Полный текст (1 232 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وقال ابن الجبائي منهم أنه أمر لهم بدخول الجنة, ومريد منهم دخولها مع قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ لأنهم لا يصلون إلى ثواب أعمالهم إلا بدخولها وترك إثابتهم ظلم لهم, وهو كاره لظلمهم ومريد لأجل ذلك منهم ⦗١٢⦘ الدخول والأكل والشرب ما يصلون به إلى ثواب أعمالهم, وكاره لترك الدخول الذي لا يصلون به إلى الثواب- وهذا يوجب أن يكون أمرا لهم بدخول الجنة على سبيل الفرض والوجوب لقوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾. وإرادة الدخول منهم, وكراهيته لتركه, وكل مأمور به ومكروه تركه فإنه واجب مفروض, ولا بد في الإيجاب والنهي عن الترك من ترغيب وزجر وترهيب ووعد ووعيد فيجب أن تكون هذه حال أهل الجنة, وأن يكونوا في دار تنغيص كهذه الدار, وذلك خروج عن الإجماع. وهذا أحد الأدلة على أن القول "إفعل" لا يجب كونه أمر لإرادة الفعل المذكور فيه, ولا جواب لهم عنه.
ويلزم القدرية أيضا- أن يكون الإنسان آمرا لنفسه بالفعل إذا خاطب نفسه. وقال: يا نفسي افعلي كذا وكذا, وأراد الفعل, لأنه قد وجد القول مع إرادة الفعل
فإن قالوا: القائل لنفسه افعلي كذا وكذا قد تقدمت الإدارة له, والإرادة المتقدمة على المراد عزم عليه, فلم يؤثر في كون القول أمرا.
يقال لهم: لم قلتم ذلك؟ وما أنكرتم من وجوب تأثيرها سواء وجدت قبل المراد أو معه, فلا يجدون في ذلك متعلقاً.
стр. 457
ويقال لهم: فيجب أن لا تؤثر إرادة الفعل في كون القول أمرا, لأنه إنما يريد الفعل حين يقول له"إفعل" وهي لذلك إرادة موجودة مع الأمر, وهي والأمر متقدمان على المراد, فيجب أن لا يؤثر أبدا في كون القول للغير إفعل أمرا, فإذا لم يجب هذا بطل ما رمتم الانفصال به, هذا على أن الإرادة إنما يجب أن تؤثر في كون القول أمرا, لا في كون المأمور به وإرادة القائل لنفسه إفعلي, ولغيره إفعل موجودة مع القول, فيجب لمقارنتها له أن تؤثر في كونها أمرا, فبطل بذلك ما قالوه.
стр. 458
باب
القول في إحالة أمر الأمر لنفسه ونهيه لها
وقد اتفق على أنه لا يصح أمر الآمر لنفسه, والدليل على ذلك أنه لا تأثير لطلب العاقل الفعل من نفسه واقتضائه منها بالقول, لأن المكتسب من الخلق للفعل إنما يكتسبه لتوفر دواعيه إليه وعلمه بما له فيه من النفع, وما عليه في تركه من الضرر, فإذا قدر عليه وأراده وتوفرت دواعيه عليه فعله لا ⦗١٣⦘ حالة فما وجه أمره لنفسه به؟
ويدل على ذلك أن الأمر والنهي لا بد أن يقترن بهما ترغيب بتفضل أو بمستحق, وترهيب بفعل ضرر مستحق بالمخالفة. والإنسان لا يصح أن يضر نفسه, ويترك دفع الضرر عنها مع قدرته على ذلك وعلمه به وقصده إليه, لأجل نهي لنفسه عن ذلك وأمر لها بترك. فبان أنه لا معنى ولا وجه لجواز أمر الآمر لنفسه, وإنما يصح أمره لغيره.
فصل: فإن قال قائل: أفيجوز أن يأمر الآمر كل غير له ممن يصح علمه بالخطاب وتلقيه عنه؟
قيل له: أما جواز وقوع أمر الآمر لكل غير له ممن يصح علمه بالخطاب وتلقيه عنده- وإن كان فوقه, وممن لا يجب عليه طاعته- فإنه جائز صحيح ولكنه مما يلزم امتثال موجبه, ولا معنى ولا وجه له. وإن أراد السائل عن هذا أن أمر العبد لربه , والعبد لسيده, والولد لوالده صواب وحسن وحق يجب الانقياد لصاحبه, فذلك خطأ وجهل بإجماع الأمة, ومما لا وجه له.
стр. 459
باب
ذكر أقسام الأمر ومراتبه وذكر الفائدة المختصة به
قد بينا فيما سلف أن الإباحة والأمر والنهي والسؤال والرغبة وغير ذلك من أقسام الكلام معان في النفس مختلفة الأجناس, وأنها لنفسها تتعلق بمتعلقاتها. ومن هو أمر وناه بها, ولمن هي أمر ونهي له من المكلفين, وبما هي أمر به ونهي عنه من اكتساب العباد, وكشفنا ذلك بما يغني عن رده, فإذا ثبت ذلك بطل قول من زعم أن شيئا مما ذكرنا من أقسام الكلام إنما يكون مفيدا لما هو مفيد له ومتعلق به بمواطأة ومواضعه على ذلك وإنما العبارات عن أقسام الكلام هي التي لا تكون مفيدة ودلالة على ما هي دلالة عليه إلا بالمواضعة والاتفاق, وهي التي تدخلها الحقيقة والمجاز وتصلح للتعبير بها عن أقسام الكلام المختلفة المتضادة وغير المتضادة, والتي تصلح أن تكون عبارة عن الخصوص الذي في النفس تارة وعن العموم أخرى. فهذا مما يجب ضبطه, ولا يسوغ لباغي تحصيل علم هذا الباب جهله.
وأما القائلون بأن الأمر والنهي وغيرهما من أقسام الكلام ليس بشيء غير هذه الأصوات من المعتزلة ومن وافقهم على ذلك من أهل الضلال والأهواء ومن لم يعتمد الدخول في بدعتهم من ناشئة الفقهاء الذين لا علم لهم بالكلام في
стр. 460
هذا الباب, فإنهم يقولون: وإن كل قسم من أقسام الكلام إنما يصير متعلقا بمتعلقه ومفيدا لما تضمنه بالمواطأة والمواضعة على دلالته ومعناه. وهذا خطأ منهم عظيم.
الأقوال في دلالة الأمر المجرد عن القرائن
وقد اختلفوا ⦗١٣١⦘ فيما وضع الأمر لإفادته في اللغة؟
فقال بعضهم: إنه وضع فيها لإطلاق المأمور به والإذن فيه فقط. وهذا قول كثير ممن زعم أن المباح مأموربه وقالوا: فإن اقترن به ما يدل على أنه ندب إليه من ترغيب فيه, وضمان ثواب على فعله, وصار ندبا, اوإن اقترن به ما يدل على وجوبه من ضمان ثواب على فعله وعقاب على تركه صار واجبا, وإن عري في القرينتين كان إباحة وإطلاقا.
وقال آخرون- وهم جمهور المعتزلة- إنه إنما وضع للندب إلى الفعل ودلالة على حسنه, وأنه مراد للآمر به فإن اقترن به ما يدل على كراهية تركه من ذم وعقاب كان واحبا. وتابعهم على ذلك كثير من الفقهاء, وحكاه كثير من
стр. 461
أصحاب الشافعي- ﵀ عنه وأنه استشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وأمثاله مما ورد الأمر به على سبيل الندب.
وقال الدهماء من الفقهاء وغيرهم إنه موضوع لإيجاب المأمور به وحتمه إلى أن يقوم دليل على أنه ندب.
وقال شيخنا أبو الحسن ﵀ وكثير ممن حصل علم هذا الباب من المتكلمين والفقهاء إنه محتمل للأمرين ومشترك بينهما, وإنما يجب حمله على أحدهما بقرينة ودليل, وأنه لا مدخل للإباحة فيه لما بيناه من قبل, من أن المباح غير مأمور به. وهذا هو الحق الذي به نقول.
стр. 462
باب
ذكر الفصل بين حقيقة الإيجاب والندب
فإن قيل: فما حقيقة الندب والفرق بينه وبين الإيجاب؟
قيل: حقيقة الندب أنه " اقتضاء" الطاعة والانقياد بالفعل مع سقوط اللوم والمأثم بتركه" وبهذا ينفصل من الواجب.
ولا يصح أن يحد الندب" بأنه ما كان فعله خيرا من تركه, من غير ممأثم يلحق بتركه" لأن هذا تحقيق الفعل المندوب إليه دون الندب إليه الذي يفعل تارة ويترك أخرى.
فأما حد الإيجاب وحقيقته فإنه" اقتضاء الطاعة والانقياد بالفعل على وجه يحرم ترك موجبه ومتضمنه, أو تركه وترك البدل منه, أو تركه على وجه ما أو يلحق المأثم على ترك متضمنه على وجه ما."
وإنما قلنا على وجه يحرم تركه أو تركه وترك البدل منه لأجل أنه قد يكون متضمنة الواجب فعله, وبهذا بان من الندب.
وإنما قلنا على وجه ما لأجل أنه قد يكون متضمنة الواجب فعله مستحق العين, كرد الوديعة وصيام يوم بعينه, وصلاة تضيق وقتها, وأمثال ذلك. وقد
стр. 463
يكون موسعاً له ببدل, كالكفارات الثلاث المخير فيها ويكون واسعا وقته كالصلاة في أول الوقت ووسطه التي يسقط عند كثير من الناس تقديم فعلها إلى بدل هو العزم على أدائها فيما بعد إن بقي بشرط من يلزمه التكليف.
وقولنا: أو يلحق المأثم ⦗١٣٤⦘ بترك متضمنه على وجه ما: لأجل أن تارك الفرض الموسع وقته بتركه عند كثير من الناس لا إلى بدل هو العزم أو غيره ولكنه يأثم بتركه على وجه ما, وهو الترك له عند تضييق وقته, والندب مفارق للإيجاب في جميع هذه الوجوه.
وإنما اخترنا أن حد الإيجاب ما قلناه على القول حد الواجب, لأجل أن يكون الواجب هو الفعل اللازم. والإيجاب شيء غيره, وهو صفة الموب له, وقد يكون فعلا له, وقد لا يكون كذلك. والحدود لا يصح استعمال التجوز فيها وإن كنا قد أطلقنا الواجب مكان الإيجاب, وقاله كثير من الناس.
فصل: ويجب متى ثبت ما بيناه أن حقيقة الأمر أنه اقتضاء الفعل على (غير) وجه المسألة أو اقتضاء الطاعة والانقياد به- أن يقال حقيقة الإيجاب والندب
стр. 464
في كونهما اقتضاء للفعل على هـ ٩ ذا الوجه لا تختلف ولا تتزايد, وأنهما يتعلقان بالمأمور على وجه واحد, وإنما يختلفان بأن يكون أحدهما تحريما لترك المأمور به وحظرا له, والآخر غير تحريم لتركه وهو الندب فيختلفان لاختلاف الحكم في تركيهما, فأما في تعلقهما بما هما أمر به فبعيد, لأن تعلق الأمر بالمأمور به يجري مجرى تعلق العلم بالمعلوم, والإدراك بالمدرك, والإرادة بالمراد الواحد, على الوجه الواحد في أن ذلك أجمع تعلق متساو غير مختلف. وقد بينا هذه الجملة في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه إن شاء الله.
стр. 465
باب
القول في أن الندب مأمور به
فإن قال قائل: إنما يصح لكم قسمة الأمر إلى واجب وندب, ووجوب الوقف في المراد متى عري من قرينة الإيجاب والندب إذا ثبت لكم أن الندب مأمور به.
وفي الناس من ينكر ذلك فدلوا على هذا الأصل.
يقال له: الذي يدل على ذلك أمور:
أحدها: إن الأمة متفقة على أن كل ندب من الأفعال من صلاة وصيام وغيرهما فإنه طاعة لله تعالى, وأنه مفارق بكونه طاعة للمباح والمحظور من الأفعال, فلابد أن يكون إنما صار طاعة لتعلق الأمر به, لأنه محال أن يكون إنما كان طاعة لجنسه ونفسه أو صفة من صفات نفسه لصحة وجوده ووجود مثله وما هو من جنسه غير طاعة, ومحال - أيضًا - أن يكون إنما صار طاعة لحدوثه ووجوده, ولا يجوز أن يكون طاعة لكونه مرادًا للمطاع لأنه قد يريد على المباح, وما وقع - أيضًا - من المحظورات, وإن لم يكن طاعة لما قام من الدليل على وجوب كونه تعالى مريدًا لجميع الحوادث من أفعاله وأفعال غيره/ ص ١٣٥ المكلف منهم وغير المكلف, ولا يجوز - أيضًا - أن يكون طاعة لحصول العلم به
стр. 466
والخبر عنه, لأنه قد يشركه في ذلك ما ليس بطاعة من المباح والمحظور ولا يجوز - أيضًا - أن يكون إنما صار طاعة لحصول الثواب وضمانه عليه ووعده تعالى به, لأنه قد ثبت أنه لو أمر بطاعة من الواجبات والنوافل ولم يضمن عليها ثوابًا لوجب أن يكون طاعة إذا وقعت موافقة للأمر, لأن ضمان الثواب منه تعالى على طاعته إنما هو تفضل منه وترغيب في الطاعة, وليس بواجب مستحق عليه, إذا كانت أقل نعمة له سبحانه على المكلفين يستحق بها طاعتهم على وجه العبادة والتعظيم, فثبت أنه ليس من حق الطاعة استحقاق الثواب عليها ولأنه قد يحبط المطيع ثواب طاعته بفعل الكفر والكبائر مما دون الكفر عند المخالفين فلا يخرج بإحباط ثوابها عن أن تكون طاعة, وكذلك فلا يجوز أن تكون المعصية معصية لوقوع العقاب عليها لأنها لو عفي عنها, أو أحبط المكلف عقابها بالتوبة أو ببعض الطاعات المؤقتة عليها لوجب أن تكون معصية وإن لم يكن عليها عقاب, فثبت بذلك أنه لا يجوز أن يكون طاعة وعصيانًا لأجل الثواب والعقاب, ولا يجوز أن يكون طاعة لأجل خبر الله عن كونها طاعة وعلمه بكونها كذلك ودلالته على ذلك من حالها, لأن العلم والخبر الصدق من حقهما أن يتبعا المعلوم والمخبر عنه, فلا يتناولانه إلا على ما هو به, فإذا حصل كذلك صح
стр. 467
تعلق العلم والخبر الصدق بكونه كذلك, ولهذا لم يجز أن يقال إن المحدث إنما صار محدثًا لعلم العالم بحدوثه, لأنه لو لم يكن محدثًا في نفسه لما صح تعلق العلم بحدوثه, ولا كان الخبر عن كونه كذلك صدقًا, ولا صح قيام دليل على كونه محدثًا, وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه إنما كان طاعة لكونه مأمورًا به, إذ لا شيء يمكن ذكره في تعليل كونه طاعة سوى ما قلناه, وهذا هو الذي عليه أهل اللغة.
وكذلك يقال فلان مطاع الأمر ومعصي أمره, ويقولون أمر فأطيع وأمر فعصي, وكذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ فقرن الطاعة بالأمر وقال الشاعر:
ولو كنت ذا أمر مطاع لما بدا توان من المأمور في حال أمرك
ولم يقل أحد منهم فلان مطاع الإرادة ومعصيها, ولا أراد فأطيع, فثبت بذلك أجمع أن الطاعة إنما كانت طاعة لكونها مأمورًا بها.
وإذا ثبت ذلك وجب انقسام الأمر قسمين: واجب ونفل, ووجب الوقف فيه متى ورد عاريًا من دليل الإيجاب ودليل الندب, ولم يكن لأحد أن يقول إنه يجب حمله على الإيجاب لعروه من دليل النفل إلا/ ص ١٢٦ من حيث كان لغيره أن يقول بل يجب حمله على النفل لعروه من دليل الإيجاب, وهذا يوجب أن يكون واجبًا ندبًا, إذا عري من القرينتين, ولا لأحد - أيضًا - أن يقول: إن أهل اللغة وضعوا مجرده ومطلقه إما بلفظ إن كان له صيغة على ما يدعون, أو بكون أمرًا فقط للإيجاب,
стр. 468
وإنما يحمل على الندب بقرينة الأمر حيث كان لخصمه أن يقول بل مجرده, ومطلق كونه أمرًا موضوع في لغتهم لإفادة الندب دون الإيجاب, وإنما يجب حمله على الإيجاب بقرينة, وإذا تكافأت هذه الدعاوى وتقاومت صح ما قلناه من أنه ليس مطلق كونه أمرًا ومجرده موضوعًا لأحد الأمرين, بل هو مشترك فيهما ومتردد بينهما وواجب حمله على أحدهما بما يضامه من القرائن.
ومما يدل على ذلك - أيضًا - ما قد بيناه من أن الندب مأمور به على الحقيقة فلا يجب حمله على إحدى حقيقته إلا بقرينه, كما أنه إذا كانت الطاعة تكون واجبة وتكون ندبًا, والواجب يكون موسعًا ويكون مضيقًا ومستحق العين وذا بدل يسقط إليه, وكان الموجود ينقسم إلى قديم ومحدث لم يجز أن يعلم كون الأمر واجبًا أو ندبًا من حيث كان أمرًا, كما لا يعلم كونه من أحد القسمين بكونه طاعة وقربة, وكما لا يجب حمل القول موجود على القديم في الحقيقة دون المحدث أو المحدث دون القديم, وكذلك سبيل القول في جميع ما جرى هذا المجرى, فوجب بذلك إيقاف كونه واجبًا أو ندبًا على الدليل.
ومما يعتمد عليه في ذلك وفي منع صيغة الأمر والنهي ولفظ وضع للعموم وأمثال هذه الأصول إنه لو كان فائدة مجرد الأمر وموضوعه في اللغة الوجوب دون الندب, أو الندب دون الوجوب لم يخل من أن يكون طريق العلم بكونه مفيدًا لأحد الأمرين العقل أو السمع, وقد اتفق على أنه لا عمل للعقل بضرورته أو دليله في ذلك وأنه ليس مدعي قصة العقل لحمله على أحدهما أولى من مدعي
стр. 469
ضد قوله ونقيضه, فثبت أنه لو كان مفيدًا لذلك لوجب أن لا يفيده إلا بلغة وتواضع على معناه وتوقيف على ذلك, وقد علمنا أنه لا توقيف عنهم فيه, لأن مدعي وضع ذلك في لغتهم إنما يجب علمه به بمعاذرتهم وحضور مواضعتهم أو بالنقل الذي يحج مثله عنهم, إما بأن يكون خبرًا متواترًا يقتضي علم الاضطرار بمخبره لسامعه, أو مدلولًا عليه ببعض أدلة الأخبار من نطق كتاب بتصديق راويه, أو توقيف عن الرسول ﵇ على صدقه بتلقي ذلك عنه أو بخبر عنه يحج مثله ويقطع بصدقه, وذلك غير موجود في روايتهم لهذه الأمور التي يدعونها في الأوامر والنواهي والأخبار والعموم عن أهل اللغة: أو يعلم صدق الخبر عنهم بذلك بإطباق الأمة وإجماعها على تصديق الراوي لذلك عنهم, وهذا - أيضًا - مفقود في خبرهم, أو أن يكون معلومًا عنهم بأن ينقله الآحاد بمحضر أهل اللغة أو فرقة منهم لا يجوز عليهم تصديق كاذب وإقرار لباطل يضاف إليهم, ويدعي عليهم به, هذه جملة ما يدل على ثبوت الخبر وقيام حجته.
وإذا لم يكن مدعي وضع اللغة للعموم وللأمر والنهي أو لإفادة مجرد الأمر للإيجاب أو الندب أو فعل مرة أو التكرار أو الفور أو التراخي قادرًا على إثبات رواية عنهم في ذلك ثبت وجوب الوقف في ذلك أجمع.
فإن قالوا: فهذا الدليل بعينه منقلب عليكم في القول بالوقف لأنكم تدعون أنه في اللغة موقوف وموضوع للوقف, فيجب أن تنقلوا ذلك عنهم نقلًا تقوم به الحجة.
يقال لهم: لسنا نريد بالوقف وقولنا إنه مشترك أن أهل اللغة قالوا إنه موقوف فيجب أن ينقل ذلك عنهم, وإنما نعني بالوقف أن الأمر يكون واجبًا
стр. 470
ويكون ندبًا, وأن أهل اللغة لم يوقفونا على أنه موضوع لأحدهما, ولا يجب أن ينقل عنهم ما لم يضعوه باتفاق, وإنما يجب نقل ما وضعوه, فإذا ثبت أن الأمر يكون واجبًا ويكون ندبًا ولم يثبت عنهم توقيف على أنه موضوع لأحد الأمرين وجب الوقف فيه, وكذلك سبيل القول في العبارة عنه التي هي القول "افعل" إذا علم أنها عبارة عن الأمر وجب الوقف في أنها عبارة عن واجب أو ندب لأنها قد يعبر بها عنهما, وليس عنهم توقيف في أنها موضوعة للتعبير بها عن أحدهما دون الآخر, وإذا كان هذا هو معنى الوقف وجب بطلان المطالبة بنقل وضعهم للوقف.
وقد يجاب عن هذا بأن يقال أن معنى الوقف منقول عنهم, لأنه ليس هو أكثر من استعمالهم اللفظ في الأمرين جميعًا وعدم التوقيف منهم على أنه موضوع في الأصل لأحدهما ومنقول إلى الآخر. كم إنما نقول جميعًا أن قول القائل: رأيت جماعة ونفرًا وفرقة موقوف في لغتهم ومتردد بين الثلاثة وبين ما زاد عليها, وإن كان ذلك غير منقول عنهم يعني الوقف, وليس هو أكثر من استعمال قولهم جماعة وفرقة في الثلاثة وفيما زاد عليها من الأعداد وعدم توقيفهم على أنه موضوع في الأصل لبعض الجماعات, ومنقول إلى غيرها, فقلنا نحن وهم - لأجل ذلك - أنه على الوقف, وهذا بعينه موجود في الأمر الذي في النفس وفي القول "افعل" الذي هو عبارة عنه, وإذا كان ذلك كذلك بطل القول الذي راموه.
وقد يجاب عن هذا القلب - أيضًا - بأن يقال/ ص ١٣٨ قد ثبت إجراء اسم الأمر
стр. 471
في لغتهم على الواجب والندب, واللفظ المدعي للعموم على أما أريد به البعض وأريد به الكل, وإن لم يثبت عنهم رواية ثابتة أنه موضوع لأحدهما بمطلقه فيجب كونه مشتركًا بينهما نحو الاستعمال فيهما, وإبطال دعوة كونه مجازًا في أحدهما, ومع ذلك فلا ينكر أن يكونوا قد وضعوه في الأصل لأحدهما, غير أنه لا حجة في أيدينا عنهم بذلك فيجب الوقف فيه والقضاء على أنه مشترك بينهما, ولو ادعى مدع أن عدم توقيفهم على أنه موضوع بمجرده ومطلقه لأحدهما دون الآخر أوضح دلالة على أنه مشترك بينهما لم يكن مبعدًا, ولذلك وجب أن يقول إن القول "لون" مشترك بين السواد والبياض وسائر الألوان حقيقة, وأن القول موجود مشترك بين القديم والمحدث, والقول عين وبيضة وجارية مشترك - أيضًا - في أصل الوضع بين العين الناظرة والنابعة والذهب خلاف الفضة, وغير ذلك مما يقع عليه هذا الاسم وكذلك القول بيضة لما لم يكن عنهم توقيف ثابت بأنه موضوع في الأصل للخوذة دون بيضة الدجاج والنعام وغيرهما من الحيوان, وأن القول جارية موضوع في الأصل للسفينة الجارية دون الأمة المملوكة, هذا هو الظاهر من حالهم, إذ كانوا إنما وضعوا الأسماء والصفات لإفادة أغراضهم والمعاني التي أوقعوا عليها الأسماء.
فيجب لذلك توقيفهم على أن ما لم يوضع في الأصل مشتركًا فإنما وضعوه
стр. 472
لواحد بعينه ونقلوه إلى غيره أو أنه موضوع بمطلقه لبعضه ومستعمل في غيره بقرينه, وإذا كان ذلك كذلك بان بما وصفناه وجوب القول بالوقف في مجرد الأمر وفي العبارة عنه التي هي القول افعل وفي لفظ الخبر عنه الذي هو القول: "قد أمرتك بالفعل" وهذا واضح لا إشكال فيه.
стр. 473
باب
الكلام على من زعم أن موضوعه في اللغة للندب
دون الإيجاب
زعم كثير من المتكلمين ودهماؤهم المعتزلة أنه على الندب وقاله قوم من الفقهاء.
وقد ذكرنا من قبل أن من أصحاب الشافعي من قد حكاه مذهبًا له
فيقال لمن قال منهم بذلك لم قلته؟
فإن قالوا: لأنه أقل ما يجب حمله عليه, ويصرفه إليه, ثم كونه أمرًا لأنه موضوع لاقتضاء الفعل, والدلالة على كونه مرادًا للأمر، وقد علم أن الواجب ما لحق الوعيد والذم, بتركه على وجه ما, وذلك لا يجب في المأمور به بنفس الأمر لأن الندب مأمور به, ولا يلحق المأثم بتركه على وجه ما, وكذلك فلا يجب حمل الأمر على الوجوب لكونه دالًا على إرادة المأمور به, لأن النفل مراد من فاعله, ولا يلحق المأثم بتركه على/ ص ١٢٩ وجه ولا تدل الإرادة له على وجوبه, وإنما يصير متعلق الأمر واجبًا إذا قارنه وعيد على تركه وتحريم الانصراف عنه, وليس لفظ الأمر بالفعل وعيد على تركه, ولا هو مقتض له من حيث كان أمرًا بالفعل, ولا من حيث دل على إرادته فوجب حمله على الندب ...
стр. 474
يقال لهم: ليس هذا الاستدلال منكم ينقل عن أهل اللغة أنهم وضعوا مجرد الأمر للندب إلى المأمور به, وإنما هو استدلال يجب أن ينظر فيه, واللغة مواضعة وتوقيف لا تثبت بالقياس والاستدلال, وفي كونه لغة وقع الخلاف ولا سبيل لكم إلى تصحيح ذلك.
ثم يقال لهم: أنتم وإن أنكرتم أن يكون القديم تعالى أمرًا بالمباح مع حسنه لوجه أوجب ذلك عليه, وهو أنه لا غرض في إرادته لنفع إليه سبحانه, وليس من مصالح المكلفين وألطافهم فيأمرهم به فإنكم لا تنكرون أن يقول القائل منا لغيره افعل كذا وكذا فقد أبحتك الفعل ويريده منه مع القول افعل لغرض ينتفع به الأمر, ويرجع إلى مصلحته, وإذا كان ذلك كذلك فقد صح أن يأمر الآمر منا بالمباح ويريده لهذا الغرض وإن امتنع ذلك في الله , وإذا كان ذلك كذلك ثبت أن الأمر منا ومن أهل اللغة قد يكون على قولكم إباحة, وقد يكون ندبًا ويكون إيجابًا, ومتى ثبت ذلك وجاز حمله على الإباحة وإرادة المبيح له, كما جاز في كونه أمرًا وجب بنفس اعتلالكم أن يكون أقل أحواله حمله على الإباحة وإرادة المبيح له, وأما الندب إليه والإثابة على فعله فليس في لفظه, ولا في كونه مرادًا فيجب لذلك حمله على الإباحة دون ما قلتم.
فإن قالوا: يجوز ذلك في الآمر منا لجواز إرادته المباح لغرض من منافعه
стр. 475
يجري إليه ولا يجوز ذلك من الله تعالى, لأنه لا ينتفع بالمباح ولا هو من مصالح المكلفين, ولا مما يثاب عليه, ولا وجه لإرادته له وأمره به.
يقال لهم: ليس الكلام في موجب الأمر ومضمونه في حكم الشرع وصفة القديم, وما يجوز عليه ويستحيل في صفته, وإنما الكلام في مقتضاه في وضع اللسان, فأنتم بهذا الفصل قد سلمتم أنه ليس مقتضى الأمر في ذلك أن يحمله على الندب أو الإيجاب, وإنما يجب ذلك في أوامر الشرع بما قلتم من الاستدلال بزعمكم, فهذا تسليم منكم, لما قلناه في حكم اللغة.
ويقال لهم: إذا كان من قولكم أن المباح من أفعالنا حسن, وجاز وصح أن يفعل الفاعل الحسن لحسنه صح وجاز من الله ومن غيره أن يأمر بالمباح الحسن لحسنه لا لنفع يعود إليه, أو إلى المكلف, وإذا كان ذلك كذلك سقط ما قلتم.
ويقال لهم - أيضًا: يجب على اعتلالكم هذا حمل لفظ العموم الذي تدعونه / ص ١٤٠ موضوعًا للاستغراق على أقل الجمع لأنه يستقل بحمله عليه, فإن لم يجب هذا مع استقلاله بحمله عليه لم يجب حمل الأمر على الندب وإن كان مستقلًا بحمله عليه.
стр. 476
ويقال لهم - أيضًا - إذا لم يجب حمل مطلق الأمر على الوجوب, لأنه ليس في لفظه تحريم تركه والوعيد عليه لم يجب - أيضًا - حمله على الندب, لأنه ليس في لفظه ومعنى كونه أمرًا تحليل تركه وجوازه, فإن وجب حمله على الندب - وإن كانت هذه حالة - فما أنكرتم من وجوب حمله على الإباحة والوجوب, وإن لم يكن إطلاق تركه أو تحريم تركه مسموعًا من لفظه ومنطوقًا به؟ ولا جوب عن ذلك.
وإن قال منهم قائل: إذا أطلق الأمر فقد دلنا على حسن المأمور به وكونه مرادًا, وعلمنا بعروه مما يقتضيه تحريم ترك الفعل أنه ليس بحرام تركه, لأنه لو حرم لكان مفسدة قبيحًا, ولوجب أن يدلنا على ذلك من حال تركه بشيء يزيد على أمره به وإرادته له.
يقال لهم: انفصلوا ممن قال لكم وإذا أمر بالفعل فقد دلنا على حسنه, وعلى أنه مراد, وعلى أن تركه مكروه قبيح, لأنه لو علم أنه ليس بمكروه قبيح لدلنا على ذلك من حاله وأطلقه لنا, ونحن لا نعلم إطلاق ترك الفعل لكونه مرادًا حسنًا مأمورًا به, لأن هذه حال الواجب وإن لم يحل ويحسن تركه, وإذا كان ذلك كذلك كان تجريده للأمر, إذا لم يدل على إباحة ترك المأمور به دليلًا على تحريم تركه فوجب حمله على الوجوب, ولا جواب عن ذلك.
فإن قالوا: ترك العبادة الشرعية معلوم إباحته بالعقل وإذا ورد الأمر به دل على حسنه وكونه مرادًا ولم يحتج إلى التوقيف على إباحة تركه لأنه معلوم بالعقل قبل السمع, وإنما يحتاج تحريم تركه إلى سمع لأنه متجدد ومخالف لحكم العقل.
стр. 477
يقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما قلتم, لأننا قد بينا فيما سلف أن الإباحة سمعية غير عقلية, وأنها حكم متجدد مستفاد بالشرع, ويكفيهم في هذا أن يقولوا بدل قولهم أن تركه مباح في العقل أن يقولوا هو غير محظور ولا حرام في العقل, فهو عند ورود السمع باق على ما كان عليه.
وجواب هذا إذا قالوه أن يقال لهم: إنما يعلم بالعقل أنه غير محرم تركه ما لم يرد الأمر بفعله, وأما إذا ورد الأمر به تغيرت حاله, ولم يعلم عند وروده أن تركه باق على ما كان عليه لجواز أن يكون الأمر الوارد به أمرًا على وجه يحرم معه تركه وأن يرد به على وجه يبقى حكم تركه على حكم العقل سيما وقد قال أكثر الناس أن مجرد الأمر به إذا ورد أفاد ونقل حكم تركه عن حكم العقل وجعله/ ص ٤١ محظورًا وجعل فاعله ملومًا, وقلتم أنتم تركه مع ورود مجرد الأمر به باق على حكم العقل, وقلنا نحن وهو الصحيح لا يعرف بورود مجرد الأمر به حال تركه وأنه باق على حكم العقل ولم ينقل عنه, وهذا الخلاف كله زائل قبل ورود الأمر, فليس هذا مما يصح استصحاب الحال فيه مع ورود الأمر المجوز لتغير حكم تركه وحصول الخلاف فيه عند وروده وإذا كان ذلك كذلك بطل ما انفصلوا عنه.
واستدلوا - أيضًا - على أن الأمر على الندب بأن تأكيد اللفظ لفق معناه وطبقه, وقد يقول القائل افعل فقد ندبتك إلى الفعل وأرشدتك, فوجب أن يكون مراد الآمر ما أفاده تأكيده له.
стр. 478
يقال لهم: قد أبعدتم في هذا لأن قوله ندبتك وأرشدتك ليس بتأكيد لقوله "افعل" أو قد أمرتك, ولكنه بيان وتفسير للوجه الذي أمره عليه وكان أمره محتملًا قبل التفسير لغير ما بينه وفسره فلم زعمتم أنه تأكيد؟
ويقال لهم: انفصلوا من القائلين بالوجوب إذا اعتلوا لذلك بنفس علتكم هذه, وقالوا تأكيد اللفظ طبقه ولفق معناه, وقد يقول القائل "افعل" فقد ألزمتك وأوجبت عليك وحتمت وفرضت وكتبت فيجب أن يكون معنى الأمر إفادة الوجوب, كما أن إتباعه وتأكيده مفيد للوجوب, ولا فصل في ذلك إلا بما قلناه من أنه بيان وليس بتأكيد.
فصل: واستدلوا - أيضًا - على ذلك بأن للوجوب ألفاظًا تخصه نحو القول: أوجبت وحتمت وألزمت وفرضت فإذا لم يرد الأمر بهذا اللفظ وجب حمله على الندب.
يقال لهم: انفصلوا ممن قال: بل موضوعه إفادة الوجوب لأن للندب ألفاظًا تختص به, نحو القول قد ندبتك وأرشدتك ورغبتك, فإذا لم يرد الأمر بهذا اللفظ, أو معه هذا اللفظ ونحوه وجب حمله على الإيجاب دون الندب, ولا مخرج من ذلك.
فصل: وقد زعم فريق من القائلين بأن موجب الأمر ومقتضاه الندب دون الإيجاب إنه إنما وجب ذلك فيه لدليل السمع دون قضية العقل واللغة, وهذا تسليم منهم, لما قلناه من حكم اللغة إلى أن ينظر فيما يتعلق به من جهة السمع.
стр. 479
وقد استدلوا على ذلك بقوله ﵇ "ما أمرتكم من أمر فأتوا منه ما استطعتم, وإذا نهيتكم فانتهوا" قالوا: تعلق الأمر بمشيئتنا واستطاعتنا وألزمنا الانتهاء عما نهى فوجب حمل النهي على الوجوب دون الأمر.
والتعلق بهذا - أيضًا - غير صحيح من وجوه:/ ص ١٤٢
أولها: إنه من أخبار الآحاد, ولا يعمل في مثل هذا الباب بأخبار الآحاد, لأنها غير معلوم صحتها.
والوجه الآخر: إن قوله ﵇: "فأتوا منه ما استطعتم" ليس في ظاهره جعل الفعل إلى اختيارهم ومشيئتهم وتحليل تركه لهم, وإنما فيه إنني آمركم به إذا كنتم, وعلى أي وجه أمرهم به عند الاستطاعة ليس في ظاهره.
وقد يأمرنا بالفعل الذي نستطيعه على سبيل الوجوب, كما يأمرنا به على وجه الندب, قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ولم يرد بذلك ندبه إلى التقوى دون الإيجاب له, وإنما معنى الآية والخبر أن اتقوه ما دمتم سالمين غير عجزة, بل قادرين على الفعل أو تركه, ولم يرد إثبات استطاعة
стр. 480
البدن للمأمور به, وأن لا يؤمر إلا من وجدت قدرته على الفعل على ما يقوله القدرية وكذلك قوله: "إذا نهيتكم فانتهوا" ليس في ظاهره أكثر من أمرنا بأن ننتهي عما نهانا عنه, وهل قوله: انتهوا على الوجوب أو الندب فهو الذي فيه اختلفنا, وإذا كان كذلك سقط التعلق بالخبر.
فإن قال قائل: فهل يجوز تأخير بيان الأمر وإن كان على الفور؟
قيل له: لا, وإنما يجوز تأخير بيانه والكشف عن أنه على الوجوب أو الندب, إذا كان واردًا على التراخي, فأما إذا كان على الفور فلا يجوز تأخير بيانه لما نذكره من بعد في أحكام تأخير البيان.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن يقال: إن الأمر الوارد على سبيل الندب يكون على الفور دون التراخي؟
قيل: أجل, لأنه قد يصح أن يندبنا إلى الفعل عقيب أمره, كما يصح أن يندبنا إليه على التراخي, ونحن نبين ذلك فيما بعد إن شاء الله.
فصل: فأما ما يقتضيه كلام الشافعي ﵀ في حكم مطلق الأمر في
стр. 481
الشرع إذا ورد فهو قوله بالوقف الذي يذهب إليه, وأكثر أصحابه تقول مذهبه حمله على الوجوب, وفريق منهم يقول حمله على الندب, وقد أورد ﵀ في ذلك ألفاظًا مختلفة فكان إذا ذكر الأمر الوارد بعد الحظر يريد بذكر الأمر هنا الإباحة, وهو القول "افعل" الذي يعبرون عنه بالأمر, قال: أباح الله كذا بعد أن حظره وقال جل أصحابه: الأمر الوارد بعد الحظر عنده على الإباحة.
وإذا ذكر أصول الشرائع والأمر بها قال: فرض الله على نبيه وأمته كذا وكذا من صلاة وحج وصيام وأمثال ذلك, وإذا ذكر الأمر في الفروع التي تحل محل ما لا يجوز خلافه من الأصول قال: أوجب الله تعالى كذا وكذا, وقد يقول: ندب الله إلى كذا وكذا وأرشد إليه فهذه إطلاقاته.
والأولى به عندنا أن يقول: فرض الله وأوجب في الأوامر التي دل الدليل على أنها على الوجوب لا بكونها أوامر فقط, ويقول: ندب وأرشد فيما دل الدليل على أنه على الندب, لا من حيث هو أمر, والذي نص عليه في كتاب "أحكام القرآن" أن قال: "إن الأمر من الله يحتمل أن يكون ندبًا ويحتمل أن يكون واجبًا" وقال في هذا الكتاب: "إن نهي الله تعالى على الإيجاب والتحريم"
стр. 482
وفرق بين أمره تعالى ونهيه في هذا الكتاب, فقال في باب تزويج الولي للأيم: "إن الذي لأجله أوجبنا على الولي تزويج الأيم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لأنه نهاه عن العضل, لا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ وأن مثل ذلك لما لم يوجد في إنكاح العبيد لم يبن لي وجوب إنكاحهم" يعني أنه لما لم يقل في تزويج العبيد ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ولا ما يقوم مقام ذلك, ولم يكن معنا في أمرهم إلا قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وكان هذا أمرًا بإنكاح العبيد, وهو محتمل للندب ومحتمل للإيجاب لم يتبين له بنفس الأمر بذلك أنه على الوجوب, وظهر له وجوب إنكاح الحرائر بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لأن النهي زعم على التحريم والوجوب, فهذا نص منه على احتمال مطلق الأمر للوجوب والندب وأنه لا يتبين له بذلك أنه على أحد الوجهين, وهذا هو القول بالوقف.
فصل: وأما قوله: إن النهي على التحريم والإيجاب فقد قاله كثير من الناس وعليه جميع المعتزلة, غير أنه ﵀ لم يقصد بذلك موافقة المعتزلة وأنه لا ينهي إلا عن قبيح قبل النهي عنه, وعما هو كاره له, ولا يأمر إلا بحسن قبل
стр. 483
الأمر به وبما هو مريد له وإنما قال بذلك لأنه عنده موجب اللغة ومقتضاها وأن من فعل ما نهي عنه فقد استحق اسم العصيان, وأمثال هذا, فثبت أن الأشبه بقوله ما نذهب إليه من صحة الوقف.
стр. 484
باب
الكلام على من قال بوجوب حمل مجرد الأمر
على الوجوب دون الندب
وقد اختلف القائلون بذلك في جهة حمله على الوجوب.
فقال كثير منهم: ذلك موجبه ومقتضاه في وضع اللغة.
وقال آخرون: بل يجب ذلك في أوامر الشرع وغيرها بدليل العقل.
وهذان القولان خطأ من القائل بهما.
وقال آخرون منهم: إنما يجب حمل أوامر الشرع على الوجوب بدليل السمع دون قضية اللغة والعقل, لأن السمع جعل الأصل فيها الوجوب إلا ما قام دليله.
واعلموا أن كل دليل استدللنا به على وجوب القول بالوقف, فإنه دليل على
стр. 485
بطلان قول من حمل مجرده على الوجوب أو الندب من جهة وضع اللسان ودليل العقل, وقد بينا ذلك فيما سلف, وكذلك كل دليل استدللنا به على بطلان قول من زعم أن موجب مجرده حمله على الندب في وضع اللغة فهو بعينه دليل على إبطال قول من زعم أن موجبه الوجوب بين عند التأمل, فلا حاجه بنا إلى رده.
ومما يدل - أيضًا - على فساد قول الفريقين أنه لو كان مطلق الأمر موضوعًا في اللغة لأحدهما لكان إذا صرفه الدليل إلى غير ما هو موضوع له جعله مجازًا فيما نقله إليه لأننا قد بينا في أصول القول في الحقيقة والمجاز أن كل قول وضع مطلقه لإفادة معنى, ونقله الدليل إلى غيره فإنه مجاز فيما يحمل عليه بقرينته, وبينا أنه لا يجوز أن يكون للقول حقيقتان: إحداهما تستفاد بإطلاقه والأخرى بقرينته, وأن ذلك يؤدي إلى إسقاط المجاز جملة من الكلام. وبينا أن المجاز ثابت لا يمكن إبطاله, فإذا ثبت ذلك وجب أنه لو كان مطلق الأمر في اللغة موضوعًا للندب أن يصير في الإيجاب مجازًا إذا صرفه الدليل إليه, وكذلك لو كان موضوعه مفيدًا للوجوب لوجب أن يكون في الندب مجازًا إذا صرفه الدليل إليه, فلما ثبت أن الأمر على وجه الندب أمر على الحقيقة دون المجاز بما بيناه من قبل, واتفقوا - أيضًا - على أن الأمر الواجب على الحقيقة دون المجاز بطل أن يكون ظاهره ومجرده موضوعًا في اللغة لأحدهما, وليس يجوز لذي تحصيل أن يقول إن الندب مأمور به على الحقيقة والآمر أمر به على المجاز, لأن ذلك يؤدي إلى أن النفل مأمور به في المجاز, وأنه طاعة وقربة في المجاز دون الحقيقة, وقد بينا بطلان هذا آنفًا فسقط القول بذلك.
ويدل على صحة ما قلناه - أيضًا - اتفاق الكل على حسن الاستفهام عن معنى الأمر, إذا ورد, وهل هو على الوجوب أو الندب, ولم [؟ ولو] لم يصح استعمال مجرده في كل واحد منهما لقبح الاستفهام عن أنه على الوجوب أو الندب لأنه لا
стр. 486
يحسن أن يستفهم هل أريد باللفظ ما لا يصلح إجراؤه عليه وتناول له, وكذلك مما لا يحسن إذا قال القائل: رأيت إنسانًا أن يقال له: هل رأيت من له هذه البنية أو حمارًا؟ ويحسن أن يقال له: ذكرًا رأيت أم أنثى لصلاح وقوعه عليهما, وقد ثبت قبح الاستفهام مع القرائن الدالة على المراد بالمحتمل من اللفظ, وإنما يسوغ الاستفهام مع التباس الحال وعدم القرائن الكاشفة عن المراد فثبت وجوب تردد مجرد الأمر بين الواجب والندب.
ذكر الكلام على شبه من قال إنه على الوجوب في وضع اللسان وقد استدلوا جميعًا على ذلك بأن المأمور في اللغة والشرع جميعًا يفهم من مطلق الأمر وجوب المأمور به, ولذلك حسن ذمه وعقابه ووصفه بالعصيان/ ص ١٤٥ إذا تخلف عن امتثال موجبه, ولن يجوز الذم والعقاب والوصف بالعصيان إلا بالتأخر عن واجب لازم, قالوا: ولذلك فهمت الأمة والملائكة وجوب الإيمان بالله تعالى والصلوات وجميع العبادات المفروضة بنفس الأمر بذلك, وفهمت الملائكة وجوب السجود لآدم بمجرد قوله ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، وفهمت الرعية وجوب ما يأمر به سلطانها, وفهم العبد وجوب أمر سيده, والولد لزوم أمر والده, ووجب ذم كل مأمور ممن ذكرنا عند تركه امتثال ما أمر به, فثبت بذلك أن مفهوم الأمر في اللغة الوجوب.
стр. 487
يقال لهم: ما ذكرتموه نفس الدعوى وحكاية المذهب فقط, فدلوا عليه إن كنتم قادرين, فإننا غير مسلمين لشيء مما وصفتم, وما يفهم أهل اللغة والشرع وجوب أمر الآمر بمطلقه, ولا يستحق عندهم على أحد من المأمورين في اللغة والشرع ذمًا ولا عقابًا ولا وصفًا بالعصيان بترك مجرد الأمر, وإنما يستحق ذلك عليه, إذا علم أن أمره على الوجوب المضيق, فدلوا على هذه الدعوى, ولسنا ننكر أن يفهم المأمور وجوب الأمر بعادة وأسباب يخرج عليها الخطاب, وعهد بين الآمر والمأمور, وأسباب تقترن بالخطاب يعلمها المشاهد لها عند مشاهدته, وليس مما يمكن تحديدها بالذكر والوصف, وإنما يعلمها المشاهد لها على قدر مشاهدته.
فأما اعتمادهم على وجوب تسمية مخالف موجب الأمر, عاصيًا, وأنه اسم ذم, ولا يستحق الذم إلا على ترك واجب, فإنه - أيضًا - دعوى باطلة, لأنهم لا يسمون مخالف الأمر عاصيًا حتى يعلموا أنه خالف أمرًا واجبًا لازمًا بما يقارنه من الأدلة, فأما بمخالفة مجردة فلا, وكذلك لم يصفوا تارك الندب بأنه عاص لما لم يكن الأمر به على الوجوب, فبطل ما قالوه.
وشيء آخر وهو أن وصف العاصي بأنه عاص لا يفيد في وضع اللغة الذم, وإنما يفيد مخالفة الأمر والمشورة فقط, وأن [؟ وأما أن] عصيان الأمر والرأي يستحق عليه العقاب أم لا؟ موقوف على دليله, ولذلك قالوا أشرت عليك فعصيتني, فيطلقون اسم العصيان في اللغة على مخالفة المشورة والرأي, وإن لم يكن المشير موجبًا ولا ملزمًا, فبطل ما قالوه.
стр. 488
شبهة لهم أخرى: قالوا: ويدل على ذلك أنه لو لم يكن القول "افعل" وموضوع الأمر والخبر عن الأمر مفيدًا للوجوب لم يكن للوجوب لفظ يخصه وينبئ عنه, وذلك باطل/ ص ١٤٦ لأنه مما يهجس في نفوس أهل اللغة, ولهم حاجة إلى ذكره والإخبار عنه, فلم يكن بد من وضع لفظ له.
يقال لهم: هذا استدلال على وضعهم للإيجاب لفظًا, واللغة لا تثبت بدليل ويمكن أن يكونوا قد فرطوا في وضع لفظ لذلك, فلا حجة فيما قلتم.
ويقال لهم: ولو لم يكن موضوع الأمر وفائدته الندب لم يكن له في اللغة لفظ ينبئ عنه, وذلك تفريط منهم, فوجب حمله على الندب.
فإن قالوا: له لفظ هو القول ندبتك وأرشدتك ورغبتك ونحوه.
قيل: وللوجوب لفظ هو قوله فرضت عليك وأوجبت وحتمت وألزمت وكتبت, ونحو ذلك, فسقط ما عولتم عليه.
فصل: وقد قلنا من قبل أن هذه الأقاويل إنما هي بصيغة الإخبار عن الأمر والندب والإيجاب وفصلنا ذلك, واعلموا - وفقكم الله - أنه قد وضع لفظ الخبر عن إيقاع الشيء في الشرع مقام لفظ يفيد إيقاعه, وإن لم يوجد في اللغة لفظ يفيد إيقاعه وليس بصيغة الخبر عن إيقاعه, وكل ما يقع به البيع والشراء والإجارة والحل والعقد والطلاق والعتاق, فإنما هو في الشرع بلفظ الخبر عن وقوعه غير خارج عن ذلك, يبين هذا أن قول البائع والمشتري قد بعتك وقد اشتريت إنما هو لفظ الخبر عن البيع والشراء وقول يمكن أن يدخله الصدق
стр. 489
والكذب, وكذلك القول قد أجرتك وقد استأجرت منك, والقول قد زوجتك, وقد قبلت منك, والقول سالم حر وهو عتيق وقد أعتقتك إنما هو بلفظ الخبر عن العتق, وكذلك أنت طالق وقد طلقتك لفظ الخبر وإن كان مفيدًا للإيقاع, وليس يجوز أن يكون لفظ الخبر قائمًا مقام لفظ لو وضع للإيقاع إلا بأن يصدر ممن يملك الإيقاع ويصح منه أو من يقوم مقام مالك ذلك من الوكلاء والأولياء.
وكذلك ما لو قال قائل عبد زيد حر وعتيق وامرأة عمرو طالق لم يكن ذلك مفيدًا للإيقاع لصدوره عن غير مالك, وكذلك يجب أن لا يكون الخبر عن الأمر والإيجاب والندب مفيدًا لحصول الإيجاب والندب إلا أن يصدر عن من له الإيجاب والندب ويستحق أن يعبد بالطاعة وهو الله تعالى دون كل أحد من الخلق, وكل من يقول إنه واجب الطاعة منهم, فإنما يعني به وجوب الطاعة لله وطاعة النبي ﵇ والإمام والسيد والوالد إنما هي طاعة لله تعالى, ولولا أمره لنا بالتزام ذلك من أمثالنا لم يجب علينا طاعة أحد من جهة العقل, وإنما حظ كل واحد ممن ذكرنا إخباره عن إيجاب الله ذلك علينا له, وكذلك سبيل أمره للملائكة بالسجود لآدم ﵇, فوجب بهذه الجملة أن يكون إخبار الله عن إيقاع هذه الأمور هو المؤثر في إيجاب الفعل وحظره وما يثبت من أحكامه الشرعية.
شبهة لهم أخرى:
واستدل بعضهم على ذلك بأن الأمر يوجب حصر المأمور على/ ص ١٤٧ ذلك الشيء وقصره عليه دون تركه, وذلك يوجب منعه من الدخول فيما يخرجه عنه, والمنع له من ذلك يوجب دخوله فيه.
стр. 490
يقال لهم: إن عنيتم بحصر المأمور على الفعل أن الآمر آمر للمأمور وحده, وبالفعل وحده دون غيرهما, فكذلك هو لأنه لا يعقل من الأمر لزيد الأمر لعمرو, ولا من الأمر بالفعل الأمر بغيره وخلافه, وإن عنيتم بذلك أنه يوجب حتمه وإلزامه له بالفعل فذلك باطل, لأن أعظم الخلاف فيه, وكأنكم قد عدلتم عن قولكم, هو على الوجوب إلى القول إن المأمور مقصور على الأمر له به, ولا فائدة في النزاع في العبارات.
علة لهم أخرى:
واعتلوا لذلك - أيضًا - من جهة قضية العقل بأن قالوا: الذي يدل على ذلك أنه لا يخلو مجرد الأمر من أن يكون مفيدًا للإيجاب له أو الامتناع والكف عنه أو التخيير بين فعله وتركه, قالوا: وقد اتفق على أنه لا يجوز أن يكون معقوله الكف عن الفعل والترك له, ولا على التخيير بين فعله وتركه, وقد دخل في التخيير بينه وبين تركه الإباحة له والندب إليه, لأن المباح والمندوب إليه مخير في فعلهما وتركهما فلم يبق بعد ذلك إلا إفادته للإيجاب.
يقال للمعتل: بهذا قد أحللتم بما نقوله, وقد كان يجب أن تبدؤوا بذكره, لأننا نقول لم يوضع لإفادة الإيجاب ولا لإفادة الندب ولا للتخيير بين فعله وتركه, بل لم يوضع لإفادة شيء من ذلك بمجرده، بل الأمر مشترك بين الواجب والندب، والمأمور به واجبا كان أو ندبا غير مخير في فعله وتركه فوجب أنه لم يوضع بمجرده لشيء مما قلتم وإنما هو مشترك بين الواجب والندب, فبطل ما قلتم به.
стр. 491
علة (لهم) أخرى:
واعتلوا لذلك - أيضًا - بأن قالوا: لما كان مفهوم النهي عن الشيء تحريم الإقدام عليه, وجب أن يكون الأمر بالشيء وجوب فعله والإقدام عليه, وهذا خطأ لأن الأمر والنهي عندنا في ذلك سيان ونستدل على ذلك من بعد, وإذا بطل هذا فسد ما بنوا عليه.
فصل: ذكر الكلام على من يزعم منهم أنه إنما يجب حمل أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﵇ على الوجوب من جهة السمع دون قضية اللغة وحجة العقل.
وهذه الفرقة قد وافقت على أن ذلك ليس من موجب اللغة وقضية العقل, وإنما يجب سمعًا, ولا خلاف بين الأمة في أن السمع متى قرر حمل الأمر على أحد الوجهين وجب القول به, غير أنه لم يرد بذلك, ونحن نبين ما يعتلون به ونعترضه.
وقد استدلوا على ذلك من جهة السمع بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ , وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ولا تعلق لهم في ذلك, لأن قوله: أطيعوا الله, أمر لهم بفعل الطاعة وهو محتمل للوجوب والندب, فمن أين يجب حمله على أحد الوجهين, وفي ذلك وقع النزاع, والمتعلق بهذا متعد, لأنه يستدل على وجوب حمل أوامر الشرع على
стр. 492
الوجوب ببعضها, ولو سلم ذلك في البعض لسلم في الكل.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ فليس في ظاهره أكثر من أنهم إن تولوا فعليه ما حمل, وهل الذي تولوا عن أمثاله واجب أو ندب ليس في الظاهر, وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ إنما هو خبر عن وجوب ما يجب علينا وعليه, وأننا محملون له, وهل نحن محملون له بنفس الأمر ومجرده, أو بشيء يقترن به موقوف على الدليل, وأن جعل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وعيدًا وإرهابًا وتهديدًا صار لمعنى قوله إنكم إن توليتم عن تصديقه والإيمان بنبوته فعليه ما حمل من بلاغكم وعليكم ما حملتم من تصديقه وكأن الآية وردت في الأمر بالإيمان بالله تعالى وبرسوله ﵇, ولا أحد يقول إن ذلك ليس على الوجوب, ولكنه لم يجب لموضع الأمر به, لكن لما قارنه من التوقيف على وجوبه, ويبين ذلك أن من ترك بعض أوامر الشرع من الواجب والندب مع الإيمان بالله تعالى والتصديق بها لا يوصف بأنه متول ومعرض عن الرسول ﵇ بل لا يوصف بذلك إلا المكذب له والجاحد لنبوته, وإذا كان ذلك كذلك كان ذكر التولي على وجه التهديد والوعيد قرينة في جعل الطاعة في الإقرار بنبوته وما جاء به على الوجوب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ فهو - أيضًا - أحد القرائن في أنه أراد الطاعة في الإيمان به, وبما جاء به الذي يكونون بفعله مهتدين وعن
стр. 493
الضلال خارجين. ويمكن - أيضًا - أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ليس فيه دلالة على وجوب الطاعة التي يهتدى بها من حيث هي طاعة, لأن مطيعه في النوافل من العبادات مهتد بتصديقها, ومهتد إلى الثواب وطريق الجنة, وإن لم يكن ما فعله واجبًا, فبطل تعلقهم بالظاهر.
واستدلوا - أيضًا - بقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقالوا قد اتفق على وجوب الرد إلى ذلك عند التنازع.
يقال لهم: لا تعلق لكم - أيضًا - في هذا الظاهر, لأن قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أمر بالرد, وهو محتمل للإيجاب والندب, وكيف يدل على وجوب حمل جميع الأوامر على الوجوب, وهو واحد منها, والخلاف فيه كهو في غيره, وإنما ثبت وجوب الرد إلى الله والرسول عند التنازع بالإجماع والتوقيف وأشياء تزيد على الأمر به فذلك ما قالوه وبطل التعلق بالظاهر.
وأما قوله تعالى عقب ذلك ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فليس في ظاهره أننا لا نرد إليه إلا ما وجب في دينه, بل نرد إليه وإلى الرسول والعلماء ما اختلف في أنه ندب أم لا, كما نرد الاختلاف في الواجب.
واستدلوا - أيضًا - على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قالوا: فوجب بهذا الأمر والوعيد حمل أمره على الوجوب.
стр. 494
فيقال لهم: هذا تسليم منكم أن مجرد أمره لا يجب حمله على الوجوب من حيث هو أمر, وإنما يجب ذلك باقتران الوعيد به.
ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون المراد بهذا الأمر بالدخول في دينه والتصديق له لأنه قال تعالى: ﴿أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وذلك تهديد على مخالفته في ترك دينه, ونحن لا ننكر أن يكون من أوامره ما يجب الوعيد على ترك امتثاله, فمن أين لنا أن جميع أوامره كذلك.
ومما يدل على أنه إنما عني بذلك الواجب من أوامره دون جميعها إجماع الأمة على أن من خالف الندب من أوامره لا تصيبه فتنة, ولا عذاب أليم, ولا شيء من المأثم وإن كان مخالفة لأمره, فدل ذلك على ما قلناه.
ثم يقال لهم: إن الوعيد إنما يجب على مخالفته وينبئ عن لزوم موافقته, ونفس الموافقة لأمره لا تنبئ عن أن أمره واجب أو ندب, فكأنه قال وافقوه على أوامره, وقد يوافقه على أوامره الواجب منها تارة وعلى الندب أخرى وليس تصح الموافقة إلا بأن يفعل الفعل على الوجه الذي أمرنا به, فإذا علمنا أن من أوامره الواجب, ومنها الندب لم يجز أن نقدم عند صدور مجرد أمره لنا على فعل موجبه على وجه الندب أو الإيجاب, لأننا لا نعلم على أي وجه أمرنا به, فإن كان أمرنا به على سبيل الإيجاب ففعلناه ندبًا لم نكن موافقين له ولا متبعين له, وكذلك إذا أمرنا به ندبًا ففعلناه على سبيل الوجوب كنا له بذلك مخالفين غير متبعين لأمره فيجب لا محالة التوقف في مجرد أمره على بيان الوجه الذي صدر عليه لتصح لنا موافقته, وبطل التعلق بالظاهر.
стр. 495
ويقال لهم: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كناية عن الواحد لا عن الاثنين, وأنتم توجبون حمل أوامر الله سبحانه وأوامر رسوله ﵇ على الإيجاب وهو خلاف الظاهر.
فإن قالوا: لم تفرق الأمة بين أمريهما.
يقال لهم: فليس في هذا تعلق بالظاهر, وإنما هو تعلق بالإجماع على أنه ليس الأمر على ما ادعوه, لأن كثيرًا من الناس يحمل أوامر الله سبحانه على الندب والقضاء بحسن المأمور به وإرادته فقط, ويزعم أن أوامر الرسول عله السلام على الوجوب لموضع الوعيد الذي تلوتموه على مخالفته, فزال ما ادعيتم.
ويقال لهم أيضًا: قوله (فاتبعوه) أمر, وهو محتمل للواجب والندب, فكيف يستدل به على وجوب سائر الأوامر, وهو أحدها.
ويقال لهم أيضًا: قد زعم قوم أن قوله سبحانه ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ تهديد لهم بركوب الضلال في مخالفته, وذلك لا يكون إلا بترك واجب من إتباعه, وليس يجب ذلك - أيضًا, في ترك كل واجب, لأنه لا يوصف بالضلال والخروج عن الهداية إلا كافر, ولا يوصف بذلك تارك صلاة ولا صيام من أهل الملة فبان بذلك أن هذا الأمر أمر بالإتباع له على جملة الدين وتصديقه فيه.
وإن حمل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ على وجه الترغيب في طاعته, والاهتداء بها إلى ثوابه وجنته لم ينبئ ذلك عن وجوب ما يهتدي به إلى الثواب, لأنه قد يكون واجبًا تارة وندبًا أخرى فسقط ما قالوه, على أن الإتباع له إنما هو امتثال
следующие страницы →