهو
стр. 302
الصحيح، وقول الجمهور- فإنه يوجب فرض علم دليل الحكم الذي به يفتي الفقيه ويحكم الحاكم فرضا علي عين كل عالم ومفتي، ونحن نكشف القول بصحة ذلك في فصول القول في التقليد، ومنع تقليد العالم للعالم إن شاء الله تعالى.
стр. 303
باب القول في حصر أصول الفقه
وترتيبها وتقديم الأول فالأول منها
اعملوا أن أصول الفقه محصورة.
فأولها، الخطاب الوارد في الكتاب والسنة/ علي مراتبه التي نذكرها من بعد.
وثانيها، الكلام في حكم أفعال الرسول ﵇ الواقعة موقع البيان لمجمل ما في الكتاب والسنة، أو ابتداء إثبات حكم بها، لأنها إذا وقعت موقع البيان صارت بمنزلة الخطاب، وربما كان البيان بها لمن علمها وشاهدها أبلغ منه بالقول علي ما نذكره من بعد.
وثالثها، القول في الأخبار وطرقها وأقسامها.
ورابعها، بعض الأخبار المروية عن الرسول ﷺ وهي أخبار الآحاد الواردة بشروط قبولها في الأحكام.
وخامسها، الإجماع.
стр. 304
وسادسها: القياس، ونعني بذلك حمل المعاني المودعة في الأصول التي إذا ثبت تعلق الحكم بها وجب القياس على المعاني المودعة فيها.
وسابعها: صفة المفتي والمستفتي والقول في التقليد، ومن الناس من يجعل القول في صفة المفتي والمستفتي والتقليد بابا واحدا. ومنهم من يجعل ذلك ثلاثة أبواب.
وثامنها: الحظر والإباحة وسيما على قولنا بأنهما حكمان شرعيان. ومن قال إنما يعلم حكم الحظر والإباحة من جهة العقل لا يجعل الكلام في هذا الباب من أصول الفقه، والأولى أن يكون من أصوله لما نذكره من بعد.
ولهذه الأصول لواحق تتصل بها، وليست منها على ما نبينه من بعد. وقد دخل في الخطاب الأمر والنهي والخصوص والعموم إذا دل الدليل على كونه عاما وإلا وجب الوقف فيه على ما سنشرحه من بعد. ودخل فيه الناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والمطلق والمقيد ولحن الخطاب ومفهومه وفحواه، ودخل فيه دليل الخطاب على قول مثبتيه، ومراتب البيان، وسنفرد لكل شيء من ذلك بابا إن شاء الله.
والواجب عندنا في الترتيب تقديم الخطاب الوارد في الكتاب والسنة على جميع هذه الأبواب لأمور:
стр. 305
أحدها: أن جميع الأحكام الشرعية مودعة في الكتاب والسنة / ص ٦٦ نطقا أو مفهوما أو معنى مودع فيهما وإن كانت السنة مبينة للمراد بما أشكل معناه من الكتاب، ويجب مع ذلك تقديم الكتاب على السنة لكونه كلام الله المرسل لصاحب السنة، ولأن القرآن آية لنبوته وما هو عليه من الجزالة والبلاغة المتجاوزة لسائر البلاغات وكونه مختصا بالإعجاز وعدم النظير، ولكونه آية للرسول ﵇ وشاهدا لنبوته ولتضمنه الأمر بإتباع السنة والوعيد على مخالفة صاحبها وما في الكتاب والسنة المقطوع عليها إما بضرورة أو دليل سواء في وجوب الرجوع إليهما واستنباط معرفة الأحكام منهما، وإن كان للكتاب فضيلة النظم والإعجاز.
ويلي ذلك في الرتبة أفعال الرسول ﵇ الواقعة موقع البيان، لأنها بمثابة أقواله الواردة لبيان الأحكام ويلي ذلك بعض الأخبار المروية عن الرسول ﵇.
فإن قيل: ولم لم تجعلوا الخبر المتواتر عنه طريقا إلى معرفة الأحكام؟
стр. 306
قيل له: لأجل أن ما علم من سنة الرسول ﵇ إما باضطرار أو بطريق الاستدلال فهي التي يعرف بها الأحكام دون أخبار المخبرين عنها. وإنما الخبر عنها طريق لثبوتها إذا كان بصفة ما ذكرنا، وليس يتعلق الحكم بأخبار المخبرين بها. فأما خبر الواحد فإنما نظن أن النبي صلي الله عليه وسلم قد قال ما رواه الراوي، ولا نقطع به، والحكم متعلق بنفس الخبر عن الرسول ﵇، وقول الرواة دون قول الرسول ﵇، وكيف يتعلق الحكم في مثل هذا بقوله ونحن لا نعلم أنه قال ما روي عنه، فبان أن الحكم المعلوم من سنته متعلق بنفس قوله وسنته، والحكم بما لم يثبت منها مما رواه الثقات، ونظن أنه قاله متعلق برواية الرواة، فافترق الأمران وصار خبر الواحد أصلا يخالف السنة المعلومة.
ويلي ذلك الكلام في الإجماع، لأن حجيته تثبت بعد الرسول ﵇ وبعد استقرار أحكام الكتاب /ص ٦٧ والسنة، ولأجل أن ثبوت حجته منتزع منهما ومردود إليهما.
فإن قيل: كيف يصح لكم هذا الترتيب؟، وأنتم تتركون ظواهر الكتاب والسنة بإجماع الأمة، ولا تتركون الإجماع بهما.
стр. 307
يقال له: نحن لا نترك ظاهر الكتاب والسنة بقول الأمة المجمعة (عليه). وإنما نتركهما بمثلهما من كتاب وسنة كهما. وإنما نتبين بإجماع الأمة على تركهما أنهما منسوخان بمثلهما، أو أن المراد بهما غير ظاهرهما مما وقفت عليه الأمة أو من تقوم بهم الحجة منهم، لعلمنا بأن الأمة لا يجوز أن ترفع حكمهما باجتهاد وقياس منها، وإنما تتبع الأدل منهما، ولا تخالفهما على ما سنبين القول فيه إن شاء الله.
ويلي ذلك القياس وإعماله في مواضعه، وذكر من هو من فرضه، وما يتصل من الفصول ببابه، وإنما وجب تأخيره عما قدمناه من الأدلة لأجل أنه إنما يثبت كونه أصلا ودليلا بالكتاب والسنة والإجماع على ما نبينه، ولأن استعماله في مخالفة ما قدمناه من الأدلة باطل محظور، وإنما يصح إذا لم ينف ما ثبت بهما حكمه.
ويلي ذلك صفة المفتي والمستفتي، وإنما وجب تقديم القيام [القياس] على هذا الأصل، لأجل أن المفتي إنما يصير مفتيا يجوز الأخذ بقوله إذا عرف القياس وما به يثبت وما يجب من أحكامه في مواضع استعماله، ثم يفتي بعد ذلك. فيجب أن يكون العلم بالقياس حاصلا له حتى يكون لعلمه به مفتيا.
وإنما صار القول في صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه لأجل أن فتواه للعامي دليل على وجوب الأخذ به في حال وجوازه في حال. فصارت فتواه للعامي بمثابة النصوص والإجماعات وسائر الأدلة للعالم، ولأنه لا يكون قوله دليلا للعامي يجب الأخذ به أو يسوغ ذلك له إلا بعد حصوله على صفة من تجوز فتواه وإلا حرم عليه الأخذ بقوله.
стр. 308
وإنما ذكرنا صفة المستفتي مع المفتي، لأجل أن المفتي إنما يفتي عاميا له صفة يسوغ له التقليد للعالم، ولو لم يكن كذلك ما جاز له الأخذ بقول غيره /ص ٦٨ فوجب ذكر صفتهما وحالهما، وإذا ذكرنا صفة المفتي والمستفتي فقد ذكرنا أيضا صفة الحاكم والمحكوم عليه، وإن كان لا يصير حاكما لكونه عالما بالأحكام وبمن يجوز تقليده، وإنما يصير كذلك بأن يكون إماما قد عقد له أهل الحل والعقد، أو متقلدا للحكم من قبل إمام ومن يستخلفه الإمام.
فإن قيل: فما وجه جعل الحظر والإباحة من أصول الفقه؟.
قيل له: لأجل حاجة العالم متى فقد أدلة الشرع _على مراتبها_ على إثبات حكم الفعل أن يقر أمره على حكم العقل فيه، فإن لم يعرف حكم العقل فيه لم يدر على ماذا يقره. ولو قيل: إن المفتي يكفيه إذا لم يجد دليلا ينقل الشيء عن حكم العقل أن يقول: هذا مما لا حكم له في الشرع، فلا أحكم فيه بحكم شرعي، وإن اختلف في حكمه من جهة العقل لم يكن ذلك بعيدا. هذه جملة في ذكر هذه الأبواب وترتيبها مقنعة إن شاء الله.
стр. 309
باب
الكلام في أحكام الخطاب
اعلموا أن الكلام: "معنى قائم في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات المقطعة والحروف المنظومة". وربما دل عليه بالإشارة والرمز والعقد والخط، وكل قسم منه من أمر ونهي وخبر واستخبار فإنه لنفسه ومتعلق بمتعلقه لذاته لا يجوز خروجه عن ذلك ولا وجود مثله إن كان محدثا، وليس بأمر ولا نهي على ما قد بيناه في غير هذا الكتاب، فهو في تعلقه بمنزلة العلوم
стр. 310
وجميع ما له تعلق من صفات القلوب، وقد قال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ أي لا تدل على الكلام إلا بذلك. وقال تعالى دالا على ما قلناه: ﴿ويَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. وقال تعالى: ﴿وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فأخبر أن ما يستتر به في النفوس قول، وأن الجهر به عبارة عنه ودلالة عليه. وقال في قصة المنافقين: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فأكذبهم الله بإنفاق [؟ بالنفاق] في قولهم /في أنفسهم إنه ليس برسول الله لا في عبارتهم المسموعة التي هي قولهم نشهد إنك لرسول الله، لأن هذا ليس بكذب منهم. والعرب تقول: في نفسي قول أخرج به إليك، وكلام ما بحت به إلى أحد، وحديث أبثك إياه بعد وقت، في أمثال هذا مما يطول تتبعه، فدل ذلك أجمع على أن الكلام معنى قائم في النفس يعبر عنه ويدل عليه بهذه الأصوات. وقال الشاعر:
لا تعجبنك من أثير خطة ... حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا
стр. 311
فأخبر أن الكلام من الفؤاد وأن اللسان دليل عليه. وقد تقصينا الكلام في هذا الباب على أهل القدر والاعتزال في نفي خلق القرآن بما يوضح الحق لمتأمله إن شاء الله تعالى.
стр. 312
باب
الكلام في أصل التخاطب باللغة العربية وكل لغة
وهل حصل عن توقيف أو مواضعة؟
وقد اختلف الناس في هذا الباب.
فذهب قوم إلى أن جميع أسماء الأشياء في كل لغة والمفهوم منها أخذ وعرف من جهة توقيف الله لآدم ﵇ والتعليم له، إما بتولي خطابه أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه.
وقال آخرون: بل ذلك أجمع إنما عرف واستقر من جهة مواطأة أهل
стр. 313
اللغات على ذلك وتواضعهم عليه.
وقال آخرون: يمكن أن يكون ذلك إنما عرف واستقر بالتوقيف والوحي من الله ، ويمكن أن يكون إنما عرف وأدرك بمواضعة أهل اللغات وتواطئهم على وضع الأسماء وأقسام الخطاب، وأنه يجوز أيضا أن يكون بعضها مأخوذا عن وحي وتوقيف وبعضها مستقرا بطريق المواطأة والمواضعة، وبعضها مستعملا بقياس على ما تكلم به أهل اللغة. وأنه يجوز أن يتفق لأهل كل لغة أو لأهل بعضها أن يتواطؤا على وضع /ص ٧٠ اسم لشيء، وقد وقف الله سبحانه عليه بعض من أعلمه ذلك قبل أن يتواضع أهل تلك اللغة على الاسم، فتكون المواضعة عليه موافقة للتوقيف على معناه، وأنه يمكن أن يتواضع أهل كل لغة على أن يسموا الأشياء بغير الأسماء التي وضعها الله سبحانه لها ووقف عليها من أعلمه بذلك إن حرم ذلك عليهم وحظره أو لم يحرمه، فإن لم يحظره ووقع منهم لم يكن عصيانا، وإن حرمه عليهم كانوا بذلك عصاه إلا أمة أخبر الله عن عصمتها ورفع الخطأ عنها فيكون للشيء عند ذلك اسمان، أحدهما موقف عليه والآخر متواضع عليه، والقول الأخير المشتمل على جملة ما ذكرناه، فهو الذي نختاره، وبه
стр. 314
نقول.
فأما ما يدل على فساد قول من قال إنه لا يصح أن يكون جميع الأقسام وأقسام الخطاب التي يتكلم بها أهل لغة العرب وكل لغة موقفا على جميعها، وأنه لا بد لمن وقف على البعض منها من أن يكون قد سبق نطقه بلسان قد عرفه وعرف معناه والتواضع عليه قبل خطاب الله له وتوقيفه على معناه، إما بمخاطبة أو بالوحي على لسان مخاطب، لأجل أنه إن لم يتقدم له خطاب وتكلم بلغة قبل توقيفه على ما توقف عليه لم يكن له سبيل إلى معرفة معنى ما يخاطب به وتوقف عليه، ومن هذه حاله لا يصح إفهامه وخطابه.
فإنه قول باطل، لأن الله سبحانه إذا أراد إعلام من يخاطب معنى كلامه ومعاني هذه الأسماء باللغات المختلفة وإن لم يكن المخاطب قد نطق قبل ذلك بلغة ولا عرفها فإنه تعالى يسمعه خطابه فيضطر إلى وجود الكلام الذي يسمعه ويعلم ضرورة أنه المتكلم به، فإن اضطر مع ذلك إلى أن المتكلم به هو الله تعالى القديم الصانع للعالم كان مضطرا إلى وجود الكلام وأن المتكلم به هو الله محدث العالم ، وإن لم يضطر إلى العلم بأن المتكلم به هو أنه الخالق للعالم صح أن يدل على أن المتكلم به هو الله رب العالمين بما يقرنه بالخطاب من عظيم الآيات التي يعلم المخاطب من العقلاء عند
стр. 315
ظهورها أنه لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، فيكون عالما بوجود الخطاب عند سماعه ضرورة وأنه لمتكلم به ضرورة، وأن المتكلم به هو القديم المخالف لجميع أجناس العالم بدليل يقترن بذلك، فإذا أعلمه سبحانه هذه الجملة عند خطابه خلق أصواتا وصيغة مبنية بنية الألفاظ العربية /ص ٧١ وغيرها من اللغات وأسمعها ذلك المخاطب، وقال له بكلامه القديم الذي يضطره إلى معرفة معناه. اعلم أن هذه الصيغة قد جعلتها لكذا وكذا، وهذه الأخرى المخالفة لها اسم _أيضا_ لذلك الشيء، وأن الصيغة الأخرى اسم لغير ذلك الشيء، فيعلم ضرورة بما يخلقه الله سبحانه في قلبه من العلم ما وضع الله تعالى له تلك الصيغ والأصوات من المعنى وهو سبحانه المتفرد بالقدرة على خلق العلم ضرورة في غيره بمراده بما قد جعل الصيغ والأصوات المختلفة اسما لها. وإذا كان ذلك كذلك بان أنه قد يصح أن يعلم مراد الله سبحانه بخطابه وما جعل ما يخلقه من الأصوات والصيغ أسماء ومفيدة لما هي مفيدة له وإن لم يتقدم له خطاب وكلام بلغة من اللغات.
ويدل على صحة ذلك _أيضا_ علمنا بأنه قد اضطر الخرس والناطقين إلى المراد بالرموز والإشارات وإفادتها لكل ما يضعه أهل الرموز والإشارة وإن لم يتقدم لهم رموز وإشارات قبل ذلك، فكذلك يصح اضطراره تعالى إلى مراده بكلامه وإلى المراد بما جعل ما يوجده من الأصوات عبارة عنه وإفادة له، فبطل ما قالوه، وثبت بذلك صحة التوقيف من الله سبحانه
стр. 316
على أسماء جميع الأشياء بكل لغة وإن لم يتقدم لأهلها نطق بلغة غير التي وقفهم عليها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وأما ما يدل على فساد قول من قال: إنه لا يصح تواضع أهل اللغة على معاني ما يبتدئون به من الكلام دون أن يكونوا قد وقفوا على لغة سبق تكلمهم ونطقهم بها، وإلا لم يتم لهم مواطأة ومواضعة فهو: إنهم إذا كانوا أحياء ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحا، ولهم متأتيا وإقدارهم عليه جائزا ممكنا، وبمثابة إقدارهم على الحركات والاختيارات والإشارات وسائر التصرفات، فكان منهم النطق صحيحا جائزا كسائر مقدوراتهم، فإذا كانوا مع ذلك يدركون المعلومات ويعرفون البعض منها ضرورة وحسا، والبعض منها نظرا وبحثا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب عنهم الحاضر واحتاجوا أتم حاجة إلى طلبه تارة والإخبار عنه أخرى، والتحذير منه مرة وكانت الإشارة إليه متعذرة عند غيبته وجب لذلك صحة نطقهم بالأصوات وتواضعهم على جعلها تسميات لما حضرهم وغاب عنهم مما بهم حاجة إلى تعريفه والإخبار عنه، ولم يكن ذلك ممتنعا منهم/ ص ٧٢ وجري ذلك مجرى الخلق الكثير والجم الغفير على أكل الطعام عند الجوع والحاجة إليه، وشرب الماء واتقاء الحر والبرد، وفعل كل ما ينتفعون به ويدفعون به ضررا.
وكما يصح ويجوز من أهل الإسلام وغيرهم قاطبة من أهل الملل الاجتماع على فعل كالصلوات والصيام والحج إلى المشاهد المأمور بالقصد إليها، وحضور الجمع والأعياد، وإقامة المناسك لما يعتقدونه فيه من الانتفاع ودفع الضرر، وكذلك سبيل صحة اتفاق أهل كل لغة على وضع أسماء وتخاطب لإفادة ما عرفوه ضرورة ودليلا وتعذر الإشارة إليه عند غيبته، وإذا
стр. 317
كان ذلك كذلك بكل [؟ بطل] ما ظنوه من تعذر ذلك وامتناعه.
فإن قال قائل: وكيف يعرف غير المبتدئ بالنطق مراد الناطق بالأصوات؟
يقال له: يعرف ذلك ضرورة عند قوله رجل وإنسان وتكريره لذلك وإتباعه له بالإشارة إليه والإقبال عليه وإيمائه نحوه، فلا يزال يردد ذلك ويكرره حتى يحصل للسامع صورة مراده بتلك الأصوات ضرورة، ثم توافق السامعين لكلامه على قصده في جعل ذلك اسما لما سماه فيتم لذلك المواطأة والمواضعة بينهم والعلم بالمراد بها، ثم يوقفون من خرج عن تلك المواضعة على معناها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
ويدل على ذلك _أيضا_ أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين العقلاء الأصحاء أدون من حال الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم لهم إشارات أخر وقفوا على معناها، فإذا علم تأتي المواضعة من الخرس على معاني إشاراتهم التي يبتدئون المواضعة عليها كان تأتي ذلك للناطقين على معاني الألفاظ أيسر وأقرب وأخف، ولأن الله سبحانه إذا أراد توقيفهم للمواضعة على ذلك جمع عليه هممهم ووفر دواعيهم وسهل سبيل ذلك لهم وخلق لهم من الألطاف والأسباب التي تحوشهم إلى فعل ذلك ما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، فيسهل عليهم عند ذلك الوعر وييسر الصعب فثبت ما قلناه./ ص ٧٣
فأما ما يدل على جواز تواضعهم على أسماء قد وقف الله عليها غيرهم من ملائكته أو غيرهم من أهل اللغات [؟ فذلك] مما لا شبهة فيه، لأن إقدارهم على فعل ذلك وجمع هممهم ودواعيهم إليه [و] توقيفه لغيرهم على مثل ما
стр. 318
تواضعوا عليه غير ممتنع ولا متعذر عليه سبحانه، فوجب القضاء بصحة ذلك.
وأما ما يدل على صحة وقوع ذلك منهم إن كان محللا أو محرما فلا شبهة فيه، لأنهم يصح أن يفعلوا الحلال والحرام ويجتمعوا عليه إما لداع واحد أو لدواع متفرقة، ولو منعت العادة من اتفاق مثل ذلك من العدد الكثير لم يمنع وقوعه من العدد اليسير، فهذا مما لا إشكال فيه فيكون للشيء اسمان. أحدهما موقف على معناه، والآخر متواضع عليه ويكون أحدهما متواضعا عليه عند أهل اللغة، والآخر واقعا من غيرهم على جهة القياس، ويكون ذلك اسما بالقياس على اللغة لا لأهلها.
وقد اعتل المحيلون للتواضع من الخلق على معاني اللغات بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ﴾ الآية، ولا متعلق لهم فيها من وجوه:
أحدها: إنها ليست بخبر عن إحالة تواضع أهل اللغات على أسماء الأشياء التي علم آدم ﵇ أسماءها وإنما هي خبر عن أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك ما لا ننكره، وإنما ننكر قولهم بإحالة المواضعة عليها مع تعليمه آدم إياها ومع ترك تعليمه له لو ترك ذلك، فما الدليل على هذا إذا أوردوه إن كنتم قادرين؟
والوجه الآخر: إنه لم يخبر أنه تعالى وقف جميع الخلق على أسماء الأشياء، وإنما أخبر أنه وقف آدم على ذلك، فلعله مع توقيفه له قد اتفق لأهل كل لغة تواضعهم على مثل ما وقفه عليه أو على كثير منه فما الذي يدفع
стр. 319
ذلك؟
والوجه الآخر: إنه يمكن أن يكون إنما أراد سبحانه أنه علم آدم أسماء الأشياء كلها بلغة من اللغات مبتدأه له لم ينطق بها أحد وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء لتلك الأشياء وألفاظ وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فيكون لها أسماء وقف الله آدم عليها لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد تواضعت عليها وعرفتها الملائكة قبل تلك الأسماء، ولا سبيل إلى دفع جواز ذلك /ص ٧٤ والتأويل.
ويمكن أن يكون الله سبحانه أراد أنه علم آدم اسم كل شيء خلقه إذ ذاك من الملائكة والسموات، وما خلقه في الجنة ولم يعلمه أسماء ما يحدثه من بعد، وقوله: "الأسماء" لا يدل بظاهره على العموم والاستغراق، وكذلك قوله "كلها". وكل تأكيد جري مجراه لا يدل على العموم لما نذكره من بعد، فبطل التعلق بالآية، على أنه إنما قال سبحانه إنه علم آدم الأسماء كلها ولم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو بأن أنطقه وأقدره على النطق وجمع دواعيه على مواضعه الملائكة على دلالة ما ينطق به. وإذا أقدره على ذلك وخلق فيه العلم به وجمع همته عليه كان معلما له الأسماء وإن لم يعلمه ذلك توقيفا، فسقط ما قالوه. وقد قال الله سبحانه في كتابه ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ وإن لم يذكره بأخص أسمائه بل سمى بعضه ودل على بعضه.
стр. 320
ومما يدل على كون الملائكة متخاطبين ومتواضعين على تخاطب بأسماء يعرفونها قبل خلق آدم ﵇ قوله سبحانه: ﴿وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقوله تعالى لما خلقه وصوره وأحياه وعلمه الأسماء: ﴿أَنْبِئُونِي بِأسماء هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء وما يذكره لهم كيف كانوا يفهمون ويجيبون ويقولون: "سبحانك"، وما ذكره عنهم مما يكثر ذكره وتتبعه، فكل هذا يدل دلالة ظاهرة على صحة ما قلناه وفساد تأويلهم، وهذه جملة في هذا الباب كافية إن شاء الله.
следующие страницы →