Полный текст (1 232 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فصل
وكل مجاز فلابد فيه من حقيقة يرد ويرجع إليها الكلام, وليس لكل حقيقة مجاز, لأن من الألفاظ والأسماء ما لم يتجوز بها غير ما وضعت له, وهي أكثر الخطاب.
فصل
وضربان من الأسماء لا يصح دخول المجاز فيهما.
أحدهما: الأسماء العامة التي لا عموم فوقها, وذلك نحو القول: معلوم ومجهول ومظنون ومسهو عنه مشكوك فيه, ومذكور ومخبر عنه ومدلول عليه, وإنما امتنع دخول المجاز في ذلك, لأنه لا أمر إلا ويصح تعلق العلم به أو الخبر عنه والذكر له أو الدلالة عليه من موجود ومعدوم وقديم ومحدث. وليس من الأمور مالا يصح كونه معلومًا ومذكورًا ومخبرًا عنه ومدلولاً عليه على وجه حتى يكون إذا وصف بذلك جرى عليه الاسم/ ص ٨٩ مجازًا اللهم إلا أن يكون المذكور والمعلوم لصاحب زيد ووكيله مذكورًا ومعلومًا لزيد فيكون ذلك مجازًا إذا نسبت إلى زيد من باب جعله معلومًا لمن ليس بعالم به لكن لمن يقوم مقامه.
فأما أن يوصف أمر بأنه أمر معلوم أو مذكور أو مخبر عنه أو مدلول عليه, وهو مما لا يصح كونه كذلك فإنه محال.
стр. 352
والضرب الآخر من الأسماء أسماء الأعلام, نحو القول: زيد وعمرو, لأنه اسم موضوع للفرق بين الذوات والأشخاص, لا للفرق في الصفات وإفادة معنى في المسمى, حتى إذا جرى فيمن ليست له تلك الصفة صار مجازًا, نحو القول: ضارب وظالم إذا جرى على من لا ضرب له ولا ظلم, فلذلك صار قولهم الأسود بن يعفر والحرث بم ظالم مجازًا, لأنه لم يجر على أن في المسمى سوادًا وله ظلمًا.
وقد يجوز التجوز بالاسم الموضوع للشيء على وجه العلم واللقب إذا استعملا فيمن لم يوضع له, نحو قولهم. هذا علم سيبوبه, وهذا علم بقراط وسقراط يغني بذلك كتبهم. وكذلك قولهم حفظت
стр. 353
المزني وحفظت سيبويه, وأنت تعني حفظت كتابيهما. وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء الله.
стр. 354
باب
القول في منع القياس في الأسماء
اختلف الناس في هذا الباب، فأجازه قوم من المتكلمين والفقهاء. ومنعه آخرون. وهو الصحيح الذي نقوله به.
وأعلموا أن الأسماء على ضربين:
стр. 355
فضرب منها علم محض ولقب جامد، وضع للفرق بين الذوات والأشخاص، ولم يوضع لإفادة الفرق في الصفة، وذلك نحو تسمية الشخص زيداً وعمراً، وأمثال ذلك مما لا يفيد معنى وصفة في المسمى. وقد اتفق على أن ما هذه سبيله لا يصح القياس عليه، لأن كل من يرى القياس في الأسماء فإنما يقيس على معنى في المسمى وضع الاسم لإفادته، واللقب ليست هذه حاله.
والضرب/ ص ٩٠ الآخر مفيد للفرق في الصفة، نحو القول: قاتل وضارب وعالم وقادر وخل وخمر، وما أشبه ذلك مما وضع لإفادة معنى في الموصوف، وهذا- أيضاً- مما لا يصح القياس عليه لأمرين:
أحدهما، اتفاق الكل على أن وضع اللغة وضع حكمي صحيح، وأن الغرض في وضع الأسماء الإفادة بها. وإذا كان ذلك كذلك وجب أنهم إذا وضعوا الاسم لإفادة الصفة إما مطلقة أو مقيدة، وليدلوا به على تلك الفائدة وجب اطراد ذلك الاسم واجراؤه على كل ما وجد فيه ذلك المعنى، وإلا فسدت الدلالة وانتقضت المواضعة، ووجب أن يكونوا متى وضعوا الاسم لإفادة الصفة في إطلاق أو تقييد أن يكون جارياً في جميع ما وجدت فيه. وأن يكون وضعهم الاسم لها، وتركهم التوقيف لنا على أنه مقصور على بعض ما هي في بمثابة قولهم ونصهم على أنهم وضعوا الاسم لكل من فيه تلك الصفة وقام العلم بصحة وضعهم.
стр. 356
الثاني: وبما وصفناه من حالة مقام نصهم لنا على أنهم قد أجروا الاسم على كل من فيه تلك الصفة، ولم يكن للقياس مع توقيفهم لنا على ذلك وما يقوم مقام التوقيف وجه باتفاق، لنصهم لنا على أنهم قد سموا كل من له تلك الصفة مما قد وجد قبلهم وبعدهم وفي عصرهم بذلك الاسم. وهذا واضح في إحالة دخول القياس في الأسماء.
فصل
ومما يدل على منع القياس في الأسماء أن أهل اللغة إذا سموا شخصاً من الحيوان أدهم عند وجود السواد به، ووقفونا على أنهم سموه أدهم لوجود السواد به لم يخل حالهم من أربعة أمور:
إما أن يكونوا قد وقفونا- مع ذلك- على أن القول أدهم جارٍ في لغتهم على كل ما وجد فيه السواد من حيوان وغيره/ ص ٩١ مما وجد قبلهم وكان في عصرهم ويوجد بعدهم ..
أو أن يكونوا قد وقفونا على أنهم إنما قصروا الاسم على ذلك الشخص وحده لوجود السواد به.
أو أن يكونوا قد وقفونا على أنه جارٍ على جنس ذلك النوع من الحيوان دون سائره.
أو أن يكونوا إنما وقفونا على أنهم سموه أدهم لوجود السواد به، ولم يقفونا على أنه مقصور عليه أو على نوع من الحيوان، ولا على أنه جارٍ على نوع ذلك الحيوان، ولا على غيره. ولابد من هذه القسمة:
فإن كانوا قد وقفونا على أن الاسم مقصور عليه وحده فلا شك أن من سمي غيره بذلك الاسم فقد خالف حكم لغتهم ووضعهم.
وكذلك إن كانوا قد وقفونا على أنه اسم جارٍ على نوع ذلك الحيوان
стр. 357
فقط فمسمي غيره من الحيوان بذلك الاسم مخالف للغتهم.
وإن كانوا قد وقفونا على أنهم يسمون بذلك الاسم كل ما وجد به السواد ماضياً وفي حال مواضعتهم ومستقبل أوقاتهم، فلاشك أن جريان الاسم على كل أسود توقيف، لا قياس.
وإن كانوا سموا الشخص أدهم، وقالوا سميناه بذلك لوجود السواد به لم يخل حالهم من ثلاثة أمور:
إما أن يكونوا قد وقفونا- مع ذلك- على أن القول أدهم جارٍ على كل ما وجد فيه السواد. أو أن يكونوا سموا ذلك الشخص أدهم، وقالوا سميناه بذلك لوجود السواد به، ولم يوقفونا على أنه مقصور عليه أو على نوعه دون غيره، أو على كل ما وجد به السواد وجب القطع على أن الاسم في لغتهم جارٍ على ذلك الشخص، وأنه لا يعلم أن ما عداه من نوعه وغير نوعه مسمى عندهم بذلك الاسم أم لا، وتجويز كل واحدٍ من الأمرين.
فإن قال قائل، إذا عدم توقيفهم على إجرائه في كل ما وجد السواد به وجب اجراؤه عليه، لأن ذلك موجب لغتهم.
قيل له، أتفصل "بين "من قال يجب قصره عليه وحده، أو عليه وعلى نوعه لأننا نجدهم يسمون/ ص ٩٢ الشيء بالاسم لمعنى فيه ويقصرونه عليه أو عليه وعلى نوعه ويسمونه بالاسم لذلك المعنى ويجرونه مطلقاً على كل ما هو فيه، فليس مدعي إجرائه بمطلقه لعدم توقيفهم على إجرائه في موجب لغة
стр. 358
لهم أو موجب لغتهم أولى من مدعي قصره على موجب لغتهم، وهذا متكافئ لا يمكن الفصل فيه، فوجب منع القياس في الأسماء.
فصل
والأقرب في هذا الباب مع عدم توقيفهم على أن ما وضعوه لإفادة معنى مقصور عليه أو على نوعه أو جار عن كل ما وجد فيه ذلك المعنى، لأنهم لابد أن يضعوه على بعض هذه الوجوه ويوقفونا على ذلك بالقول أو ما يقوم مقامه، ويعلم ذلك من حالهم ليزيلوا به الإلباس ويعرفوا كيفية وقوع مواضعتهم، وإذا حصل التوقيف منهم على ما ذكرناه امتنع القياس.
وعمدة المخالفين في هذا الباب أن الاسم إذا وضع لمعنى وجب إجراؤه يث وجد ذلك المعنى، وإلا بطلت فائدته، وهذا باطل. لأنه قد تكون فائدته مقصورة على شيء دون غيره على ما بيناه، وليس وضع القوم لغتهم على المعاني وضع الأحكام العقلية الموجبة عن عللها. وإنما المواضعة مواطأة وتابعة لقصدهم واختيارهم، وقد يختارون وضع الاسم لمعنى إذا وجد في شيء مخصوص على ما بيناه من قبل، فبطل ما قالوه.
والغرض بالكلام في هذا الباب تسمية النبيذ خمراً لوجود الشدة فيه، والخليط جاراً، وواطئ البهيمة زانيا، ومستخرج الكفن من
стр. 359
القبر سارقاً، وأمثال هذا، فإذا جرى الاسم على ذلك من جهة القياس أدخل تحت العمومات والظواهر، كقوله تعالى ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَة﴾ وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي﴾ وقوله ﷺ : "الجار أحق بسقبه "وهذا بعيد لما قلناه.
وقد وجدنا أهل اللغة يسمون بعض ما حدث فيه/ ص ٩٣ الحموضة خلاً دون
غيره، ويسمون بعض ما خرج من شيء فاسقا، وبعض ما يتجاوز الغرض المقصود جائزاً، ولا يجرون ذلك على كل ما وجد فيه ذلك المعنى، فبطل ما قالوه.
стр. 360
باب
القول في إثبات الأسماء العرفية ومعنى وصفها بذلك
أعلموا أن هذه الأسماء معروفة في اللغة ومستعملة على ما نذكره.
معنى وصف الاسم بأنه عرفي أن المفهوم من إطلاقه بغلبة الاستعمال بعض ما وضع له، أو ما جرى عليه مجازاً لا حقيقة. والدليل على أن هذا معنى وصفه بأنه عرفي أنه لا يجوز أن يكون معنى ذلك أنه ابتداء وضع لما جرى عليه، لأن ذلك يوجب أن تكون جميع الأسماء عرفية.
ولا يجوز أن يكون معنى وصفها بذلك أنها أسماء متجددة مبتدأة، لأن
стр. 361
ذلك سبيل سائر الأسماء اللغوية.
ولا يصح أن يكون معنى وصفها بذلك أنها أسماء ابتدأها ووضعها غير أهل اللغة من العلماء بضروب المعلومات وأهل الصنايع والحرف والمهن، لأن ما يضعونه من ذلك بمثابة ما يحدثه أهل اللغة من الأسماء فكلها إذاً عرفي، وذلك باطل.
ولا يمكن أن يكون وصف الاسم بأنه عرفي أنه منقول عما وضع له إلى غيره، لأن ذلك هو المجاز، وتسميته مجازاً أحق وأولى به فوجب أن يكون معناه ما قدمنا ذكره فقط.
ولا خلاف في أن هذا الاسم قد ثبت في اللغة والاستعمال. وأن القول "دابة "كان موضوعاً في الأصل لكل ما دب ودرج، ثم غلب استعمال أهل اللغة لمطلقه في البهيمة/ ص ٩٤ المخصوصة ذات القوائم الأربع.
وكذلك قولهم متكلم هو في الأصل موضوع لكل ناطق بضرب من الكلام، وفي كل باب من الأبواب، وقد صار المفهوم من إطلاقه أنه المتكلم في أصول الديانات وأبواب النظر والجدل فيها.
ومنها قولهم فقيه، لأنه في الأصل موضوع لكل من فقه شيئاً وعلمه.
стр. 362
وقد غلب استعماله في العالم بأحكام أفعال، المكلفين الشرعية دون العقلية، ودون غيره من العلوم،
وكذلك القول معلم قد صار المفهوم من إطلاقه بغلبة العرف معلم أشياء مخصوصة لقوم مخصوصين. وقد الله سبحانه: ﴿خَلَقَ الإنسَانَ، عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ وقال تعالى: ﴿وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي يعلمون.
وكذلك فقد صار المفهوم عند أهل اللغة من إطلاق اسم الغائط والعذرة الحدث الذي يجري عليه الاسم مجازاً لا حقيقة، لأن الغائط في اللغة هو المكان المنخفض المطمئن الذي تقضي فيه الحاجة. والعذرة اسم للفناء الذي يستتر به وتقضي الحاجة من ورائه. وقد غلب استعماله في الحدث الذي يجري عليه الاسم مجازاً، وتتبع ذلك يطول. وفيما أومأنا إليه كفاية إن شاء الله.
فصل
فإن قيل، وما الداعي لأهل اللغة إلى تغليب استعمال ما وضعوه لأشياء في بعض ما يجري عليه.
قيل لهم، هذا قد ورد على ما بيناه، ولا يلزمنا معرفة الداعي لهم إلى ذلك.
ويمكن أن يكونوا إنما فعلوا ذلك لكثرة الأشخاص والأجناس وأنواع الحيوان وضيق الأسماء. فجعلوا مطلق بعض المشترك مستعملاً في بعض
стр. 363
ما يجري عليه، ويمكن أن يكونوا قد خف عليهم وسهل القول دابة، واعتقدوا أنه أخف عندهم من القول فرس وجواد وطرف، فأكثروا استعمال الأخف.
ويمكن- أيضاً- أن يكونوا إنما قالوا في وطء النساء مسيس، وفي الحدث أنه غائط وعذرة، لاستهجانهم استعمال اسم الوطء الأخص به واسم الحدث/ فقالوا مس المرأة كناية عن الفحش عندهم. وجاء من الغائط كناية ص ٩٥ عما يستهجن ذكره بأخص أسمائه. وهذا ليس ببعيد.
فصل
ومن المجازات التي غلب استعمال الاسم فيها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وأمثال ذلك مما قد بينا فيما سلف أن المفهوم منه ما هو مجاز فيه دون حقيقته. وأن المفهوم عند ذكر كل جنس ما غلب القصد إليه والاستعمال فيه دون غيره واستغناء ذلك بما يغني عن رده. وذكرنا أنه لا يجوز أن يكون المراد بالتحليل والتحريم أعيان ما وضعت له هذه الأسماء لأنها أجسام لا تدخل تحت قدر العباد، ولا يجوز دخولها تحت التكليف فصارت باتفاق مراداً بها المجاز وثبت أن المجاز المقصود بذكرها
стр. 364
ما علم بغلبة عرف الاستعمال.
فإن قيل، فما تقولون لو ثبتت أسماء شرعية وإن كانت ألفاظًا لغوية، لكنها منقولة في الشرع إلى أحكام غير التي وضعت لها في حكم اللسان، ثم ورد الشرع بذكرها، هل يجب حملها على موجب اللغة أو موجب الشرع؟
قيل، كان يجب الوقف في ذلك، لأنه يجوز أن يراد بها ما هي له في اللغة. ويجوز أن يراد بها ما هي له في الشرع. ويجوز أن يراد بها الأمران إن كانا مثلين يمكن أن يقعا معًا في وقت واحد أو في وقتين. فإن كانا خلافين صح أن يريدهما جميعًا معًا. وإن كانا ضدين صح أن يريدهما على الترتيب، ويجب لتجويز ذلك أجمع الوقف إلى أن يدل دليل على المراد به على منا نبينه من بعد في حكم المحتمل من الألفاظ.
ومن ذلك قوله ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان"
стр. 365
لأن المفهوم من ذلك بغلبة العرف مجاز هذا اللفظ الذي هو حكم الخطأ والنسيان/ لأنه معلوم بعرف الاستعمال أن المراد بقول القائل قبل ورود الشرع: رفعت عنك الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسك رفع حكم ذلك دون رفع عينه، وكيف يخبر النبي ﷺ برفع أمرٍ واقع موجود وهو يُجل عن ذلك.
وقد علم - أيضًا - بغلبة الاستعمال أن الحكم المرفوع بهذا القول قبل ورود الشرع وحين وروده إنما هو رفع الحرج والمأثم والذم والعقاب دون رفع الغرم والضمان. فإن قصد الرسول ﵇ رفع ذلك - أيضًا - فهو حكم شرعي مأخوذ بتوقيفه دون موجب اللغة، وذلك لا يستمر إلا مع القول بأن في الشرع ألفاظًا لغوية منقولة إلى معان شرعية، وذلك فاسد لما نبينه من بعد.
فإن قال قائل: ما أنكرتم من وجوب حمل ذلك على رفع الغرم والضمان، وما يلزم بحكم الشرع دون حمله على رفع المأثم، لأجل زوال
стр. 366
الإثم على الخطأ من جهة العقل، فحمله على ما يستفاد من جهة الشرع أولى.
قيل، هذا القول عندنا باطل، والعقل لا يمنع من جواز لحوق المأثم والعذاب على ما وقع على جهة النسيان، لما قد بيناه في أصول الديانات.
وأحد ما يدل على ذلك من جهة السمع إخباره عن أوليائه، ومن أحسن الثناء عليهم أنهم رغبوا إليه في أن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا﴾. فلو كان العقاب على الخطأ زائلًا من جهة العقل لم يكن للمسألة في ترك المؤاخذة عليه وجه إلا بالرغبة إليه تعالى في ترك الظلم والجور والحيف، والله يتعالى عن الثناء على قوم أجازوا عليه ذلك فثبت ما قلناه.
فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكونوا إنما عنوا بالنسيان/ ص ٩٧ ترك الطاعة وبالخطأ إصابة الذنب والخطية، لا ما وقع عن نسيان وعدم اعتماد؟.
يقال لهم، هذا باطل من وجوه:
стр. 367
أحدها، إن اسم الخطأ والنسيان أخص بما وقع عن السهو وعدم القصد منه بالخطية واعتماد ترك الطاعة، لأن المفهوم من إطلاق القول نسي فلان وأخطأ عدم القصد إلى ما فعله ووقوعه مع السهو عنه والنسيان له لا إصابة الخطية واعتماد ترك الطاعة، فبطل ما قلته.
والوجه الآخر: إنه لو كان الاسم مشتركًا بين اعتماد ترك الطاعة وفعل الخطية وبين ما قلناه لوجب حمله على ما ذكرناه، لأنه قد نقله عرف الاستعمال إلى ما وصفناه، لأجل ما قدمنا ذكره فزال ما قلته.
والوجه الثالث: إن حمل الآية على ذلك مبطل للفائدة، لأنهم لو أرادوا بالنسيان اعتماد ترك الطاعة، وذلك خطيةً وعصيان لم يجز أن يقولوا: "أو أخطأنا" وهم يريدون إصابة الذنب، لأنه يصير ذلك في تقدير قولهم: ربنا لا تؤاخذنا إن أخطأنا أو أخطأنا، لأن هذا عي غير مستعمل ولا مفيد، فبطل ما قلته من كل وجه.
فإن قيل: فقد قلتم بمثل هذا الوجه الأخير، لأن ما وقع مع النسيان خطأ غير مقصود، وما يقع خطأ غير مراد ولا مقصود، فكأنهم قالوا: لا تؤاخذنا إن أخطأنا أو أخطأنا، وهذا لا وجه له.
يقال لهم: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن يكونوا عنوا بالخطأ ما وقع منهم على وجه الخطأ في التأويل مما غلطوا فيه، ولم يقصدوه، وأرادوا بالنسيان ما وقع على وجه السهو وذلك أمران مختلفان:
والوجه الآخر: أن يكونوا أرادوا بقولهم أخطأنا إصابة الذنب الذي هو الخطية، وبالنسيان ما وقع على وجه السهو بغير قصدٍ واعتماد. فلا
стр. 368
يكون محمولًا على التكرار فزال ما قالوه.
فصل
فإن قيل: أفلستم قد قلتم قبل هذا أن العقل لا يوجب ذمًا ولا إيلامًا ومؤاخذة على شيء من الأفعال خطئها ومعتمدها وكيف تصرفت أحوالها./ص ٩٨ فكيف تنكرون قول القدرية إن المأثم على ما وقع على وجه الخطأ والسهو زائل من جهة العقل.
يقال لهم: نحن وإن قلنا ذلك فإننا نجوز أن يرد السمع بالوعيد ولحوق الذم والمأثم على ما وقع على وجه الخطأ والسهو وأن حكمه بذلك سبحانه عدل وصواب في حكمته، والقدرية تزعم أن الوعيد على ما وقع كذلك والذم عليه ظلم وخروج عن الحكمة. ولا يجوز أن يثني الله سبحانه على من رغب إليه في رفع ظلم العباد. وكأنهم قالوا: ربنا لا تحكم علينا من جهة الشرع بلحوق مأثم وذم ووعيد من جهة الشرع على ما وقع على هذا الوجه فإن لك أن تحكم بذلك وتشرعه، فصحت الرغبة في ذلك قول أهل الحق دونهم.
وكذلك، فليس لهم أن يتأولوا قوله تعالى: ﴿ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي ما يشق ويثقل علينا وإن كنا له مطيقين وعليه قادرين، لأجل أن ذلك خلاف الظاهر، لأنه مقتضٍ لنفي الطاقة له، وإنما يقال فيما ثقل فعله على القادر أنه لا يطيقه مجازًا واتساعًا. وقولهم إنما حملناه على المجاز كما
стр. 369
وصفتم لأجل أن تكليف ما لا يطاق ظلم وعدوان لا يجوز في حكمته، كذب من قولهم، بل ذلك عدلٌ من الله وصواب في حكمته وتدبيره. وقد بينا ذلك في الكلام في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه. فهذه جملة تكشف عن أن المفهوم من قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" رفع المأثم والعقاب يعرف الاستعمال.
فصل
فإن قال قائل: فإذا كان هذا هو المعقول والمفهوم من الكلام وجب - أيضًا - أن يفهم منه رفع الغرم والضمان والكفارة وقيمة المتلف بالخطأ من الأفعال لأن الغرم والضمان والكفارة عقوبات وقد قلتم إن المفهوم منه زوال المأثم والعقاب.
يقال لهم: ليس الأمر على ما ظننتم، ولكن تكليف هذه الأمور ابتلاء وامتحان، ومما ينال به الثواب. وقد تلزم الكفارة قاتل الخطأ ومصيب
стр. 370
النفس بغير قصد/ ص ٩٩ إذا جعل له رمي الغرض فأصاب نفسًا، وليس ذلك بعقاب ولكنه تكليف وامتحان. وقد يجب على الإنسان الغرم والضمان في فعل بهيمته لا على وجه العقاب. وقد يجب الغرم والضمان في فعل الطفل في ماله وإن لم يكن من أهل التكليف والعقاب.
وقد تجب الحدود من القتل والجلد والقطع على التائب المنيب امتحانًا لا عقابًا، لأن عقاب التائب ظلم عندهم. فبطل قولهم إنه إذا كان مفهوم الخبر سقوط الإثم والعقاب وجب - أيضًا - أن يفهم منه سقوط الغرم والضمان، لأنه ليس من العقاب في شيء.
فأما قولهم: إنما وجب حمله على رفع الغرم والضمان دون رفع المأثم والعقاب، لأنه هو المستفاد رفعه من جهة الشرع من حيث علم رفع المأثم والعقاب عليه من جهة العقل قبل الشرع فقول باطل، لأن العقل لا يحيل ورود الشرع بالحكم بالمأثم والعقاب على ما وقع على غير وجه العمد، فبطل ما ظنوه.
على أنه يجوز أن يقال: قد فهم من قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" أنه رفع عنهم الغرم والضمان والكفارة على وجه العقاب
стр. 371
والانتقام منهم بذلك، لأن العقل بزعمهم يرد ذلك ويحيل ورود الشرع بالحكم به، وإن لم يرفع عنهم الغرم والضمان والكفارة على وجه التكليف والامتحان. وعلى أن لهم في فعل ما يلزمهم من ذلك قربةً وثوابًا، والعقل لا يرفع جواز الامتحان والابتلاء بهذه الأفعال وإن لم يكن عقابًا ولا جاريًا مجرى قوله في مكفر قتل الصيد عامدًا ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وقاتله خطأ وجوب الجزاء بمنزلة العامد، أحدهما آثم منتقم منه، والآخر ممتحن غير مأثوم. فإذا كان ذلك كذلك حمل على رفع الغرم والضمان عقابًا وانتقامًا لا ابتلاءً وامتحانًا، وبطل ما قالوه، وخرج قوله ﷺ "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" عن باب المجعل الذي لا يفهم معناه ولا يستقل بنفسه.
فصل
ومما ألحق - أيضًا - بالمجمل وليس منه، بل معناه مفهوم قوله ﷺ / "الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى" و "إنما الأعمال بالنيات".
стр. 372
وما ورد من نحو هذه الألفاظ، لأن معنى مثل هذا الكلام مفهوم عند أهل اللغة قبل النبوة، وتخاطبهم به معتاد والمفهوم منه أن الأعمال إنما تكون نافعة مجزئة بالنية، ولم يُعن به أنه إن وقع بغير نية كان معدومًا غير واقع ولا عمل على الحقيقة، هذا ما لا يجوز أن يعينه حكيم من أهل التخاطب فضلًا عن الرسول ﵇. وقد علم أن القائل منهم إذا قال إنما لك من عملك ما تنويه، وما تنويه فهو العمل، والعمل بالنية، وإنما العمل بالنية، إنما يراد به النفع والاحتساب بالعمل وقوله: "إنما الأعمال بالنيات". وإنما لامرئ ما نوى. جاء لتحقيق كون العمل نافعًا ومعتدًا أو محتسبًا به بالنية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ والْمَسَاكِينِ والْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وقولهم: إنما العالم من عمل بعلمه، وإنما الشجاع من برز لقرنه ولقي الحرب بنفسه وأمثال هذا من الكلام ومنه قول الشاعر:
أنا الرجل الحامي الذمار وإنما يدافع عن أمثالهم أنا أو مثلي
فوجب أن يكون معنى هذا الكلام مفهومًا وأن يكون مجملًا.
وليس يمتنعن مع ذلك أن يكون فيه وجه من وجوه الاحتمال، وهو أنه
стр. 373
إذا قال: إنما الأعمال بالنيات، فإنما يفهم منه أنها تكون نافعة محتسبة بالنية. وإذا قال: لا عمل إلا بينة، فكأنه صرح فقال لا عمل نافع إلا بنية.
وقد يريد بقوله: لا عمل نافع على وجه من الوجوه إلا بنية فيرفع به النفع جملة.
وقد يجوز أن يريد أنه لا عمل نافع مثل نفع العمل بنية، ولكنه دونه في النفع، فيكون نافيًا لنفع دون نفع، لا لجملة النفع أصلًا فيجري مجرى قوله ﵇:
"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد". وهو يعني لا صلاة تامة كاملة لها من الثواب مثل ثواب الصلاة في المسجد، فتجوز دعوى الإجمال في الخبر من هذا الوجه.
فإن قيل: فأنتم إذًا لا تعلمون بنفس هذا القول نفي النفع والثواب أصلًا وعلى كل وجه على العمل بغير نية.
قيل له: أجل، لأنه قد كان يجوز أن يراد به نفي كمال النفع والثواب دون نفي قليله وكثيره، وإنما علمنا أن ما وقع بغير نيةٍ وغير مراد به الله سبحانه مما يجوز أن يراد الله سبحانه به، ويجوز أن لا يراد به دون نفس الإرادة له بالعمل والإخلاص، ودون النظر والاستدلال على معرفة الله
стр. 374
سبحانه فإنه غير مثاب صاحبه بتوقيف. ونصوص غير هذا القول المحتمل لما قلناه.
فصل
ومما ألحق - أيضًا - بالمجمل وليس منه في شيء قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يُبيت الصيام من الليل" و"لا نكاح إلا بولي".
стр. 375
و "لا صلاة إلا بطهور" وفاتحة الكتاب./ ص ١٠١ "ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" "ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وأمثال هذا مما في اللفظ نفي عينه وهو موجود ثابت، لأن معنى هذا الكلام مفهوم في عرف اللغة والاستعمال قبل الشرع والرسالة، لأنهم إذا قالوا لا علم إلا
стр. 376
ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله، ولا طاعة لمن عصى الله، ولا عمل إلا ما أجدى ونفع عُلم بذلك أنهم يعنون لا علم ولا كلام نافع إلا ما أفاد، ولا حكم واجب لازم إلا لله، ولا عمل يجب الاشتغال به إلا ما أجدى ونفع، ولا طاعة لمن عصى الله تجب وتلزم. هذا مفهوم عند جميع أهل اللغة، ومن عرف كلامهم قبل ورود الشرع وبعده فوجب حمل الكلام عليه، وخرج بذلك عن حد الإجمال، ووجب أن يكون المعقول من قوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" أنه لا صيام مجزئ مجدٍ نافع إلا ما كان كذلك، ولا صلاة نافعة مجزئة، ولا وضوء نافع مجدٍ مجزئ إلا ما كان كذلك. وقد ثبت أن العمل كله من هذه الأجناس وغيرها لا يكون نافعًا مجديًا من جهة العقل، ولا يحصل عليه ثواب ونفع إلا من جهة الشرع وحكم السمع. فكأنه قال صريحًا ﵇: لا عمل مجدٍ للثواب والنفع إلا ما كانت هذه حاله، فوجب أن يعقل من هذا النفي نفي كون العمل شرعيًا مكتسبًا للثواب ومعتدًا به. فأما أن لا يفهم منه معنى، أو يفهم منه نفي ذات العمل الواقع المذكور، فإنه قول باطل، لأن معناه مفهوم بعرف الاستعمال، وفساد نفي وقوع العمل معلوم بنفي الكذب والخلف عن قول الرسول ﵇. ومع هذه فإنه قد يجوز أن يكون في هذا الخطاب إجمال واحتمال من غير هذا الوجه الذي ظنوه، وهو تردده بين نفي شيئين يصح القصد به إلى كل واحد منهما بدلًا من الآخر، وهو أن يكون أراد بقوله "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" شرعي مجدٍ مجزئ معتد به لصاحبه. ويجوز أن يكون أراد لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل كامل فاضل وإن كان شرعيًا مجزئًا ومعتدًا به، إلا أنه غير كامل وفاضل. وعلى هذا يجب حمل قوله
стр. 377
عليه السلام: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" لأنه احتمل نفي الإجزاء والاعتداد وأن تكون شرعية بوجه ما. واحتمل أن يكون قُصد به نفي الفصل والكمال فحمل على ذلك. ولولا أن الدليل أوجب حمله على أحد الوجهين لوجب الوقف في المراد به من نفي حكم الشرع.
وكذلك، فولا أن الدليل قد قطع على أنه لا صلاة مجزئة بغير طهور ونية وقراءة فاتحة الكتاب لجاز أن يريد بقوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" لا صلاة فاضلة وكاملة وإن كانت شرعية مجزئة. وقد أوضحنا من قبل وجه إحالة دعوى العموم في نفي الحكمين أعني الإجزاء والكمال لموضع ما في ذلك من التناقض/ص ١٠٢ والتضاد، لأن النفي لكونها مجزئة ومعتدًا بها ينفي كونها شرعية، والنفي لكونها كاملة فاضلة فوجب كونها شرعية معتدًا بها، وذلك متناقض محال أن يراد باللفظ عموم أمرين متناقضين أو أمور متناقضة، ولذلك لم يصح حمل القول: أي شيء يحسن زيد؟ على الاستفهام والتفخيم والتعظيم. وقوله تعالى: ﴿وإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ على الإباحة والندب والإيجاب، وإن صلح استعماله في كل شيء من ذلك على البدل لموضع تضاد محتملاته وتنافيها.
فصل
ويجب أن يجعل مكان قولنا غير مجزئة غير شرعية، لأن الشرعية قد لا تكون مجزئة إذا وجب إعادتها كالصلاة المفعولة بظن الطهارة. فإذا
стр. 378
ذكر فاعلها أنه كان غير متطهر وجبت إعادتها، وإن كانت حين فُعلت شرعية وطاعة وقربة مثابًا فاعلها، ولكنها مع ذلك غير مجزئة بمعنى أن مثلها واجب بعد فعلها بفرض ثان مبتدأ، على ما سنشرحه من بعد إن شاء الله.
فصل
وبين قوله ﵇ "لا صيام لمن لم يُبيت الصيام من الليل". وبين قوله: "لا صلاة إلا بأم الكتاب" و "إلا بطهور"، و "لا نكاح إلا بولي" فصل وفرق. وهو أن قوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" نص على أنه لا صيام لمن لم يبيت النية، وليس في نصه أن له صيامًا إذا بيت النية له، ولكنه عند القائلين بدليل الخطاب ثابت بدليله دون نصه، وعند آخرين بمفهوم النص والاستعمال، وكأنه عندهم قال: وإن بيته فله صيام، وهو مقدر في الكلام، وإن كان محذوفًا، ويجب على القول بنفي دليل الخطاب أن يكون ثبوت الصيام لمن بيته معلومًا بدليل آخر غير قوله: "لا صيام".
стр. 379
فأما قوله "لا صلاة إلا بطهور" و "ولا نكاح إلا بولي". ففيه نصان، أحدهما: نفي النكاح والصلاة بغير ولي ولا طهور. والآخر إثباتها بولي وطهور، نحو: قوله: إلا بولي وإلا بطهور. فهو كلام فيه نفي وإثبات مستثنى من النفي، وهو عندهم بمنزلة قوله لا تضرب زيدًا إلا قائمًا ولا تكلمه إلا راكبًا، لأ فيه نهيًا عن ضربه غير قائم وأمرًا به إذا كان قائمًا. وهذه جملة مقنعة في هذه الفصول والأبواب إن شاء الله.
стр. 380
باب
القول في أن جميع أسماء الأحكام والعبادات
لغوية غير مغيرة ولا منقولة
اعلموا - رضي الله عنكم - أن الذي عليه أهل الحق وجميع سلف الأمة من الفقهاء وغيرهم أن الله سبحانه لم ينقل شيئًا من الأسماء اللغوية إلى معان وأحكام شرعية، ولا خاطب الأمة إلا باللسان العربي، ولا أجرى سائر الأسماء والتخاطب إلا على ما كان جاريًا عليه في وضع اللغة.
والمخالفون في هذا الباب ثلاث فرق:
فمنهم المعتزلة والخوارج وفرقة ثالثة من المتفقهة اغترت بشبه
стр. 381
الخوارج والمعتزلة فوافقتهم على بدعتهم من غير قصد إلى تأييد باطلهم وعلم بما يؤول/ص ١٠٣ إليه مخالفة هذا الأصل من تصحيح قولهم في أسماء الأفعال وتحقيق الكفر والإيمان وما يتصل بالقول في الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام.
فزعمت المعتزلة أن الأسماء على ثلاثة أقسام: لغوية ودينية وشرعية، وكذلك قالت الخوارج.
فأما الأسماء الدينية فهي أسماء الإيمان والكفر والمؤمن والكافر والفاسق. وزعموا أن الله سبحانه جعل القول "إيمان" جاريًا على ضروب وأجناس من الأفعال لم يكن الاسم جاريًا في اللغة عليها، وكذلك
стр. 382
القول "كفر" وأن القول "مؤمن" وضع في الدين لم يستحق ثوابًا عظيمًا، والقول "كافر" وضع فيه لمن يستحق ضربًا من العقاب عظيمًا، وأن اسم الإيمان جارٍ في اللغة على الإقرار والتصديق فقط. واسم الكفر جارٍ على الجحد والإنكار، وهو التغطية، وأن اسم الفسق جارٍ على كل فعل معصية يستحق عليها العقاب والذم إذا انفردت وترك كل فرض يستحق بتركه الذم والعقاب.
وكذلك زعمت الخوارج أن اسم الكفر في حكم الدين جارٍ على كل معصية، والقول "كافر" جارٍ على كل عاصٍ، حتى ركب كثير منهم القول بأن معاصي الأنبياء كفر. فهذه هي الأسماء الدينية عند الخوارج والمعتزلة.
وقد كذب الفريقان على الله وعلى رسوله ﷺ فيما ادعوه عليهما من ذلك. والدليل على كذبهم فيه اختلاف القدرية في الطاعات التي هي الإيمان. وقول أبي الهذيل منهم وهو شيخهم أنه اسم لفرائض الدين ونوافله. وأن الإيمان ثلاثة أقسام:
فقسم منه يكفر تاركه وهو المعرفة والتصديق.
стр. 383
وقسم منه يفسق تاركه ولا يكفر، وهو الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من فرائض الدين التي ليست بتصديق.
وقسم منه لا يكفر تاركه ولا يفسق وهو النوافل من الطاعات وسائر المعتزلة تكذبه في هذه الدعوى. وتقول: بل إنما جعل الشرع اسم الإيمان واقعًا على فرائض الدين دون نوافله مع ترك المحرمات فيه. فلو كانت الحجة عن الرسول ﷺ بما نقل إليه هذا الاسم من الطاعات لوجب علمهم به ورفع اختلافهم فيه.
وكذلك فقد زعموا أن النبي ﷺ سمى كل شيء من ذلك في حكم الدين إيمانًا إذا فعل مع غيره من سائر الطاعات. فأما إن انفرد عنها لم يُسم بذلك، وكذلك فإنه ﵇ إنما حكم بأن جميع هذه الطاعات مسماة إيمانًا إن لم يقترن بها من الفسق والكبائر ما يُحبط ثوابها، وإن قارنها شيء من ذلك لم يحكم بتسميتها إيمانًا. وكل هذه مذاهب لهم مبتدعة ومحدثة ومنكر به على الرسول ﵇.
قالوا: فأما الأسماء الشرعية فهي الأسماء اللغوية التي نقلت في الشرع إلى أحكام شرعية، نحو الصلاة والحج والزكاة والصيام، وأمثال ذلك. وأنه لما حدثت هذه الأحكام احتيج إلى وضع أسماء لها، فلو ابتدأت لها أسماء موضوعة ليست من ألفاظ العرب جاز وصح. وإن نقلت بعد الأسماء اللغوية إليها وسميت بها جاز ذلك وقام مقام إحداث
стр. 384
أسماء مجددة لها.
وأما الأسماء اللغوية، وهي الجارية على ما كانت عليه في اللغة غير محدثة ولا منقولة/ ص ١٠٤ إلى غير ما وضعت له. وهي الأغلب الأكثر منها.
فقصد الخوارج والمعتزلة المخالفة على سلف الأمة في أصول الديانات، لا تصحيح أسماء لهذه الأحكام. وليس هذا من قصد ضعفاء المتفقهة المطابقة لهم على هذه البدعة بسبيل.
والذي يدل على فساد قول الجميع قول الله : ﴿إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ وقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ وقول تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ في نظائر هذه الآيات التي أخبر فيها بأن الخطاب للأمة لم يتوجه إلا باللسان العربي، سيما وهم يقولون بالعموم، وظواهر هذه الآيات يوجب كون الخطاب كله عربيًا مستعملًا فيما استعملته العرب، وإلا كان خطابًا بغير لغتهم، على أن الأمة مطبقة على إطلاق القول بأن الله سبحانه ما بعث نبيه وخاطب المكلفين على لسانه إلا باللسان العربي. وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
ولأنه إذا نقل الأسماء اللغوية إلى أحكام وعبادات شرعية، ولم تكن
стр. 385
الأسماء مستعملة فيها في اللغة حقيقة ولا مجازًا كان ذلك خطابًا لهم بغير لغتهم وبمثابة إحداث أسماء يخاطبهم بها ليست بألفاظ عربية ولا مستعملة على ما استعملوه.
وكذلك لو قال لهم اقتلوا المشركين وهو يريد المؤمنين، واقطعوا السارقين وهو يريد القاتلين، ونهيت عن قتل المصلين وهو يريد الضاربين لكان مخاطبًا لهم بغير لغتهم.
وإن كانت هذه الأسماء لغة لهم غير أنه مُستعمل لها في غير ما استعملوه فيه حقيقة أو مجازًا وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
فصل
ومما يدل على ذلك أنه لو كان الرسول ﵇ قد نقل بعض الأسماء اللغوية إلى أحكام شرعية أو إلى أفعال توصف في حكم دينه بأنها كفر وإيمان وفسوق، وعلى شرائط محدودة بأن تكون مجتمعة وأن لا تضامها كبيرة تزيل ثوابها لوجب عليه ﷺ أن يوقف الأمة على نقله هذه الأسماء توقيفًا يوجب العلم ويقطع العذر، ويُنقل نقلًا تقوم به الحجة ويوجب العلم ضرورة أو دليلًا. ولما لم نكن إلى العلم بصدق دعواهم هذه على
стр. 386
الرسول ﵇ مضطرين، ولا قامت حجة ودلالة على ثبوت خبر مروي عن رسول الله ﷺ ، ولا نطق به كتاب، ولا أجمعت عليه الأمة، ولا دلت عليه قضية العقل باتفاق، ولا ورد ورودًا متواترًا يعلم تعذر الكذب والاتفاق على مثل نقلته، ولا هو مما يعلم أن صحابيًا نقله عن الرسول ﵇ بحضرة جماعة شاهدوه يمتنع عليهم الإمساك عن كذب يضاف إلى سماعهم وعلمهم، بل لا يقدر أحد أن يروي حرفًا في ذلك عن الرسول ﵇، وأنه قال قد نقلت بعض الأسماء اللغوية إلى أحكام حدثت شرعية وأفعال دينية وجب القطع على كذب هذه الدعوى، وهذا مما لا جواب لهم عنه، ولا طريق لهم إلى القدح فيه.
وقد زعموا أن القرآن قد دل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ / ص ١٠٥ وأنه أراد صلاتكم نحو بيت المقدس، وهذا باطل. لأنه إنما عنى سبحانه إنه لا يضيع تصديقهم بالصلاة نحو بيت المقدس.
стр. 387
وكذلك المراد بقوله ﷺ : "نهيت عن قتل المصلين" لأنه عنى المصدقين بوجوب الصلاة باتفاق، فيوصف التصديق بالصلاة صلاة على طريق المجاز والاتساع، وذلك من موجب اللغة على طريقتهم في التجوز. وأما أن يكون نقل الاسم إلى ذلك وجعله حقيقة له بعد أن لم يكن كذلك، فإنه باطل.
وقد تعلقوا في ذلك بما روي عن النبي ﷺ من قوله: "الإيمان بضع وسبعون خصلة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فإنه من قولهم تعلق باطل، لأن هذا الخبر من أخبار الآحاد عندهم، وفي أدون منازل أخبار الآحاد، وهو غير موجب للعلم.
والكلام في هذا الباب كلام في أصل عظيم لا يحل الخلاف فيه والقول بغير الحق، فلا يجوز أن يعمل في تصحيحه بأخبار الآحاد. على أنه لو صح لوجب حمله على موافقة موجب الآيات. وما ذكرناه من الإجماع على أنه مخاطب للأمة باللغة العربية. ونقل أسمائهم إلى غير ما وضعت له خطاب بغير لغتهم، فيجب أن يكون أراد أن هذه الخصال والأفعال من دلائل
стр. 388
الإيمان وأماراته، وأفعال المؤمنين، فسمي الشيء باسم ما دل عليه مجازًا واتساعًا، فبطل التعلق بالخبر من كل وجه.
وأما تعلقهم في ذلك بأنه لما حدثت في الشرع عبادات وأفعال ذوات جمل وهيأت وشروط، ولم يكن لها في اللغة أسماء احتيج إلى إحداث أسماء لها أو نقل أسماء لغوية إليها، فلما لم يحدث لها أسماء وجب أن تنقل الأسماء اللغوية إليها، لأن التكلم بها أخف على أهل اللسان من الأخذ لهم بالنطق بأسماء مجددة لم يستعملوها وألفاظ أعجمية، وذلك نحو القول صلاة وصيام وحج وأمثال ذلك من جمل الأفعال التي سميت في الشرع بهذه الأسماء كلها، كما يُحدث أهل الصنائع والحرف لما يحدثونه من الآلات أسماء يتواضعون عليها تمس الحاجة إليها.
فإن يقال لهم: ومن أين لكم أنه قد حدثت في الشرع عبادة لم يكن لها في اللغة اسم، وهل الخلاف إلا في ذلك؟. فلا تجدون إلى ذلك سبيلًا.
ثم يقال لهم: ومن الذي يُسلم لكم أن الله سبحانه والرسول ﵇ قد جعلا اسم الصلاة جاريًا على جملة الأفعال التي منها ركوع وسجود وقيم وقعود، وما/ ص ١٠٦ أنكرتم أن يكون اسم الصلاة إنما يقع منها على الدعاء فقط والرغبة إلى الله سبحانه، لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء، ولكن أخذ علينا أن تكون دعاء على شروط ومعه نية وإحرام وركوع وسجود وقراءة وتشهد وجلوس. فالاسم في الشريعة لما كان صلاة في اللغة
стр. 389
وإن ضُمت إليه شروط شرعية.
وكذلك الصيام إنما هو الإمساك عن الطعام والشراب، وإنما قيل لنا امسكوا عن ذلك مع تبييت نية، ومن وقت إلى وقت.
وكذلك الحج إنما هو القصد، ومنه قول الشاعر:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزيرقان المزعفرا
يعني يقصدون عطاءه.
وقال آخر:
قالت سلمى تصبرتم فقلت لها لا والذي بيته بأسلم محجوج
يعني مرور مقصود، والحج هو القصد. ولكنه في الشرع قصد إلى بيت مخصوص، وعلى أوصاف وشروط مخصوصة.
وكذلك الزكاة إنما هي النماء، فسمي إخراج الواجب من الأموال زكاة
стр. 390
على معنى أنها إذا أخرجت بورك في المال ونما وزاد.
وكذلك القول في سائر العبادات ذوات الجمل في أن الاسم إنما يتناول ما كان له اسم منه في اللغة. وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه، هذا على أنهم مختلفون فيما الصلاة من هذه الأفعال، وما يكون الفاعل له مصليًا وإن ترك ما عداه على ما قد ذكرناه فيغير هذا الكتاب.
ويقال لهم: ما أنكرتم - أيضًا - أنه إنما سميت جميع هذه الأفعال صلاة لكونها متبعًا بها فعل الإمام ومقتف على أثره، لأن التالي للسابق يوصف بأنه مصلٍ على أنه تالٍ له. فيقال: السابق والمصلي والصلاة تكون بمعنى الدعاء، وذلك هو المشهور في اللغة، ومنه قوله الله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ومِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾.
يريد دعوات الرسول. ومنه سُميت الصلاة على الميت صلاةً لأنها دعاء له، وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود ولا جلوس.
ومن ذلك قول الأعشى يصف خمَّارًا.
следующие страницы →