← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

واجتلاب الملاذ المطلقة التي لا اتصال لها بباب الدين. وقد تكون الأوامر المباحة لنا مما يجب على عبيدنا امتثال موجبها إذا أمرناهم بذلك? ولم يكن فعل موجبها قاطعًا لهم عن إقامة فرض من فرائض الله . فأما إذا كانت المنافع ودفع المضار مؤدية إلى التلف والضرر الذي قد نهينا عن التورط فيه وألزمنا التوصل إلى الامتناع منه? وكنا لا نتوصل إلى دفع ذلك وفعل ما نحتاج إليه إلا بأمر من يجوز أمرنا له بذلك لزمنا الأمر به. فإن كان المأمور ممن يجب طاعتنا عليه لزمه امتثال أمرنا كما لزمنا الأمر له بذلك. وإن كان مما لا يجب عليه ذلك لم يمتنع أن يلزمنا نحن الأمر بذلك والدعاء إليه والمسألة فيه أحيانًا، وإن لم يجب على المسئول والمأمور إجابتنا وامتثال أمرنا. وليس في أوامر الخلق ونواهيهم ما يخرج عن هذه الأقسام. وهذه جملة مقنعة في إبطال قول القدرية. إن طريق الاعتبار حسن الأمر والنهي وقبحها من الله تعالى ومن خلقه إنما هو بحسن المأمور به أو قبحه. والوجه الذي حصل في العقل عليه. وإنما يجب أن نتبع في ذلك حكم أمر الشرع وترتيبه دون اعتبار صفات الأفعال التي هي في العقل عليها? لأن هذا الذي يدعونه من أحكامها في العقل باطل، لا أصل له.

стр. 527

باب القول في حكم القول ((افعل)) إذا ورد بعد الحظر والمنع وحكم الأمر بعد ذلك اعلموا - رحمكم الله - أنه قد وقع في ترجمة هذا الباب غلط وإغفال من جميع من لم يحصل الكلام فيه من القائلين بأن من المباح ما هو غير مأمور به، أو يجوز من العالم بذلك، لأجل أنه إذا ثبت بما قدمناه أن الإباحة ليست من أقسام الأمر، ولا داخلة في بابه استحال قول من قال: إن الأمر الوارد بعد الحظر على الإباحة والإطلاق لوجهين: أحدهما: إن الإباحة ليست بأمر، فتسميته / ص (١٦٤) الإباحة أمرًا غلط بين. والوجه الآخر: اعتقادهم أن تقدم الحظر دلالة على أن ما يعقبه من الأمر إباحة، لأن تقدم الحظر ليس بدليل على ذلك لما نذكره من بعد. وكان الواجب عندنا في ترجمة هذا الباب أن يقال: ((باب القول في بيان حكم القول ((افعل الفعل)) بعد تقدم حظره. فهل يكون هذا القول أمرًا بالفعل أم لا؟ ثم إذا حصل بدليل أن القول ((افعل)) الوارد بعد الحظر أمر به خرج بذلك عن أن يكون إباحةً، ووجب أن ينظر هل هو على الندب أو الوجوب أم على الوقف حسب ما كان عليه لو لم يتقدم الحظر. ونقول وبالله التوفيق: إن الحظر إذا تقدم القول افعل والأمر به لم يخل من أحد أمرين: إما أن

стр. 528

يكون حظرًا مبتدأ، لا لعلة عرضت بعد إطلاق الفعل ومنعت من إيقاعه. أو أن يكون معللًا بعلة عرضت فيما كان مباحًا مطلقًا قبل وجودها. فإذا كان القول ((افعل)) واردًا بعد حظر مبتدأ غير حاصل لعلة يزول بزوالها وجب أن يكون القول ((افعل)) محمولًا على أصله. ومما يمكن أن يراد به كل واحد من محتملاته من إباحة وترغيب وإيجاب وتهديد وتحذير وتعجيز وغير ذلك مما قدمنا ذكره في هذا الكتاب وغيره. وقد زعم الجمهور ممن تكلم في هذا الباب من الشافعي وغيره من الفقهاء ومن المتكلمين أن تقدم الحظر قرينة يعلم بها أن القول ((افعل)) على الإباحة. وهذا توهم ممن قاله؛ لأنه إنما يكون ذلك دليلًا على ما قالوه لو استحال أن يرد أمر بالفعل أو بمثله بعد حظره. ولما أجمعوا على أنه يصح إباحته بعد حظره، ويقبح الندب إليه ويقبح الإيجاب له، علم بذلك أنه ليس تقدم الحظر قرينةً تنبئ عن أن القول ((افعل)) بعد الحظر إباحة، ولا قرينة في غير ذلك من وجوه

стр. 529

محتملات القول ((افعل)). وإن كان القول ((افعل)) ورد بعد حظر الفعل لعلةٍ عرضت ومنعت منه بعد تقدم إطلاقه وإباحته? فإن الأظهر عندنا قي ذلك وجوب حمل القول ((افعل)) على الإذن برفع الحظر له بالإباحة، وإن جاز مع ذلك وأمكن أن يكون القول ((افعل)) بعد الحظر مرادًا به الأمر بالفعل. وإن كان الأغلب الظاهر من الاستعمال الإطلاق ورفع المنع، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أو قوله ﷺ : ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فادخروا)) وأمثال ذلك مما قد علم أنه كان على الإباحة والإطلاق. وإنما حظر الانتشار في الأرض والاصطياد لما عرض من وجوب التشاغل بالفرض من الصلاة والإحرام المانع من الصيد. فإذا زال السبب وعلة المنع عاد الشيء إلى أصله فكأنه قال: هذا المباح قد صار محظورًا لعلة حدوث الإحرام ووجوب الصلاة. فإذا حللتم

стр. 530

فاصطادوا. ليعلمهم بذلك أن السبب المانع من ذلك الفعل هو ما تجدد مما إذا زال عاد الشيء إلى أصل ما كان عليه. هذا هو الغالب، ومع ذلك فلا يمتنع أن يريد بقوله تعالى: فانتشروا، واصطادوا. والأمر بذلك على سبيل الندب أو الإيجاب. ولكن يجب إذا كان ما قدمناه هو عرف الاستعمال أن لا يحمل القول افعلوا بعد الحظر على الأمر إلا بدليل. فصل: فأما إذا ورد أمر بالفعل بعد الحظر له معللًا كان الحظر ومبتدأ غير معلل، فإنه محال قول من قال: إنه على الإباحة، لأن الإباحة ليست من أقسام الأمر، وهو قد فرض أن الأمر الوارد بعد الحظر أمرًا وسماه بذلك. وهذا نقض وتخليط ظاهر. فإن قيل: أردنا بالأمر الوارد بعد الحظر القول ((افعل)) بعد تقدم الحظر. قلنا: هذا غلط في الإطلاق لما قدمناه. وقد بينا أنه لا يجب حمل القول ((افعل)) بعد الحظر على الإباحة. فصل: فإن قيل: فما حكم الأمر عندكم إذا ورد بعد الحظر؟ قيل له: حكمه عندنا وعند كل أحد، إذا علم كونه كذلك أنه أمر بالفعل. وخارج عن باب الإباحة والإذن. وقد أخطأ الجمهور من الناس في إطلاقهم القول بأنه أمر على الإباحة؛ ومتى صح بالذي وصفناه أن الأمر ليس بإباحة ثبت بذلك أنه يجب إذا ورد أمر بالفعل بعد حظر مبتدأ غير معلل أن يكون محمولًا على أصله ومقتضاه، إما في موجب اللغة أو الشرع فإما أن يكون موضوعه الوجوب أو الندب أو احتماله الأمرين. على ما نقوله فيجب حمله على

стр. 531

ما ثبت من حكمه قي الأصل هذا هو الواجب في هذا الباب. والذي يدل على ذلك أنه إذا كان عند أصحاب الوجوب أو الندب يفيد ذلك، لكونه أمرًا. وكأن تقدم الحظر لا يخرجه عن كونه/ أمرًا وجب لذلك، أن يكون ص (١٦٧) محمولًا على فائدته التي وضع لها، ولأن تقدم الحظر لم يخرجه عن ما لأجله أفاد ذلك، وهو كونه أمرًا، كما أن تقدم خبر الآمر أو استخباره أو بعض الأفعال وكل قسم من أقسام الكلام إذا لم يخرج الأمر عن كونه أمرًا لم تكن قرينته توجب حمله على غير موجبه، فكذلك تقدم الحظر لا يوجب إخراجه عن موجبه فوجب حمله على أصل موضوعه في إيجاب أو ندب أو احتمال ووقف على ما نذهب إليه. فأما اعتلال من قال بهذا بأن الأمر المبتدأ لا بعد حظر يجب حمله على موجبه. فأما إذا ورد بعد الحظر وجب أن يكون تقدم الحظر قرينةً تخرجه عن مقتضى أصله، فإنه دعوى منهم، وفيها وقعت المنازعة، فلا سبيل لهم إلى تصحيح ذلك، وقد بينا أنه قد يتعقب حظر الشيء إباحة له، ويتعقبه، - أيضًا - ندب وإيجاب، فلا وجه لجعل تقدم الحظر قرينة في حمله على بعض محتملاته. ويقال - أيضًا - لم اعتل بذلك ممن يرى أن العقول تحظر إدخال الآلام والمشاق على النفس بفعل الصلاة والصيام والحج وقطع المفاوز إلى مواضع المناسك يجب على اعتلالك أن يكون الأمر الوارد بجميع ما يحظره العقل

стр. 532

محمولًا على إباحة ذلك لوروده بعد الحظر. وحظر العقل له عندهم آكد من حظر السمع. فإن لم يكن آكد فهما سيان. فإن مروا على ذلك تركوا قولهم وفارقوا الإجماع. وإن أبوه، وقالوا قد يجوز أن يكون القول ((افعل)) بعد حظر العقل للفعل إباحةً له. ويجوز أن يكون إيجابًا له وندبًا إليه? فلم يكن تقدم حظر العقل له قرينةً في حمل القول ((افعل)) على بعض محتملاته. قيل لهم: مثل ذلك في تقدم الحظر الشرعي ولا فصل في ذلك. وإن اعتل معتل منهم بأن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ بمنزلة تعليق الأمر بالغاية وبمثابة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾ ونحو ذلك، وتعليق الأمر بالغاية يفيد زوال الحكم فقط عند انقضائها، وكذلك تعليق حظر الاصطياد والانتشار في الأرض بفعل الإحرام والاشتغال بالصلاة يفيد زوال الحظر عند تقضي غاية الإحرام ومدة انقضاء الصلاة. يقال لهم: ليس ذلك من تعليق الأمر بالغاية بسبيل، وإنما صورة تعليقه بالحظر له أن يقول امتنعوا من الفعل ما بقي الحظر له. فإذا ارتفع فافعلوه. هذه صورة الغاية وتعليق الأمر بالحظر. وقوله

стр. 533

تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هو من باب ما علق تحريمه بعلة وسبب يجب زواله بزواله. فقال قوم: إن عرف اللغة يقتضي زوال الحظر بزوال العلة فقط على ما بيناه من قبل وقال آخرون: بل يجب أن يعقل من ارتفاع العلة ارتفاعه، ولكن لا يعلم على أي وجه ارتفع. فصل: وإن اعتل معتل منهم في ذلك بأنه ما وجد أمر ورد بعد الحظر في الشرع إلا على الإباحة فوجب أن يكون ذلك معقوله في اللسان. قيل لهم: وجود ما ذكرتموه في الشرع وعدم غيره لا يدل على أن ذلك موضوع اللفظ في اللغة. ألا ترى أنه لو لم يوجد في الشرع أمر إلا على الوجوب أو الندب، ولا لفظ ظاهره للعموم إلا والمراد به الخصوص لم يجب أن يقضى بذلك على أن موضوع الأمر الوجوب، وموضوع لفظ العموم عند مثبتيه وفائدته الخصوص. فوجب بذلك أنه لا اعتبار في تعرف موضوع الألفاظ في اللسان بوجود ما علق على اللفظ في حكم الشرع. وهذه جملة في هذا الباب كافية.

стр. 534

باب القول في أن الأمر بالفعل أمر بما لا يتم إلا به إذا كان ذلك من فعل المكلف دون غيره اعلموا - رحمكم الله - أن الشيء الذي لا يتم فعل المأمور إلا بحصوله على قسمين: أحدهما: من فعل المكلف المأمور، والآخر من فعل الله تعالى وليس من مقدورات العباد. فأما ما هو من فعل الله تعالى وكمال العقل والآلة في الفعل - نعني بالآلة محل الفعل والقدرة عليه، ونصب الدليل الذي يتوصل بالنظر فيه، ويتمكن بتأمله من فعل العلم بما كلفنا العلم به - وهذه الأمور على ضربين: فضرب منها لا يتم وقوع الفعل ولا وقوع تركه إلا بحصوله. وذلك نحو محل الفعل، ونحو تحرك اليد والرجل وغيرهما من الجوارح التي هي محل البطش والمشي، وكالعقل الذي لا يتم إيقاع الفعل أو اجتنابه على الوجه المأمور به إلا بحصوله، ونحو الدليل المنصوب المؤدي النظر فيه إلى العلم بما كلف المأمور، فهذا الضرب من شروط صحة الفعل لا يصح التكليف للفعل مع عدمه، لأنه لا يصح من المكلف مع عدمه إيقاع الفعل، ولا إيقاع تركه. ولا كونه معرضًا لنيل ثواب أو استحقاق عقاب. والمكلف عند أكثر أهل الحق إنما كلف لكي يفعل أو يترك أو يعرض بالتكليف لثواب أو عقاب. وذلك لا يصح ممن لا عقل له ولا تمييز معه. لأنه يتعذر النظر عليه، وفعل العلوم المكتسبة مع فقد العقل وفعل العلم تعين

стр. 535

المأمور به والقصد إليه والتقرب بفعله وإيقاعه على وجه العبادة لله تعالى دون غيره، وكذلك سبيل فقد الجارحة التي هي محل الفعل، وفقد الدليل الذي يوصل النظر فيه إلى العلم/ ص ١٦٨ لأنه لا يمكن الفعل ولا الترك مع عدم محلهما، ولا فعل العلم ولا الترك له مع عدم الدليل، لأنه لو أمكن ترك فعل العلم مع عدم الدليل وتعذر النظر فيه عند فقده لصح فعل العلم بما طريقة الاستدلال مع عدم الدليل، وذلك بين البطلان وقد تقصينا هذا الفصل في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه. وأما من قال من أصحابنا بجواز تكليف العبد المحال، وما لا يصح فعله ولا تركه. وأن ذلك عدل من الله وصواب في حكمته. فإنه لا يحيل تكليف ما هذه سبيله من جهة العقل، وإن لم يرد به سمع. ولو ورد لكان صحيحًا جائزًا. وهذا هو الذي نختاره ويذهب إليه شيخنا أبو الحسن ﵀. والكل من أهل الحق متفقون على أنه لا يصح تكليف الميت والعرض والجماد، ومن لا عقل له من الأحياء والخطاب له، لأنه لا يجوز مع عدم حياته وعقله أن يكون مخاطبًا وممن يصح فهمه للخطاب وتلقيه له، فلا يمكن أن يكون الكلام له خطابًا ولا تكليفًا. فأما العالم بكونه مخاطبًا ومكلفًا فصحيح تكليفه. صح الفعل منه أو تركه أو لم يصح.

стр. 536

فأما الضرب الآخر مما لا يتم المأمور به إلا بحصوله من فعل الله تعالى. فقد يصح فعل ترك المأمور به مع عدمه. وهو القدرة على الفعل، لأنه لا يتم إلا بها، ولكن قد يتم تركه وفعل ضده مع عدمها لوجود القدرة على ترك مقدورها، فهذا مما يجب ضبطه وترتيبه. والضرب الآخر من شروط الفعل الذي لا يتم وقوعه دون حصوله من فعل الله تعالى - أيضًا - وإن كان من مقدورات الخلق، وذلك نحو الطهارة التي لا تصح الصلاة إلا بها، والسعي إلى الجمعة، وقطع المسافة إلى البيت ومواضع الإحرام والمناسك وأمثال ذلك مما لا يتم الفعل إلا به. وما هذه سبيله فواجب أن يكون الأمر بالفعل أمرًا به، لأنه لا يتم دون حصوله له. فلذلك كان المأمور بفعل الصلاة مأمورا بفعل الطهارة، أو ما يقوم مقامها من التيمم والتوجه والنية والإحرام. وكل شرط من فعل العبد لا يتم التقرب بفعل الصلاة وكونها شرعية مع عدمه. ولذلك صار المأمور بالحج مأمورًا بقطع المسافة إلى الحرم، والمأمور بصلاة الجمعة مأمورًا بالسعي إليها. وكذلك القول في كل أمر لا يتم المأمور به دون حصوله. وليس من هذا الباب ما يقوله القدرية من فعل المكلف للألم في غيره والقطع له وتفرقة أجزائه، ونحو هذا مما يسمونه مسببًا متولدًا عن سبب من فعل العبد وأن الله إذا أمرنا بفعل إيلام الغير وقتل القاتل وقطع/ ص (١٦٩)

стр. 537

السارق وجب أن يكون أمرًا لنا بفعل الأسباب للفَرْي وتفرقة الأجزاء والألم؛ لأن هذا الأصل باطل عندنا لما قام من الدليل على بطلان القول بالتولد واستحالته في فعل الله تعالى، وفعل خلقه وإذا بطل هذا الأصل فسد قولهم إن الأمر بالمسبب المتولد أمر بسببه؛ لأن جميع ما يوجد عند أفعالنا المباشرة من زوال الأجسام واعتماداتها وألم الحي منها وتفرقة أجزائها إلى غير ذلك فعل الله تعالى يحدثه عند اكتسابنا المباشرة في أنفسنا بجري العادة. وليس بشيء من مقدورات العباد على ما قد دللنا عليه في الكلام في أصول الدين. فبطل إلحاقهم ما ادعوه بهذا الباب. والذي يجب تحصيله في هذا الباب عندنا أن يقال: إن كل فعل للعبد لا يتم وقوعه إلا بعد ((تقدم فعل أخر من أفعاله)) فإن الإيجاب له والندب إليه والإباحة والتحريم له إيجاب وندب وإباحة وحظر لما هو مقدمة وشرط له وقد يجوز أن توجد شروط الفعل ومقدماته، وكل ما لا يصح إلا به من فعل المكلف وإن لم يوجد الفعل نفسه. فلذلك صح وجوب الطهارة على ما لا تجب عليه الصلاة إذا اخترم دون فعلها أو نسخت عنه قبل وقتها, أو قيل له: قد فرضتُ

стр. 538

عليك الطهارة وغسل الأعضاء، وأسقطت عنك الصلاة لو اخترمت. وصح أن يؤمر بقطع المسافة إلى البيت وعرفة من لا يجب عليه الوقوف والطواف إذا حصر بعدو أو مرض أو اخترم دون امتثاله أو نسخت عنه العبادة بعد فعل مقدماتها. لأن فرض كل شيء من ذلك غير منوط بإيجاب ما يصح فعله بعده. ويستحيل إيجاب الصلاة بطهارة على من قد سقط عنه فرض الطهارة، وإيجاب الوقوف والطواف بالبيت على من قد سقط عنه فرض قطع المسافة إليها واستحالة إباحة الخروج عن الدار لمن حظر عليه قطع المسافة إلى الموضع الذي يكون فعل الخروج منه خارجًا عنها? وأن يباح دخولها على من يحظر عليه المشي إليها. فهذا كله محال ومفارق لما قلناه في الفصل الذي قبله. فصل من هذا الباب واعلموا - رحمكم الله - أنه قد يجعل فعل غير المكلف من العباد شرطا في ص ١٧٠ إيجاب الفعل عليه. وذلك مما لا خلاف فيه. ومنه إيجاب فعل الجمعة بشرط/ حضور الإمام والجماعة. وإيجاب الجهاد إذا حضر معه من فيه غناء ومنعة. واعلموا أنه لا خلاف أن شرط الفعل إذا كان من فعل غير المكلف من الخلق. فإنه لا يجب على المكلف تحصيله وتطلبه لكي يجب عليه الفعل المشروط. ولهذا لم يجب على من خوطب بالجمعة والجهاد إحضار الإمام وجمع الناس وبناء قرية تتم لهم في مثلها الجمعة. ولم يلزم من لزمه فرض الجهاد بشرط حضور من يمنع ويدفع معه التوصل إلى إحضار من يلزمه عند حضوره فرض

стр. 539

الجهاد. وكذلك فلا يلزم من فرضت عليه الزكاة إذا ملك المال تطلب المال والتوصل إلى ملكه لكي تجب الزكاة عليه. وإنما تجب إذا اتفق حصول المال مع من يلزمه الفرض، وعلى صفة من تجب عليه ملزوم تنفيذه. وأما إذا لم يتفق ذلك لم يجب عليه التوصل إليه. وليس هذه حال من قيل له: صل بطهارة وستر العورة وطف بالبيت بعد قطع المسافة. وافعل العلم بصدق النبي ﷺ بعد العلم بالله تعالى. لأنه مطالب بفعل ما لا يصح الفعل الثاني إلا بعد حصوله. وقد كان يجوز أن يفرض عليه اكتساب المال والسعي في تحصيله لتجب عليه الزكاة فيه، لأن الاكتساب والسعي من فعله، كما يجب على الإنسان الاكتساب لما ينفقه في قوته وقوت من يلزمه الإنفاق عليه. ولكن الله تعالى أسقط ذلك وخفف بزواله المحنة. فصل: واعلموا - رحمكم الله - أنه لا فصل بين سقوط وجوب الفعل بخروج المكلف عن صفة من يلزمه الفعل بسبب من فعل الله تعالى أو بسبب من فعل نفسه، لأنه لو أزمنه الله ، وأبطل جوارحه لزال عنه فرض التصرف والمشي والبطش ولو قطع يد نفسه وكسر رجله فصار بذلك زمنًا لزال الفرض عنه. وهذا مما لا خلاف فيه. وقد كان يصح في عدل الله وحكمته تكليف من هذه حاله إذا كان عاقلًا وممن يصح منه معرفة الخطاب وتلقيه على ما بيناه من قبل.

стр. 540

فصل من فصول هذا الباب فإن قال قائل: إذا كانت الصلاةً متى وجبت وجبت الطهارةً بالماء لوجوبها وجب على ذلك - أيضًا- متى فرضت الطهارةً لزوم تحصيل الماء وطلبه وشراؤه وإن تغالى ثمنه. يقال له: أما طلبه فيجب على ما يجب من طلب مثله بحكم الشرع. وأما شراؤه فقد يجب بثمنه/ ص (١٧١) وفوق ثمنه إلا أن يتغالى ذلك إلى حد يسقطه الشرع. وقد سقط فرض التوصل إليه إذا كان في ذلك مشقةً عظيمةً. فيصح أن يجعل الشرع تغالي ثمنه المتلف للمال العظيم ولحوق المشقةً الشديدةً قي تحصيله بمثابة عدمه. وكما أسقط الشرع التوضيء بالمال والغسل عند المحصوب والمجدور وصاحب الجرح المخوف وخايف التلف باستعماله لعظم البرد، ولغير ذلك من الأعذار. ولهذا سقط فرض حضور الجمعة إذا طالت المسافة وسقط الحضور إليها. وسقط فرض الحج مع الخوف على النفس. وليس كل ما جعله الشرع عذرًا في إسقاط الفعل مما يحيل وجود الفعل جملةً، أو لخوف التلف بتحصيله. فلهذا لم يكن شراء الماء بأضعاف ثمنه بمنزلة عدمه جملةً؛ لأنه

стр. 541

قد يمكن شراؤه بأضعاف قيمته وإن كان في ذلك إجحاف بالمال ومشقة?ً ولا يمكن الوصول إليه مع عدمه، وكذلك القول في عدم الرقبة وخروج ثمنها عن حد العادةً. وقى الزمانة والكسر وعدم الصحة المانعة من حضور الجمعة. وفي بعد موضعها بالمسافةً الطويلةً التى يشق النزول منها إلى الجمعةً مع صحة ذلك وإمكانه، وتحمل المشقة فيه. هذه أمور قد علم اختراقها قي الإحالة والتصحيح فيجب الرجوع في معرفة الأعذار ومقادير المشاق إلى تقدير الشرع لذلك وترتيبه. فما نص عليه منه وقطع العذر فيه صير إليه، مع التخفيف والمشقةً، ولم يجز لأحد تأويل في الامتناع منه. وما اختلف فيه كان طريق العلم بأنه عذر في سقوط الفرض الاجتهاد وساغ الخلاف فيه. وكان كل مجتهد في ذلك مصيبًا. وكان العامي مخيرًا في تقليد من شاء من العلماء ووجب من هذه الجملة أن تكون الأعذار والمشاق في تحصيل ما هو شرط في الفعل بمثابة عدمه جملة، وعدم ما يتوصل به إليه. فصل أخر من فصول هذا الباب فإن قال قائل: فما قولكم إذا لم يمكن فعل الواجب والوصول إليه إلا بفعل ما ليس بواجب. هل يصير ما ليس بواجب واجبًا لكي يتوصل به إلى فعل الواجب أم لا؟

стр. 542

يقال له: هذا كلام فاسد لا محصول له، لأنه إذا لم يمكن فعل الواجب إلا بفعل أخر لا بد منه ولا ينفك عنه، فهو وما لا ينفك منه? ولا يمكن حصوله دونه واجب، ولا يجوز أن يقال أن منه ما ليس بواجب، وذلك نحو ما يقوله الفقهاء من أنه إذا لم يصح ستر العورةً الواجب سترها إلا بستر بعض الركبةً وما ليس من العورةً وجب ستر ذلك مع ستر العورةً ليتوصل به إلى ستر العورة. وكذلك إذا لم يصح تمييز وقت الليل/ ص (١٧٢) من النهار على التحديد، ولم يصح صيام اليوم إلا بإمساك جزء من الليل قبل طلوع الفجر ولم يمكن استيفاء صيام اليوم إلا بالإمساك مع جزء من الليل وجب الإمساك في ذلك الجزء. ولا معنى لقول من قال في مثل هذا قد دخل في الواجب ما ليس بواجب ليتمكن به من فعل الواجب؛ لأن ما لا يصح التوصل إلى الواجب إلا بفعله فواجب كوجوبه، غير أنه لو تميز الليل من النهار بحد محدود يمكن المكلف معرفته، وتميزت العورةً من غيرها بمكان محصور وحد معلوم يمكن المكلف فصله من العشرة لسقط عنه فرض ستر ما ليس منها وصيام ما ليس من اليوم، ولكنه لما اشتبه ذلك، ولم يتميز للمكلف يجب ذلك أجمع لالتباسه ولكي يتوصل بأحد الواجبين إلى فعل الآخر، وقولنا التوصل بأحد الواجبين إلى فعل واجب أخر أوضح وأولى من القول ليتوصل بفعل ما ليس بواجب إلى فعل الواجب؛ لأن ما لا ينفك الواجب منه, ولا يتميز عنه، فإنه واجب كوجوبه لما أوضحناه فسقط ما قالوه في هذا الباب.

стр. 543

فصل آخر من فصوله يجب علمه واعلموا - رحمكم الله - أن تدر ما يزيد على ما يتوصل به إلى فعل الواجب، ولا يتميز منه ، ولا يمكن معرفته بعينه، فإنه ليس بواجب. وإن كان مما يقع من المكلف مع فعل الواجب، وفعل ما لا ينقك الواجب منه، ومتى لم يتميز ذلك بطريق يفصله عن غيره، استحال لذلك أن يكلف المأمور فعل ذلك القدر الذي يتوصل به إلى فعل الواجب على التمييز والتفصل. لأنه لا يعرفه بعينه. ولا يمكن تمييزه له. ولهذا ما لم يؤمر الإنسان بمقادير الأفعال الواقعة في الركوع والسجود والأكوان التي تلقي بها جبهته وأعضائه الأرض التي إذا فعلها بعينها. وفعل ما يوصل إليها كان مؤديا لفرضه، لأن ذلك غير معلوم ولا متميز له. وإنما يؤمر بفعل ما يتوصل به إلى فعل واجب أخر على التفصل والتحديد إذا كان ما يتوصل به إلى فعل ذلك الواجب معلومًا ومتميزًا له. ولذلك أيضًا ما لم يؤمر المكلف بإمساك جزء من الليل متميز معلوم لكي يصل به إلى إتمام صيام النهار، لأن ذلك القدر من الليل غير معلوم ولا متميز له. والواجب أن يقال في مثل هذا أن المكلف يؤمر بفعل الواجب وبفعل ما يتوصل به إلى فعل ذلك الواجب قي الجملة من غير تفصيل. ولو كان له إلى علمه وتفصيله طريق لكان الأمر مقصورًا عليه من الزائد على قدره/ ص (١٧٣) غير أن تفصيل ذلك وتحديده متعذر غير ممكن فوجب تكليفه على الجملةً. فيجب ترتيب القول في هذا الباب على ما نزلناه.

стр. 544

باب آخر يتصل بالكلام في هذا الباب فإن قال قائل: ما تقولون إذا حرم الشيء المختلط بما ليس بحرام. أتقولون إنه يحرم هو وما اختلط به مما ليس بحرام؟ يقال له: هذا أيضا على ضربين: فإن اختلط الحرام بغيره اختلاطًا يمكن تمييزه منه ومعرفتها على التفصيل كان التحريم متعلقًا بالمحرم وحده، دون ما اختلط به، وإن اختلط بغيره اختلاطًا لا يمكن الفصل بينه وبين ما لو انفرد منه وتميز للمكلف كان حلالًا كانا جميعًا حرامين عند الاختلاط وعدم السبيل إلى التمييز. وأحدهما حلال لو كان متميزًا. إلا في مواضع استثناها السمع وأجمع عليها المسلمون نذكرها من بعد. وقد يكون اختلاط المحرم بغيره طريقًا لوجوب التحري في ذلك لا لوجوب تحريم الجميع. وربما صار اختلاط المحرم بالمحلل طريقًا إلى تحليله إذا أدى التحري إلى وجوب استعماله. ومن هذا الباب ما اختلفوا فيه من المرأةً المطلقةً التي أوقع الطلاق عليها بعينها إذا اختلطت بالزوجات. ثم أشكل الأمر على الزوج. ولم يتميز له المطلقةً من الزوجةً. فمنهم من يقول: إن الجميع بحرم عليه. وهو الأحوط، لأنه لا يأمن عند الاستمتاع لواحدةً منهم أن تكون هي المطلقة الحرام فيكون مقدمًا على حرام. فهذا الخوف والاختلاط قد صار طريقًا إلى جعل ما كان حلالًا حرامًا. ولا يقال في هذه الحال قد وجب عليه الكف عن الحلال ليصل بذلك إلى اجتناب الحرام؛ لأن هذا الاختلاط والالتباس على المطلق قد غير حكم الحلال وأزاله عن التحليل

стр. 545

وجعله حراماً لا محالة عند الذاهب إلى وجوب الكف عن الاستمتاع بجميعهن. ومتى لم يقل بذلك خلط وخبط، لأن وجوب الامتناع عن الاستمتاع بجميعهن عند الإشكال محرم للاستمتاع. فقوله: لأنه حلال يجب اجتنابه والكف عنه مناقضة ظاهرة وربما خفي هذا على كثير ممن يتكلم في هذا الباب. ومنهم من يقول بالتحري في مثل ذلك وتغليب ظنه. فمن أداه الظن والتحري إلى أنها هي المطلق حرمها على نفسه. وربما أداه التحري وترجي الظنون إلى تحريم من لو عرفها وميزها من المطلقة لكانت حلالاً طلقا. ولا أحد - أيضاً- ممن يوجب التحري في مثل ذلك يقول: إن من أداه التحري إلى أنها هي المطلقة فإنها حلال مع غلبة الظن لكونها مطلقة/ لأن التحري والظن لوقوع الطلاق عليها قد أثر في تغيير حكم تحليلها وأزاله إلى التحريم ولكن قد فصل السمع. وأجمع المسلمون على الفصل بين هذا الالتباس وبين اختلاط أم المرء وأخته وذوات محارمه بنساء بلدة لا يعرفها بعينها منهن فأبيح له التزويج والاستمتاع ببعض نساء أهل تلك البلدة، وإن جوزوا أن تكون الزوجة المعقود عليها أمه أو أخته. وفصلوا أيضاً بين أن تختلط الأم بنساء أهل

стр. 546

الأرض وأهل بلدة بأسرهم وبين أن تختلط بأعيان نساء محصورات وقالوا في مثل هذا اختلاطها بأهل بلد اختلاط يتعذر فيه التمييز ولا يمكن. واختلاطها بأشخاص محصورون يمكن التمييز فيه. وقال كثير من الناس له مع هذا الاختلاط بالعدد اليسير المحصور مندوحة في التزويج ممن عدا تلك الأشخاص التي يقطع على أن فيهن أمه ونحوها من ذوات محارمه. وليس له مندوحة عن نكاح نساء أهل بلدة بأسرهن ونساء أهل الأرض، وهذا شاق متعذر، والأول متأت ممكن، فيجب تنزيل ذلك بحسب ما رتبه الشرعة. فصل: ومما يقارب هذا ويشبهه، وإن لم يكن من بابه إيقاع المرء الطلاق على غير معينة من أزواجه. فقال بعضهم: يعين من شاء منهن، وذلك مردود إلى تمييزه، فيوقعه على من شاء منهن، وهو مخير في ذلك. لأنه ليس كالأول الذي أوقع الطلاق على معينة منهن ثم اختلطت، والتبس عليه أمرها. وكأن الالتباس العارض حرم ما لو تميز لكان محللاً، لأن المطلق لواحدة بغير عينها لم يوقع الطلاق على معينة، فهو لذلك مخير، ومفارق لحال معين الطلاق. فمن سبيله رد التعين إلى اختياره، لأنه لا يمكن غير ذلك. وقد قال قائلون: إن مثل هذا الطلاق لا يقع، لأن من حق وقوعه ولحرقه، أن يكون معيناً. فإذا وقع غير معين لم يكن له حكم، ولعل في الناس من يقول إنه

стр. 547

يحرم عليه جمعيهن. ومن هذا الباب اختلاط الآنية النجس بالطاهر. ففي الناس من يقول محرم استعمال جميع ذلك لأنه لا يأمن الإقدام على استعمال النجس. ومنهم من يوجب التحري وتغليب الظن الظاهر فيما يستعمله، كما يجب في طلب جهة القبلة. ومنهم من يقول: يستعمل جميع ذلك لأن فيه الطاهر لا محالة. وكل من يقول إنه يحرم استعمال جميع ذلك يقطع على أن الاختلاط قد غير حكم الحلال فجعله حراماً./ ومن زعم أنه حلال وأنه حرم لأجل إختلاطة بالحرام فقد خلط، وقال باطلاً لما بيناه من قبل. وكذلك القائل بالتحري يقول إذا أداه التحري استعمال النجس وتجنب القطار صار التطهر بالنجس هو الواجب عليه، واجتناب استعمال الطاهر هو الفرض اللازم. فالاختلاط والتحري الواجب عنده يؤثران في الحكم لا محالة.

стр. 548

ومنه -أيضاً- امتزاج التنجس بالطاهر فإنه إذا امتزج به حرم استعمال الكل، إذا كان قليلاً، فقد قال بعضهم: قد صار الكل بالامتزاج نجساً. ويقول البعض: لا بل لتعذر الوصول إلي تمييز الطاهر من النجس. ثم اختلف في حد ما يحتمل النجاسة، وفي علامة تنجيس الماء فقال بعضهم: هو أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وقال بعضهم: لا يستعمل لأن فيه نجاسة تتيقن استعمالها، واستعمال النجس حرام. واعتبر بعضهم المقدار بالقلتين لأجل السمع وهو ما روي من قوله ﵇: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" وقال بعضهم بتقدير أكثر من القلتين، وإذا قدر بالقلتين قطع المقدر بذلك علي أن ما دونهما

стр. 549

نجس كله ومحرم استعماله. ولا بد أن يكون قوله "نجسا كله" محمولاً علي أن فيه ما هو نجس وفيه طاهر لم تحل أجزاؤه إلي النجاسة، ولم يصر من ذوات أجزاء النجاسة، ولكن لما لم يمكن التمييز وفصل الطاهر من النجس أثر ذلك - لا محالة- في تحريم الطاهر. ومحال قول من قال في مثل هذا- أيضاً- قد حرم استعمال ما ليس بحرام استعماله لامتزاجه بما حرم استعماله, وهذه فصول في هذا الباب مقنعة إن شاء الله.

стр. 550

باب القول في أن مطلق الأمر يقتضي فعل مرة أو التكرار اختلف الناس في هذا الباب. فقال الأكثرون ومحصلوها علمه إن إطلاق الأمر بالفعل يقتضي فعل مرة واحدة وتبرأ به ذمة المكلف، وعليه الجمهور من أصحاب أئمة الفقهاء. وقال قائلون- وهم القليل- إنه يقتضي الدوام والتكرار إلا أن يفيد ما يقضي قصره وحصره علي فعل مرة واحدة، وهذان القولان هما الظاهران المشهوران. ومع القول بأنه لفعل مرة واحدة أو جملة من الأفعال المحدودة يصح القول بأنه علي التراخي. ويمتنع مع القول بأنه علي التكرار أو الوقف. لأنه إذ كان علي الوقف أو علي التكرار فقد استوفي الأوقات من تعقيب الأمر إلي حين زوال التكليف عن المأمور. وليس يمتنع عندنا أن يقال إنه يجب علي أصل القول بالوقف في الألفاظ

стр. 551

المحتملة أن يكون إطلاق الأمر محتملاً لفعل / ص ١٧٦ مرة واحدة ومحتملاً لعدد محصور يزيد علي المرة والمرتين، ومحتملاً لفعله علي التكرار في جميع الأوقات. فإن لم نقل بالوقف والاحتمال في ذلك فأقوي المذهبين الذين قدمنا ذكرهما القول بأنه مقتضي لفعل مرة واحدة إلا أن يدل الدليل علي وجوب التكرار. والذي يدل علي صحة دعوي وجوب الوقف في إطلاق الأمر اتفاق أهل اللغة علي حسن الاستفهام للأمر عما نريده بمجرد الأمر من فعل مرة أو عدد محصور أو الدوام. فلذلك صاغ لم قال لعبده اضرب زيداً أردت به فعل مرة أو مرات محصورة أو الدوام والتكرار. هذا ما لا خلاف في حسن استفهامه. ولو قال اضربه مرة واحدة أو عشراً أو عدداً محصوراً لقبح أن يقال أردت بذلك مرة والحجة أو الدوام. وكذلك لو قال اضربه دائماً متكرراً لقبح استفهامه هل أراد مرة أو مرات لورود اللفظ المنوط بما يدل علي المراد به مما

стр. 552

يقطع الاحتمال، ولما لم تكن هذه حال إطلاق الأمر المتعري مما يدل علي قصره علي مرة أو عدد محصور أو التكرار والدوام حسن فيه لتثبيت والاستفهام. ويوضح هذا الذي قلناه ويؤكده إقرار النبي صل الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم لسارقة بن مالك بن جعشم علي حسن الاستفهام عن وجوب الحج لما قال له سارقة: ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد؟ فقال: للأبد، ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تستطيعوا"، فلو كان المعقول من إطلاق الأمر بالشئ بغير شرط ولا صفة أو المقيد بالشرط والصفة في اللغة موضوعاً لتكرار الفعل أو قصره علي مرة واحدة لكان سارقة مع فضل علمه باللغة أقرب

стр. 553

إلى العلم بموضوعه وإلي اعتقاد قبح استفهامه. فهذا يكشف عن أن إطلاقه محتمل لما قلناه. والواجب عندنا في هذا إنه متى أطلق الأمر وهري مما يدل علي الدوام من عقيب الأمر إلي ما بعده، فإنه يصلح أن يريد به فعل مرة واحدة، ويصلح أن يريد به ما زاد عليها من الأقدار المحمودة. فإذا كان يريد بإطلاقه دوامه من عقيب الأمر وفيما بعده مع تحديده له من دلالة تدل علي لزومه من عقيب الأمر فذلك /ص ١٧٧ محال، لأن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة. وتجريده الأمر لا يدل علي لزوم فعله علي الدوام والتكرار، فوجب تنزيل ذلك علي ما قلناه. فإن قال قائل: ما أنكرتم أن تكون حقيقة إطلاق الأمر وموضوعه أنه للاستغراق والدوام، وأنه يصلح أن يراد به المرة الواحدة علي ما قلتم، إلا أنه يكون مجازاً إذا أريد به ذلك، فلذلك حسن الاستفهام، وإنما عرض المستفهم أن يعلم أنه مراد به حقيقة ما وضع له أو التجوز به. يقال: في هذا جوابان: أحدهما: إنه لا سبيل إلي ما ادعيتموه، لأنك إذا سلمت أن الإطلاق قع علي فعل مرة في الاستعمال كما يقع علي التكرار وادعيت أنه مجاز في أحد الأمرين احتجت إلي نقل وتوقيف علي ذلك، أو ما يقوم مقام التوقيف، وإلا فظاهر الاستعمال يعطي أن اللفظ حقيقة في جميع ما استعمل فيه، وإنما يعلم أنه مجاز في بعضه ومعدول به إليه بشيء غير الظاهر والاستعمال من القرائن الدالة على التجوز.

стр. 554

والجواب الثاني: إنه ليس مدعي هذا بأسعد من مدعي كون موضوعه لفعل مرة واحدة إلا أن يتجوز في إيجاب الدوام والتكرار. وفي تكافؤ كل هذه الدعاوي دليل علي سقوطها. فصل: فإن قال قائل: لو كان مطلق يقتضي فعل الدوام والتكرار لما كان لقوله افعله دائماً متكرراً معنى، لأن لأول يفيده. فإن قيل إنما اتبع أمره بذكر الدوام والتكرار علي وجه التأكيد لمعناه، وهذا الكلام بعنين لازم لمن قال إنه مقتض لفعل مرة واحدة، لأنه لو أفاد ذلك لم يكن لقوله افعله مرة واحدة ودفعة لا يزيد عليها وجه. فإن قيل: هذا يصدر علي طريق التأكيد. قيل له: مثله فيما قالوه، ولا جواب عن ذلك. فصل: فإن قال قائل: أفلستم تقولون إن الأمر علي التراخي لا علي الفور. فإذا قلتم إن مطلق الأمر محتمل لمرة واحدة والتكرار، فكيف قولون مع ذلك إنه علي التراخي، فكيف يكون ما يحتمل أن يراد به الدوام والتكرار علي التراخي، وهو إذا كان كذلك يجب بأول وقت، وفي كل وقت بعده إلي حين انقطاع العبادة. يقال: ليس بين هذين المذهبين تناقض، لأننا إنما نقول إ، الأمر علي التراخي إذا علمنا أنه إنما أراد به فعل مرة واحدة أو عدداً محصوراً، وإذا علمنا ذلك ولم يعين وقتاً من وقت جوزنا له تقديم فعله عقيب الأمر، وأن يؤخره عنه. وإذا علمنا أنه علي التكرار ألزمناه ذلك من عقيب الأمر وفيما بعده من الأوقات / ص ١٧٨ إلي حين انقطاع التكليف أو ما يدل علي أنه من أوقات الأعذار. ومتى قلنا إنه متى عدم البيان من الآمر بأنه أراده علي التكرار، وأنه لازم من عقيب

стр. 555

الأمر إلى ما بعده، فالأولي على أنه لا مدخل للتكرار في إطلاقه. وإنما يجب أن يكون لمرة واحدة أو مزار محصورة. فإن قال: فإذا جوزتم أن يراد بإطلاق الأمر بالفعل الدوام والتكرار امتنع عليكم القول بأنه على التراخي. يقال له: لا يمتنع ذلك لأننا إنما نجعله على التراخي إذا علمنا أنه لم يرد به التكرار فسقط ما قلتم. فصل: واعلموا أنه ليس في الأمة من يقول إن معقول مطلقه يقتضي فعل مرات محصورة من اثنين أو عشر أو غير ذلك، وإنما يجب أن يقال: إنه على الوقف والاحتمال على ما قلناه، وأن المعقول منه التكرار أو فعل مرة واحدة، وما عدا هذا باطل بإجماع. (أيضاً) فإنه يصح أن يقال إنه على الوقف إذا كان أمراً بإيقاع الفعل على التراخي وبعد مهلة فيحتمل أن يراد به في ذلك الوقت وما بعده على التكرار، ويحتمل قصره على فعل مرة في الوقت المحدود، وهذا واضح. واعلموا - رحمكم الله - إنه ليس المراد بقولنا إنه محتمل لفعل مرة وللتكرار أنه لا يعقل منه مرة واحدة وحسن تقديم فعلها. وإنما نعني بذلك أن ما زاد على المرة يمكن أن يراد ويمكن أن لا يراد. فأما فعل المرة وتعجيلها عقب الأمر فمتفق عليه. فهذا - أيضاً- مما يجب أم يعلم مرادنا فيه وأيضاً، فإنه يصح أن يقال إنه على الوقف إذا كان أمراً بإيقاع الفعل على التراخي وبعد مهلة محتمل أن يراد به في ذلك الوقت إذا كان أمراً بإيقاع الفعل على التراخي وما بعده على التكرار ويحمل قصره على فعل مرة واحدة في الوقت المحدود. وهذا واضح. فأما إذا لم نقل بالوقف والاحتمال فيه وجب القول بأن مفهومه فعل مرة، واحدة.

стр. 556

والدليل على ذلك الرجوع إلى أهل اللغة وعلمنا بأنهم لا يعقلون من مطلق الأمر تكرار المأمور به، وإنما يعقلون ذلك بلفظ زائد على الإطلاق. يبين ذلك أن القائل إذا قال. أضرب زيدا وأشتر ثوباً واسقني ماء لم يعقل من ذلك إلا فعل مرة واحدة فقط. وإذا كان ذلك كذلك ثبت أنه ليس على تكرار. ويدل على ذلك - أيضاً- إنه إذا أراد التكرار زاد في اللفظ وقرنه بما ينبئ عنه. فقال: اضربه أبداً، واشتر لي عبداً شراء دائماً وافعله سرمداً، ونحو ذلك. وقد اتفق على أنه إذا قال مثل زاد في الفائدة على حكم الإطلاق، وعلى معني قوله أضرب، وكذلك لو قال: أضرب زيداً ضربتين أو عشراً لزاد في الفائدة على قوله أضرب زيداً. وإذا كان ذلك كذلك/ ص ١٧٩ ثبت أن معقول مطلقه فعل مرة واحدة، وما يدخل بفعل في استحقاق اسم ضارب. فإن قالوا: ما أنكرتم أن يكون دليلكم هذا موجباً لكون الأمر أمراً على الدوام لأجل أنه له قال افعله مرة واحدة لوجب أن يكون عندهم قد زاد على فائدة الإطلاق. ولو كان معقول الإطلاق فعل مرة واحدة لم يكن لقوله أضربه دفعة واحدة زيادة فائدة، وإذا لم يكن ذلك كذلك وجب التكرار. ويقال لهم: في هذا جوابان: أحدهما: إن ذلك يوجب أن يكون مطلق الأمر محتملاً لفعل مرة ومحتملاً للتكرار لجملة من الفعل. والجواب الآخر: إن فائدة قوله أضربه مرة واحدة تأكيد لمعني قوله أضربه والدليل على ذلك ما قدمناه من أن معقول إطلاق الأمر بشراء العبد والثواب إذا قال اشتر لي عبداً لم يعقل منه دوام ذلك، فصار إتباعه بذكر المرة تأكيد لمعنى مطلقه.

стр. 557

فصل: ويدل على هذا - أيضاً- ويوضحه اتفاقهم على تسمية من فعل ما أمر به أمراً مطلقاً مرة واحدة مطيعاً ممتثلاً بفعل المرة. وقولهم أطاع وأمتثل وفعل ما أمر به. وهذا ما لا خلاف بينهم في إطلاقه واستعماله وإيجاب اسم الطاعة والامتثال بأوائل، لفعل، فثبت بذلك أن معقول مطلقه فعل مرة واحدة. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون معني قولهم أطاع وامتثل وفعل ما أمر به إذا فعل المرة الواحدة إنه فعل بعض ما أمر به دون جميعه، وما هو من الفعل فرض وقته، لأنه لا يمكن التكرار في الزمن الواحد، فلذلك يسمي ممتثلاً. قيل لهم: هذا تأويل يجعل إطلاق قولهم امتثل أطاع وفعل ما أمر به مجازاً ولا سبيل إلى ذلك، لأن ظاهر قولهم قد فعل ما أمر به ينبئ عن فعل جميع ما كان أمر به وتناوله الأمر (فمن صرفه إلى بعض ما أمر به خالف مقتضي إطلاقهم)، ولا سبيل إلى ذلك ٠ ويقال لهم أيضاً: إذا كان من فعل الفعل مرة واحدة، قيل له بعد فراغه منه وترك التشاغل بمثله قد امتثلت وأطعت وفعلت ما أمرت به، وهو عاص مفرط بترك استدامة الفعل والدخول في تركة في وقت هذا القول له وجب أن يكونوا قد قالوا في العاصي والمفرط أنه مطيع ممتثل، ولم وجب أن يقال: أنه ممتثل مطيع بفعل مرة واحدة أولي من أن يقال بل هو عاص مفرط/ بترك الاستدامة للفعل؟ وأن يوصف بالشقاق والعصيان، وهذا أولي لأنه في حال الترك لاستدامة الفعل عاص عندهم على الحقيقة، وإنما كان مطيعاً قبل ذلك هو بتسميته بما هو متلبس فيه ومستديم له من العصيان بترك التكرار أولي وأحر، وإذا اتفق على أن من هذه حاله موصوف بأنه مطيع وممتثل غير عاص ولا مخالف دل ذلك على فساد ما قالوه. ولو كان الأمر على ما ذكروه لوجب أن لا يستحق أحد اسم

стр. 558

مطيع فيما أمر به إلا عند موته وانقطاع تكليفه، لأنه إذا استدام الفعل السنة والاثنين كان مطيعاً في بعض ما أمر به على قولهم، فيجب أن لا يستحق إطلاق اسم مطيع إلا عند موته. وفي الاتفاق على فساد ذلك دليل على سقوط هذا القول. ذكر شبه من قال إنه على التكرار والجواب عنها قالوا: ويدل على ذلك أنه لو قيد الأمر بذكر وقته، فقال، افعله في وقت كذا لتقيد ولزم فعله فيه مرة واحدة. وإذا أطلق بغير توقيت لزم فعله في سائر الأوقات. يقال لهم: لا يجب ما قلتموه، لأنه لو قيد الأمر بذكر الوقت للزم إيقاعه فيه بعينه، ولحق الإثم والتفريط بتركه فيه، وإذا أطلقه بغير توقيت كانت جميع الأوقات وقتاً له. وصار على التراخي، ونحن نقول إنه لا توقيت في المطلق، لكن ذلك لا يوجب الدوام على ما ظننتم، فوجب أن يكون فعله على التراخي، واستدلوا - أيضاً- على وجوب التكرار بأن مطلق الأمر اقتضي إيقاع الفعل في جميع الأزمان، لأنه لا تحديد فيه، فصار بمثابة قوله افعله دائماً في سائر الأوقات وبمنزلة قوله: اقتلوا المشركين في تناوله لجميع الأعيان. يقال لهم: هذا باطل، لأجل أنه إذا قال: صل وأضرب فلم يذكر الزمان بلفظة توحيد ولا تسمية ولا جمع معرف ولا منكر، وإنما ذكر جنس الفعل فقط. وإنما اقتضي الدليل، إيقاعه في وقت ما غير معين، فدعوي عموم الأزمان فيه خطأ، لأنه لا ذكر جري للزمان في قوله أضرب وصل، وإنما يدعي العموم من لفظه.

стр. 559

ولفظه هو أن يقول: صل في الأزمان معرفاً أو أزمان منكراً. أو صل أبداً دائماً سرمداً وما بقيت ونحوه/ ص ١٨١ حتى يجري ذلك مجري قوله اقتلوا المشركين، لأن الياء والنون علامة للجمع، وهو اسم جمع بني من لفظه واحدة، ولا ذكر له في القول صل فسقط ما قالوه. واستدلوا - أيضاً- على ذلك بأن قالوا: قد اتفق الكل من أهل اللغة وغيرهم على أن معقول مطلق النهي عن الفعل دوام الكف عن فعله في جميع الأوقات على تكرار الترك له والكف عنه، وكذلك يجب أن يكون معقول مطلق الأمر الدوام والتكرار في جميع الأحوال. قالوا ويؤكد هذا اتفاقهم على أن معقول الأمر أنه رافع لموجب النهي. فإذا كان النهي عنه يوجب الترك له والكف عنه في جميع الأوقات، وكان الأمر به يقتضي النهي عنه، ورافعاً له كان موجباً لضد موجبه، فإذا كان موجب النهي تركه في جميع الأوقات كان موجب الأمر نقيضه، وهو فعله في جميع الأوقات. فيقال لهم: هذا باطل من وجوه: أحدها: إننا إنما نتكلم في موجب اللغة. واللغة لا تقاس، وقد بينا ذلك من قبل ولا نتوصل إلى معني النطق بها. وفائدة اللفظ الموضوع فيها بالأدلة والاستخراج. وإنما يصار إلى ذلك بتوقيفهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يجب لو سلمنا أن معقول مطلق النهي بالاستعمال دوام الكف عن المنهي عنه أن نقول

стр. 560

فيجب أن يكون معقول الأمر به دوام فعله والإقدام عليه، لأن ذلك قياس. واللغة لا تقاس. والوجه الآخر: إننا لسنا نعلم حصول هذا الاتفاق الذي ادعوه في النهي ووجوب استدامة الكف عن الفعل أبداً دائما، يجب أن نقول أن معقول ذلك الكف عنه مرة واحدة وقدر ما إذا وقع منه من الكف قيل قد أنتهي وامتثل، وفعل موجب النهي فهو إذا كالأمر سواء. ووجودنا في الشريعة أموراً قد وجب الكف عنها أبداً إنما صير إليه بغير مطلق النهي. وكذلك ما وجدناه من العبادات الواجب تكرارها. فإنما وجب ذلك فيها لدليل غير إطلاق الأمر فسقط بذلك ما قالوه. ويدل على هذا حسن الاستفهام في ذلك وقول المكلف عند النهي له عن الفعل أتركه أبداً أو وقتاً واحداً أو أوقات محصورة وكيف كنت وتصرفت في الحال، ونحو هذا. ولو كان معقول مطلق الدوام لقبح الاستفهام./ ويدل على ذلك - أيضاً- أنه لو قال له إنه عن الفعل مرة واحدة لتقدر بذلك. وكذلك لو قال انته عنه مرتين لتقدر يهما. ولو قال أنته عنه أبداً للزم الكف عنه دائماً. فصار النهي في هذا على الوقف على ما كنا خبرنا به في أول الباب في حكم الأمر على أحد الجوابين، أو وجب على الجواب الثاني أن يقال: إن معقول الكف مرة واحدة، ولا معني (لقول من قال) بعد هذا إن القول بذلك خروج عن الإجماع، لأنه دعوي لا أصل له. والجواب الآخر أن نقول: يجب الرجوع في ذلك إلى أهل اللغة. وقد قالوا عند أكثر الناس إن موضوع مطلق قول القائل لا تضرب زيداً ولا تدخل الدار، أي لا يكن منك هذا الفعل أبداً، فأي وقت فعلته فقد خالفت، وذلك شاهد لما قلناه لأنهم - أيضا- قد قالوا إن معقول قوله أضرب زيداً، وأدخل الدار، أي ليكن منك ما تسمي به مطيعاً ممتثلاً، وهو يستحق التسمية بذلك بفعل مرة

стр. 561

واحدة على ما بيناه من قبل، فوجب اقتضاء النهي لتكرار الكف والاجتناب وانقطاع الأمر بفعل مرة واحدة، ولأجل أنهم يقولون على هذا إنه متى فعل ما نهي عنه. قيل إنه عاص. ومتى ما أمر به دفعة واحدة. قيل إنه ممتثل مطيع، فصار ما ذكروه في النهي شاهداً لقولنا. ولا وجه لقول من فصل بين الأمر والنهي في هذا الباب بأن حمل الأمر على الدوام فيه مشقة وتكليف لما لا يطاق وانقطاع عن المصالح وترك العبادات وإهلاك الحرث والنسل. وليس في حمل النهي على تكرار مشقة وتكليف لما لا يطاق ولا ترك لغير المنهي عنه من العبادات وانقطاع عن المصالح فأفترق الأمران، لأن أول ما في هذا الجواب أنه إثبات لموجب اللغة ومقتضي اللسان بالقياس وأدلة العقول. وكأن قاتل هذا يقول: إنما قلت بحمل النهي على التكرار، لأنه ليس بتكليف لما لا يطاق. ولو أقل في ذلك الأمر لأنه مقتض لذلك. وهذا نظر واستخراج وما لا يثبت بمثله لغة فبطل الفصل بما قالوه، على أنه يجب عليهم حمل الأمر على ما في الوسع والإمكان وقدر ما لا يكون متقطعاً عن الفروض والمصالح بحق فصلهم هذا. فأما أن يجب الفعل مرة فقط. وفي الوسع والطوق أكثر منها فباطل، لا يوجبه/ ص ١٨٣ فصلهم. وفرق - أيضاً- بعضهم بين ذلك بأن قال: لما كان النهي مقتض قبح المنهي عنه ويدل عليه وجب الكف أبداً عن فعله. ولما كان الأمر يقتضي حسن المأمور به لم يجب على الدوام عليه. وهذا - أيضاً- باطل من وجوه: أحدها: إنه إثبات لحكم اللغة وفائدة التخاطب الدال بالمواضعة والمواطأة

стр. 562

بأدلة العقول، وليس برجوع إلى نقل وتوقيف، وذلك باطل. والوجه الآخر: إنه قد أخطأ القائل بأن مطلق النهي يقتضي قبح المنهي عنه، لأن النهي قد يكون ندباً وتنزيهاً وفضلاً ليس على الوجوب والتحريم، كما يكون الأمر ندباً لا إيجاباً. وقد دللنا على ذلك من قبل. وأخطأ - أيضاً- في قوله: إن النهي إذا دل على قبح المنهي عنه دل على قبح أمثاله في جميع الأوقات، لأن مثل القبيح المنهي عنه في وقت يكون حسناً مأمور به في وقت آخر، ومثل الحسن الواجب في وقت من العبادات يكون حراماً قبيحاً في وقت أخر وصاحب هذا الفرق توهم أن مثل القبيح لا يكون أبداً قبيحاً. ليس الأمر على ما ظنه. وقد أخطأ - أيضاً- في قوله إن الأمر إنما يدل على حسن المأمور به. وإذا دل على حسنه وجب فعله مرة واحدة. فإن الحسن لا يجب فعله مرة واحدة من حيث كان حسناً ولا على الدوام، ولأن من الحسن ما يجب الدوام على امتثاله. ومنه ما لا يجب إلا مرة واحدة كالحج الواجب. وقد يكون من الحسن ما لا يجب مرة واحدة. ولا على الدوام وهو النقل المندوب إليه، فبطل ما قالوه ووجب الاعتماد على ما قلناه من قبل في الفرق بين الأمر والنهي عند من قال إنهما مفترقان فيما ادعوه. واستدلوا على ذلك - أيضاً- بأنه لا خلاف في أنه يجب تكراره إذا قيد

стр. 563

بشرط وصفة، نحو أن يقول: صل إذا زالت الشمس، ونحو ذلك. وهذا - أيضاً- باطل لما ندل عليه من بعد، وأنه لا فرق بين المقيد من ذلك وبين المطلق في إنه يجب الوقف فيهما. أو فعل مرة واحدة. فأما استدلال من أستدل منهم على وجوب التكرار بأنه قد وجد الأوامر في الشرعة بالعبادات على التكرار، فإنه لا حجة فيه، لأن هذا لو ثبت على ما قاله لكان إنما وجب بدلالة غير مطلق الأمر، ثم إن هذا ليس على ما أدعاه، لأن في الشرعة واجبات وعبادات ليست على التكرار نحو الحج وما جري مجراه مما لا يجب فعله إلا مرة واحدة فبطل ما قالوه. وإن قالوا ما يجب به فعل مرة واحدة/ ص ١٨٤ من الحج وغيره لم يجب بمطلقه. وإنما وجب بدليل أقترن به. قيل لهم: وكذلك ما وجب تكراره لم يجب بمجرد الأمر، وإنما وجب بدليل أوجب ذلك في حكمه، ولا فصل في ذلك.

стр. 564

باب القول في حكم المأمور به والمنهي عنه المتعلقين بصفة أو شرط هل يتكرر بتكرر الصفة والشرط أم لا؟ وقد أختلف الناس - أيضاً- في هذا الباب. فقال كل من زعم أن مجرد الأمر والنهي يقتضي التكرار، أنهما إذا علقا بصفة أو شرط وجب تعلقهما بذلك على التكرار، وكان أكد في إيجابه كذلك عند تكرار الشرط والصفة. وأفترق القائلون بأن مجرد الأمر بالفعل العاري من الصفة والشرط لا يوجب التكرار فيه. فقال كثير منهم - أيضاً- إنه إذا علق بصفة أو شرط يوجب التكرار بتكررهما، كما لا يوجب ذلك بمجرده. وهذا هو الصحيح الذي نقول به.

стр. 565

وقال الفريق الآخر: إنه يوجب التكرار بتكرر الصفة والشرط، وإنه في ذلك مخالف لتكرر الأمر المجرد منهما. وكذلك حكم اختلافهم في النهي المقرون بصفة أو شرط على هذا النحو. فزعم قوم إنه لا يتكرر وجوب ترك المنهي عنه لتكرر شرط النهي عنه، وعليه كل من قال إنه لا يجب تكرار وجوب ترك المنهي عنه بمجرد النهي. وقال فريق منهم: يجب تكرر ترك وجوبه بتكرر الشرط. فصل: وكل دليل ذكرناه في أن مجرد الأمر لا يوجب التكرار فهو بعينه دليل على أن تعليقه بالصفة أو الشرط لا يوجب التكرار. وأن النهي- أيضاً- في هذا الباب مطلقه ومشروطه جارٍ مجراه وذلك بين عند التأمل، فلا حاجة بنا إلى الإطالة برده. ومما يدل على ذلك أيضاً- إنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الأمر المطلق العاري من الشرط لا يقتضي إلا فعل مرة واحدة وجب- أيضاً- إذا قيد بصفة أو شرط أن يقتضي ما يقتضيه مجرده. لأن إدخال الشرط في الكلام لا يؤثر في تكثير الفعل وتقليله. وإنما تأثيره في أنه لا يوجب ما يوجبه مطلق الأمر. دون أن يكون بذلك الشرط أو الوصف، لأن مطلق الأمر إنما يقتضي فعله كيف تصرفت الحال. فإذا قال: اضرب زيداً إن كان قائماً، أو إذا كان قائماً، أو إن قام لم يجز ضربه إلا بحصول الشرط، فوجب أن يكون هذا هو الفرق بين المطلق والمشروط.
следующие страницы →