Полный текст (1 232 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
على أسماء جميع الأشياء بكل لغة وإن لم يتقدم لأهلها نطق بلغة غير التي وقفهم عليها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وأما ما يدل على فساد قول من قال: إنه لا يصح تواضع أهل اللغة على معاني ما يبتدئون به من الكلام دون أن يكونوا قد وقفوا على لغة سبق تكلمهم ونطقهم بها، وإلا لم يتم لهم مواطأة ومواضعة فهو: إنهم إذا كانوا أحياء ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحا، ولهم متأتيا وإقدارهم عليه جائزا ممكنا، وبمثابة إقدارهم على الحركات والاختيارات والإشارات وسائر التصرفات، فكان منهم النطق صحيحا جائزا كسائر مقدوراتهم، فإذا كانوا مع ذلك يدركون المعلومات ويعرفون البعض منها ضرورة وحسا، والبعض منها نظرا وبحثا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب عنهم الحاضر واحتاجوا أتم حاجة إلى طلبه تارة والإخبار عنه أخرى، والتحذير منه مرة وكانت الإشارة إليه متعذرة عند غيبته وجب لذلك صحة نطقهم بالأصوات وتواضعهم على جعلها تسميات لما حضرهم وغاب عنهم مما بهم حاجة إلى تعريفه والإخبار عنه، ولم يكن ذلك ممتنعا منهم/ ص ٧٢ وجري ذلك مجرى الخلق الكثير والجم الغفير على أكل الطعام عند الجوع والحاجة إليه، وشرب الماء واتقاء الحر والبرد، وفعل كل ما ينتفعون به ويدفعون به ضررا.
وكما يصح ويجوز من أهل الإسلام وغيرهم قاطبة من أهل الملل الاجتماع على فعل كالصلوات والصيام والحج إلى المشاهد المأمور بالقصد إليها، وحضور الجمع والأعياد، وإقامة المناسك لما يعتقدونه فيه من الانتفاع ودفع الضرر، وكذلك سبيل صحة اتفاق أهل كل لغة على وضع أسماء وتخاطب لإفادة ما عرفوه ضرورة ودليلا وتعذر الإشارة إليه عند غيبته، وإذا
стр. 317
كان ذلك كذلك بكل [؟ بطل] ما ظنوه من تعذر ذلك وامتناعه.
فإن قال قائل: وكيف يعرف غير المبتدئ بالنطق مراد الناطق بالأصوات؟
يقال له: يعرف ذلك ضرورة عند قوله رجل وإنسان وتكريره لذلك وإتباعه له بالإشارة إليه والإقبال عليه وإيمائه نحوه، فلا يزال يردد ذلك ويكرره حتى يحصل للسامع صورة مراده بتلك الأصوات ضرورة، ثم توافق السامعين لكلامه على قصده في جعل ذلك اسما لما سماه فيتم لذلك المواطأة والمواضعة بينهم والعلم بالمراد بها، ثم يوقفون من خرج عن تلك المواضعة على معناها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
ويدل على ذلك _أيضا_ أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين العقلاء الأصحاء أدون من حال الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم لهم إشارات أخر وقفوا على معناها، فإذا علم تأتي المواضعة من الخرس على معاني إشاراتهم التي يبتدئون المواضعة عليها كان تأتي ذلك للناطقين على معاني الألفاظ أيسر وأقرب وأخف، ولأن الله سبحانه إذا أراد توقيفهم للمواضعة على ذلك جمع عليه هممهم ووفر دواعيهم وسهل سبيل ذلك لهم وخلق لهم من الألطاف والأسباب التي تحوشهم إلى فعل ذلك ما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، فيسهل عليهم عند ذلك الوعر وييسر الصعب فثبت ما قلناه./ ص ٧٣
فأما ما يدل على جواز تواضعهم على أسماء قد وقف الله عليها غيرهم من ملائكته أو غيرهم من أهل اللغات [؟ فذلك] مما لا شبهة فيه، لأن إقدارهم على فعل ذلك وجمع هممهم ودواعيهم إليه [و] توقيفه لغيرهم على مثل ما
стр. 318
تواضعوا عليه غير ممتنع ولا متعذر عليه سبحانه، فوجب القضاء بصحة ذلك.
وأما ما يدل على صحة وقوع ذلك منهم إن كان محللا أو محرما فلا شبهة فيه، لأنهم يصح أن يفعلوا الحلال والحرام ويجتمعوا عليه إما لداع واحد أو لدواع متفرقة، ولو منعت العادة من اتفاق مثل ذلك من العدد الكثير لم يمنع وقوعه من العدد اليسير، فهذا مما لا إشكال فيه فيكون للشيء اسمان. أحدهما موقف على معناه، والآخر متواضع عليه ويكون أحدهما متواضعا عليه عند أهل اللغة، والآخر واقعا من غيرهم على جهة القياس، ويكون ذلك اسما بالقياس على اللغة لا لأهلها.
وقد اعتل المحيلون للتواضع من الخلق على معاني اللغات بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ﴾ الآية، ولا متعلق لهم فيها من وجوه:
أحدها: إنها ليست بخبر عن إحالة تواضع أهل اللغات على أسماء الأشياء التي علم آدم ﵇ أسماءها وإنما هي خبر عن أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك ما لا ننكره، وإنما ننكر قولهم بإحالة المواضعة عليها مع تعليمه آدم إياها ومع ترك تعليمه له لو ترك ذلك، فما الدليل على هذا إذا أوردوه إن كنتم قادرين؟
والوجه الآخر: إنه لم يخبر أنه تعالى وقف جميع الخلق على أسماء الأشياء، وإنما أخبر أنه وقف آدم على ذلك، فلعله مع توقيفه له قد اتفق لأهل كل لغة تواضعهم على مثل ما وقفه عليه أو على كثير منه فما الذي يدفع
стр. 319
ذلك؟
والوجه الآخر: إنه يمكن أن يكون إنما أراد سبحانه أنه علم آدم أسماء الأشياء كلها بلغة من اللغات مبتدأه له لم ينطق بها أحد وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء لتلك الأشياء وألفاظ وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فيكون لها أسماء وقف الله آدم عليها لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد تواضعت عليها وعرفتها الملائكة قبل تلك الأسماء، ولا سبيل إلى دفع جواز ذلك /ص ٧٤ والتأويل.
ويمكن أن يكون الله سبحانه أراد أنه علم آدم اسم كل شيء خلقه إذ ذاك من الملائكة والسموات، وما خلقه في الجنة ولم يعلمه أسماء ما يحدثه من بعد، وقوله: "الأسماء" لا يدل بظاهره على العموم والاستغراق، وكذلك قوله "كلها". وكل تأكيد جري مجراه لا يدل على العموم لما نذكره من بعد، فبطل التعلق بالآية، على أنه إنما قال سبحانه إنه علم آدم الأسماء كلها ولم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو بأن أنطقه وأقدره على النطق وجمع دواعيه على مواضعه الملائكة على دلالة ما ينطق به. وإذا أقدره على ذلك وخلق فيه العلم به وجمع همته عليه كان معلما له الأسماء وإن لم يعلمه ذلك توقيفا، فسقط ما قالوه. وقد قال الله سبحانه في كتابه ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ وإن لم يذكره بأخص أسمائه بل سمى بعضه ودل على بعضه.
стр. 320
ومما يدل على كون الملائكة متخاطبين ومتواضعين على تخاطب بأسماء يعرفونها قبل خلق آدم ﵇ قوله سبحانه: ﴿وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقوله تعالى لما خلقه وصوره وأحياه وعلمه الأسماء: ﴿أَنْبِئُونِي بِأسماء هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء وما يذكره لهم كيف كانوا يفهمون ويجيبون ويقولون: "سبحانك"، وما ذكره عنهم مما يكثر ذكره وتتبعه، فكل هذا يدل دلالة ظاهرة على صحة ما قلناه وفساد تأويلهم، وهذه جملة في هذا الباب كافية إن شاء الله.
стр. 321
باب
القول في معنى وصف الخطاب
بأنه محكم ومتشابه
اعلموا _ وفقكم الله_ أن وصف الخطاب بأنه محكم يرجع إلى معنيين:
أحدهما: إنه مفيد لمعناه وكاشف له كشفا يزيل الإشكال ووجوه
стр. 322
الاحتمال /ص ٧٥ وهذا المعنى موجود في كلام الله وكثير من كلام الخلق
стр. 323
فيجب وصف جميعه بأنه محكم على هذا التأويل.
والوجه الآخر: أن يكون معنى وصف الخطاب بأنه محكم أنه محكم النظم والترتيب على وجه يفيد من غير تناقض واختلاف يدخل فيه. فكل كلام هذه سبيله فإنه يوصف بأنه محكم وإن احتمل وجوها والتبس معناه. وما فسد نظمه وتثبج واختل عن وجهه وسننه وصف بالفساد لا بالتشابه.
فأما معنى وصف الخطاب بأنه متشابه فهو محتمل لمعان مختلفة يقع
стр. 324
على جميعها ويتناولها على وجه الحقيقة, أو يتناول بعضها حقيقة وبعضها مجازًا, ولا ينبئ ظاهره عما قصد به, وإنما أخذ له هذا الاسم من اشتباه معناه على السامع وفقد علمه بالمراد به, ومنه قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهو محتمل لزمن الحيض وزمن الطهر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ في أمثال هذا مما يسوغ التنازع والاجتهاد في طلب معناه, وكذلك كل الأسماء المشتركة.
فأما المتشابه فيما يتعلق بأصول الديانات فكثير.
فأما ما يذكره بعض أهل التفسير وأصحاب المعاني في وصف الخطاب بأنه محكم ومتشابه, فإنه غير ثابت.
وقد زعم بعض أهل التفسير أن المحكم من الكتاب ما اتصلت حروفه, وأن المتشابه ما انفصلت حروفه نحو قوله تعالى: الم وطسم, وأمثال ذلك, وهذا ما لا تعرفه أهل اللغة.
وقال بعضهم, المحكم منه ما صح أن يعلم تأويله الراسخون في العلم, كما يصح أن يعلمه الله , والمتشابه هو الذي ينفرد الله بعلمه دون سائر خلقه. وهذا- أيضًا- بعيد لا يعرفه أهل اللغة.
стр. 325
وقال آخرون: معنى المحكم منه هو الوعد والوعيد والحلال والحرام, وما أجمل وفصل من الشرائع والأحكام. والمتشابه هو القصص والأمثال والسير. وهذا باطل, لا يعرفه أهل العربية في إفادة معنى المتشابه والمحكم.
فأما قوله تعالى ﴿ومَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ فيمكن أن يكون المراد بالواو ههنا/ ص ٧٦ واو العطف والنسق, ويحتمل أن تكون ص ٧٦ استفتاح كلام واستئناف إخبار عما يقوله الراسخون في العلم من الإقرار بخفائه عليهم ورد علمه إلى منزله سبحانه. فإن كان واو استئناف كلام وجب الوقف على قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ﴾. وإن كان واو عطف لم يجب الوقف. والأولى عندنا أن تكون واو عطف من حيث لم يجز أن يخاطب الله العرب وغيرها بما لا سبيل لها إلى علمه.
فأما قول من زعم أن المتشابه ما انفصلت حروفه, نحو: كهيعص وأمثاله فباطل, لأن هذا معلوم معناه. وقد قال كثير من الناس: إن معنى هذه الحروف أنها أسماء السور التي هي أوائلها. وإن لم تكن في اللغة اسما لشيء, إذا جمعت على هذه الصورة. وأصح ما قيل في معناها أقاويل:
أحدها: إن هذه الحروف إنما أنزلها الله في أوائل السور كناية يذكرها عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج جميع التخاطب عنها,
стр. 326
وإن اختلفت نظومها, وإنما كرر ذكرها تأكيدًا لإعلام العرب أنه مخاطب لها بلغتها, والعرب تفعل مثل ذلك بقول القائل قرأت "البقرة", وأنشدت "ألا هبي" ولا تعني قراءة آية ولا إنشاد بيت فقط. وإنما تكني عن ذكر جميع السورة والقصيدة, وعلى هذا جاء قول الشاعر:
يناشدني حا ميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وإنما أراد مناشدته بالقرآن فكنى عنه بذكر حاميم.
وقال آخر:
стр. 327
لما رأيت أمرها في حطي ... وأزمعت في لددي ولطي
أخذت منها بقرون شمط
يعني بحطي أبجد لأن هذه الحروف منها.
وقال قوم: إنه تعالى إنما أنزل هذه الحروف أمام السور ليجمع دواعي العرب على استماعه لأنه مما لم تجر لهم عادة به فينصرفون بذلك عن قطعه واللغو فيه.
وقال آخرون: قد تقدم العرب أمام كلامها حروفًا مقطعة/ فتقول: ص ٧٧ ألا يا زيد أقبل, ألا إني ذاهب, ألا إني قائل. وهذه جملة تكشف عن أن معنى المحكم والمتشابه ما قلناه دون سائر هذه الأقاويل.
стр. 328
باب
معنى وصف الكلام بأنه خطاب
ومكالمة ومقاولة ومخاطبة
اعلموا أن الكلام لا يوصف بأنه خطاب ومخاطبة ومكالمة ومقاولة وتكليم دون وجود مخاطب به يصح علمه بما يراد منه وتلقيه عن المتكلم به, لأن قولنا خطاب يقتضي مخاطبًا مواجهًا به ومخاطبة هو من باب المفاعلة, وبمثابة قولك مضاربة ومقاتلة, وذلك مما لا يصح إلا من اثنين كلاهما موجودان. وقولنا مكالمة ومقاولة مثل قولنا مخاطبة في اقتضاء وجود مكلم ومقاول له. وفي ضمن ذلك وجود قول من المخاطب لمخاطبه وقبول أو رد كلام يجري مجرى الجواب لمكلمه, ولذلك أحلنا أن يكون كلام الله في أزله, وكلام الرسول ﵇ في وقته مخاطبة على الحقيقة ومقاولة ومكالمة لمعدوم غير موجود. وأجزنا كونه أمرًا ونهيًا, وإخبارًا لمعدوم بشريطة إذا وجد وكان على صفة من يجب عليه تلقي ذلك. وعلى هذا لم يجز أن
стр. 329
يقال: إن الموصي مخاطب بما يودعه وصيته ومكلم به ومقاول لموصى إليه معدوم. وجاز أن يقال قد أمر من تفضي إليه الوصية بكذا, ونهاه عن كذا. وأطلق له كذا وحظر كذا. فبان بذلك أنه يكون أمرًا ونهيًا لمعدوم, ولا يجوز أن يكون خطابًا ومكالمة ومقاولة لمعدوم.
فصل
وكل متكلم من الخلق يحتاج في الدلالة على كلامه الذي في نفسه إلى عبارة عنه, أو ما يقوم مقامها من عقد وخط وإشارة ورمز. والله سبحانه غير محتاج إلى ذلك لكون كلامه مسموعًا لمن يخاطبه من خلقه بنفسه, وخلقه العلم في قلبه بمراده, وكلام الخلق الذي في أنفسهم في هذا الوقت غير مسموع, وهم غير قادرين على خلق العلم في قلوب سامعي العبارة عنه بمرادهم فافترقت الحال فيه/ ص ٧٨ جل ذكره وفي خلقه في الحاجة إلى العبارات والدلالات على قوله.
فصل آخر
من أحكام العبارة عنه
واعلموا- رحمكم الله- أن جميع الأصوات والحروف المعبر بها
стр. 330
عن الكلام في الأصل على ضربين:
فضرب منها مستعمل مفيد, والآخر غير مستعمل ولا مفيد.
فأما المستعمل منها: فهو ما يوضع على معناه ودلالته.
وما ليس بمفيد منه ضربان:
أحدهما: الحروف المقلوبة, نحو قولك "ديز" مكان قولك "زيد" و "لجر" مكان قولك "رجل" فهذه الأصوات مهملة غير مفيدة شيئًا.
والضرب الآخر: الحروف المنظومة المتكلم بها على وجه لا يفيد ولا يفهم, نحو هجر المبرسمين وهذيان المجانين مما يخلطونه ويلوثونه لوثًا, لا يكشف عن معنى له محصل. ومن الناس من ينكر كون هذا الضرب والذي قبله كلامًا لكونه غير مفهوم ولا مفيد.
ومنهم من يقول: هو كلام إلا أنه غير مفيد يعنون بذلك أنه عبارة غير مفيدة لشيء معتقد في النفس. والأقرب أن يكون هذا الضرب الأخير كلامًا, لأنه لو يُخلص كل شيء منه مما يفسده لكانت مفردات ألفاظه مفيدة, فإذا وصل بعضه ببعض صار مختلطًا غير مفهوم. ولذلك يقولون تكلم المبرسم والمجنون بكلام غير مفهوم. ويقولون كلام متناقض وفاسد باطل.
стр. 331
فصل آخر منه
اعلموا أن التناقض في الكلام يكون باللفظ وبالمعنى. والتناقض باللفظ (نحو) قولك: زيد حي لا حي وقائم لا قائم. والتناقض بالمعنى (نحو) قولك: زيد حي ميت, وقائم قاعد, وعالم جاهل, وإنما صار هذا تناقضًا بالمعنى للعلم بمضادة القيام للقعود والحياة للموت.
فأما الضرب المفيد من العبارات, فهو ما قسمه مصنفو علم العربية ثلاثة أضرب: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى, فالاسم نحو قولك رجل وفرس, والفعل ما دل/ ص ٧٩ على زمانين ماض ومستقبل, نحو قولك ضرب للماضي ويضرب للمستقبل, والحرف نحو قولك: قد ومن وفي وعلى وعند, ونحو ذلك.
وهذه الأصوات لا تكون عبارات صحيحة وألفاظًا مفيدة حتى تكون على ما ذكره أهل العربية اسمين أسند أحدهما إلى الآخر, نحو قولك: زيد أبوك, وعمرو أخوك, والله ربنا, ومحمد نبينا, وأمثال ذلك. أو فعل أسند إلى اسم, نحو قولك: ضرب زيد وقام عمرو, وأمثال هذا. أو حرف أسند إلى فعل نحو قولك: قد قام, وقد خرج وضرب وانطلق, غير أنه لا يعرف بهذا القدر المخبر عنه بالقيام والانطلاق وإنما يعرف الفاعل لذلك بإضافة الفعل إليه إذا قلت قد ضرب زيد, وقد قام عمرو, وكذلك لو قلت: زيد من, لم يكن مفيدًا شيئًا, حتى إذا قلت: من مضر, أو من الأبطح صيرته مفيدًا, ولو وصلت الفعل بالفعل, والحرف بالحرف لم يكن مفيدًا, لأنك لو قلت ضرب ضرب, وخرج خرج وضرب يقوم, ويقوم ضرب لم يكن ذلك مفيدًا, وكذلك لو
стр. 332
قال: من في, وفي عند, وعلى عند, وأمثال ذلك لم يكن مفيدًا، فثبت بذلك أن هذه الأصوات لا تكون عبارات مفيدة دون أن تستعمل على حد ما بيناه.
стр. 333
باب آخر
في ذكر أقسام المفيد من الخطاب
واعلموا- رحمكم الله- أن جميع المفيد من الخطاب ينقسم ثلاثة أقسام لا رابع لها:
فقسم منه: مستقل بنفسه في الكشف عن جميع متضمنه, لا احتمال في شيء من معانيه.
والضرب الثاني: مستقل بنفسه في الكشف عن المراد به من وجه وغير مستقل من وجه.
والضرب الثالث: غير مستقل في الكشف عن المقصود به من جميع الوجوه, وإن كان في أصل الوضع مستقلاً بنفسه في إفادة معناه. وإنما لا يفيد إذا تجوز به في غير بابه. وليس هذا بنقض لقولنا إنه من أقسام المفيد في أصل الوضع.
فأما المستقل بنفسه من كل وجه فعلي ضربين:
فضرب منه مستقل بنفسه في البيان عن المراد به بنصه وصريحه.
والضرب الآخر/ مستقل بنفسه في البيان عن ذلك بلحنه ومفهومه.
فأما المستقل بنفسه بنصه فنحو قوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ وقوله تعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إمْلاقٍ﴾ وأمثال ذلك من
стр. 334
النصوص الظاهرة التي لا إشكال ولا احتمال في المراد بها. ويوصف هذا الضرب بأنه نص, ومعنى وصفه بذلك ظهور معناه من غير احتمال, وكون المذكور فيه منطوقًا باسمه الموضوع له, وفي التصريح دون الإضمار له والكناية عنه. ومنه سميت منصة العروس منصة. والنص في السير هو ظهور السير ومنه قول امرئ القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل
يعني بنصته كشفته وأظهرته, ومنه أيضًا قول ذي الرمة:
إذا استودعته صفصفًا أو صريمة ... تنحت ونصت جيدها للمناظر
أي كشفته وأظهرته.
وأما ما يستقل بنفسه من جهة مفهومه ولحنه وفحواه فهو
стр. 335
كقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ وكذلك ذكر النقير والقطمير. وقوله تعالى: ﴿ومِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إن تَأمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنْهُم مَّنْ إن تَامَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾. وقول أهل اللغة: لا تقذ بعين زيد, والله ما رزأت من مال زيد ذرة, ولا أكلت له بره. وأمثال ذلك. وقد اتفق كل متكلم باللغة وعالم بتخاطب أهلها على أن السابق إلى فهم السامع لهذا الكلام من معناه ولحنه الذي لم يذكر في صريحة بأخص أسمائه أسرع من فهم كثير مما نص عليه منه فيه, فإن لم يكن أسرع منه فهما سيان.
فأما من قال: إن تحريم الضرب والانتهار من قوله تعالى ﴿فَلا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ وقول القائل لا تقذِ بعين زيد معلوم بطريق القياس، فإنه إن
стр. 336
أراد بذلك أن المفهوم منه غير منصوص عليه باسمه فذلك ما لا خلاف فيه, وإن أراد أنه مفهوم بضرب من القياس/ ص ٨١ على غيره والاستدلال على معناه فقد أبعد, لأن كل عالم بأحكام الخطاب لا يحتاج في معرفة ذلك إلى قياس واستنباط, ولو احتيج إلى ذلك لصح أن يقع فيه الغلط والصرف عنه. والتقصير فلا يدل سامعه على معناه وإن كان أفصح من سحبان وائل, وهذا تخليط ممن صار إليه, فبان أنه مفهوم بلحنه بغير قياس.
وقد لحق بهذا الباب قوله : ﴿ولا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُم﴾ وقوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا﴾ ففهم منه النهي عن إتلاف أموالهم بجميع وجوه الإتلاف, وإنما ذكر الأكل لأنه أكثر مما [؟ ما] يتلف فيه الأموال وبه يقع الإتلاف غالبًا, فلذلك لم يقل ولا تلبسوها ولا تهبوها ولا تركبوها إلى غير ذلك.
ولحق به-أيضًا- قوله تعالى ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ﴾
стр. 337
أي ضرب فانفلق, ولحق به قوله ﵇: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" ففهم منه أنه نهي عن القضاء مع الانقطاع عن استيفاء (النظر) للدعوى والبينة وما يجب تحصيله عند ذهاب تمييزه أو نقصانه بما يقطعه عن ذلك من غضب أو مرض وجوع وعطش وفرح غالب وهم فادح, وكل عارض يقطع عما يجب للحكم فيه. ومنه قوله ﷺ : "أدوا الخيط والمخيط" فقد فهم منه رد البدرة والدرة والبعير والفرس, وكل ما زاد على قدر الخيط والمخيط وما نقص عنهما- أيضًا-.
ولحق بذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنزِيرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ومَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ
стр. 338
الأَنْعَامِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ﴾ وأمثال ذلك من ذكر التحليل والتحريم المعلق في ظاهره بالأعيان, لأن المفهوم من تحريم كل شيء من هذه المذكورات تحريم ضرب ونوع من التصرف فيها في وضع اللسان وتفاهم أهل الخطاب من غير اختلاف ولا تنازع في المعلوم منه عند سماعه. فمحدث خلاف في هذا عليهم من نوابت القدرية غير معتد بقوله, ولا معدود في جملة من عرف خطابهم لأنه لا خلاف بينهم/ ص ٨٢ في أن المفهوم من قول القائل: حرمت عليكم الطعام أنه حرم أكله, وحرمت عليك الشراب معنى شربه دون أكله, وحرمت عليك الثوب أي لبسه, وحرمت عليك الأمة والمرأة أي الاستمتاع بهما دون النظر إلى كل شيء من ذلك. أو مسه.
стр. 339
وكذلك قول القائل منهم: أطلقت لكم المزورة وحظرت عليكم اللحم والعسل, إنما يفهم من ذلك تحليل الأكل وتحريمه دون اللمس والنظر. فقول من قال هذا مجمل لا يفهم معناه, لأجل أن الأعيان غير مقدورة للعباد ولا يصح تحريمها ولا تحليلها قول بعيد خارج عن تعارف أهل اللغة, فوجب اطراحه.
وقد زعم قوم أن هذا الضرب من الخطاب ونحوه هو من باب المحذوف منه, وبمثابة قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا والْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي أهل القرية وأصحاب العير, فحذف لفهم معناه, وكذلك قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ محذوف منه أكل بهيمة الأنعام, وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنزِيرِ﴾ المفهوم منه أكل ذلك فحذف للعلم به, وهذا- أيضًا- ليس ببعيد, لأنه قد علم أن المراد به ما ذكروا أنه حذف منه, وليس الغرض من ذلك وصفه بأنه مجازًا ومحذوف [؟ مجاز أو محذوف] , وإنما الغرض حصول العلم بالمقصود منه, وإفساد قول من زعم أن المراد به إذا لم يكن في نص الخطاب لم يكن مفهومًا, ووجب الوقف فيه, وكونه غير دلالة على شيء. وهذا القول خلاف على الأمة وكافة أهل اللغة ومحدثه عندهم ليس بمحل من يفهم الخطاب فضلاً عن المناظرة على معناه.
ولحق- أيضًا- بهذا الباب قوله سبحانه: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا
стр. 340
أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لأن مفهومه "فأفطر معه" فعدة من أيام أخر: وليس ببعيد أن يقال: فإن كنتم كذلك فالصيام واجب عليكم, وعليكم صيام آخر عند الصحة والاستيطان. ولهذا قال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾. ولو أوجب عليهم الفرضين لم يكن يسيرًا.
ومما يجب إلحاقه بهذا الباب قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ وخُذُوهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وإنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. وأمثال هذا.
وقد زعم قوم أن معنى هذا يوصف بأنه معقول من معنى الخطاب. وهذا خلاف في عبارة. وقولنا مفهوم من معناه ولحنه وفحواه بمنزلة واحدة وإنما صار هذا مفهومًا من فحواه, لأنه خرج مخرج الذم والمدح والترغيب والترهيب, لكون الاسم جاريًا على من علق الحكم عليه ففهم من
стр. 341
قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ إنه إنما أمرهم بقطعهما للسرقة, وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ كأنه قال: لأنهم مشركون, وكذلك إذا قال: ذم الفاجر واعذله وامدح المطيع وعظمه, فكأنه قال ذم الفاجر لفجوره عظم الطائع وامدحه لطاعته, فعقل من ذلك تعليل هذه الأحكام بما اشتقت منه الأسماء من الأفعال, وتعليق المدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب عليها.
وليس من هذا الباب قوله : ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة". وأن تعليق الحكم على أحد وصفي الشيء يدل على أن ما عداه بخلافه, لأن هذا ليس هو من مفهوم الخطاب ولا من فحواه ولحنه. وسنفرد للقول في ذلك بابًا من بعد إن شاء الله.
стр. 342
فصل
فأما القسم الثاني من أقسام الخطاب الثلاثة, وهو الذي يستقل بنفسه من وجه ولا يستقل من وجه, نحو قوله سبحانه: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقوله / تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقوله ﵇ "إلا بحقها". وهذا الضرب ونحوه من المحتمل من الخطاب.
ومنه- أيضًا- الألفاظ المدعاة للعموم نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وإنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وأمثال ذلك من ذكر الأعيان والزمان باسم الجمع المعرف وغير المعرف.
وإنما صار هذا الضرب مستقلاً بنفسه من وجه وغير مستقل من
стр. 343
وجه, لأجل أن اليوم معلوم والحصاد معلوم وإيتاء الحق وأنه إخراجه معلوم وقدر الحق الواجب فيه غير معلوم. وكذلك القتال وأهل الكتاب والجزية معلوم وأهل الجزية وأنها أتاوة ومذلة لهم معلوم. وقدرها فقط من جملة هذا الخطاب غير معلوم. وكذلك قوله: "إلا بحقها" غير معلوم ما هو الحق وإن كان شيئًا يجب فعله مع الشهادتين. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وصلوا في الأزمان على قول أصحاب الوقف ومبطلي العموم. بمجرد اللفظ, لأنه مستقل بنفسه في أن المشركين والقتل معلومان وأن المراد به الكل أو البعض غير معلوم, وكذلك ذكر الأزمان معلوم وعموم الفعل فيها أو تخصيصه ببعضها غير معلوم فصار مستقلاً من وجه وغير مستقل من وجه.
ومحققوا القول بالعموم يزعمون أنه مستقل بنفسه من كل وجه, لأنه بمثابة النص على كل زمن وشخص بعينه بأخص أسمائه وصفاته, ونحن نفرد لذلك بابًا من بعد إن شاء الله.
فصل
فأما الضرب الثالث من أقسام الخطاب. وهو الذي لا يستقل بنفسه من
стр. 344
وجه من الوجوه فهو المجاز المستعمل في غير ما وضع له في اللغة. والذي ليس من باب المحذوف الذي قد عرف الحذف منه بعادة الاستعمال, والقصد بالكلام. وإنما هو المنقول عن بابه وما وضح له, وذلك نحو قوله تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنتُمْ سُكَارَى﴾ ص ٨٥ على قول من قال أراد المساجد الجامعة ومواضع الصلوات تعظيمًا وتوقيرًا لها ولحاضريها, ويؤيد هذا التأويل قوله: ﴿ولا جُنُبًا إلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ والعبور لا يكون في الصلوات لكن في مواضع الصلوات.
ومنه قولهم: رأيت حمارًا أو ثورًا إذا أرادوا الرجل البليد المشبه بالثيران والحمير لبلادته لأن القصد بهذا اللفظ غير معلوم بصريحه ولا بلحنه. وإنما يعلم بشيء تضام الخطاب ويدل به على أنه معدول به إلى المجاز, ولا يفهم من اسم الشيء غيره الذي لم يوضع له الاسم إلا بدليل سواه. وقولنا: إن هذا غير مفهوم إنما نريد به أن المراد منه المتجوز به فيه غير معلوم منه, ولا نعني بذلك أنه في الأصل غير موضوع لإفادة معنى. وليس هذا بقول لأحد. هذه جملة أقسام المفيد من الكلام.
стр. 345
باب
القول في معنى الحقيقة والمجاز
اعلموا أن قولنا حقيقة ينصرف إلى معنيين, وقولنا مجاز لا يتوجه إلا إلى التجوز بالكلام في غير ما وضع له. وقد يراد بالحقيقة حقيقة وصف الشيء التي هي حده والمعنى الذي له استحق الوصف, نحو قولنا: حقيقة العالم أن له علمًا. وحقيقة الحي الفاعل أن له فعلاً وحياة. فيكون المقصد بذكر الحقيقة ههنا ما أكسب الوصف, ووجب لأجله.
وقد يعنى بالحقيقة- أيضًا- صفة الشيء التي اختص بها, وما هو عليه في نفسه كما نقول حقيقة المحدث أنه الموجود عن عدم, وليس الوجود معنى منفصلاً عنه له يكون موجودًا. وقد كشفنا هذا الفصل في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه.
وقد تكون الحقيقة حقيقة الكلام, وذلك راجع في وصف الكلام إلى أنه قول استعمل فيما وضع في الأصل له. وحقيقة الكلام لها نقيض من المجاز, وهو استعماله في غير ما وضع له, وحقيقة الشيء التي هي حده وصفته التي هو عليها في ذاته لا نقيض لها ولا محاز منها.
وأما الضرب الآخر فهو المجاز من الكلام ومعنى وصفه بأنه مجاز أنه مستعمل/ ص ٨٦ في غير ما وضع له وأنه متجاوز به إلى غيره من قولك جزت النهر إذا تجاوزته, وذلك نحو قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ , وقوله
стр. 346
تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ وقولهم في الرجل البليد أنه ثور وحمار, وفي الشديد أسد وضرغام, وأمثال هذا.
وقيل: إن المجاز يكون بالزيادة في الكلام وبالحذف منه والنقصان. فأما المزيد فيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأن فيه زيادة الكاف أو المثل, لأنه لو قال: ليس كهو شيء أو ليس مثله شيء لاستقل الكلام. وأما النقصان فنحو قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ وتقديره "واسأل أهل القرية" فنقص الأهل وحذف.
وإنما وصفت الزيادة بأنها مجاز, لأنها وردت غير مفيدة, وهي في الأصل موضوعة للإفادة. فصارت مستعملة في غير ما وضعت له. وكذلك النقصان لما حذف من موضعه صار بمثابة كلام عدل عما وضع لإفادته. ولحقيقة الكلام الذي وضع لإفادتها وجوه معقولة من إطلاقه بعد التواضع على إفادة ما وضع له, والمجاز الذي لم يوضع في الأصل له معقول بدليل يقارنه لا بإطلاقه, إذ ليس بموضوع له في الأصل.
فصل
والمجاز مستعمل في موضعه, والباب الذي استعمل فيه لا يتعدى به عنه, ولا يقاس عليه. والحقيقة متعدية إلى جميع ما وضعت لإفادته إما بإطلاقها أو بتقييدها, ولو لم يجر معها لا ينقض طريق المواضعة وبطلت
стр. 347
الدلالة, وهذا معنى قولهم إن المجاز مقصور على موضعه. والحقيقة تتعدى إلى كل ما وجدت فيه فائدته. ومرادنا بقولنا إن المجاز لا يتعدى مكانه أنه لا يتعدى بابه, لا أنه لا يستعمل إلا في الشيء الذي استعمله فيه أهل اللغة بعينه, لأنه يجوز أن يقال: سل الربع والطلل, مكان قولهم سل الديار, لأنه من بابه, ولا يجوز أن يقال سل الدابة والحمار قياسًا على هذا الباب./ ص ٨٧
стр. 348
باب
معرفة الفصل بين الحقيقة والمجاز
وطريق العلم بذلك أربعة أمور:
أحدها: أن الحقيقة من الكلام جار في جميع ما وضع لإفادته نحو القول ضارب وعالم وقادر الجاري على كل من له ضرب وعلم وقدرة, وكذلك القول إنسان وفرس المفيد الصورة تابع أبدًا لها إينما وجدت من غير تخصيص, وإلا بطلت دلالة الكلام وانتقضت المواضعة.
والمجاز مقصور على موضعه لا يقاس عليه, كالذي قلناه من قبل, لا يقال: سل البساط ويعني صاحبه قياسًا على قولهم: سل الربع وقوله سل القرية والعير.
والثاني: أن يكون ما جرى عليه الاسم حقيقة يستحق منه الاشتقاق, فإذا امتنع الاشتقاق منه علم أنه مجاز نحو تسمية الفعل والشأن أمرًا على وجه المجاز والأمر على الحقيقة بالشيء هو نقيض النهي عنه, وهو اقتضاء الفعل, ويشتق منه اسم أمر, ولا يشتق من القيام وقعود أمر, ولا من شيء من الأفعال, فوجب أن تكون تسمية الحال والشأن أمرًا جارية عليه مجازًا واتساعًا. ومنه قوله تعالى: ﴿ومَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أَمْرُنَا وفَارَ التَّنُّورُ﴾ وقولهم:"ما أمر فلان وما حاله"
стр. 349
يعنون شأنه وطريقه.
والثالث: أن يختلف جمع ما جرى الاسم على أحدهما مجازًا, والآخر حقيقة, فيعلم أنه مجاز في أحدهما لأن جمع الأمر الذي هو نقيض النهي أوامر, وجمع الأمر بمعنى الفعل والشأن أمور. فنقول: كيف أمر فلان؟ وكيف أموره؟ ولا نقول كيف أوامره. وإنما نقول ذلك في أقواله التي هي نقيض النهي.
والرابع: أن يكون لما جرى عليه الاسم حقيقة تعلق بغيره أو ما يجري مجرى الغير له. نحو العلم والقدرة والأمر الذي لكل شيء منه تعلق بمعلوم ومقدور ومأمور به, وذلك اتفاق. فإذا سمي ما لا تعلق له بأنه علم وقدرة وأمر كان ذلك مجازًا. ومنه / ص ٨٨ قولهم في الأمر العجيب الخارق للعادة هذا للعادة هذا قدرة الله, وهذا أمر الله, وقولهم: قد جاء علم الله من المطر والجراد, وإنما يعنون معلومه ومقدوره وفعله. وجميع ما ذكرناه من قوله تعالى: ﴿جِداَرًا يُرِيدُ
стр. 350
أن يَنقَضَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ وقوله تعالى ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِط﴾ وقوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ وهو يريد رسله وأولياءه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾. وقد أهل اللغة في الرجل البليد: هذا تيس وحمار. وفي الشديد الأيد أسد وسبع. وفي الثقيل إنه جبل, وأمثاله أوضح دليل على أن في كتاب الله سبحانه وسنن رسوله ﷺ وكلام أهل اللغة مجازًا كثيرًا, اللهم إلا أن يقول قائل: إن الجدار يريد ويختار. وأن البليد تيس وحمار على الحقيقة, فلا يكون في عداد من يكلم.
стр. 351
فصل
وكل مجاز فلابد فيه من حقيقة يرد ويرجع إليها الكلام, وليس لكل حقيقة مجاز, لأن من الألفاظ والأسماء ما لم يتجوز بها غير ما وضعت له, وهي أكثر الخطاب.
فصل
وضربان من الأسماء لا يصح دخول المجاز فيهما.
أحدهما: الأسماء العامة التي لا عموم فوقها, وذلك نحو القول: معلوم ومجهول ومظنون ومسهو عنه مشكوك فيه, ومذكور ومخبر عنه ومدلول عليه, وإنما امتنع دخول المجاز في ذلك, لأنه لا أمر إلا ويصح تعلق العلم به أو الخبر عنه والذكر له أو الدلالة عليه من موجود ومعدوم وقديم ومحدث. وليس من الأمور مالا يصح كونه معلومًا ومذكورًا ومخبرًا عنه ومدلولاً عليه على وجه حتى يكون إذا وصف بذلك جرى عليه الاسم/ ص ٨٩ مجازًا اللهم إلا أن يكون المذكور والمعلوم لصاحب زيد ووكيله مذكورًا ومعلومًا لزيد فيكون ذلك مجازًا إذا نسبت إلى زيد من باب جعله معلومًا لمن ليس بعالم به لكن لمن يقوم مقامه.
فأما أن يوصف أمر بأنه أمر معلوم أو مذكور أو مخبر عنه أو مدلول عليه, وهو مما لا يصح كونه كذلك فإنه محال.
стр. 352
والضرب الآخر من الأسماء أسماء الأعلام, نحو القول: زيد وعمرو, لأنه اسم موضوع للفرق بين الذوات والأشخاص, لا للفرق في الصفات وإفادة معنى في المسمى, حتى إذا جرى فيمن ليست له تلك الصفة صار مجازًا, نحو القول: ضارب وظالم إذا جرى على من لا ضرب له ولا ظلم, فلذلك صار قولهم الأسود بن يعفر والحرث بم ظالم مجازًا, لأنه لم يجر على أن في المسمى سوادًا وله ظلمًا.
وقد يجوز التجوز بالاسم الموضوع للشيء على وجه العلم واللقب إذا استعملا فيمن لم يوضع له, نحو قولهم. هذا علم سيبوبه, وهذا علم بقراط وسقراط يغني بذلك كتبهم. وكذلك قولهم حفظت
стр. 353
المزني وحفظت سيبويه, وأنت تعني حفظت كتابيهما. وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء الله.
стр. 354
باب
القول في منع القياس في الأسماء
اختلف الناس في هذا الباب، فأجازه قوم من المتكلمين والفقهاء. ومنعه آخرون. وهو الصحيح الذي نقوله به.
وأعلموا أن الأسماء على ضربين:
стр. 355
فضرب منها علم محض ولقب جامد، وضع للفرق بين الذوات والأشخاص، ولم يوضع لإفادة الفرق في الصفة، وذلك نحو تسمية الشخص زيداً وعمراً، وأمثال ذلك مما لا يفيد معنى وصفة في المسمى. وقد اتفق على أن ما هذه سبيله لا يصح القياس عليه، لأن كل من يرى القياس في الأسماء فإنما يقيس على معنى في المسمى وضع الاسم لإفادته، واللقب ليست هذه حاله.
والضرب/ ص ٩٠ الآخر مفيد للفرق في الصفة، نحو القول: قاتل وضارب وعالم وقادر وخل وخمر، وما أشبه ذلك مما وضع لإفادة معنى في الموصوف، وهذا- أيضاً- مما لا يصح القياس عليه لأمرين:
أحدهما، اتفاق الكل على أن وضع اللغة وضع حكمي صحيح، وأن الغرض في وضع الأسماء الإفادة بها. وإذا كان ذلك كذلك وجب أنهم إذا وضعوا الاسم لإفادة الصفة إما مطلقة أو مقيدة، وليدلوا به على تلك الفائدة وجب اطراد ذلك الاسم واجراؤه على كل ما وجد فيه ذلك المعنى، وإلا فسدت الدلالة وانتقضت المواضعة، ووجب أن يكونوا متى وضعوا الاسم لإفادة الصفة في إطلاق أو تقييد أن يكون جارياً في جميع ما وجدت فيه. وأن يكون وضعهم الاسم لها، وتركهم التوقيف لنا على أنه مقصور على بعض ما هي في بمثابة قولهم ونصهم على أنهم وضعوا الاسم لكل من فيه تلك الصفة وقام العلم بصحة وضعهم.
следующие страницы →