← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الرسول ﵇ مضطرين، ولا قامت حجة ودلالة على ثبوت خبر مروي عن رسول الله ﷺ ، ولا نطق به كتاب، ولا أجمعت عليه الأمة، ولا دلت عليه قضية العقل باتفاق، ولا ورد ورودًا متواترًا يعلم تعذر الكذب والاتفاق على مثل نقلته، ولا هو مما يعلم أن صحابيًا نقله عن الرسول ﵇ بحضرة جماعة شاهدوه يمتنع عليهم الإمساك عن كذب يضاف إلى سماعهم وعلمهم، بل لا يقدر أحد أن يروي حرفًا في ذلك عن الرسول ﵇، وأنه قال قد نقلت بعض الأسماء اللغوية إلى أحكام حدثت شرعية وأفعال دينية وجب القطع على كذب هذه الدعوى، وهذا مما لا جواب لهم عنه، ولا طريق لهم إلى القدح فيه. وقد زعموا أن القرآن قد دل على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ﴾ / ص ١٠٥ وأنه أراد صلاتكم نحو بيت المقدس، وهذا باطل. لأنه إنما عنى سبحانه إنه لا يضيع تصديقهم بالصلاة نحو بيت المقدس.

стр. 387

وكذلك المراد بقوله ﷺ : "نهيت عن قتل المصلين" لأنه عنى المصدقين بوجوب الصلاة باتفاق، فيوصف التصديق بالصلاة صلاة على طريق المجاز والاتساع، وذلك من موجب اللغة على طريقتهم في التجوز. وأما أن يكون نقل الاسم إلى ذلك وجعله حقيقة له بعد أن لم يكن كذلك، فإنه باطل. وقد تعلقوا في ذلك بما روي عن النبي ﷺ من قوله: "الإيمان بضع وسبعون خصلة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق". فإنه من قولهم تعلق باطل، لأن هذا الخبر من أخبار الآحاد عندهم، وفي أدون منازل أخبار الآحاد، وهو غير موجب للعلم. والكلام في هذا الباب كلام في أصل عظيم لا يحل الخلاف فيه والقول بغير الحق، فلا يجوز أن يعمل في تصحيحه بأخبار الآحاد. على أنه لو صح لوجب حمله على موافقة موجب الآيات. وما ذكرناه من الإجماع على أنه مخاطب للأمة باللغة العربية. ونقل أسمائهم إلى غير ما وضعت له خطاب بغير لغتهم، فيجب أن يكون أراد أن هذه الخصال والأفعال من دلائل

стр. 388

الإيمان وأماراته، وأفعال المؤمنين، فسمي الشيء باسم ما دل عليه مجازًا واتساعًا، فبطل التعلق بالخبر من كل وجه. وأما تعلقهم في ذلك بأنه لما حدثت في الشرع عبادات وأفعال ذوات جمل وهيأت وشروط، ولم يكن لها في اللغة أسماء احتيج إلى إحداث أسماء لها أو نقل أسماء لغوية إليها، فلما لم يحدث لها أسماء وجب أن تنقل الأسماء اللغوية إليها، لأن التكلم بها أخف على أهل اللسان من الأخذ لهم بالنطق بأسماء مجددة لم يستعملوها وألفاظ أعجمية، وذلك نحو القول صلاة وصيام وحج وأمثال ذلك من جمل الأفعال التي سميت في الشرع بهذه الأسماء كلها، كما يُحدث أهل الصنائع والحرف لما يحدثونه من الآلات أسماء يتواضعون عليها تمس الحاجة إليها. فإن يقال لهم: ومن أين لكم أنه قد حدثت في الشرع عبادة لم يكن لها في اللغة اسم، وهل الخلاف إلا في ذلك؟. فلا تجدون إلى ذلك سبيلًا. ثم يقال لهم: ومن الذي يُسلم لكم أن الله سبحانه والرسول ﵇ قد جعلا اسم الصلاة جاريًا على جملة الأفعال التي منها ركوع وسجود وقيم وقعود، وما/ ص ١٠٦ أنكرتم أن يكون اسم الصلاة إنما يقع منها على الدعاء فقط والرغبة إلى الله سبحانه، لأن الصلاة في اللغة هي الدعاء، ولكن أخذ علينا أن تكون دعاء على شروط ومعه نية وإحرام وركوع وسجود وقراءة وتشهد وجلوس. فالاسم في الشريعة لما كان صلاة في اللغة

стр. 389

وإن ضُمت إليه شروط شرعية. وكذلك الصيام إنما هو الإمساك عن الطعام والشراب، وإنما قيل لنا امسكوا عن ذلك مع تبييت نية، ومن وقت إلى وقت. وكذلك الحج إنما هو القصد، ومنه قول الشاعر: وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزيرقان المزعفرا يعني يقصدون عطاءه. وقال آخر: قالت سلمى تصبرتم فقلت لها لا والذي بيته بأسلم محجوج يعني مرور مقصود، والحج هو القصد. ولكنه في الشرع قصد إلى بيت مخصوص، وعلى أوصاف وشروط مخصوصة. وكذلك الزكاة إنما هي النماء، فسمي إخراج الواجب من الأموال زكاة

стр. 390

على معنى أنها إذا أخرجت بورك في المال ونما وزاد. وكذلك القول في سائر العبادات ذوات الجمل في أن الاسم إنما يتناول ما كان له اسم منه في اللغة. وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه، هذا على أنهم مختلفون فيما الصلاة من هذه الأفعال، وما يكون الفاعل له مصليًا وإن ترك ما عداه على ما قد ذكرناه فيغير هذا الكتاب. ويقال لهم: ما أنكرتم - أيضًا - أنه إنما سميت جميع هذه الأفعال صلاة لكونها متبعًا بها فعل الإمام ومقتف على أثره، لأن التالي للسابق يوصف بأنه مصلٍ على أنه تالٍ له. فيقال: السابق والمصلي والصلاة تكون بمعنى الدعاء، وذلك هو المشهور في اللغة، ومنه قوله الله تعالى: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿ومِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ ويَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾. يريد دعوات الرسول. ومنه سُميت الصلاة على الميت صلاةً لأنها دعاء له، وإن لم يكن فيها ركوع ولا سجود ولا جلوس. ومن ذلك قول الأعشى يصف خمَّارًا.

стр. 391

لها حارس لا يبرح الدهر دنها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما يعني دعا لها بالبركة خيفة فنائها. ومنه قول الآخر: وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم فهو دعاء لها بالبركة. ومنه قول الآخر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي يومًا فإن لجنب المرء مضجعًا/ ص ١٠٧ وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه من نقل اسم لغوي إليها وثبت بذلك ما قلناه. وهذه جملة مقنعة في هذا الباب إن شاء الله.

стр. 392

باب الكلام على من زعم أن في القرآن ما ليس من لغة العرب وكلامها فإن قال قائل: كيف يسوغ لكم أن تقولوا إن جميع الخطاب المنزل على الرسول ﵇ بلغة العرب مع اختلاف الناس في هذا الباب. وقول كثير ممن يتعاطي الآداب والتبحر في معرفة الألفاظ والأوزان إن في القرآن ألفاظًا كثيرة ليست بعربية نحو قوله تعالى: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ والمشكاة كلمة هندية، ومنه - أيضًا - قوله تعالى:

стр. 393

﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَق﴾ والقول إستبرق زعموا (أنها) كلمة فارسية. قالوا: وقد استعملت العرب - أيضًا - بعض ألفاظ الروم والفرس فقالوا: "فسطاط" وهي كلمة رومية. وطرز وسندلي وهما كلمتان فارسيتان. قالوا: وقد قال بعض السلف إن الأب لا يعرف في كلام العرب وهو قوله تعالى ﴿وفَاكِهَةً وأَبًا﴾ وذكر الأعشى في بعض قصائده الفسحاة ويعني به صلة المجلس، وهي كلمة غير عربية ولا معروفة في اللسان.

стр. 394

واعلموا - وفقكم الله - أن هذا القول خلاف على جميع سلف الأمة، وهو قول شذوذ منهم، وقليل من كثير أحدثوا خلافًا بعد الإجماع غير معتدٍ به، وجميع ما قدمناه من آي القرآن التي أخبرنا الله فيها إنه أنزله بلسان عربي مبين أوضح دليل على فساد قولهم. وقد دل على ذلك - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًا لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلَهَا﴾. ودل عليه - أيضًا - قوله تعالى بلسانهم. وقوله تعالى: ﴿فَإنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ومن أوضح ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ أي بلسانين عربي وأعجمي، فهلا كان بلسان واحد فيكون أبلغ في الآية، ولئلا يقولوا هذا/ ص ١٠٨ ويقولوا إن منزله ومورده عجز عن إيراده ونظمه على هذا الحد من البلاغة بلسان واحد، وأنه محتاج في ترتيبه والكشف عن معناه إلى الاستعانة بلسان العجم، ولو كان عالمًا بوجوه النظم وكثرة الاتساع والانبساط والقدرة على نظم اللسان العربي لما احتاج إلى خلطه والاستعانة في نظمه بلسان أعجمي، فيكون ذلك شبهة لهم في القدح في إعجاز القرآن، وأخبر تعالى أنه منزل بلسان واحد،

стр. 395

وأنه لا أعجمي فيه، ونفي الأعجمي نفي لأن يكون فيه شيء مما يخالف لغة العرب من سائر اللغات، ونص على السبب الذي لأجله جعله عربيًا فقط غير ممزوج ولا مختلط مشوب. ثم أكد هذا المعنى - أيضًا - وأوضحه بقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ فأخبر أنه بغير لسان الفرس، ولو كان فيه أعجمي غير عربي لقالوا له مسرعين: وفيه أعجمي غير عربي، فلم لم تقل بلسان أعجمي؟ ولم صار بالنسبة له إلى لسان العرب أولى من نسبته إلى لسان العجم؟ ولقالوا له: ما قلنا أن جميعه أعجمي، وإنما قلنا إن فيه كلمات أعجمية يُعينك بها سلمان أو غيره، وهي فيه منها كذا وكذا، وكل هذا يوجب القدح في الإعجاز، ويقدح فيما نص الله سبحانه عليه بأنه عربي مبين. وقد حرسه الله سبحانه من ذلك، فبطل ما قالوه. ولولا ما ذكرناه من نفي هذه الشبهة، وقوله تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ لأجزنا أن يكون

стр. 396

المراد بقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ وما أشبه ذلك أن معظمه وكثيره بلسان العرب، ولكن نص الله على نفيه عن ما ليس من لغة العرب منع من هذا التجويز. ويدل على ذلك أنه لو كان منه غير عربي لوجب بمستقر العادة موافقة قريش له على ذلك، ولوجب اعترافه به ولوجدوا مساغًا إلى الطعن في القرآن وإلى أن يقولوا: ليس فيما أثبت به من طوال السور وقصارها إلا وفيه ألفاظ أعجمية ليست من كلامنا ونحن لا ندعي القدرة على وزن كلامٍ ونظمه بعضه عربي وبعضه/ ص ١٠٩ أعجمي، وإنما نقدر على معارضته لو كان كله بلساننا، فيصير التعلق بهذا أعظم شبهة قادحة في الآية، فدل ذلك على فساد ما قالوه. ولأنه كان يجعل لهم بذلك طريقًا إلى شبهة أخرى، وهو أن يجحدوا كثيرًا من ألفاظهم العربية التي في القرآن، ويقولوا إنها ليست بعربية، فيدخلون بذلك شبهة إذا أقر لهم في الجملة بأن منه ما ليس بعربي، وعلى أنه لو ثبت أن في القرآن ألفاظًا قد تكلمت الهند وغيرها من العجم بها وبأمثالها لوجب أن تكون تلك الألفاظ عربية، وأن تكون العرب هي السابقة إلى التكلم بها وإن اتفق للعجم النطق بها، ويكون الدليل على أن العرب قد سبقت إليها إضافة الله سبحانه الكلام إليها دون العجم. ولابد أن يكون معنى هذا الإضافة إليهم أنهم هم المبتدئون السابقون إليها. ولو سبقت العجم إلى وضعها لوجب إضافتها إليها، وقد تستعمل العجم كثيرًا من ألفاظ العرب لضيق لغتها وتعذر الكلام عليهم، فيقولون "حراق" مكان "سراح" و "شروال" مكان قولهم "سراويل" وأمثال ذلك مما يعدون

стр. 397

لفظه ضربًا من التعبير ويقرون أنه لا اسم له في لغتهم. والعبرانيون يقولون في السماء "شما" وفي الإله "ألوها" وفي الحياة "حيا" وفي الرأس "رسيا"، فيعدون ذلك ضربًا من التعبير باتفاق تواضعهم على التكلم بألفاظ يسيرة معدودة من الألفاظ العربية لا يخرجها عن أن تكون عربية، وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قالوه. فصل وقد اعتمد القائلون بهذه البدعة في الدلالة على ما ادعوه بأن قالوا: وجدنا في كتاب الله ألفاظًا غير معروفة في لسان العرب، ولا فيها أمارة تدل على أنها من لسانها بأن تدخل في باب الاشتقاق المعروف فتعلم مم اشتقاقها، ولا هي على وزن شيء من أبنية كلامهم، فيعلم بذلك أنها من جملة لغتهم، مثل قوله "إستبرق" وما جرى مجراه مما لا يعلم في اللغة أصله واشتقاقه، ولا هو على أبنية شيء من كلامهم. فيقال لهم:/ ما أنكرتم من أنه لا يجب نفي كون الكلمة من لغتهم لأجل عدم العلم بما اشتقت منه، ولا بأنها خارجة عن أن تكون على وزن شيء من كلامهم، بل يمكن أن تكون الكلمة أو الكلمات خارجة عن الكلمات التي هي على بعض أوزان كلامهم، وأن تكون العرب لم تضع جميع ألفاظه على أبنيةٍ وأوزانٍ متشاكلة ومتناسبة وعلى ما بني عليه العروض الذي أخذ به الخليل. وما يدقق فيه أهل العلم باللغة من وضع الأبنية

стр. 398

والأوزان وتعاطي الاشتقاق. ومن أهل اللغة من ينكر الاشتقاق جملة، بل ما أنكرتم أن يكون في الأسماء ما هو على وزن بعض الأفعال. ومنها ما ليس في لغتهم على وزن مبنى من مباني الأفعال. فلا يجدون إلى دفع ذلك سبيلا. إن قالوا: بضرورة أو بتوقيف الصميم من العرب على ذلك، علم بقولهم الباطل. وإن قالوا بدليل. سئلوا عنه. ولا سبيل لهم إلى ذكر شيء من ذلك. ثم يقال لهم: لو سلم لكم أن الاسم في لغتهم لابد أن يكون على وزن بعض الأفعال وأن يكون قوله "إستبرق" على وزن استفعل واستعجل واستغفر واستحقر واستحجز في أمثال هذه الأسماء، ويسمى الأصل أفعال مستقبلة، لأنك تقول يزيد الشيء ويعمر الربع ويشكر زيد في غد، وسيزيد المال فيشكر الرجل، ويعمر الربع. وقالوا - أيضًا - رجل عدل، والعدل فعله. ومن هذا - أيضًا- قولهم "أوعك" لأنه اسم فعل من الإمراض. وقيل هو الدعك من الحمى، وقيل نفس الحمى. وقال يزيد بن

стр. 399

حجية عند منصرفه من عسكر علي ﵁ إلى معاوية: وقالوا علي ليس يقتل مسلمًا فمن ذا الذي يستحيي الرقاب ويفتك وقالوا الهدى هذا فإن يكن الهدي فشلت يميني واعترى الجسم أوعك نقول اعتراه الحمى أو رعدتها، وقد سمي به الشخص، وإذا كان ذلك كذلك سقط، ما تعلقوا به. واستدلوا - أيضًا - بأن النبي ﷺ لما كان مبعوثًا إلى العرب والعجم وجميع الأمم وجب أن يكون في ألفاظه وألفاظ القرآن الذي أتى به ألفاظ بجميع اللغات على اختلافها لكونه مبعوثًا إلى جميع / أهلها. وهذا - أيضًا - باطل من وجوه: أقربها: أنه يجب أن يكون في القرآن جميع اللغات من التركية والزنجية والبربرية والخوارزمية والنبطية. وهذه جهالة ممن صار إليها، ومعلوم كذبه فيها، ويدل على ذلك ما تلوناه من أي القرآن وتقدم الإجماع على خلافه.

стр. 400

فإن قالوا: كيف تقوم الحجة بالقرآن على جميع أهل اللغات؟ قيل لهم: بأن يعلم العقلاء المكلفون منهم أن قريشًا أفصح العرب وأقدر من كل من تقدم وتأخر على نظم الكلام وسائر الأعاريض والأوزان، فإنه ﵇ تحداهم بمثل القرآن في نظمه وحالهم حالهم في المناكرة والمنافرة والاختلاف والانحراف عنه وما خرجوا إليه من حربه ومسابقته فعجزوا عن معارضته أو معارضة سورة منه، فيعلمون عند ذلك أنه آية له، كما يعلم من ليس بساحر ولا طبيب أن ما ظهر على يد موسى وعيسى ﵉ من قلب العصا حية وإبراء الأكمة والأبرص وإحياء الميت أنه عظيمة. وقد بينا القول في ذلك في كتاب "تعريف عجز المعتزلة عن إثبات دلائل النبوة وصحتها على مذاهب المثبتة" بما يغني يسيره إن شاء الله. فأما تعلقهم بأن المشكاة هندية لا يعرف في اللغة العربية، فإنه قول باطل لأن أصلها الذي أخذت منه ويعود معناها إليه هو الانفراج من المشكاة والشكوى للأمر وللرجل الذي ينفرج بذكرها معيدها ومبدئها. والمتزوج بنشرها وبثها قالوا: ومنه سميت واحدة الأوراق التي يمخض فيها اللبن شكوة. فالمشكاة من الكوة والفرجة في الجسم الحاجز بين الشيء

стр. 401

وغيره. وهي من أبنية كلامهم وموافقة لقولهم مرقاة ومخلاة، وما جرى مجرى ذلك. وأما تعلقهم بقوله تعالى: ﴿وفَاكِهَةً وأَبًا﴾ فقد قال الجمهور من أهل اللغة إنه الحشيش. وقد يجوز أن يعرف هذا - من غريب كلامهم - الواحد والنفر، ولا يخرج ذلك عن كونه لغة لهم ومعلومًا معناه عندهم. وهذا جملة في هذا الباب مقنعة إن شاء الله.

стр. 402

باب القول في تفسير جملة من حروف المعاني واعملوا - وفقكم الله - أن القول "حرف" يقع على طرف الجسم وشفيره/ ص ١١٢ ولذلك يقولون حرف الطريف وحرف الإجانة والرغيف وحرف الوادي والجبل. ويقع على الحرف المكتوب من حروف المعجم. ويقع في اللغة على الناقلة، ويقع على الكلمة التامة. ولذلك يقولون ما فهمت هذا الحرف من كلامهم وما أخطأ فلان وما أصاب في حرف من كلامه يريدون في كلمه منه. فأما الحرف اللغوي الذي يتكلم أهل اللغة على معانيه وأحكامه فهو: "اللفظ المتصل بالأسماء والأفعال وكل جملة من القول والداخل عليها لتغيير معانيها وفوائدها"، نحو في ومن وإلى، وبعد وحتى وما نذكر جملة منه. فصل القول في معنى "من" ولمن ثلاثة مواضع فتجيء للخبر والجزاء والاستفهام.

стр. 403

نحو قولك في الخبر: أعجبني من رأيت، وجاءني من لقيت. ومجيؤها للشرط والجزاء، نحو قولك: من جاءني أكرمته، ومن عصاني عاقبته. وأما مجيئوها للاستفهام فنحو القول: من عندك؟ ومن كلمك؟ وهي موضوعة للعقلاء خاصة، ولا تصلح أن تقول: في جواب من عندك؟ الحمار والثور، ولا في الخبر رأيت من عرفت وتعني الثور، ولا في الجزاء. من دخل داري عاقبته وتعني الثور. فصل القول في معنى "أي" ولأي - أيضًا - ثلاثة مواضع: فتجيء للخبر والشرط والجزاء والاستفهام. فمجيؤها للخبر، نحو قولك: لا ضرب ولا كلم أيهم قام، وأيهم في الدار.

стр. 404

ومجيؤها للاستفهام، فنحو القول: أني الناس رأيت؟ وأيهم عرفت؟. وكونها شرطًا وجزاء نحو قولهم: أيهم تضرب أضرب، وأيهم تكلم أكلم. فصل القول في معنى من ولمن ثلاثة مواضع: أحدها: إفادة ابتداء الغاية، وهذا أصلها على ما ذكره القوم، وهي نقيضة "إلى"، لأن "إلى" تجيء لانتهاء الغاية و"من" لابتدائها. وقد تدخل في الكلام للتعبيض وتكون صلة في الكلام زائدة. فأما كونها لابتداء الغاية، فنحو قولهم: جئت من الحجاز إلى العراق وهذا الكتاب والرسول من زيد إلى عمرو، وتعني ابتداء مجيئه وصدوره من زيد، وأنهما انتهيا إلى عمرو وإلى العراق. وأما مجيؤها للتبعيض، فنحو قولك: أخذت من مال زيد ومن علمه، ونلت من طعامه.

стр. 405

وأما كونها صلةً زائدةً، فنحو قولك: ما جاءني من أحد، تريد ما جاءني أحد. فصل القول في معنى "ما" فأما "ما" فقد تدخل في الكلام للنفي والجحود، نحو القول: ما لزيدٍ عندي حق/ ص ١١٣ وما أحسن زيدٌ. وما قام عمرو، ونحو ذلك. وتدخل في الكلام للتعجب، نحو القول: ما أحسن زيدًا، وما أجمل عمرًا، على وجه التعجب من زيد وعمرو وجمالهما. وقد تدخل في الكلام للاستفهام (نحو) ما أحسن من زيد؟ تعني أي شيء أحسن من زيد. وقد قال. وقد قال بعض أهل اللغة إنها خاصة لما لا

стр. 406

يعقل وقال آخرون: بل هي لما يعقل وما لا يعقل، وأنه قد يكون جوابها بذكر ما يعقل وما لا يعقل وصفات الغافلين إذا قيل: ما عندك؟ صلح أن تجيب بذلك أجمع. فصل القول في معنى "أم" ولها موضعان: أحدهما: الاستفهام، نحو القول سكت أم نطقت، وقمت أم قعدت وقد تكون في الاستفهام بمعنى أيهما إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت أيهما عندك؟ قالوا: وقد تكون "أم" للاستفهام منقطعة من أول الكلام (نحو): إنها لإبل أم شاة، وهذا زيد أم أخوه. وقد تكون "أم" بمعنى "أو" إذا أريد بها الاستفهام، إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فهو كقولك: أزيد عندك أو عمرو؟

стр. 407

فصل القول في معنى "إلى" قد قلنا إنها موضوعة لانتهاء الغاية نحو القول: ركبتُ إلى زيد، وكتبت إلى عمرو وكل الطعام إلى آخره. وتكون في هذا الموضع بمعنى "حتى" التي هي للغاية، وإن أريد به دخول الغاية في الكلام فبدليل يوجب ذلك غير "إلى"، نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ والمراد به مع المرافق، بدليل غير الحرف. ولذلك لم يوجب قوله تعالى: ﴿وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ دخول الليل مع النهار. فصل في معنى الواو في الكلام فأما الواو فإنه موضوع للجمع والنسق والإشراك بين المذكورين، نحو

стр. 408

القول: ضربت زيدًا وعمرًا. وتكون بمعنى "أو" كقوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾ أي أو ثلاث أو رباع. فأما من زعم من الفقهاء أنها موضوعة للترتيب والتعقيب بمنزلة "ثم" والفاء وبعد فقد خالف ما عليه أهل اللغة، ومن قال منهم أن الواو تفيد الترتيب فيما لا يمكن الجمع بين فعليهما فلا وجه له أيضًا، لأن أهل اللغة وضعوها للاشتراك والنسق لا للترتيب، ولم يفرقوا في ذلك بين ما يمكن الجمع بينه وبين ما لا يمكن ذلك فيه. ومن أقوى الأدلة على أنها لا توجب الترتيب ولا التعقيب أنها تدخل في أفعال الاشتراك التي لا يكون الفعل فيها إلا من اثنين معًا، نحو قولهم/ ص ١١٤ اقتتل زيد وعمرو، واختصم واشترك. فلو كان يوجب الترتيب كما يوجبه "ثم" والفاء وبعد لكان قد حصل الفعل من أحد المختصمين قبل حصوله

стр. 409

من الآخر. وهذا باطل باتفاق أهل اللغة. فصل في معنى الفاء فأما الفاء فمعناه إذا كان للنسق والعطف إيجاب الترتيب بغير مهلة ولا فصل، فهي في ذلك مخالفة للواو وثم وبعد، لأن الواو وبعد لا تفيدان تعقيبًا وإن أفاد "ثم" الترتيب. وبعد وثم تفيده بمهلة، و"بعد" تحتمل المهلة وغير المهلة. فإذا قلت ضربت زيدًا فعمرًا فبكرًا أوجب الترتيب والتعقيب. قالوا ولذلك دخل الفاء في الشرط والجزاء لأنه أدخل لتعجيل الجزاء إذا قُلت لا تسء لي فأسوءك. وقد يكون جواب جملة من الكلام، نحو قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾. وإذا دخلت مكة فاشتر عبدًا وثوبًا. وقد يكون جواب الأمر، نحو قوله تعالى ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فيكون ههنا جواب قوله: كن، وليس هو في هذا الموضع للتعقيب.

стр. 410

فصل القول في معنى "ثم" و"ثم" موجبة للترتيب بمهلة وفصل. إذا قلت: اضرب زيدًا ثم عمرًا. وقد يكون بمعنى الواو نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ يريد والله شهيد، لأنه مشاهد لذلك في حال وقوعه. فصل القول في معنى "بعد" و"بعد" إنما تفيد الترتيب ولا تفيد ترتيبًا على مهلة أو غير مهلة، بل

стр. 411

يصلح ما بعدها أن يكون بمهلة وغير مهلة. فصل في معنى "حتى" ولحتى ثلاثة مواضع: وأصلها في اللسان للغاية، هي حرفٌ جارٌ، تقول: " أكلت السمكة حتى رأسها، وضربت القوم حتى زيدٍ. معناه حتى أنهيت إلى زيد وإلى رأسها. وقد يكون بمعنى الواو إذا قلت: كلمت القوم حتى زيدًا كلمته، تريد وزيدًا كلمته. فصل القول في معنى "متى" و"متى" ظرف زمان وسؤال عنه، وجوابها يقع بالزمان إذا قلت: متى الحرب؟ ومتى قام زيد؟ قلت: غدًا، وقام زيد أمس.

стр. 412

فصل القول في معنى "أين" و"أين" سؤال عن المكان، وهي عندهم ظرف مكان وجوابها يقع به إذا قلت: أين زيد؟ قيل: في المسجد أو في الدار. فصل القول في معنى "حيث" و"حيث" - أيضًا- ظرف مكان. إذا قيل: حيث وجدت زيدًا فأكرمه.

стр. 413

فصل القول في معنى "إذ وإذا"/ ص ١١٥ وهما ظرفان من الزمان، ف "إذ" لما مضى، و "إذا" لما يستقبل. تقول: قمت إذ قام زيد. وأقوم إذا قام عمرو. وقد ذكرنا في الكتاب الكبير والأوسط في الأصول تفسير

стр. 414

أضعاف هذه الحروف ووجوه معانيها والشواهد عليها، وما ورد في القرآن من أمثالها وكشفنا ذلك بما في بعضه إقناع، وإن كان في هذه الجملة التي رسمناها كفاية وإقناع.

стр. 415

باب القول في أنه يجوز أن يراد بالكلمة الواحدة معنيان مختلفان وأكثر من ذلك اعلموا أن من الأسماء والألفاظ ما يفيد فيما يجري عليه فوائد مختلفة، كما أن منها ما يفيد فيما يجري عليه فوائد متفقة. فالذي يفيد منه فوائد متفقة، نحو القول: لون وكون وسواد، وما يجري مجرى ذلك، لأنه قول يفيد هيئة يتكون بها الجسم وما يصير به في الجهة والمكان وجميع ما يتناوله القول سواد متفق في الجنس، وكذلك كل اسم جرى على جنس واحد. وكالقول حياة وعلم وقدرة وإرادة وإدراك وأضداد هذه الصفات مما يفيد جميعه فائدة واحدة وإن كان أجناسًا مختلفة. والذي يفيد منه معاني مختلفة، فنحو القول: بيضة وجارية وعين،

стр. 416

وأمثال ذلك مما يفيد في كل شيء يجري عليه فائدة غير فائدة الآخر، وقد دخل في هذا الباب قول القائل: "افعل". وقولنا قرء وأقراء وطهور ونكاح ومس وملامسة، وأمثال ذلك مما يصح إجراؤه على معنيين مختلفين ومعاني مختلفة، نحو القول: أي شيء يُحسن زيدٌ، الذي ربما عُبر به عن الاستفهام. وربما أريد به العبارة عن التقليل لما يحسنه، وربما عني به التعبير عن التكبير والتعظيم. وهذا الضرب ونحوه لا خلاف في وقوعه على معاني مختلفة، لأن قولنا بيضة يقع على الخوذة وعلى بيضة النعام والدجاج. والقول "جارية" مشترك بين الأمة المملوكة وبين السفينة الجارية، وكذلك القول "قرؤ" يقع على زمن الحيض المعتاد، وعلى زمن الطهر، والأولى عندنا أن يكون القول قرءًا/ ص ٦ يتناول زمن الحيض والطهر في حكم اللسان، ويفيد فيهما فائدة واحدة، وهي أنه زمن معتاد. ولم تخص أهل اللغة بهذه الفائدة زمن الظهر دون زمن الحيض. وإنما لا يصح الاعتداد بهما جميعًا لمنع الشرع من ذلك لاختلاف فائدة الاسم فيهما. فيجب إدخاله في القسم الأول، وقولنا نكاح يقع على العقد الوطء جميعًا، وإن كان مجازًا في العقد وحقيقة في الوطء. وكذلك القول مسيس ولمس لأنه يتناول اللمس والمس باليد وهو ظاهره، ويقع على الوطء لكونه كناية عنه. والقول "إفعل" يقع على الإباحة وعلى الأمر والتهديد والوعيد. ومنه أيضًا قوله ﷺ "لا صلاة إلا بأم الكتاب" وإلا بطهور. لأنه يحتمل أن يريد به لا صلاة مجزئة شرعية، ويحتمل أن يريد لا صلاة كاملة فاضلة، على ما بيناه من قبل.

стр. 417

وجميع المختلف من معاني هذه الألفاظ الواردة في أحكام الشرع وغير أحكامه على ضربين: فضرب منه: مختلف متضاد لا يصح القصد إليه واجتماعه في عقد المتكلم. ومنه مختلف غير متضاد يصح القصد إليه والإرادة له. والمختلف المتضاد منه نحو القول: "إفعل" وأي شيء يُحسن زيدٌ؟، لأن القول "إفعل" يكون عبارة عن الإباحة، وعن الأمر، وعن الإيجاب، وعن الندب، وعن التهديد والزجر، ولا يصح قصد المتكلم به إلى معنيين منه لتضاد القصد إلى ذلك وإحالته. وكذلك القول في أي شيءٍ يُحسن زيدٌ؟ لا يصح أن يقصد به إلى معنيين مما يصلح له حتى يريد به المتكلم الاستفهام عما يحسنه والتقليل والتكثير له، هذا ونحوه متفق على أنه محال أن يراد بالكلمة الواحدة لتضاد الإرادة للضدين مع العلم بتضادهما، كما تتضاد الإرادة للشيء والكراهة له. فأما المختلف الذي ليس بمتضاد فإنه لا خلاف في صحة القصد بها في الوقت الواحد من غير تكرار لها إلى معنيين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وقوله تعالى ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾. ولا خلف بين الأمة وأهل

стр. 418

اللغة في صحة قصد المتكلم بهذا ونحوه في الوقت الواحد إلى المعنيين/ أو المعاني المختلفة. وقد زعم ابن الجبائي من القدرية وفرقة ممن وافقه من أصحاب أبي حنيفة أن ذلك غير جائز. وأنه متى أريد بها معنيان مختلفان فلابد من تكرارهما والتكلم بها في وقتين يراد بها في أحدهما أحد المعنيين وفي الآخر المعنى الآخر. ولا حجة له في ذلك. ولا ما يجري مجرى الشبهة.

стр. 419

والذي يدل على صحة ما قلناه وفساد قوله علم كل عاقل مخاطبٍ من نفسه، بأنه يصح قصده بقوله: "لا تنكح ما نكح أبوك" إلى نهيه عن العقد وعن الوطء جميعًا من غير تكرار اللفظ، والقصد بالقول قد نهيتك عن مسيس النساء إلى النهي عن اللمس باليد وعن الوطء جميعًا، والقصد بقولنا للمرأة تربصي بنفسك ثلاثة قروء إلى الأمر بالتربص زمن الحيض المعتاد وزمن الطهر، وأن القصد إلى ذلك غير متضاد ولا مستحيل، فمن ادعى امتناع ذلك وقال ما يدفعه الوجود. ويقال: لمن قال ذلك لم أنكرت القصد بما يجري مجرى ذلك من القول إلى معنيين مختلفين: فإن قال: لأجل تعذر وجود القصد إلى ذلك. فقد بينا أن الذي نجده من صحته خلاف دعواه، فبطل اعتلاله بهذا. وقد اعتل - أيضًا - لصحة قوله بأنه لو جاز ذلك صح أن يراد بالقول "إفعل" الإباحة والزجر والإيجاب والندب، وهذا باطل من التعلق، لأنه إنما استحال ذلك لأجل تضاد كل أمرين من هذا. وعلمنا باستحالة القصد إليهما، وكذلك القول فيما يتضمنه القول: أي شيء يُحسن زيدٌ؟. واستدل - أيضًا - على ذلك بأنه لو جاز ما قلناه لجاز أن يريد بقوله: "اقتلوا المشركين" المشركين والمؤمنين، وبقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الناس والبهائم، وهذا جهل من الاعتلال، لأنه إنما يصح أن يراد باللفظ ما يصح أن يجري عليه من المعنى في حقيقة أو مجاز إذا لم يكن متضادًا. واسم الناس لا يجري على البهائم في حقيقة ولا مجاز، فسقط

стр. 420

ما قاله، ولو جرى على ذلك لصح أن يرادا. واعتل - أيضًا - لصحة قوله بأنه لو جاز ذلك لجاز أن يراد بالكلمة الواحدة التي لها حقيقة ومنه مجاز حقيقتها ومجازها. وهذا - أيضًا - صحيح غير مستحيل، ولذلك صلح حمل قوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم﴾ على العقد والوطء وإن كان مجازًا في أحدهما، اللهم إلا أن يراد بذلك قصر اللفظ على حقيقته وتعديه إلى مجازه، فإن ذلك متضاد لا يصح القصد إليه./ ص ١١٨ فصل فإن قيل: فهل يجب حمل الكلمة الواحدة التي يصح أن يراد بها معنى واحد ويصح أن يراد بها معنيان على أحدهما أو عليهما بظاهرها أم بدليل يقترن بها؟. قيل: بل بدليل يقترن بها لموضع احتمالها للقصد بها تارة إليهما وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتمل من القول وليس بموضوع في الأصل لأحد مُحتمليه. فصل آخر فإن قيل: فهل يريد المتكلم بالكلمة الواحدة المعنيين إذا أرادهما بإرادة واحدة أم بإرادتين؟ قيل له: إن كان المتكلم بها هو الله سبحانه فإنما يريدها ويريد جميع

стр. 421

مراداته بإرادة واحدة. وهي قديمة من صفات ذاته، وإن كان المتكلم بها محدثًا، فإنما يريدهما جميعًا بإرادتين غير متضادتين، وإنما وجب ذلك فيه لصحة إرادته لأحدهما وكراهته للآخر. فلو كان يريدهما بإرادة واحدة لاستحال أن يريد أحدهما دون الآخر. وقد بينا هذه الجملة في الكلام في صفات الله سبحانه في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.

стр. 422

باب الكلام في ذكر طريق معرفة مراد الله تعالى ومراد رسوله ﵇ بالخطاب اعلموا - وفقكم الله - أن خطاب الله للمكلفين يكون منه على وجهين: أحدهما: بغير واسطة، ولا بمؤدي خطابه كمن يُحمله الوحي من ملائكته إلى رسله من البشر، ونحو خطابه لموسى ومحمد صلوات الله عليهما وللأمة بغير واسطة ولا ترجمان. وقد بينا من قبل أن من خاطبه على هذا الوجه، فإنه يعلم وجود خطابه عند سماعه وأنه مخالف لأجناس صيغ كلام البشر ضرورة عند إدراكه به بسمعه، ويعلم أنه المتكلم به ضرورة، وأنه قد يصح أن يضطر من تولى خطابه بنفسه إلى العلم بأن مخاطبه هو الله رب العالمين، ويضطره إلى مراده بالخطاب لكونه سبحانه قادرًا على

стр. 423

اضطرار خلقه إلى العلم بسائر المعلومات، فإذا اضطر المخاطب إلى أنه الله رب العالمين أسقط عنه تكليف معرفته، وإن كلفه أمورًا أخر من ضروب طاعاته من التبليغ عنه، وغير ذلك من الأفعال والعبادات، وقد يصح أن لا يضطره إلى العلم بأن الخطاب خطاب وكلام له سبحانه، بل يدله على ذلك بما يقرنه به من الآيات على ما رتبناه من قبل. فأما علم سامع الكلام منه بمراده به، فالأولى عندنا فيه أنه لا يصح أن يقع للمكلم إلا ضرورة، لأنه ليس من جنس الكلام والأصوات التي قد تقدمت مواضعة على معانيها/ في بعض اللغات فيعلم سامعه بنفس سماعه له معناه، بتقدم العلم بالمواضعة، ولا يعلم وجهًا لكونه عليه يدل على أنه مثلًا أمر بفعلٍ مخصوص، على وجهٍ مخصوص، لشخصٍ مخصوص، في زمن مخصوص، دون غيره، فوجب عندنا القول بأن سامع الخطاب من ذاته إنما يعلم مراده بكلامه باضطراره له إلى ذلك. وقد قال الجمهور من شيخونا ﵏ إن سامع كلامه تعالى منه على هذا الوجه يعلم مراده به بنفس سماعه. والوجه الآخر الذي يكون عليه خطابه أن يخاطب المكلفين من البشر من النبيين وأممهم ومن الملائكة الذي يرسل إليهم بعضهم بما شاء سبحانه، وطريق علم جميع هؤلاء بما يؤديه المتحمل إليهم النظر والاستدلال إذا كانوا لمعرفته سبحانه مكلفين، وطريق علمهم بذلك الاستدلال بظهور ما يظهر على

стр. 424

المؤدي عنه سبحانه من الآيات وباهر المعجزات، لأن الملك لا ينزل على الرسول بالوحي إلا ومعه آيات باهرة تدل على صدقه في ادعائه الرسالة على الله سبحانه، كما أنه لا يأتي البشر الرسول منهم إلا بآيات معجزات. وقد ذكرنا الكلام في أحكام المعجز وشروطه وأوصافه وما يختص به، وحال من يظهر عليه في غير كتاب من الكلام في أصول الديانات بما يغني عن الإطالة به. فصل ولن يؤدي الملك إلى الرسول من البشر إلا بلغة الرسول التي قد تقدم علمه ونطقه بها من طريق المواضعة على معانيها ودلالتها ثم يوقفه الملك على تفصيل ما يؤديه إليه بما هو عبارة عن كلامه القديم وما هو الوحي، وليس بقرآن، فوجب بهذه الجملة أن تكون طريق معرفة جميع البشر من النبيين وأممهم بكلام الله وبالعبارة عنه والوحي الذي ليس بقرآن ما ذكرناه من النظر والإستدلال، إذا كانوا غير مضطرين إلى معرفته ومعرفة كلامه ومراده به، بل مكلفون مأمورون بذلك. فصل وجميع ما يؤديه الملك إلى الرسل من الخطاب، ويؤديه الرسل إلى أهمهم على ضربين: نص غير محتمل ولا مشتبه المعني، وما بمعناه. وقد ذكرنا ذلك من قبل وما هذه حاله يعمله الرسول عن الملك، والأمة عن النبي ﷺ بظاهر

стр. 425

الكلام وموضوع الخطاب من غير حاجة إلى نظر واستدلال. والضرب الآخر، هو المجمل والمحتمل لمعاني مختلفة. وما هذه حاله، فإنما يعلم المراد منه بدليل يقترن بالخطاب. ودليلة ينقسم قسمين: إما عقلي أو توقيف من المبلغ بلفظ وما يقوم مقامه. فما كان دليله عقلياً/ صح أن يحيل الملك الرسول والرسول لأمة في معرفة لمراد به على دليل العقل. وجاز- أيضاً- أم يذكرا معناه، والمراد به بالتوقيف عليه، وذلك تخفيف للمحنة ومغن عن لنظر في دليل العقل، إلا أن يقال للمكلف: قد ألزمناك أن تعرف ذلك بحجة العقل، وطريق دليله عليه، كم ألزمناك معرفة دليل التوقيف والسمع فيلزمه عند ذلك معرفة الدليلين. فأما ما يكون الدليل على أحد محتملاته اللفظ والتوقيف وما يقوم مقامه مما لا مجال للعقل في تعيينه وتمييزه. فإنما يعرفه الرسول عن الملك، والأمة عن الرسول بضروب الألفاظ والتأكيدات والإشارات والرموز والإمارات التي يضطر الرسول هند مشاهدتها من الملك والأمة عند مشاهدتها من الرسول إلى مرادهما، وليس لها نعت موصوف وحد محدود، وإنما يعلم ذلك المشاهد له على قدر مشاهدته على ما بيناه في صدر الكتاب. وذات الملك مشاهدة للرسول، كما أن ذات الرسول مشاهدة للأمة. والذات إذا شوهدت صح العلم بها وبأن الخطاب خطاب لها وبمرادها بالخطاب ضرورة.
следующие страницы →