← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

علة (لهم) أخرى: واعتلوا لذلك - أيضًا - بأن قالوا: لما كان مفهوم النهي عن الشيء تحريم الإقدام عليه, وجب أن يكون الأمر بالشيء وجوب فعله والإقدام عليه, وهذا خطأ لأن الأمر والنهي عندنا في ذلك سيان ونستدل على ذلك من بعد, وإذا بطل هذا فسد ما بنوا عليه. فصل: ذكر الكلام على من يزعم منهم أنه إنما يجب حمل أوامر الله تعالى وأوامر رسوله ﵇ على الوجوب من جهة السمع دون قضية اللغة وحجة العقل. وهذه الفرقة قد وافقت على أن ذلك ليس من موجب اللغة وقضية العقل, وإنما يجب سمعًا, ولا خلاف بين الأمة في أن السمع متى قرر حمل الأمر على أحد الوجهين وجب القول به, غير أنه لم يرد بذلك, ونحن نبين ما يعتلون به ونعترضه. وقد استدلوا على ذلك من جهة السمع بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ , وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ولا تعلق لهم في ذلك, لأن قوله: أطيعوا الله, أمر لهم بفعل الطاعة وهو محتمل للوجوب والندب, فمن أين يجب حمله على أحد الوجهين, وفي ذلك وقع النزاع, والمتعلق بهذا متعد, لأنه يستدل على وجوب حمل أوامر الشرع على

стр. 492

الوجوب ببعضها, ولو سلم ذلك في البعض لسلم في الكل. وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ فليس في ظاهره أكثر من أنهم إن تولوا فعليه ما حمل, وهل الذي تولوا عن أمثاله واجب أو ندب ليس في الظاهر, وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ إنما هو خبر عن وجوب ما يجب علينا وعليه, وأننا محملون له, وهل نحن محملون له بنفس الأمر ومجرده, أو بشيء يقترن به موقوف على الدليل, وأن جعل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وعيدًا وإرهابًا وتهديدًا صار لمعنى قوله إنكم إن توليتم عن تصديقه والإيمان بنبوته فعليه ما حمل من بلاغكم وعليكم ما حملتم من تصديقه وكأن الآية وردت في الأمر بالإيمان بالله تعالى وبرسوله ﵇, ولا أحد يقول إن ذلك ليس على الوجوب, ولكنه لم يجب لموضع الأمر به, لكن لما قارنه من التوقيف على وجوبه, ويبين ذلك أن من ترك بعض أوامر الشرع من الواجب والندب مع الإيمان بالله تعالى والتصديق بها لا يوصف بأنه متول ومعرض عن الرسول ﵇ بل لا يوصف بذلك إلا المكذب له والجاحد لنبوته, وإذا كان ذلك كذلك كان ذكر التولي على وجه التهديد والوعيد قرينة في جعل الطاعة في الإقرار بنبوته وما جاء به على الوجوب. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ فهو - أيضًا - أحد القرائن في أنه أراد الطاعة في الإيمان به, وبما جاء به الذي يكونون بفعله مهتدين وعن

стр. 493

الضلال خارجين. ويمكن - أيضًا - أن يكون قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ليس فيه دلالة على وجوب الطاعة التي يهتدى بها من حيث هي طاعة, لأن مطيعه في النوافل من العبادات مهتد بتصديقها, ومهتد إلى الثواب وطريق الجنة, وإن لم يكن ما فعله واجبًا, فبطل تعلقهم بالظاهر. واستدلوا - أيضًا - بقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقالوا قد اتفق على وجوب الرد إلى ذلك عند التنازع. يقال لهم: لا تعلق لكم - أيضًا - في هذا الظاهر, لأن قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أمر بالرد, وهو محتمل للإيجاب والندب, وكيف يدل على وجوب حمل جميع الأوامر على الوجوب, وهو واحد منها, والخلاف فيه كهو في غيره, وإنما ثبت وجوب الرد إلى الله والرسول عند التنازع بالإجماع والتوقيف وأشياء تزيد على الأمر به فذلك ما قالوه وبطل التعلق بالظاهر. وأما قوله تعالى عقب ذلك ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فليس في ظاهره أننا لا نرد إليه إلا ما وجب في دينه, بل نرد إليه وإلى الرسول والعلماء ما اختلف في أنه ندب أم لا, كما نرد الاختلاف في الواجب. واستدلوا - أيضًا - على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قالوا: فوجب بهذا الأمر والوعيد حمل أمره على الوجوب.

стр. 494

فيقال لهم: هذا تسليم منكم أن مجرد أمره لا يجب حمله على الوجوب من حيث هو أمر, وإنما يجب ذلك باقتران الوعيد به. ثم يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون المراد بهذا الأمر بالدخول في دينه والتصديق له لأنه قال تعالى: ﴿أنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وذلك تهديد على مخالفته في ترك دينه, ونحن لا ننكر أن يكون من أوامره ما يجب الوعيد على ترك امتثاله, فمن أين لنا أن جميع أوامره كذلك. ومما يدل على أنه إنما عني بذلك الواجب من أوامره دون جميعها إجماع الأمة على أن من خالف الندب من أوامره لا تصيبه فتنة, ولا عذاب أليم, ولا شيء من المأثم وإن كان مخالفة لأمره, فدل ذلك على ما قلناه. ثم يقال لهم: إن الوعيد إنما يجب على مخالفته وينبئ عن لزوم موافقته, ونفس الموافقة لأمره لا تنبئ عن أن أمره واجب أو ندب, فكأنه قال وافقوه على أوامره, وقد يوافقه على أوامره الواجب منها تارة وعلى الندب أخرى وليس تصح الموافقة إلا بأن يفعل الفعل على الوجه الذي أمرنا به, فإذا علمنا أن من أوامره الواجب, ومنها الندب لم يجز أن نقدم عند صدور مجرد أمره لنا على فعل موجبه على وجه الندب أو الإيجاب, لأننا لا نعلم على أي وجه أمرنا به, فإن كان أمرنا به على سبيل الإيجاب ففعلناه ندبًا لم نكن موافقين له ولا متبعين له, وكذلك إذا أمرنا به ندبًا ففعلناه على سبيل الوجوب كنا له بذلك مخالفين غير متبعين لأمره فيجب لا محالة التوقف في مجرد أمره على بيان الوجه الذي صدر عليه لتصح لنا موافقته, وبطل التعلق بالظاهر.

стр. 495

ويقال لهم: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ كناية عن الواحد لا عن الاثنين, وأنتم توجبون حمل أوامر الله سبحانه وأوامر رسوله ﵇ على الإيجاب وهو خلاف الظاهر. فإن قالوا: لم تفرق الأمة بين أمريهما. يقال لهم: فليس في هذا تعلق بالظاهر, وإنما هو تعلق بالإجماع على أنه ليس الأمر على ما ادعوه, لأن كثيرًا من الناس يحمل أوامر الله سبحانه على الندب والقضاء بحسن المأمور به وإرادته فقط, ويزعم أن أوامر الرسول عله السلام على الوجوب لموضع الوعيد الذي تلوتموه على مخالفته, فزال ما ادعيتم. ويقال لهم أيضًا: قوله (فاتبعوه) أمر, وهو محتمل للواجب والندب, فكيف يستدل به على وجوب سائر الأوامر, وهو أحدها. ويقال لهم أيضًا: قد زعم قوم أن قوله سبحانه ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ تهديد لهم بركوب الضلال في مخالفته, وذلك لا يكون إلا بترك واجب من إتباعه, وليس يجب ذلك - أيضًا, في ترك كل واجب, لأنه لا يوصف بالضلال والخروج عن الهداية إلا كافر, ولا يوصف بذلك تارك صلاة ولا صيام من أهل الملة فبان بذلك أن هذا الأمر أمر بالإتباع له على جملة الدين وتصديقه فيه. وإن حمل قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ على وجه الترغيب في طاعته, والاهتداء بها إلى ثوابه وجنته لم ينبئ ذلك عن وجوب ما يهتدي به إلى الثواب, لأنه قد يكون واجبًا تارة وندبًا أخرى فسقط ما قالوه, على أن الإتباع له إنما هو امتثال

стр. 496

موجب أمره على وجه ما تناوله. فإن صدر على وجه الوجوب امتثل واجبًا, وإن عمل ذلك ندبًا لم يكن ذلك إتباعا له, وإن صدر منه ندبًا فعمل واجبًا كان مخالفة له, ولم يكن إتباعا له, فنفس المتابعة له إنما هي إيقاع موجب أمره على وجه ما ورد به, وذلك لا يتبين بنفس قوله: فاتبعوه, فبان بذلك أنه لا تعلق لهم في الظاهر من كل وجه. وعلى هذا النحو والترتيب الجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وأمثاله, لأنه قد يأتينا بالواجب والندب, ويجب الأخذ بكل شيء من ذلك على ما أتى به, وقد يأتي بالإباحة والحظر, فقوله : ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ لا يكشف عن نوع ما يأتي به من أحكام الخطاب, وقد بينا أن قوله "فخذوه" وقوله "فانتهوا" أمر ونهي, وهو محتمل للواجب والندب, فبطل التعلق بالظاهر. ويقال لهم أيضًا: إن الاستدلال بهذه الظواهر استدلال منكم بعموماتها, ونحن لا نقول بالعموم لما نذكره من بعد, فبطل التعلق بها. وكذلك الجواب عن قوله تعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ , وأنه إنما ذمهم لتركهم ركوعًا أمروا بقوله: ﴿ارْكَعُوا﴾ وقوله تعالى ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فوجب حمل الأمر على الوجوب, وهذا - أيضًا - بعيد من التعلق, لأنه تعلق في حمل الأمر على الوجوب بصيغة القول "افعل" هي محتملة للأمر وغيره, ولو كانت أمرًا لاحتمل الواجب والندب, ولم يجب ذم من لم يركع

стр. 497

لقوله (فاركعوا) وإنما لزم ذلك بما دلهم به من كون هذا الأمر على الوجوب, فبطل ما قالوه. ويقال لهم: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ دليل على أنهم تركوا الركوع على وجه التكذيب للرسول ﵇ في أنه شرع من قبل الله , وذلك كفر بالله وجل وجحد للنبوة, فمن أين أن هذا سبيل جميع الأوامر. ويجب تأمل ما قلناه في تأويل هذه الآيات والاعتماد عليه في جواب تعلقهم بقوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويجب أن يقال في هذه الآية أن ذلك أمر بالتحاكم إليه, ووعيد على حصول الارتياب والشك في حكمه, وقد ورد التوقيف بوجوب تسليم المتحاكمين إليه للقضاء بما يقضى به عليهم, وتحريم الريب والحرج في صدق الرسول ﵇, فبطل التعلق بالآية.

стр. 498

فصل: ذكر ما يتعلقون به في ذلك من جهة السنن والاعتراض على تأويلهم وقد استدلوا على ذلك من جهة السنة بآثار من رواية الآحاد لا يمكن إثبات مثل هذا الأصل وحمل أوامر الشرع عليه بها, إذ ليست مما يعلم صحتها بضرورة أو ببعض الأدلة التي يستدل بها على صحة الأخبار وإذا دفعوا عن التعلق بها وأنها غير حجة في ذلك كفينا أمر التأويل لها. فمما تعلقوا به ما روي عنه ﵇ من قوله لبريرة لما أعتقت تحت مغيث وكان عبدًا: "لو راجعتيه" فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: "إنما أنا شافع" فقالت: لا حاجة لي فيه فعلقت أنه لو أمر بذلك كان واجبًا وعلقت

стр. 499

الأمة من ذلك ما علقته عنه. يقال لهم: ليس الأمر في هذا على ما توهمتم, لأنه ليس في ظاهر الخبر أكثر من استفهامها له ﵇ عن أمره بذلك أو شفاعته فيه, وليس فيه أنه لو أمرها بذلك لعلقت وجوب الأمر, بل لعلها كانت ممن يعتقد أن موضوع أمره على الندب وإنما اعتقدت أن امتثال أمره طاعة لله تعالى وقربة مثاب فاعله, فسألته عن ذلك لتعلم أنه مما أمر به ومن جملة القرب فتفعله رغبة في ثوابه, فأما كونه واجبًا عندها من حيث كان أمرًا, فلا سبيل إلى ذلك, وإلى العلم بأنها كذلك اعتقدت. فإن قالوا: قد قرر الشرع باتفاق أن إجابة شفاعة الرسول ﵇ ندب, فيجب لذلك أن لا يكون الفصل بين أمره وشفاعته إلا كون أمره على الوجوب. يقال لهم: إنما أجمعت الأمة على أن إجابة شفاعته فيما يتعلق بباب الدين والتقرب بفعله ندب, فأما ما لا يتعلق بذلك ويعود إلى غرض من أغراضه ﵇ من اجتلاب نفع أو دفع ضرر وبلوغ إيثار وشهوة فإنه ليس بمنزلة الندب المشروع المفعول لوجه الله لا لغرض أحد من الخلق وأمر يعود إلى نفعه ودفع ضرر عنه, وشفاعة النبي ﷺ فكل مؤمن يرغب في قبولها مع أنها ليس بمثابة الندب المأمور به لوجه الله خالصًا فقط لا لشيء يعود إلى الخلق, وكذلك سبيل ما أمرنا به ﵇ مما يخصه

стр. 500

ويرجع إلى أغراضه الدنياوية ليس على الوجوب ولا على الندب الحال محل ما يفعل مشروعًا لله تعالى, لا لأمر يرجع إلى أغراض الخلق, وإذا كان ذلك كذلك وجوزت بريرة أن تكون الشفاعة لمغيث لغرض له ﷺ دنياوي, وأنه ليس من أوامر الشرع قالت له: بأمرك؟ فقال لها: إنما أنا شافع, أي ليس ذلك بشرع, ولعل شافعًا سأل النبي ﷺ مسألتها في ذلك من غير عرض متصل به سوى إجابته لمن سأله, فقالت له: فلا حاجة لي فيه, ولو كانت شفاعته له على طريق الأمر الشرعي لها بذلك وعلى وجه الإيجاب أو الندب لم يجز أن تقول: فلا حاجة لي فيه لأن المسلم لا يقول: لا حاجة لي في فعل الواجب أو الندب وطلب القربة والثواب وفعل الأحسن, ولا حاجة لي في العمل بشرعك وإن كان ندبًا, هذا ليس من كلام المؤمن فعلم أنها إنما استفهمته لكي تعلم أن ذلك مشروع أم لا؟ فإن كان مشروعًا إيجابًا أو ندبًا صح أن يفعله على أحد الوجهين بقربانه, وإن لم يكن كذلك لم يفعله فزال

стр. 501

ما قالوه, وظاهر قولها: فلا حاجة لي فيه يدل على أنها لم تكن تعتقد أن قبول شفاعته مشروع ومسنون ومثاب فاعله, فلذلك استفصلت بين الأمرين وبين الشفاعة. واستدلوا على ذلك - أيضًا - بقوله ﵇: "لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" وفي خبر آخر "عند كل صلاة" قالوا: يخبر أنه لو أمرهم لصار فرضًا بأمره لكونه شاقًا لأنه لو كان أمره به وبغيره على الندب لم يكن شاقًا من حيث كان لهم ترك الندب. يقال لهم: قد دللنا فيما سلف على أن الندب مأمور به, وأنه لا يعقل من ظاهر الأمر الوجوب دون الندب فعلم بذلك/ ص ١٥٣ أنه لا يحق أن يعقل من ظاهر أمر الرسول ﵇ بالسواك أو غيره الوجوب دون الندب. ثم يقال لهم: فما أنكرتم أن يكون قد أوحى الله إليه ﵇ أننا لو أمرناهم بالسواك لا نأمرهم به إلا فرضًا؛ فلذلك قال "لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" فأما أن يصير ذلك شاقًا وفرضًا له بمجرد أمره فلا سبيل إليه, وليس يمتنع أن يوحى إليه أننا لو أمرناك أن تأمرهم بالسواك عند كل صلاة ونشرعه لم نشرعه إلا واجبًا فهذا بين في فساد تأويلهم.

стр. 502

ويقال لهم: ما أنكرتم أن يكون تقدم أمره لهم بالسواك بإجماع الأمة وجعله لهم مسنونًا دلالة وقرينة على أنه لو أمرهم به أمرًا ثانيًا لم يأمرهم به إلا على سبيل الوجوب, لأنه قد تقدم أمره به على وجه الندب الذي ليس بشاق, فأعلمهم بتقدم ذلك الأمر أنه لو جدد لهم أمرًا لم يكن إلا شاقًا واجبًا لأنه لا جهة للأمر إلا كونه ندبًا أو واجبًا, فإذا علموا أنه قد أمرهم به ندبًا, عقلوا من قوله أنه لو أمرهم به ثانيًا لكان شاقًا, وأنه إنما كان يأمرهم به أمرًا واجبًا زائدًا على حكم الندب. واستدلوا - أيضًا - على ذلك بقوله ﵇ لأبي سعيد (بن المعلى) لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾، وأن عيبه له وتوبيخه إياه على ترك إجابته دليل على أن مجرد أمره على الوجوب.

стр. 503

يقال لهم: ليس الأمر في ذلك على ما قلتم, لأن الشرع قد كان قرر ووقف الرسول ﵇ توقيفًا علموا به مراده ضرورة في وجوب إجابته إذا دعاهم, وهو أن يقول يا زيد ويا فلان, فإنما علموا ذلك بتوقيفه لا بمجرد قوله: استجيبوا, لأن ذلك أمر منه بالإجابة, وقد تحتمل الإيجاب والندب ولكن بقرائن ولواحق واتباعات وأمارات علموا بها توقيفه ضرورة على وجوب إجابته عند الدعاء, فصار الأمر بهذا الضرب من الأفعال مخصوصًا بكونه واجبًا, فلذلك قال لأبي سعيد: أما سمعت الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ أي ألست قد وقفتك والأمة على تأويل الأمر بإجابتي عند الدعاء, وأنه على الوجوب فلم يحله إلا على توقيفه على ذلك وليس الأمر بالأفعال والعبارات من دعائه إلى قصده والمصير إليه في شيء لأنه جنس يخالف غيره من الأفعال والسبب في إيجاب لزوم إجابته أنها تعظيم له عند المجيب وغيره ممن يعلم هذه الحال, وفي ترك الإجابة له غض منه ﵇ وتعاون به, والله قد حماه من ذلك وأمر بتعظيمه وتوقيره أمرًا واجبًا. ويدل على ذلك - أيضًا - أنه لامه وأنبه على أن لم يقطع الصلاة ويجيبه والمضي في الصلاة واجب, فأمره أن يترك المضي في واجب قد تلبس به, ولا يترك الواجب ويجب تركه إلا بما هو أوجب وألزم منه كإخراج الغريق وطفي الحريق وأمثال ذلك مما يجب قطع الصلاة له, وكل هذا يدل على أنه قد وقفهم على وجوب إجابته عند الدعاء وفي ضمن قوله يا زيد أقبل, أو أريد زيدًا,

стр. 504

فكأنه قال لهم أمرتكم بالمصير إلي, أو قلت أريد زيدًا فقد أوجبت مصيركم إلي, وليس في هذا ما يوجب إجراء جميع أوامره على الوجوب إلا ما قام دليله/ ص ١٥٤. واستدلوا - أيضًا - على ذلك بقوله ﵇ حين سأله الأقرع بن حابس عن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فقال: ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد؟ فقال: بل للأبد, ولو قلت نعم لوجبت وذلك يوجب كون جميع أوامره على الوجوب. يقال لهم: لو سلم لكم ما تدعون لم يكن ذلك موجبًا لكون الأمر واجبًا بظاهره ووضعه في موجب اللسان, وإنما كان يصير واجبًا بالشرع, وقد بينا أنه لا خلاف في وجوب حمله على ما يقرره الشرع ويجعله الأصل فيه إلا ما استثني منه.

стр. 505

ثم يقال لهم: أنتم لا تفرقون بين قوله نعم لو قال ذلك وبين قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ لأنهما أمران بالحج, فإن وجب ولزم بقوله: نعم كان أولى أن يجب بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ فما معنى قولكم: إن ذلك, كان يجب بقوله: نعم, وليس أمره على الوجوب دون أمر الله تعالى. ثم يقال لهم: إن الأقرع سأله عن تكرار أمر قد علم أنه واجب ووقف هو وغيره من الأمة على ذلك, لأنه قد علم أن قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ أمر بالحج بتوقيف له على ذلك وقرينة متصلة بالتلاوة أو بقوله عند بعضهم: ولله على الناس حج البيت, لأن ما عليهم زعم لا يكون إلا فرضًا أيضًا, لأن الندب والمباح ليس عليهم فعله, فلما علم أنه أمر واجب قال له: ألعامنا هذا أم للأبد؟ يعني أن هذا الواجب علينا يجب مرة أو يجب على التكرار, فقال: للأبد, وقال: لو قلت نعم لوجبت, معناه أنني لو قلت نعم لم أقل ذلك إلا وهو مفروض متكرر, فأما أن يجب ويلزم بقوله نعم, وأنتم مأمورون بالحج في كل عام فإنه بعيد, لأنه لو قال صريحًا: أنتم مأمورون بالحج في كل عام لم يعقل من ذلك الإيجاب دون الندب, بل إنما نفهم منه إخباره عن الأمر لهم بالحج وعلى أي وجه هم مأمورون بالحج موقوف على الدليل.

стр. 506

باب ذكر ما يتعلقون به في ذلك من جهة الإجماع وقد استدلوا على صحة ذلك من جهة الإجماع بأن الأمة في جميع الأعصار متفقة في الرجوع إلى إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى ظواهر الأوامر والنواهي, وإلى قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وفي تحريم الزنا إلى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قالوا: فوجب بذلك اتفاقهم على أن ظواهر هذه الأوامر والنواهي على الوجوب. فيقال لهم: قد كنا معكم فيما هو أقرب من هذه الدعوى, لأننا كنا نتكلم على أن ما علم كونه أمرًا من الأقاويل لم يعلم كونه أمرًا واجبًا أو ندبًا, فصرتم الآن إلى أن ظاهر القول افعلوا ولا تفعلوا على الوجوب, ودعوى اتفاق الأمة على ذلك, وهذا بعد شديد, لأننا قد أوضحنا من قبل أن هذه/ ص ١٥٥ الظواهر والإطلاقات لا تفيد بمجردها كونها أمرًا دون غيره من أقسام محتملاتها بما قدمناه ذكره

стр. 507

فكيف تفيد الوجوب وهي لا تفيد كونها أمرًا وقد علم أن الأمة لا تجتمع على خطأ, وأنها لو أجمعت على حمل ظاهر القول "إفعل" "ولا تفعل" على الأمر دون غيره بمجرده, أو حملت الأمر الذي قد علم بقرينته أنه أمر على الوجوب دون الندب أو الندب دون الوجوب لكان ذلك إجماعًا منها على خطأ وذهابًا عن الحق, وذلك منتف عنها, فبطل ما قلتم. ويقال لهم أيضًا من الذي سلم لكم أن الأمة رجعت في إيجاب ما ذكرتم وتحريم ما وصفتم إلى هذه الظواهر؟ وما أنكرتم أن يكون محصِّلوها وأهل التحقيق منها إنما رجعوا في ذلك إلى قرائن وصلات واتباعات علمت بها كون هذه الأقاويل أمرًا, وعلمت بمثلها بعد علمها بأنها أوامر أنها على الوجوب, ولا بد في العلم بكون القول "افعل" أمرًا وفي كونه واجبًا من قرينتين يعلم بإحداهما كونه أمرًا وبالأخرى كونه واجبًا على ما بيناه, فبطل ما قلتم, ومع ذلك فلسنا ننكر أن يكون من الأمة من يتعلق في التحريم والإيجاب وكون القول "افعل" أمرًا بهذه الظواهر لظنه كونها مفيدة للأمر والوجوب, وذلك خطأ من معتقده, وهو منتف عن جميع الأمة. ويقال لهم: بأي طريق علمتم بأن الأمة إنما أجمعت على حمل هذه الظواهر على الأمر وحمل بعضها على الوجوب لمجردها دون قرائن وأسباب اتصلت بها أبضطرار علمتم ذلك أم بدليل؟

стр. 508

فإن قالوا بضرورة أمسك عنهم وإن قالوا بدليل سئلوا عنه فإن قالوا: الدليل على ذلك أنه ما ظهر بينهم شيء تعلقوا به في الإيجاب والتحريم وكون القول "افعل ولا تفعل" أمرًا ونهيًا غير هذه الظواهر. يقال لهم: هذا نفس دعواكم التي تكررونها وتعتمدون عليها وهي غير مقبولة, وفيها وقعت المخالفة, فلم قلتم: إنه ما ظهر بينهم سوى ذلك؟ فخصمكم يقول قد ظهر بينهم ما علموا به كونها أمرًا واجبًا. فإن قالوا: لو ظهر بينهم شيء تعلقوا به في ذلك سوى هذه الظواهر لنقل ولعلمناه. يقال لهم: ولم قلتم ذلك؟ وما الذي أوجب عليهم نقل تلك الأمور المقارنة للظواهر؟ أو لستم تزعمون أنهم تعلقوا بمجرد القول "افعلوا ولا تفعلوا" فما أنكرتم - أيضًا - أن يكون إنما تعلقوا بها لأجل صلاتها وقرائنها وإن لم يقولوا ذلك أو لم ينقل عنهم. ويقال لهم: ما أنكرتم من أنه يقال لا يجب نقل الأسباب والنصوص التي علموا بها كون هذه الألفاظ أمرًا وكون بعضها واجبًا, وأن يكون / ص ١٥٦ إفهامهم من بعدهم على أنهم مجمعون على أنها أوامر واجبة آكد وأحوط من ذكر الأسباب والألفاظ الدالة على ذلك, لأن كل سبب يذكرونه بعينه يمكن تأويله, واعتراض الشبه والتأويل فيه, واحتماله الحقيقة والمجاز, والإطلاق والتقييد والحذف والإضمار, وغير ذلك من معاني الكلام وصلاته وإجماعهم لا يصح ذلك فيه

стр. 509

فرأوا أن توقيفهم على إجماعهم على ذلك آكد وأحوط من ذكر الأسباب الدالة على ما أجمعوا عليه, فلا تجدون لهذا مدفعًا. ويقال لهم ولكل من قال: إن الأمة لا تجمع في الصدر الأول إلا عن نص وتوقيف أليس لم يذكروا في أكثر ما أجمعوا عليه الأدلة الجامعة لهم على القول والمذهب من النصوص أو غيرها اقتصارًا على ذكر إطباقهم على ذلك واجتزائهم به للعلم بأنه أوثق وأحوط من ذكر كل خبر ونص معرض للتأويل ووجوه الاحتمالات. فإذا قالوا: أجل, ولا بد من ذلك, قيل لهم: فما أنكرتم - أيضًا - من صحة تركهم نقل الأخبار والأسباب والقرائن الدالة على أن هذه الألفاظ والظواهر أوامر ونواهي وأن بعضها على الوجوب اقتصارًا على إجماعهم على ذلك وعلمهم بأنه أحوط من ذكر الأسباب المعرضة لوجوه التأويلات ولا جواب عن ذلك. ويقال لهم أيضًا: هل أنتم في هذه الدعوى إلا بمثابة من قال: إن ظاهر القول افعلوا مفيد للإباحة والندب بدلالة اتفاق الأمة في الرجوع إلى إباحة الاصطياد بعد الإحلال, والانتشار بعد الصلاة, وفي الندب إلى مكاتبة العبيد, وفعل الخير, وتمتيع الزوجات, والإشهاد عند التبايع, وقبض الرهن إلى مجرد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وبقوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى

стр. 510

الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ في أمثال هذا مما ورد من القول افعلوا للإباحة والندب, وأن الأمة ما تعلقت في حمل هذه الظواهر على الإباحة والندب إلا على مطلقها ومجردها, فهل في ذلك من فصل؟ فإن مروا على ذلك خلطوا وصاروا إلى ضد مذهبهم, وإن قالوا: إنما رجعت الأمة في ذلك إلى دليل متصل بهذه الظواهر أوجب صرفها إلى الإباحة والندب. قيل لهم: وما ذلك الدليل؟ وكيف لم يظهر؟ ولما ظهر بينهم لم لم ينقل ويذكر كما طالبتم بذلك في قرائن الوجوب ولا شيء يقدرون على نقله في ذلك وأمر ظهر بينهم فيقال لهم عند ذلك, وكذلك قصتهم في حمل قوله ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ , وكل ما ذكرتموه من الظواهر, ولا مخرج لهم من هذا على أن أكثر الظواهر التي وردت للوجوب قد اتصل بها مقدمًا عليها ومتعقبًا لها من الوعيد والزجز, والتهديد والتحذير وذكر الفرض والكتابة والإلزام والتخويف من العذاب والنكال وما دل على أن القول صدر على وجه الأمر وعلى سبيل الوجوب فاقترن بقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ وذلك بمثابة قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.

стр. 511

وذلك موضوع للفرض والإيجاب, وقوله : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وذلك لا يستعمل عند أكثر الناس إلا في المحافظة على ما لا يسع تركه هذا مع ما ورد من توقيف الرسول ﵇ على وجوبها, وقوله ﷺ "إن أول ما يسأل عنه العبد الصلاة" وصلاته ﵇ في أول الوقت وآخره وقوله: "ما بين هذين وقت لأمتي" وقوله: ﷺ "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والله سبحانه يقول:

стр. 512

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فلم يفسح في تأخيرها عن وقتها فضلًا عن تركها, وما ورد من الإجماع على وجوب صلاة المريض المدنف كيف أمكنه ذلك, إيماء فما دونه, وكل هذا مقترن بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾. واقترن بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ﴾ , قال المفسرون: إنها نزلت في مانع الزكاة الواجبة, واقترن - أيضًا - به قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يعني - والله أعلم - تطهرهم من الإثم, بمنعها, وذلك لا يستعمل إلا فيما لزم فرضه - واقترن بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ , وذلك لا يستعمل إلا في المفروض, لأن النفل ليس بمكتوب ولا محتوم, وقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولزوم فرض قضائه على الحائض, والنفل لا قضاء له.

стр. 513

واقترن بقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وذكره لأهل الأعذار إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وإلزامه ذلك على تصرف الأحوال مع التوقيف للظاهر المعلوم على وجوب الجهاد. واقترن بالأمر بالحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ ولفظة "على" إنما تستعمل في الواجب, وقوله ﵇ للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته" قالت: نعم, قال: "فدين الله أولى" والقضاء لا

стр. 514

يكون إلا عن واجب مفروض. واقترن بقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ / ص ١٥٨ قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ , وذلك بمثابة قوله: فرض ربك, وقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. واقترن بالنهي عن المحظورات من الوعيد والأمر بالنكال والعقاب والقصاص وذكر النار وسوء الانقلاب والمقت ما لا يحصى كثرة مما يطول افتضاضه ولا تخفي مواضعه في مواضع الوعيد على القتل والزنا والسرقة وقتل الأولاد وأكل أموال الأيتام, والحكم بغير ما أنزل الله , إلى غير ذلك من الذنوب المقترن بذكرها الوعيد على مواقعتها, فبهذه القرائن والأسباب علمت الأمة أو الدهماء منها وجوب الأوامر الواجبات ولزوم موجب النهي عن المحظورات لا بمجرد القول "افعلوا ولا تفعلوا" ولا بمطلق الأمر والنهي المترددين بين الواجب والندب. ويقال لمن قال منهم إن ظاهر الأمر يقتضي الندب - إن تعلق بمثل ذلك - مثل الذي قيل لمن ادعى الوجوب من ظاهره, ونعارض الفريقين بقول من قال: إن ظاهره يفيد الإباحة والإذن.

стр. 515

ويقال لمن زعم أن ظاهر الأمر الإيجاب والندب ممن زعم أنه لا صيغة للأمر, ما أنكرت أن له صيغة وأن الصحابة لم تتعلق في جعل القول أمرًا إلا بصيغة, وكل هذا تخليط وخبط ممن صار إليه, وهذا كاف في إسقاط دعواهم الإجماع على ما ادعوه وفساد التعلق به.

стр. 516

باب ذكر الواجب من الأوامر وذكر من يجب طاعته دون من لا يجب له ذلك اعلموا - وفقكم الله - أننا قد بينا فيما سلف أن معنى الوجوب معقول في اللغة, وأنه الأمر الذي لا محيص عنه, ولا انفكاك منه, من قولهم وجب الحائط إذا سقط ووجب البغل إذا توفي, وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وأوضحنا ذلك بما يغني عن إعادته, وهذا المعنى وإن كان معقولًا في اللغة, فقد ثبت أنه لا أحد من الخلق من أهل اللغة وغيرهم تجب طاعته ويلزم امتثال أمره من حيث هو أمر به, وإن اعتقد الآمر منهم أن طاعته واجبة, لأن ذلك لا يجب لاعتقاده وجوبه, ولا لكونه أمرًا به ولا لصفة ووجه يحصل ما أمر به عليه في العقل يقتضي وجوبه أو حسنه فضلًا عن وجوبه, ولأنه قد ثبت أنه ليس لأحد من الخلق على أحد سبيل في إيجاب طاعته واستعباده له وتأمره عليه إلا من حيث كان ذلك للمأمور منهم على الآمر لتساويهم في الخلق

стр. 517

والجنس, وكون الكل ملكًا للغير, وهم في ذلك شرع سواء وإنما تجب طاعة الآمر منا إذا أوجب الله طاعته من نبي وإمام ووالدين وأمر السيد لعبده, وأمر من أمرنا بأداء حقه ورد ظلماته, وطاعة هؤلاء كلهم إنما هي طاعة لله تعالى وواجبة من حيث أوجبنا لا لأمرهم بها, فأما أن يجب علينا طاعة أحد من الخلق لكونه آمرًا بها من غير أن يكون/ ص ١٥٩ أمره مستندًا إلى أمر الله تعالى بطاعته, فذلك باطل, لأننا قد بينا في صدر هذا الكتاب أن كون الشيء حسنًا وقبيحًا وواجبًا وندبًا وعصيانًا ومباحًا ومحظورًا لا يعلم عقلًا ولا يحصل كذلك لنفسه وجنسه, ووجهٍ هو في العقل عليه يوجب كونه كذلك, وإنما تكون له هذه الأحكام بحكم الله تعالى بكونه عليها, وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه لا يجب فعل من الأفعال من حيث أوجبه أحد من الخلق أو لوجه هو في العقل عليه, وكذلك القول في جميع أحكامه الشرعية من ندب وإباحة وحظر. فإن قال قائل: ولم قلتم إنه لا يصير كذلك إلا بحكم الله تعالى وأمره ونهيه, وما أنكرتم أن يصير كذلك لوجه هو في العقل عليه اقتضى ذلك من حاله, أو بحكم بعض الخلق بحسنه وقبحه وأمره به ونهيه عنه, أو لاعتقاد من اعتقد من الخلق كونه حسنًا أو قبيحًا. يقال لهم: قد بينا فيما سلف من مقدمات هذا الكتاب أنه لا يجوز أن يكون الشيء على بعض هذه الأحكام لنفسه وجنسه أو وجه هو في العقل عليه, وأنه لا طريق للعلم بذلك من جهة ضرورة العقل أو دليله بما يغني عن رده. فأما قولهم: ما أنكرتم أن يكون الفعل إنما يحسن ويقبح ويجب ويحرم لاعتقادنا أو اعتقاد من اعتقد كونه كذلك من الخلق وأن يكون تعالى قد جعل

стр. 518

اعتقاد من اعتقد ذلك حكمًا منه بحسنه وقبحه, فإنه باطل من وجوه: أحدها: إن اعتقادات الناس في تقبيح الأشياء وتحسينها تختلف فمنهم من يعتقد حسن الشيء, ومنهم من يعتقد قبحه, ومنهم من يعتقد أنه ليس بحسن ولا قبيح, وأن البراهمة والهند والثنوية: يستحسنون أمورًا يستقبحها المسلمون ويستحسن المسلمون ما تستقبحه هذه الأمم, وليس لأحد أن يقول إن الله سبحانه قد جعل اعتقاد بعض هذه الفرق لحسن الشيء أو قبحه حكمًا منه بذلك أولى ممن قال إن اعتقاد غيرهم من الخلق لقبح ما استحسنه الفريق الآخر حكم منه بقبحه, وهذا يوجب أن يكون تعالى قد حكم بأنه حسن قبيح وواجب ساقط, وذلك باطل باتفاق. والوجه الآخر: إنه إذا كان قد نهى تعالى من طريق القول وأخبر عن حكمه بقبح الشيء ونهيه عنه لم يجز أن يكون قد حكم بحسنه لاعتقاد من اعتقد من الخلق كونه حسنًا, لأن هذا يوجب أن يكون قد حكم بحسنه وقبحه معاً,

стр. 519

وبوجوبه وسقوطه. وإذا كنا نعلم أن الله تعالى قد حكم بحسن ما اعتقد بعض الخلق قبحه والنفور عنه, وبقبح ما قد اعتقد بعضهم حسنه وأمر به, وبقبح ما اعتقد بعضهم فيه أنه ليس بحسن ولا قبيح بطل أن تكون طريق معرفة حكمه بحسن الحسن وقبح القبيح اعتقاد الخلق أو بعضهم بحسنه أو قبحه, أو لميلهم إليه وشهوتهم له أو نفورهم عنه, أو التذاذهم به وانتفاعهم بتناوله, أو بتألمهم به واستضرارهم بنيله, ولأن هذا يوجب أنه تعالى قد حكم بأنه حسن وقبيح وأنه ليس بحسن ولا قبيح لاعتقاد من اعتقد كونه كذلك قبل السمع وهو الصحيح, وإذا كان ذلك باطلًا بطل ما قالوه من كل وجه. وكذلك فلا يجوز أن يقبح الشيء أو يحسن أو يجب أن يسقط لأمر بعض العباد به أو نهيه عنه, لأنهم في ذلك شرع واحد, ولأنه ليس بأن يجب الفعل على العبد بأمر غيره من الخلق له به أولى من أن يجب على الأمر بذلك بأمر المأمور له به ويجب عليه ترك الأمر بما أمر به لأمر غيره بتركه, ولأن هذا يوجب أن يكون الشيء واجبًا ساقطًا إذا أمر به بعض الخلق وحظره وحرمه بعضهم ونهى عنه, وإذا بطل ذلك ثبت بهذه الجملة أن التحسين والتقبيح والإباحة والحظر والإيجاب والندب وكون الشيء طاعة وعصيانًا أحكام لا تثبت لأنفسها وأجناسها, ووجوه هي في العقل عليها ولا لأمر أحد من الخلق بها أو نهيه عنها أو حكمه فيها, ولاعتقاد أحد منهم بحسنها وقبحها أو الانتفاع أو الاستضرار

стр. 520

بها أو الشهوة لها أو النفور عنها, ولا شيء وراء ذلك إلا ما قلناه من حكم الله تعالى فيها بالحسن والقبح وإيجابه مدح الفاعل لبعضها وتعظيمه وذم الفاعل لبعض آخر, واحتقاره وانتقاصه فوجب إيقافه على ما أوضحناه سالفًا, وإذا ثبتت هذه الجملة ثبت أنه لا أحد من الخلق يلزم امتثال أمره, من حيث كان أمرًا به أو الكف عن الفعل من حيث كان ناهيًا عنه أو الندب إليه من حيث رغب فيه وندب إليه, وإنما يجب من طاعة الخلق كالنبي والإمام والوالد والسيد والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وغير هؤلاء ما أوجبه الله تعالى وألزم فعله, فهذا مما يجب الوقوف عليه, وجملة هذا أن الطاعة إنما تجب في الحقيقة بالإقدام على الفعل أو الكف عنه للخالق الذي تجب عبادته والتعظيم له بالعبادة على وجه لا يستحقه الخلق, وهذا التعظيم له بالطاعة إنما هو اعتقاد المطيع أنه طائع بفعله لمن خلقه ورزقه, ومن هو قادر على إحيائه وإماتته وتجديد الإنعام وكشف الضر والبلوى, وذلك أجمع مما ينفرد الله تعالى به دون سائر خلقه. فصل آخر يجب علمه اعلموا أننا قد بينا فيما سلف أن الأمر لم يوضع في اللغة لإفادة حسن المأمور به أو قبحه, وكذلك النهي, وإنما وضع الأمر لاقتضاء الفعل والنهي لاقتضاء اجتنابه فقط, وهل ذلك حسن أو قبيح موقوف على الدليل/ ص ١٦١ ونبين هذا ونوضحه بأننا نعلم من حال الآمر من أهل اللغة أنه قد يأمر بالظلم والعدوان والجور والفساد ويلزمه ويعاقب على تركه ويضطر إلى قصده إلزام ذلك, ثم لا يجب أن يفيد إيجابه له وأمره به حسن المأمور به, وكذلك فقد نعلم نهي السلطان الجائر عن العدل والإنصاف ورد الحقوق وإقامة الفروض ويضطر أحيانًا إلى قصده إلى إلزام الكف عن ذلك, ثم لا يفيد نهيه عنه قبح المنهي عنه, بل قد علمنا حسنه ووجوبه بأمر الله تعالى به, وقد يأمر الآمر منهم بالحسن

стр. 521

وينهى عما هو قبيح, لكنه لم يكن قبيحًا ولا حسنًا لأجل أمره ونهيه, فعلم بهذه الجملة أنه ليس من حق الأمر وشروطه وصفته أن يدل على حسن المأمور به, ولا من حكم النهي أن يفيد قبح المنهي عنه في أصل اللغة والوضع, وإنما أجمع المسلمون على أن ذلك حكم ما أمر الله به ونهى عنه لأجل ما قدمناه من أن ما أمر به فقد حكم بحسنه, وأن ما نهى عنه فقد حكم بقبحه, فوجب لأجل ذلك القول بأن كل ما أمر الله به فإنه حسن وكل ما نهى عنه نهيًا محرمًا فإنه قبيح لا لأجل إفادة الأمر والنهي لذلك في أصل اللغة والوضع, والقدرية تزعم أنه لم يكن الشيء حسنًا وقبيحًا لموضع أمره ونهيه تعالى به وحكمه فيه بذلك, بل لوجه هما في العقل عليه ينبئ عنه الأمر والنهي, ولولا حصوله في العقل على ذلك الوجه لم يحسن الأمر به والنهي عنه, فإذا قد اتفقنا على أنه لم يوضع الأمر لإفادة حسن المأمور به, ولا النهي عنه لإفادة قبحه.

стр. 522

باب القول في تنزيل أوامر الله وأوامر الخلق, وذكر جمل من مراتبها وأقسامها قد بينا فيما سلف أن أمر كل آمر من قديم ومحدث معنى قائم بنفسه, وكذلك سائر أقسام الكلام بما يغني عن رده. ويجب أن تعلموا أن الأوامر كلها على قسمين: فضرب منها صفة لله تعالى من صفات ذاته ليس بفعل من أفعاله لما ثبت من نفي خلق كلامه, وإذا ثبت هذا استحال وصف أمر الله تعالى بأنه مما يجب على الله أو يجب عليه تركه, أو كونه مندوبًا إليه أو مباحًا أو محظورًا عليه, لأن الواجب والندب والمباح والمحظور لا يصح أن يكون إلا فعلًا من الأفعال باتفاق. وإذا لم يكن أمره تعالى فعلًا له أو لغيره استحال وصفه بشيء من ذلك, وكذلك فيستحيل وصفه بالحسن والقبح والإحكام والإتقان والعبث والفساد

стр. 523

والخطأ والصواب, لأن جميع هذه الصفات لا تجري باتفاق إلا على الفعل الذي يخطئ الفاعل له مرة, ويصيب أخرى, وعلى ما يحسن فعله تارة ويقبح أخرى ويحكم ويتقن مرة ويفسد ويقبح أخرى, وقد بينا سالفًا أن وصف الشيء بالحسن ينصرف إلى حسن الصور والأشكال وحلاوته في الأسماع, أو على معنى إيجاب مدح فاعله والحكم بتعظيمه, فإذا لم يجز وصف كلام الله بالحسن على معنى حسن المنظر والصوت والتأليف والنظام, ولا على معنى أنه فعل له قد حكم بوجوب مدحه على فعله استحال وصفه بالحسن والقبح والعبث والإحكام والخطأ والصواب, وإن وصفت العبارة عنه بحسن النظم وجزالة الرصف والبلاغة المتجاوزة لجميع بلاغات أهل اللسان, على ما بيناه في إعجاز القرآن. والضرب الثاني من الأوامر: هي أوامر الخلق, وهي على ضربين: فضرب منها فعل للآمر, والضرب الآخر ليس من فعله, لأن الدلالة قد دلت

стр. 524

على أن المتكلم لم يكن متكلمًا لأنه فعل الكلام. وإذا لم يكن أمر الآمر منا فعلًا له استحال وصفه بأنه حسن أو قبيح من الآمر أو حكمة أو عبث أو خطأ أو صواب, وإن جاز أن يوصف بأنه حسن وحكمة وصواب من خالقه تعالى ومنشئه, أو يوصف بذلك على معنى حسن العبارة عنه كما يمتنع وصف إرادة المريد منا إذا لم تكن من فعله, ووصف علمه الضروري بأنه حسن منه أو قبيح, وإن جاز وصفه بأنه حسن وحكمة وصواب من خالقه تعالى. والضرب الآخر من أوامر الخلق فعل من أفعالهم, وهذا الضرب يقع كسبًا لهم على وجهين: إما أن يقع من فاعل عاقل مميز, أو من غير عاقل ولا في حد المكلف, فإن وقع من غير عاقل مميز كالطفل والمجنون والمغلوب ومن لم تدخل أفعاله تحت التكليف لم يجز وصفه بأنه حسن أو قبيح أو واجب أو ندب أو عبث أو حكمه, لأن ذلك لا يجري إلا على فعل فاعل مكلف على ما بيناه في أحكام أفعال الخلق في صدر الكتاب. والوجه الآخر: أن يقع الأمر والنهي من عاقل مميز من الخلق, وذلك - أيضًا - يكون على وجهين: فإن قدر وقوعه منه قبل تعبده وتكليفه لم يوصف بشيء من هذه الصفات لأنها لا يلزم الفعل إلا عند تكليف فاعله, وأما من ليس بمكلف ففعله خارج عن ذلك.

стр. 525

ولو قدر وقوع أوامرنا ونواهينا مع التمييز وورود السمع ودخولها تحت التكليف لم يخل من أحد ثلاثة أمور: إما أن تكون واقعةً منا ونحن مأمورون بها أو منهيين عنها أو مباح لنا فعلها. فإن كنا مأمورين بها كانت لذلك طاعة وحكمةً، وحسنًا ولم يخل الأمر بها من إحدى منزلتين إما أن يكون صادرًا على سبيل الإيجاب أو على وجه الندب والإرشاد فالواجب منها كالأمر بالمعروف إذا تعين على المأمور، وبالعدل والإنصاف ورد الحقوق وما جرى مجرى ذلك. والثاني كأمرنا بالنوافل وفعل الخير وكل ما ندبنا إلى الأمر به والدعاء إليه. وكذلك كل ما نهينا عنه فالأمر به على ضربين: فضرب منه محرم علينا الأمر به كالأمر بالظلم والعدوان وسائر المحظورات? والضرب الآخر: نهي إرشاد وفضل، كنهينا عن ترك التفضل والإحسان وكتابة العبد وتمتيع المطلقةً، وكل ما هو ندب في نفسه. وقد ندبنا إلى الأمر به، وليس يمتنع أن يجب علينا الأمر لمن ندب إلى الفعل بأن يفعله ويكون في علمه ندبًا منه. ويكون أمرنا له بفعل الندب من فرائضنا. وقد قال قوم: أنه يجب علينا أن نأمر المكلفين بكل ما أمرهم الله به من مسنون ومفروض فيكون أمرنا بذلك واجبًا علينا على الكفاية ويكون المأمور بالفعل تارةً مندوبًا إليه وتارةً مفروضًا عليه، ويجب ترتيب أمرنا بذلك على ما ينزله الشرع./ ص ١٦٣ فإن فرض علينا الأمر لمن ندب إلى الفعل بأن يفعله كان أمرنا به فرضًا, وفعل المأمور به نفلًا عن فاعله. وإن ندبنا إليه كان أمرنا به ندبًا. وإن كان ما يقع من أوامرنا ونواهينا مباحا لنا إيقاعه لم يوصف ذلك الأمر بأنه طاعةً ولا عصيان ولا حسن ولا قبيح على القول بأن المباح ليس بحسن ولا قبيح. وذلك كأمرنا لمن يصح أمرنا له ويجوز بالمنافع الحاصلة لنا كالمباح

стр. 526

واجتلاب الملاذ المطلقة التي لا اتصال لها بباب الدين. وقد تكون الأوامر المباحة لنا مما يجب على عبيدنا امتثال موجبها إذا أمرناهم بذلك? ولم يكن فعل موجبها قاطعًا لهم عن إقامة فرض من فرائض الله . فأما إذا كانت المنافع ودفع المضار مؤدية إلى التلف والضرر الذي قد نهينا عن التورط فيه وألزمنا التوصل إلى الامتناع منه? وكنا لا نتوصل إلى دفع ذلك وفعل ما نحتاج إليه إلا بأمر من يجوز أمرنا له بذلك لزمنا الأمر به. فإن كان المأمور ممن يجب طاعتنا عليه لزمه امتثال أمرنا كما لزمنا الأمر له بذلك. وإن كان مما لا يجب عليه ذلك لم يمتنع أن يلزمنا نحن الأمر بذلك والدعاء إليه والمسألة فيه أحيانًا، وإن لم يجب على المسئول والمأمور إجابتنا وامتثال أمرنا. وليس في أوامر الخلق ونواهيهم ما يخرج عن هذه الأقسام. وهذه جملة مقنعة في إبطال قول القدرية. إن طريق الاعتبار حسن الأمر والنهي وقبحها من الله تعالى ومن خلقه إنما هو بحسن المأمور به أو قبحه. والوجه الذي حصل في العقل عليه. وإنما يجب أن نتبع في ذلك حكم أمر الشرع وترتيبه دون اعتبار صفات الأفعال التي هي في العقل عليها? لأن هذا الذي يدعونه من أحكامها في العقل باطل، لا أصل له.

стр. 527

باب القول في حكم القول ((افعل)) إذا ورد بعد الحظر والمنع وحكم الأمر بعد ذلك اعلموا - رحمكم الله - أنه قد وقع في ترجمة هذا الباب غلط وإغفال من جميع من لم يحصل الكلام فيه من القائلين بأن من المباح ما هو غير مأمور به، أو يجوز من العالم بذلك، لأجل أنه إذا ثبت بما قدمناه أن الإباحة ليست من أقسام الأمر، ولا داخلة في بابه استحال قول من قال: إن الأمر الوارد بعد الحظر على الإباحة والإطلاق لوجهين: أحدهما: إن الإباحة ليست بأمر، فتسميته / ص (١٦٤) الإباحة أمرًا غلط بين. والوجه الآخر: اعتقادهم أن تقدم الحظر دلالة على أن ما يعقبه من الأمر إباحة، لأن تقدم الحظر ليس بدليل على ذلك لما نذكره من بعد. وكان الواجب عندنا في ترجمة هذا الباب أن يقال: ((باب القول في بيان حكم القول ((افعل الفعل)) بعد تقدم حظره. فهل يكون هذا القول أمرًا بالفعل أم لا؟ ثم إذا حصل بدليل أن القول ((افعل)) الوارد بعد الحظر أمر به خرج بذلك عن أن يكون إباحةً، ووجب أن ينظر هل هو على الندب أو الوجوب أم على الوقف حسب ما كان عليه لو لم يتقدم الحظر. ونقول وبالله التوفيق: إن الحظر إذا تقدم القول افعل والأمر به لم يخل من أحد أمرين: إما أن

стр. 528

يكون حظرًا مبتدأ، لا لعلة عرضت بعد إطلاق الفعل ومنعت من إيقاعه. أو أن يكون معللًا بعلة عرضت فيما كان مباحًا مطلقًا قبل وجودها. فإذا كان القول ((افعل)) واردًا بعد حظر مبتدأ غير حاصل لعلة يزول بزوالها وجب أن يكون القول ((افعل)) محمولًا على أصله. ومما يمكن أن يراد به كل واحد من محتملاته من إباحة وترغيب وإيجاب وتهديد وتحذير وتعجيز وغير ذلك مما قدمنا ذكره في هذا الكتاب وغيره. وقد زعم الجمهور ممن تكلم في هذا الباب من الشافعي وغيره من الفقهاء ومن المتكلمين أن تقدم الحظر قرينة يعلم بها أن القول ((افعل)) على الإباحة. وهذا توهم ممن قاله؛ لأنه إنما يكون ذلك دليلًا على ما قالوه لو استحال أن يرد أمر بالفعل أو بمثله بعد حظره. ولما أجمعوا على أنه يصح إباحته بعد حظره، ويقبح الندب إليه ويقبح الإيجاب له، علم بذلك أنه ليس تقدم الحظر قرينةً تنبئ عن أن القول ((افعل)) بعد الحظر إباحة، ولا قرينة في غير ذلك من وجوه

стр. 529

محتملات القول ((افعل)). وإن كان القول ((افعل)) ورد بعد حظر الفعل لعلةٍ عرضت ومنعت منه بعد تقدم إطلاقه وإباحته? فإن الأظهر عندنا قي ذلك وجوب حمل القول ((افعل)) على الإذن برفع الحظر له بالإباحة، وإن جاز مع ذلك وأمكن أن يكون القول ((افعل)) بعد الحظر مرادًا به الأمر بالفعل. وإن كان الأغلب الظاهر من الاستعمال الإطلاق ورفع المنع، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أو قوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا)) وأمثال ذلك مما قد علم أنه كان على الإباحة والإطلاق. وإنما حظر الانتشار في الأرض والاصطياد لما عرض من وجوب التشاغل بالفرض من الصلاة والإحرام المانع من الصيد. فإذا زال السبب وعلة المنع عاد الشيء إلى أصله فكأنه قال: هذا المباح قد صار محظورًا لعلة حدوث الإحرام ووجوب الصلاة. فإذا حللتم

стр. 530

فاصطادوا. ليعلمهم بذلك أن السبب المانع من ذلك الفعل هو ما تجدد مما إذا زال عاد الشيء إلى أصل ما كان عليه. هذا هو الغالب، ومع ذلك فلا يمتنع أن يريد بقوله تعالى: فانتشروا، واصطادوا. والأمر بذلك على سبيل الندب أو الإيجاب. ولكن يجب إذا كان ما قدمناه هو عرف الاستعمال أن لا يحمل القول افعلوا بعد الحظر على الأمر إلا بدليل. فصل: فأما إذا ورد أمر بالفعل بعد الحظر له معللًا كان الحظر ومبتدأ غير معلل، فإنه محال قول من قال: إنه على الإباحة، لأن الإباحة ليست من أقسام الأمر، وهو قد فرض أن الأمر الوارد بعد الحظر أمرًا وسماه بذلك. وهذا نقض وتخليط ظاهر. فإن قيل: أردنا بالأمر الوارد بعد الحظر القول ((افعل)) بعد تقدم الحظر. قلنا: هذا غلط في الإطلاق لما قدمناه. وقد بينا أنه لا يجب حمل القول ((افعل)) بعد الحظر على الإباحة. فصل: فإن قيل: فما حكم الأمر عندكم إذا ورد بعد الحظر؟ قيل له: حكمه عندنا وعند كل أحد، إذا علم كونه كذلك أنه أمر بالفعل. وخارج عن باب الإباحة والإذن. وقد أخطأ الجمهور من الناس في إطلاقهم القول بأنه أمر على الإباحة؛ ومتى صح بالذي وصفناه أن الأمر ليس بإباحة ثبت بذلك أنه يجب إذا ورد أمر بالفعل بعد حظر مبتدأ غير معلل أن يكون محمولًا على أصله ومقتضاه، إما في موجب اللغة أو الشرع فإما أن يكون موضوعه الوجوب أو الندب أو احتماله الأمرين. على ما نقوله فيجب حمله على
следующие страницы →