Полный текст (1 232 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مراداته بإرادة واحدة.
وهي قديمة من صفات ذاته، وإن كان المتكلم بها محدثًا، فإنما يريدهما جميعًا بإرادتين غير متضادتين، وإنما وجب ذلك فيه لصحة إرادته لأحدهما وكراهته للآخر. فلو كان يريدهما بإرادة واحدة لاستحال أن يريد أحدهما دون الآخر. وقد بينا هذه الجملة في الكلام في صفات الله سبحانه في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.
стр. 422
باب
الكلام في ذكر طريق معرفة مراد الله تعالى
ومراد رسوله ﵇ بالخطاب
اعلموا - وفقكم الله - أن خطاب الله للمكلفين يكون منه على وجهين:
أحدهما: بغير واسطة، ولا بمؤدي خطابه كمن يُحمله الوحي من ملائكته إلى رسله من البشر، ونحو خطابه لموسى ومحمد صلوات الله عليهما وللأمة بغير واسطة ولا ترجمان. وقد بينا من قبل أن من خاطبه على هذا الوجه، فإنه يعلم وجود خطابه عند سماعه وأنه مخالف لأجناس صيغ كلام البشر ضرورة عند إدراكه به بسمعه، ويعلم أنه المتكلم به ضرورة، وأنه قد يصح أن يضطر من تولى خطابه بنفسه إلى العلم بأن مخاطبه هو الله رب العالمين، ويضطره إلى مراده بالخطاب لكونه سبحانه قادرًا على
стр. 423
اضطرار خلقه إلى العلم بسائر المعلومات، فإذا اضطر المخاطب إلى أنه الله رب العالمين أسقط عنه تكليف معرفته، وإن كلفه أمورًا أخر من ضروب طاعاته من التبليغ عنه، وغير ذلك من الأفعال والعبادات، وقد يصح أن لا يضطره إلى العلم بأن الخطاب خطاب وكلام له سبحانه، بل يدله على ذلك بما يقرنه به من الآيات على ما رتبناه من قبل. فأما علم سامع الكلام منه بمراده به، فالأولى عندنا فيه أنه لا يصح أن يقع للمكلم إلا ضرورة، لأنه ليس من جنس الكلام والأصوات التي قد تقدمت مواضعة على معانيها/ في بعض اللغات فيعلم سامعه بنفس سماعه له معناه، بتقدم العلم بالمواضعة، ولا يعلم وجهًا لكونه عليه يدل على أنه مثلًا أمر بفعلٍ مخصوص، على وجهٍ مخصوص، لشخصٍ مخصوص، في زمن مخصوص، دون غيره، فوجب عندنا القول بأن سامع الخطاب من ذاته إنما يعلم مراده بكلامه باضطراره له إلى ذلك.
وقد قال الجمهور من شيخونا ﵏ إن سامع كلامه تعالى منه على هذا الوجه يعلم مراده به بنفس سماعه.
والوجه الآخر الذي يكون عليه خطابه أن يخاطب المكلفين من البشر من النبيين وأممهم ومن الملائكة الذي يرسل إليهم بعضهم بما شاء سبحانه، وطريق علم جميع هؤلاء بما يؤديه المتحمل إليهم النظر والاستدلال إذا كانوا لمعرفته سبحانه مكلفين، وطريق علمهم بذلك الاستدلال بظهور ما يظهر على
стр. 424
المؤدي عنه سبحانه من الآيات وباهر المعجزات، لأن الملك لا ينزل على الرسول بالوحي إلا ومعه آيات باهرة تدل على صدقه في ادعائه الرسالة على الله سبحانه، كما أنه لا يأتي البشر الرسول منهم إلا بآيات معجزات. وقد ذكرنا الكلام في أحكام المعجز وشروطه وأوصافه وما يختص به، وحال من يظهر عليه في غير كتاب من الكلام في أصول الديانات بما يغني عن الإطالة به.
فصل
ولن يؤدي الملك إلى الرسول من البشر إلا بلغة الرسول التي قد تقدم علمه ونطقه بها من طريق المواضعة على معانيها ودلالتها ثم يوقفه الملك على تفصيل ما يؤديه إليه بما هو عبارة عن كلامه القديم وما هو الوحي، وليس بقرآن، فوجب بهذه الجملة أن تكون طريق معرفة جميع البشر من النبيين وأممهم بكلام الله وبالعبارة عنه والوحي الذي ليس بقرآن ما ذكرناه من النظر والإستدلال، إذا كانوا غير مضطرين إلى معرفته ومعرفة كلامه ومراده به، بل مكلفون مأمورون بذلك.
فصل
وجميع ما يؤديه الملك إلى الرسل من الخطاب، ويؤديه الرسل إلى أهمهم على ضربين:
نص غير محتمل ولا مشتبه المعني، وما بمعناه. وقد ذكرنا ذلك من قبل وما هذه حاله يعمله الرسول عن الملك، والأمة عن النبي ﷺ بظاهر
стр. 425
الكلام وموضوع الخطاب من غير حاجة إلى نظر واستدلال.
والضرب الآخر، هو المجمل والمحتمل لمعاني مختلفة. وما هذه حاله، فإنما يعلم المراد منه بدليل يقترن بالخطاب. ودليلة ينقسم قسمين:
إما عقلي أو توقيف من المبلغ بلفظ وما يقوم مقامه.
فما كان دليله عقلياً/ صح أن يحيل الملك الرسول والرسول لأمة في معرفة لمراد به على دليل العقل. وجاز- أيضاً- أم يذكرا معناه، والمراد به بالتوقيف عليه، وذلك تخفيف للمحنة ومغن عن لنظر في دليل العقل، إلا أن يقال للمكلف: قد ألزمناك أن تعرف ذلك بحجة العقل، وطريق دليله عليه، كم ألزمناك معرفة دليل التوقيف والسمع فيلزمه عند ذلك معرفة الدليلين.
فأما ما يكون الدليل على أحد محتملاته اللفظ والتوقيف وما يقوم مقامه مما لا مجال للعقل في تعيينه وتمييزه. فإنما يعرفه الرسول عن الملك، والأمة عن الرسول بضروب الألفاظ والتأكيدات والإشارات والرموز والإمارات التي يضطر الرسول هند مشاهدتها من الملك والأمة عند مشاهدتها من الرسول إلى مرادهما، وليس لها نعت موصوف وحد محدود، وإنما يعلم ذلك المشاهد له على قدر مشاهدته على ما بيناه في صدر الكتاب. وذات الملك مشاهدة للرسول، كما أن ذات الرسول مشاهدة للأمة. والذات إذا شوهدت صح العلم بها وبأن الخطاب خطاب لها وبمرادها بالخطاب ضرورة.
стр. 426
وقد بينا أقسام الكلام المحتمل وغير المحتمل منه فيما سلف من أحكام الخطاب فلا حاجة بنا إلى إعادته، وإنما نحتاج إلى معرفة معنى اللفظة المحتملة بعينها إلى تأكيدات وأحوال وإشارات إذا لم يكن لذلك المعنى لفظ آخر في اللغة يخصه ويكون مقصوراً على معناه. فهذه جملة في ذكر طريق معرفة مراده بالخطاب مقنعة إن شاء الله.
стр. 427
باب
ذكر طريق معرفة مراد
الرسول ﵇ بخطابه
فأما طريق معرفة مراد الرسول عليه السلم بما يؤديه إلى الأمة من الخطاب عن الله سبحانه، فإنه -أيضاً- على ضربين:
فضرب منه، نص غير محتمل، وما يقوم مقامه من لحن القول ومفهوم الخطاب وفحواه، وهذا مما يعلم المراد به بظاهر الخطاب وفحواه ووضع اللسان، ويدرك ذلك كل متكلم باللغة وعالم بمعنى المواضعة.
والضرب الآخر وهو المحتمل والمجمل، وهو المتشابه من خطابه، وذلك مما لا يعلم معناه والمراد به إلا بدليل، وقد يكون الدليل عليه عقلياً فيحيلنا فيه على دليل العقل. وقد ينص عليه فيغنينا بتوقيفه عن النظر فيما سواه.
وتوقيفه عليه يهن بأمرين:
إما بغير محتمل من كلامه فيفسر المجمل منه بلفظ غير محتمل، نحو أن يقول المراد بقوله تعالى: ﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ وبقوله (إلا بحقها). العشر منه، ودينار
стр. 428
في كل حول، وحقها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكذا وكذا. / ص ١٢١ وهذا بيان لا إشكال فيه.
أو أن يبين المراد بالمحتمل بألفاظ وأمارات وتأكيدات وإشارات يضطر سامع ذلك ومشاهده والعالم به من حاله إلى المراد بخطابه المحتمل، وإنما يحتاج إلى هذه التأكيدات والإشارات في كشف معنى هذا المحتمل، لأن منه ما لا لفظ له واسم مخصوص مبني له وحده ينبئ عن معناه، وذلك نحو ما يدل به على أن المراد بقوله "اقتلوا المشركين" جميع الجنس وسائر من يقع عليه الاسم منهم على الاستغراق، وذلك وأمثاله وما يجري مجراه مما لا لفظ له، فإذا أراد أن يدل على تعميمه لم يكن بد من أن يقرنه ويتبعه عليه، وبعضه بما يضطر العالم به إلى مراده بالخطاب، وهذه حال جبريل مع الرسول وغيره من النبيين ﵈ في تعريفه
стр. 429
إياهم المراد بالمحتمل مما يؤديه إليهم، الذي لا اسم له ولا لفظ له مخصوص وضع لإفادته.
فأما معرفة جبريل ﵇ بمراد الله بكلامه، فقد قلنا أنه يعرفه بأن يضطره إلى العلم به أو بنفس سماعه الخطاب. عند كثير من أهل الحق على ما بيناه من قبل.
فصل
وجميع المضطرين إلى معرفة مراد الرسول ﵇ بالمحتمل من خطابه، وبما قسم من أحكام دينه إنما يضطرون إلى ذلك من وجهين:
أحدهما، أن يكونوا أهل عصره الذين يأخذون عنه وينقلون الخطاب منه ويشاهدون ذاته وأمارته.
والوجه الآخر: أن يكونوا قوماً قد نقل إليهم العلم بمراده بالمحتمل وما قدره من أحكام دينه. قوم هم أهل تواتر قد اضطروا إلى العلم بقصده وما وقف عليه، فيعلم القرن الثاني ذلك ضرورة بنقل سلفهم، وكذلك إذا نقل من فيه شرط الواتر من أهل عصر التابعين إلى تابعي التابعين، ثم كذلك قرناً بعد قرن، وأن يتصل إلى أن يرث الله للأرض ومن عليها، ونحن نذكر في باب القول في الأخبار صفات أهل التواتر الذين يجب بوضع العادة حصول علم الاضطرار بصدقهم فيما يخبرون به إن شاء الله.
стр. 430
فصل
ولن يصل المكلف إلى العلم بأن الله سبحانه متكلم الذات وآمر وناه للعباد مع اعتقاده أن كلامه ليس بموجود بداية وأنه مخلوق في غيره، ومثل كلام البشر ومن جنسه على ما يقوله المعتزلة القدرية، ولن يصل المكلف إلى العلم بصدق خبر الله بما اخبر به في وعده ووعيده إلا بان يعتقد كون الصدق من صفات ذاته واستحالة الكذب عليه في خبره. فأما إن اعتقد ما يقوله القدرية من أنه سبحانه قادر على أن يكذب في خبره ولا يستحيل الكذب في صفته، وأن الظلم والجور لا يمتنع وقوعه منه، وكونه مقدورا له فإنه/ ص ١٢٢ لا يمكنه مع ذلك العلم بصدقه فلا يؤمن كذبه. تعالى عن قولهم علوا كبيراً. في جميع أخباره وجوره على جميع عباده.
وقولهم بعد ذلك إنما يؤمن ذلك منه لعلمه بقبح الكذب والظلم وغنائه عنه قول يوجب عليهم أن لا يقع منه العدل والصدق مع علمه بحسنهما لغنائه عنهما، لأنه لا يفعل الحسن العالم بحسنه إلا لحاجة منه إليه، كما لا يفعل الكذب والظلم مع العلم بقبحهما إلا المحتاج إليهما وقد بينا الكلام في هذا الفصل ووجوب ذلك عليهم وإبطال كل ما يحاولون به الخروج عنه في الكلام
стр. 431
في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.
فصل
وكذلك فإنه لا يصح أن يعلم صدق الرسول في دعواه النبوة وما يخبر به من البلاغ عن الله سبحانه من لم يعرف معجزاته وشروطها، وما يكون دلالة على صدقه لأجله، ومن جوز الكذب عليه فيما يؤديه عن ربه، ولا من جوز كتمانه لبعض ما أنزله عليه أو تحريفه وإفساده، لأن ذلك أجمع يرفع أمانه من كتمانه لاستثناءات وشروط في الخطاب، ومن زيادات منه فيه ما ليس منه، ومن كتمان فرائض كثيرة، وأن يكون جميع ما أداه أو أكثره ليس من عند الله . فتجويز ذلك أجمع عليه يمنع من معرفة صدقه والجهل بكون ما ظهر عليه معجزاً دالاً على صدقه يمنع من معرفة نبوته.
وليس إجازة التورية عليه والمعاريض إذا احتاج إليهما في غير البلاغ بقادح في العلم بصدقه ونبوته، وكذلك فليس في إجازة إصابة المعاصي عليه والسهو والنسيان فيما يخصه من الفرائض وغير ذلك بعد بلاغه وأدائه بقادح في العلم بنبوته وصدقه ولا منفر عن طاعته. وقد تقصينا الكلام في هذه الفصول وفي أحكام الرسل، وما يختص بهم، وما يجوز عليهم من
стр. 432
المعاصي، وغيرها ويمتنع في صفاتهم، وما يلزم المكلف العلم بصدقهم في كتاب "الفرق بين معجزات الرسل وكرامات الأولياء" بما يغني الناظر فيه، إن شاء الله.
فصل
فإن قال قائل: فقد أدخلتم في هذه الجملة القول بأنه لا يجوز الكتمان عليهم لما حملوه، كما لا يجوز عليهم الكذب فيما يؤدونه فما تقولون إن خوف وخاف القتل في تبليغ ما أمر بإبلاغه، هل يجب عليه البلاغ مع خوف القتل وتحمله أم لا؟ يقال إنه ما يجب علي النبي، ولا على غيره من المكلفين شيء من جهة العقل لا بلاغ ولا غيره، وإنما يجب عليهم ذلك بالسمع فقط، فإن أمره الله بالبلاغ مع تخويف القتل ومع تحمله القتل وما دونه من المكاره والأذى وجب عليه فعل البلاغ مع الخوف واحتمال القتل/ فما دونه. وإن أمره بالبلاغ مع الأمن، ونهاه عنه مع الخوف لزمه ذلك علي حسب ما رتب له. وقد بينا القول في أنه لا يجب علي العاقل من نبي وغيره شيء من جهة قضية العقل بما يغني عن رده.
وأما قول القدرية إنه يجب عليه الأداء إذا أمر وإن قتل أو خاف القتل، لأنه لا يكلفه إلا بلاغ ما هو مصلحة لأمته فيجب أن يبلغ، وإن قيل لأن ذلك
стр. 433
هو الأصلح له ولهم في تدبيره، فإنه باطل من وجهين:
أحدهما، إن فعل الأصلح بهم لا يجب علي الله تعالى لا فيما يتعلق بمصالح الدنيا ولا الدين، وإنما ذلك إحسان وتفضل يجب شكره عليه إذا فعله. فأما أن يكون فرضاً واجباً عليه فإنه كذب من القدرية.
والوجه الآخر: إنه ليس الواجب أن لا يؤمر المكلفون إلا بما فيه صلاحهم، لان الله سبحانه أن يشرع لهم ما فيه الصلاح وما فيه الهلاك، فلا وجه للاعتراض في حكمه وما يتعبد به عباده.
وأما قول القدرية: إنه إن كان قد كلف أداء أشياء أخر في المستقبل غير الذي يخوف بالقتل في أدائه، فإنه يجب عليه أن يقدم على الصدع به، ويعلم أنه لا يقتل دون تبليغه جميع ما كلف بلاغه في المستقبل، وأن يزيل عن نفسه الخوف إن هجس فيها، وأن يعلم أنه لم يؤمر بأداء شيء بعد ذلك إلا وفيه مصلحة من أرسل إليه، وأن الله سبحانه لا يمكن من اقتطاعه عن بلاغ ما فيه مصلحة العباد من قتل له أو غير ذلك، فإنه قول باطل - أيضاً - من وجهين:
стр. 434
أحدهما: إنه لا يجب أن يأمره إلا ببلاغ ما فيه صلاح المكلفين، بل قد يكون منه ما هو صلاح لهم، ومنه ما فيه عطب وهلاك لهم، ومنهم المهتدي بالتكليف، ومنهم الضال به.
والوجه الآخر: أنه قد يجوز أن يكون في حكمة الله تعالى منعه المكلف من فعل ما أمره بإيقاعه في المستقبل من نبي وغيره بالموت تارة، وبالعجز أخرى، بالعوارض التي تزيل الأمر به، وبالنسخ للأمر به قبل وقته، وكل ذلك حق وصواب في حكمته وتدبيره، على ما سنذكره ونبينه في فصول القول في النسخ إن شاء الله.
فأما اختفاء النبي ﷺ في الغار حين أراد الهجرة فإنه كان منه ﷺ بعد بلاغه بمكة السنين الطوال وصدعه بما أمر واحتمال ضروب المكاره والضيم منهم حتى لو مات قبل اختفائه في الغار لم يكن قد بقي عليه شيء من فرض الأداء والبلاغ المزيح لعللهم والمقيم للحجة البالغة عليهم.
стр. 435
التقريب والإرشاد
(الصغير)
للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني
المتوفي سنة ٤٠٣ هـ
قدم له وحققه وعلق عليه
الدكتور عبد الحميد بن علي أبو زيد
الجزء الثاني
مؤسسة الرسالة
стр. 436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال بدر الدين الزركشي في مقدمة البحر المحيط:
" وكتاب التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر هو أجل كتاب صنف في هذا العلم مطلقا"
وقال أيضا:
(حتى جاء القاضيان: قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلى عبد الجبار, فوسعا
العبارات وفكا الإشارات, وبينا الإجمال, ورفعا الإشكال واقتفي الناس بآثارهم, وساروا على لأحب نارهم, فحرروا وقرروا وصوروا, فجزاهم الله خير الجزاء).
стр. 437
التقريب والإرشاد الصغير
٢
стр. 438
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الثانية
١٤١٨ هـ / ١٩٩٨ م
طبعة جديدة مُصححة ومُنقحة
حقوق الطبع محفوظة (١٩٩٣ م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه. ولا يُسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
стр. 439
الكلام في الأوامر
باب القول في الأمر ما هو ؟ / ص ١٢٤
اعلموا وفقكم الله- أنا قد بينا فيما سلف أن الأمر وجميع أقسام الكلام معنى في النفس, ولنفسه يكون كل شيء منه من خبر وأمر ونهي وغير ذلك متعلقا بمتعلقة, وأنه على ضربين:
فضرب منه قديم غير مخلوق وهو كلام الله
والضرب الآخر: كلام الخلق. وحقيقة كل ضرب من ضروبه وفائدة وصفه بما يوصف به لا تختلف في شاهد ولا غائب.
وحقيقة الأمر من أقسامه ومعنى وصفه بأنه أمر " أنه القول المقتضى به الفعل من المأمور على وجه الطاعة"
وقولنا اقتضاء الفعل ومطالبة به, وأنه ما كان ممتثل موجبه, والمؤتمر له.
стр. 440
مطيعاً، بمعنى واحد, وبهذه الخاصية بان الأمر بالشيء من النهي عنه والخبر وضروب أقسام الكلام.
وإن قيل: إن خاصية الأمر وحقيقته أنه" طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة" كان ذلك صحيحا.
ولو قيل: خاصيته أنه" اقتضاء الطاعة والانقياد بالفعل" كان ذلك صوابا, للفرق بينه وبين طالب الفعل على وجه الرغبة والسؤال, وما ليس بطلب للطاعة والانقياد.
وقولنا: على غير وجه المسألة نابت مناب ذلك:
وليس من الجيد أن يقال إن بين الأمر والسؤال أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن المسألة فيه ليست بنهي عن ضده, لأن الأمر بالشيء على وجه الندب ليس بنهي عن ضده عند كثير ممن فصل بينهما بذلك, ولأنه لا يمتنع عندنا صحة وجود أمر الآمر بالشيء وبضده معا, فلا يكون الأمر به عند ذلك نهيا عن ضده. وهل ذلك عدل وحسن من الآمر وصواب أم لا؟ موقوف على دليل يوجب الفصل بينهما بما قلناه, والدليل على صحة تحديده بذلك انعكاس الحد واطراده
стр. 441
لأن كل قول اقتضى به الفعل فهو أمر به, وكل أمر به فهذه حالة. فصح ما قلناه في حده ومعناه.
فصل: وقد يعبر عنه بالقول"افعل" الذي هو هذه الأصوات المصوغة المسموعة.
وربما يدل عليه وخبر عنه بما صورته صورة العبارة عن الخبر وعن وجوبه, نحو قول القائل: قد أمرتك بكذا, وفرضته عليك وكتبته وألزمته وحتمته. وإن أخبر عن الندب من أوامره قال: قد ندبتك وأرشدتك ورغبتك في كذا, وأكثر أحكام الشرع ثابتة بما صورته صورة الخبر عن الأمر.
فصل: والأمر ينقسم قسمين: واجب وندب، وصورة العبارة عن الإيجاب قول القائل:" أوجبت عليك" ونحوه, وصورة الخير عن الندب قوله: ندبتك إلى كذا أو أرشدتك أو رغبتك, أو نحوه من الألفاظ.
فصل: ⦗١٢٥⦘ وقد قيل: أنه لا يصح الأمر, إلا لمن هو دون المأمور به في المرتبة ولذلك امتنع أمر الخلق لله تعالى، وأمر الولد لوالده, والعبد لسيده, والمرء لسلطانه, وإذا كان القول "افعل" قولا لمن هو فوق القائل كان رغبة وسؤالا, وقد بينا فيما سلف أن القول غير هذه الأصوات التي تكون تارة عبارة عن الأمر, وتارة عبارة عن السؤال, والرغبة.
والأمر لا يصح أبدا أن يكون رغبة وسؤالا ولا مثله. وكذلك السؤال لا يجوز
стр. 442
أبدًا أن يكون أمرا, وإن صح تماثل العبارة عنهما.
والأولى أنه يصح عندنا أمر الآمر لمن هو مثله وفوقه في الرتبة والنظر في هل تحب طاعة من هذه حالة فيما أمر به أملا؟ ليس من الكلام في صحة وقوعه لمن هو فوقه في شيء, وذلك موقوف على الدليل.
فصل: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون العقل أمرا بما يوجب فعله على المكلف وترغيبه فيه كما يجب ذلك في القول؟
قيل له: العقل عندنا لا يوجب شيئا ولا يحرمه ولا يحظره ولا يحسنه ولا يقبحه, كل ذلك محال لما بيناه. والسؤال مبني على هذا الأصل الفاسد فسقط قول من قال ذلك.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الإيماء والرموز والإشارة أمرا لأنها تدل على الأمر كدلالة الأصوات؟
يقال له: لا يجب ما قلته لأن ما سألت عنه دلالة على الأمر, وكذلك القول"افعل" بقرينته, وليس نفس ذلك هو الأمر, ونحن لم نقل إن الأمر ما دل على اقتضاء المأمور به, وإنما قلنا هو اقتضاء المأمور به, والأصوات والرموز والإشارات والعقود والخطوط دلالات على القول المقتضى به الفعل, فيسقط الاعتراض, على أنا قد قلنا إنه القول المقتضى به الفعل.
ثم لو سلم أن الرمز والإشارة اقتضاء الفعل- على فساد ذلك وبعده- لم يقدح ذلك في حدنا، لأنه ليس نقول اقتضى به الفعل. وفي حدنا أنه قول هذه حاله, فبطل ما قالوه, والذي يبين ذلك أن الأصوات التي توصف بأنها هي
стр. 443
القول" إفعل" والإشارات تقع من النائم والمغلوب, فلا يكون اقتضاء للفعل ولا دلالة على اقتضائه, وإنما تكون دلالة على ذلك إذا وقعت من عالم مميز قاصد فصح بذلك ما قلناه.
فصل: والفعل ليس بأمر على الحقيقة, وإنما يوصف بذلك مجازا واتساعا, وجمعه أمور، لا أوامر وقد بينا هذا الفصل فيما سلف من أبواب الكتاب، وإن ما به يعلم أن تسمية الفعل أمرا إنما جرى عليه مجازا بما يغني متأملة إن شاء الله تعالى. ص ١٢٦
стр. 444
باب
القول في الأمر لم كان أمرا ؟
قد بينا فيما سلف أن الأمر معنى قائم بنفس المتكلم وأنه لنفسه يكون أمرا بما هو آمر به, ولمن هو آمر له بالفعل, ولمن هو الأمر به, وأنه بمثابة علم العالم وقدرة القادر في تعلقهما بالقادر والعالم وبالمعلوم والمقدور.
والقدرية, تزعم أن أمر الله سبحانه وأمر غيره ليس بشيء هو أكثر من الأصوات التي هي القول,"إفعل".
وزعم الجمهور منهم أنه ليس بأمر لنفسه وجنسه, وأنه قد يوجد نفسه ومثله ممن ليس بآمر به, وأنه إنما يصير أمرا عند كثير منهم بإرادات: إرادة لحدوثه, والأخرى إرادة لكونه أمرا لمن هو أمرا له والثالثة إرادة للفعل المأمور به.
стр. 445
وقال بعضهم بل إنما يحتاج إلى إرادة واحدة, وهي الإرادة للمأمور به فقط.
وزعم البلخي منهم أن الأمر هو هذه الأصوات، وأنها لنفسها تكون أمرا بما لا هي أمر به, وأنه يصح أن توجد إلا وهي أمر به وأن ما هو بصيغته من الإباحة والتهديد ليس من جنسه. وقد بينا فساد جميع هذه الأقاويل في الكتاب الكبير والأوسط وغيرهما بما يغني الناظر فيه, وكل هذا إنما ورطهم فيه
стр. 446
قولهم: ليس الأمر بشيء أكثر من هذه الأصوات, وليس الأمر على ما قالوه لما بيناه من قبل في باب الإخبار عن الكلام ما هو؟ وما حقيقته؟ بما يغني عن الإطالة برده ونستدل في فصول القول في النسخ على أن الأمر لم يكن أمرا لإرادة المأمور به.
وقد زعم الجمهور من الفقهاء أن الأمر هو نفس الأصوات التي صيغتها القول"إفعل" وأنها إنما تصير أمرا لصيغتها وتجردها من القرائن الصارفة لها عن كونها أمرا.
وهذا أيضا باطل من وجوه:
أحدهما: إن هذه الأصوات توجد على صورتها من النائم والمغلوب ويسمع منه القول " إفعل" وإن لم يكن أمرا بشيء فبطل أن يكون لصيغتها مع وجودها وخروجها عن كونها أمرا.
فإن قالوا: قد قلنا أنه أمر لصيغته المتجردة عن القرائن
يقال لهم: فهذه الصيغة إذا وجدت من النائم والمغلوب فهي عارية من القرائن الصارفة لها عن كونها أمرا, فيجب لذلك أن تكون أمرا, ولا مخرج من ذلك.
فإن قالوا: زوال عقل المتكلم بها أخرجها عن أن تكون أمرا.
يقال لهم: لو كان ذلك كذلك لكان أمرا لقرينة هي وجود العقل لا لصيغته, وهذا ترك لقولهم بأنه بمجرد? الصيغة, وعلى أنه قد تقع هذه الصيغة
стр. 447
مع وجود العقل والعلم بها وبوقوعها من المتكلم المهدد بها, وإن لم تكن أمرا لوجود الفعل والعلم بها فسقط ما قالوه
على أنه لا يخلو أن يكون أمرا لنفس الصيغة فقط أو لعدم القرائن المخرجة لها عن كونها أمرا أولهما جميعا ومحال أن يكون أمرا لصيغته وصورته لما بيناه.
ومحال كونه أمرا لعدم معنى لو اقترن به لخرج عن أن يكون أمرا, لأن عدم المعنى لا يصح أن يكون على لحصول القول أمرا, كما لا يجوز أن يكون الآمر المتكلم أمرا متكلما لعدم معنى.
وكذلك الآمر لا يصح كونه أمرا لعدم معنى، لأن علل الأحكام يجب أن تكون ذواتا موجودة على ما بيناه في الكلام في أصول الديانات, فاستحال لذلك أن يكون عدم القرائن التي يومئون إليها على لكونه القول أمرا ويستحيل أيضا أن يكون إنما صارب القول"إفعل" أمرا لصيغته وعدم القرينة, لأنا قد بينا أن كل واحد منهما لا تأثير له بانفراده في كونه أمرا، فلا تأثير لهما أيضا بالإجماع لما قد بيناه في الكلام في الأصول.
стр. 448
فصل: ومما يدل- أيضا- على أن نفس هذه الأصوات قد ترد في الكلام مرة للأمر بالفعل ومرة للنهي وتارة للزجر والترهيب, وتارة لإباحة, وتستعمل في ذلك أجمع غلى طريقة واحدة فلو ساغ لقائل أن يقول إنها لصيغتها تكون أمرا بالفعل ولتجردها من القرائن لجاز لغيره أن يقول إن هذه الصيغة موضوعة للإباحة والتهديد بمجردها، وإنما وضعت لإفادة ذلك والدلالة عليه إذا عربت من القرائن الصارفة لها إلى كونها أمرا. ولما لم يجد كل مدع لشيء من ذلك فصلا بينه وبين القائل بضد قوله سقط القولان جميعا, وثبت بذلك ما قلناه
فصل: فإن قال منهم قائل: إنما يكون القول "افعل" مع عروه من القرائن مفيدا بطريق الاصطلاح والوضع لا بطريق التعليل لكونه كذلك فقد فسد ما قلتموه من أنه لم يكن للصيغة ولا لعدم القرينة تأثير في كونه أمرا لم يكن لهما تأثير بالإجماع, لأن هذا إنما يجب فيما طريقه التعليل بالمعاني, دون ما يفيد بالمواضعة والاصطلاح.
يقال له: فأنت إنما تدعي إذا في هذا لغة واصطلاحا لا أصل لهما, فما الفصل بينك وبين من قال: إن مجرد القول "افعل" العاري من القرائن موضوع للإطلاق والإذن أو التهديد, دون الأمر فلا تجد في ذلك فصلاً.
стр. 449
فصل: واعلموا- رحمكم الله- أن الأصل ⦗١٢٨⦘ في طريق العلم بإبطال جميع هذه الدعاوي على أهل اللغة علمنا بأننا غير مضطرين إلى العلم بصدق الخبر عنهم في هذه الدعاوي وأنه لا دليل على صحة الخبر عنهم بذلك, فوجب القضاء ببطلان كل هذه الدعاوي والأخبار, والقول بأن هذه الصيغة مشتركة بين الدلالة على الأمر وغيره مما ذكرناه إذا وقعت من العاقل القاصد مقترنة بما يدل على قصده إلى بعض محتملاتها. فإن عريت من ذلك وجب الوقف فيها, كوجوبه في جميع الأسماء المشتركة في معاني مختلفة.
فصل: وكل شيء دللنا به على أن الأمر معنى قائم في النفس وأنه أمر لنفسه, وأن معناه وحقيقته أنه اقتضاء الفعل, فإنه دليل- أيضا- على أن النهي معنى في النفس, وأنه نهي عما هو نهي عنه لنفسه, وأن معناه وحقيقته أنه "القول المقتضي به ترك الفعل" وقولنا أنه اقتضاء ترك الفعل واجتنابه والكف عنه بمعنى واحد.
ولا بد أن يكون متعلق المطالبة بأن لا تفعل الفعل مطالبة بفعل ضد له يوصف بأنه كف عنه ترك واجتناب له, ولا يصح أن يكون مقتضى النهي عنه عدم الفعل وأن يكون فاعلا لشيء, لأن عدم الشيء المستدام عدمه لا يصح أن يكون مقدورا ومتعلقا بفاعل بجعله معدوما لما قد بيناه في الكلام في أصول
стр. 450
الديانات. فوجب أن يكون موجب الأمر والنهي تكليف فعل يكسبه العبد, إما إقداما على فعل أو على ترك له واجتناب وعلى ذلك يستحق الذم والمدح, ويكون الوعيد والوعد والثواب والعقاب, ولو كان من لم يفعل ما نهي عنه لم يصر طاعة ومن لم يفعل ما وجب عليه لم يقترف ذنبا ويجئ قبيحا, لكان مثابا ومعاقبا مذموما على غير شيء, وذلك خروج عن قول المسلمين, فثبت ما قلناه.
стр. 451
باب
القول في الفرق بين الإباحة والأمر
اعلموا- رحمكم الله- أن الإباحة للفعل هي" الإطلاق له والإذن فيه وتخيير بين فعله وتركه الجاري مجراه دون المحرم من تروكه, وعلى هذا سلف الأمة والدهماء من المتكلمين والفقهاء.
وزعم البلخي ومن تبعه أن المباح مأمور به, وأن الأمر به دون رتبة الواجب
стр. 452
والندب من الأوامر, كما أن رتبة الندب منها رتبة الإيجاب, وإن كانا أمرين. وربما وقع الخلاف معه في العبارة, ولا طائل في النزاع فيها. وربما وقع في معنى.
فالخلاف في العبارة أن يقال: معنى أن المباح مأمور به أنه مأذون في فعله ومطلق ومحلل له ذلك ومدلول من جهة السمع على أن له فعله وله تركه, وأنه وتركه المباح سيان لا ثواب ولا عقاب عليهما. فإن أريد ذلك فهو اتفاق على المعنى وخلاف في العبارة
فأما الخلاف في المعنى فهو أن يقول القائل بذلك?: ص ١٢ إن الإباحة للفعل اقتضاء له ومطالبة به على جهة الإيجاب أو الندب, وأنها نهي عن ترك المباح, وأن فعل المباح خير من تركه الجاري مجراه, وهذا باطل.
والذي يدل على بطلانه علم كل عاقل رمن نفسه الفصل بين كونه إذنا مطلقا لعبده ومن تلزمه طاعته في الفعل, وبين أمره به واقتضائه له ونهيه غن تركه, كما يفصل بين أمره به ونهيه عنه وتوسعته وتضييقه, وإذا كان كذلك بطل ما قالوه.
ومما يدل على ذلك أيضا أن مقتضى الإباحة تعليق المباح: بمسبب المأذون له في الفعل وبمعنى القول له إفعله إن شئت, ومن حق الآمر بالفعل أن يكون اقتضاء له ومطالبة به, ونهيا عن تركه على وجه ما هو أمر به على ما نبينه من بعد, فافترق لذلك حال الإباحة والأمر.
стр. 453
فصل: فإن قيل: ما معنى قولكم أن المباح مخير في فعله وتركه الجاري مجراه. وأنه وتركه الذي هذه حاله سيان؟
قيل: معناه أن المباح قد يترك بالمعصية الحرام ويترك بالنفل من الأفعال, ويترك بمثله من المباح, ويترك بواجب موسع وقته, ولا يصح أن يكون له ترك مضيق مستحق, لأنه لم يصح إباحة ضد الفعل في وقت تضيقه واستحقاقه. فإذا ترك المباح بالنفل ترك بمأمور به هو خير من فعل المباح, وإن ترك بواجب موسع وقته ترك بفرض ليس بمباح, وإن ترك بمعصية حرام ترك تركا محرما محظورا, غير أنه لم يكن محرما من حيث كان تركا للمباح, لكن لتعلق النهي بذلك الترك لأنه قد يشركه في كونه تركا للمباح وما ليس بحرام من المباح المساوي له والنفل والواجب الموسع وقته, فلذلك كان مخيرا بينه وبين مثله وما جرى مجراه. وهو ترك الذي هذه حاله سيان. وليس لأحد أن يعتل في أن المباح مأمور به, فإن من تروكه المحظور الحرام, والحرام واجب تركه, لأننا قد بينا أنه لم يجب ترك الحرام لكونه تركا للمباح من حيث ثبت أن للمباح تركا, مثله لا يجب تركه, ولو كان المباح مأمورا به لأن من تروكه الحرام الواجب تركه لوجب لا محالة أن يكون المباح واجبا لازما فعله إذا ترك به المحظور الحرام, ولما اتفق على فساد ذلك بطلت هذه الشبهة, وثبت أن المباح ليس بواجب ولا مأمور به.
فصل: فإن قال قائل: أفتقولون إن المباح داخل تحت التكليف ؟
стр. 454
قيل له: إن أردت بذلك أنه ما قد أعلم المكلف من جهة السمع تحليله وإطلاقه والإذن له في فعله فذلك صحيح, وإن عنيت أن المكلف مأمور به على وجه الفرض أو النفل فذلك باطل بما قدمناه.
فصل: فإن قيل: أفتقولون إن المباح من الأفعال حسن أو قبيح؟
قيل: لا يجوز وصفة بذلك, لأنه لا تكليف علينا في تعظيم فاعل المباح ومدحه به والثناء عليه ⦗١٣⦘ ولا بذمه وانتقاصه, وليس معنى حسن الفعل أو قبحه أكثر من تكليفنا تعظيم فاعله ومدحه أو إهانته وذمه, أو اعتقاد استحقاقه لذلك, وإن لم نؤمر به فيه, وإنما قلنا أو اعتقاد استحقاقه لذلك, وإن لم نؤمر به لأجل قيام الدليل على وقوع المعاصي من الأنبياء ﵈, وإن لم يجب علينا إهانتهم بها وذمهم وسوء الثناء عليهم لموضع تفضل الله سبحانه بإزالة المستحق عليهم من ذلك, وأمرنا بالكف عنه لما أراده من إعظامنا إياهم وتوقيرنا لهم.
فصل: فإن قال قائل: أفتقولون: إن الله سبحانه مريد لفعل المباح إذا وقع من فاعله؟
قيل له: أجل, ولكل حادث من أفعال الخلق على مرتبه وتصرف أحواله.
وقد زعمت القدرية أن الله سبحانه غير مريد للمباح ولا كاره له, لأنه لا
стр. 455
صفة له تزيد على حدوثه تقتضي إرادته أو كراهيته, ولو كان كذلك لأمر به أو نهي عنه.
فإن قال قائل: فيجب أن يكون آمرا بالمباح إذا كان قال لفاعله: افعله وهو مريد له منه إذا كان المعلوم وقوعه منه, لأن القول"افعل" إنما يصير أمرا لإرادة الفعل المذكور فيه. يقال له: لا يجب ما قلته, لأننا قد بينا فيما سلف أن الأمر أمر لنفسه لا لإرادة الفعل المذكور فيه فسقط ما قلته.
ويدل على فساد هذا القول- أيضا- أنه قول يوجب على من زعم منهم أن الله سبحانه وقد أراد أهل الجنة إليها مع قوله تعالى ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وأراد أكلهم وشربهم مع قوله تعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أن يكون الله تعالى آمرا وناهيا ومكلفا لأهل الجنة, وأن يكونوا في داغر محنة وتكليف.
وقد اضطربت القدرية عند هذا الإلزام, فقال كل من حقق كلامه, وعلل كونه أمرا بالإرادة للمأمور به أنه غير مريد لدخولهم الجنة, ولا لأكلهم وشربهم وتصرفهم, لأنه لو أراد ذلك مع قوله لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ لوجب أن يكون آمرا لهم بذلك، وأن تكون كدار الإبتلاء والمحنة, وأن يكونوا مرهبين ومزجورين ومرغبين. وهذا يوجب إفساد النعيم, وكونهم في تنغيص وتكدير, وذلك باطل.
стр. 456
وقال ابن الجبائي منهم أنه أمر لهم بدخول الجنة, ومريد منهم دخولها مع قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ لأنهم لا يصلون إلى ثواب أعمالهم إلا بدخولها وترك إثابتهم ظلم لهم, وهو كاره لظلمهم ومريد لأجل ذلك منهم ⦗١٢⦘ الدخول والأكل والشرب ما يصلون به إلى ثواب أعمالهم, وكاره لترك الدخول الذي لا يصلون به إلى الثواب- وهذا يوجب أن يكون أمرا لهم بدخول الجنة على سبيل الفرض والوجوب لقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾. وإرادة الدخول منهم, وكراهيته لتركه, وكل مأمور به ومكروه تركه فإنه واجب مفروض, ولا بد في الإيجاب والنهي عن الترك من ترغيب وزجر وترهيب ووعد ووعيد فيجب أن تكون هذه حال أهل الجنة, وأن يكونوا في دار تنغيص كهذه الدار, وذلك خروج عن الإجماع. وهذا أحد الأدلة على أن القول "إفعل" لا يجب كونه أمر لإرادة الفعل المذكور فيه, ولا جواب لهم عنه.
ويلزم القدرية أيضا- أن يكون الإنسان آمرا لنفسه بالفعل إذا خاطب نفسه. وقال: يا نفسي افعلي كذا وكذا, وأراد الفعل, لأنه قد وجد القول مع إرادة الفعل
فإن قالوا: القائل لنفسه افعلي كذا وكذا قد تقدمت الإدارة له, والإرادة المتقدمة على المراد عزم عليه, فلم يؤثر في كون القول أمرا.
يقال لهم: لم قلتم ذلك؟ وما أنكرتم من وجوب تأثيرها سواء وجدت قبل المراد أو معه, فلا يجدون في ذلك متعلقاً.
стр. 457
ويقال لهم: فيجب أن لا تؤثر إرادة الفعل في كون القول أمرا, لأنه إنما يريد الفعل حين يقول له"إفعل" وهي لذلك إرادة موجودة مع الأمر, وهي والأمر متقدمان على المراد, فيجب أن لا يؤثر أبدا في كون القول للغير إفعل أمرا, فإذا لم يجب هذا بطل ما رمتم الانفصال به, هذا على أن الإرادة إنما يجب أن تؤثر في كون القول أمرا, لا في كون المأمور به وإرادة القائل لنفسه إفعلي, ولغيره إفعل موجودة مع القول, فيجب لمقارنتها له أن تؤثر في كونها أمرا, فبطل بذلك ما قالوه.
стр. 458
باب
القول في إحالة أمر الأمر لنفسه ونهيه لها
وقد اتفق على أنه لا يصح أمر الآمر لنفسه, والدليل على ذلك أنه لا تأثير لطلب العاقل الفعل من نفسه واقتضائه منها بالقول, لأن المكتسب من الخلق للفعل إنما يكتسبه لتوفر دواعيه إليه وعلمه بما له فيه من النفع, وما عليه في تركه من الضرر, فإذا قدر عليه وأراده وتوفرت دواعيه عليه فعله لا ⦗١٣⦘ حالة فما وجه أمره لنفسه به؟
ويدل على ذلك أن الأمر والنهي لا بد أن يقترن بهما ترغيب بتفضل أو بمستحق, وترهيب بفعل ضرر مستحق بالمخالفة. والإنسان لا يصح أن يضر نفسه, ويترك دفع الضرر عنها مع قدرته على ذلك وعلمه به وقصده إليه, لأجل نهي لنفسه عن ذلك وأمر لها بترك. فبان أنه لا معنى ولا وجه لجواز أمر الآمر لنفسه, وإنما يصح أمره لغيره.
فصل: فإن قال قائل: أفيجوز أن يأمر الآمر كل غير له ممن يصح علمه بالخطاب وتلقيه عنه؟
قيل له: أما جواز وقوع أمر الآمر لكل غير له ممن يصح علمه بالخطاب وتلقيه عنده- وإن كان فوقه, وممن لا يجب عليه طاعته- فإنه جائز صحيح ولكنه مما يلزم امتثال موجبه, ولا معنى ولا وجه له. وإن أراد السائل عن هذا أن أمر العبد لربه , والعبد لسيده, والولد لوالده صواب وحسن وحق يجب الانقياد لصاحبه, فذلك خطأ وجهل بإجماع الأمة, ومما لا وجه له.
стр. 459
باب
ذكر أقسام الأمر ومراتبه وذكر الفائدة المختصة به
قد بينا فيما سلف أن الإباحة والأمر والنهي والسؤال والرغبة وغير ذلك من أقسام الكلام معان في النفس مختلفة الأجناس, وأنها لنفسها تتعلق بمتعلقاتها. ومن هو أمر وناه بها, ولمن هي أمر ونهي له من المكلفين, وبما هي أمر به ونهي عنه من اكتساب العباد, وكشفنا ذلك بما يغني عن رده, فإذا ثبت ذلك بطل قول من زعم أن شيئا مما ذكرنا من أقسام الكلام إنما يكون مفيدا لما هو مفيد له ومتعلق به بمواطأة ومواضعه على ذلك وإنما العبارات عن أقسام الكلام هي التي لا تكون مفيدة ودلالة على ما هي دلالة عليه إلا بالمواضعة والاتفاق, وهي التي تدخلها الحقيقة والمجاز وتصلح للتعبير بها عن أقسام الكلام المختلفة المتضادة وغير المتضادة, والتي تصلح أن تكون عبارة عن الخصوص الذي في النفس تارة وعن العموم أخرى. فهذا مما يجب ضبطه, ولا يسوغ لباغي تحصيل علم هذا الباب جهله.
وأما القائلون بأن الأمر والنهي وغيرهما من أقسام الكلام ليس بشيء غير هذه الأصوات من المعتزلة ومن وافقهم على ذلك من أهل الضلال والأهواء ومن لم يعتمد الدخول في بدعتهم من ناشئة الفقهاء الذين لا علم لهم بالكلام في
стр. 460
هذا الباب, فإنهم يقولون: وإن كل قسم من أقسام الكلام إنما يصير متعلقا بمتعلقه ومفيدا لما تضمنه بالمواطأة والمواضعة على دلالته ومعناه. وهذا خطأ منهم عظيم.
الأقوال في دلالة الأمر المجرد عن القرائن
وقد اختلفوا ⦗١٣١⦘ فيما وضع الأمر لإفادته في اللغة؟
فقال بعضهم: إنه وضع فيها لإطلاق المأمور به والإذن فيه فقط. وهذا قول كثير ممن زعم أن المباح مأموربه وقالوا: فإن اقترن به ما يدل على أنه ندب إليه من ترغيب فيه, وضمان ثواب على فعله, وصار ندبا, اوإن اقترن به ما يدل على وجوبه من ضمان ثواب على فعله وعقاب على تركه صار واجبا, وإن عري في القرينتين كان إباحة وإطلاقا.
وقال آخرون- وهم جمهور المعتزلة- إنه إنما وضع للندب إلى الفعل ودلالة على حسنه, وأنه مراد للآمر به فإن اقترن به ما يدل على كراهية تركه من ذم وعقاب كان واحبا. وتابعهم على ذلك كثير من الفقهاء, وحكاه كثير من
следующие страницы →