← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17883

التقريب والإرشاد (الصغير)

الباقلاني

Полный текст (1 232 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

واحدة على ما بيناه من قبل، فوجب اقتضاء النهي لتكرار الكف والاجتناب وانقطاع الأمر بفعل مرة واحدة، ولأجل أنهم يقولون على هذا إنه متى فعل ما نهي عنه. قيل إنه عاص. ومتى ما أمر به دفعة واحدة. قيل إنه ممتثل مطيع، فصار ما ذكروه في النهي شاهداً لقولنا. ولا وجه لقول من فصل بين الأمر والنهي في هذا الباب بأن حمل الأمر على الدوام فيه مشقة وتكليف لما لا يطاق وانقطاع عن المصالح وترك العبادات وإهلاك الحرث والنسل. وليس في حمل النهي على تكرار مشقة وتكليف لما لا يطاق ولا ترك لغير المنهي عنه من العبادات وانقطاع عن المصالح فأفترق الأمران، لأن أول ما في هذا الجواب أنه إثبات لموجب اللغة ومقتضي اللسان بالقياس وأدلة العقول. وكأن قاتل هذا يقول: إنما قلت بحمل النهي على التكرار، لأنه ليس بتكليف لما لا يطاق. ولو أقل في ذلك الأمر لأنه مقتض لذلك. وهذا نظر واستخراج وما لا يثبت بمثله لغة فبطل الفصل بما قالوه، على أنه يجب عليهم حمل الأمر على ما في الوسع والإمكان وقدر ما لا يكون متقطعاً عن الفروض والمصالح بحق فصلهم هذا. فأما أن يجب الفعل مرة فقط. وفي الوسع والطوق أكثر منها فباطل، لا يوجبه/ ص ١٨٣ فصلهم. وفرق - أيضاً- بعضهم بين ذلك بأن قال: لما كان النهي مقتض قبح المنهي عنه ويدل عليه وجب الكف أبداً عن فعله. ولما كان الأمر يقتضي حسن المأمور به لم يجب على الدوام عليه. وهذا - أيضاً- باطل من وجوه: أحدها: إنه إثبات لحكم اللغة وفائدة التخاطب الدال بالمواضعة والمواطأة

стр. 562

بأدلة العقول، وليس برجوع إلى نقل وتوقيف، وذلك باطل. والوجه الآخر: إنه قد أخطأ القائل بأن مطلق النهي يقتضي قبح المنهي عنه، لأن النهي قد يكون ندباً وتنزيهاً وفضلاً ليس على الوجوب والتحريم، كما يكون الأمر ندباً لا إيجاباً. وقد دللنا على ذلك من قبل. وأخطأ - أيضاً- في قوله: إن النهي إذا دل على قبح المنهي عنه دل على قبح أمثاله في جميع الأوقات، لأن مثل القبيح المنهي عنه في وقت يكون حسناً مأمور به في وقت آخر، ومثل الحسن الواجب في وقت من العبادات يكون حراماً قبيحاً في وقت أخر وصاحب هذا الفرق توهم أن مثل القبيح لا يكون أبداً قبيحاً. ليس الأمر على ما ظنه. وقد أخطأ - أيضاً- في قوله إن الأمر إنما يدل على حسن المأمور به. وإذا دل على حسنه وجب فعله مرة واحدة. فإن الحسن لا يجب فعله مرة واحدة من حيث كان حسناً ولا على الدوام، ولأن من الحسن ما يجب الدوام على امتثاله. ومنه ما لا يجب إلا مرة واحدة كالحج الواجب. وقد يكون من الحسن ما لا يجب مرة واحدة. ولا على الدوام وهو النقل المندوب إليه، فبطل ما قالوه ووجب الاعتماد على ما قلناه من قبل في الفرق بين الأمر والنهي عند من قال إنهما مفترقان فيما ادعوه. واستدلوا على ذلك - أيضاً- بأنه لا خلاف في أنه يجب تكراره إذا قيد

стр. 563

بشرط وصفة، نحو أن يقول: صل إذا زالت الشمس، ونحو ذلك. وهذا - أيضاً- باطل لما ندل عليه من بعد، وأنه لا فرق بين المقيد من ذلك وبين المطلق في إنه يجب الوقف فيهما. أو فعل مرة واحدة. فأما استدلال من أستدل منهم على وجوب التكرار بأنه قد وجد الأوامر في الشرعة بالعبادات على التكرار، فإنه لا حجة فيه، لأن هذا لو ثبت على ما قاله لكان إنما وجب بدلالة غير مطلق الأمر، ثم إن هذا ليس على ما أدعاه، لأن في الشرعة واجبات وعبادات ليست على التكرار نحو الحج وما جري مجراه مما لا يجب فعله إلا مرة واحدة فبطل ما قالوه. وإن قالوا ما يجب به فعل مرة واحدة/ ص ١٨٤ من الحج وغيره لم يجب بمطلقه. وإنما وجب بدليل أقترن به. قيل لهم: وكذلك ما وجب تكراره لم يجب بمجرد الأمر، وإنما وجب بدليل أوجب ذلك في حكمه، ولا فصل في ذلك.

стр. 564

باب القول في حكم المأمور به والمنهي عنه المتعلقين بصفة أو شرط هل يتكرر بتكرر الصفة والشرط أم لا؟ وقد أختلف الناس - أيضاً- في هذا الباب. فقال كل من زعم أن مجرد الأمر والنهي يقتضي التكرار، أنهما إذا علقا بصفة أو شرط وجب تعلقهما بذلك على التكرار، وكان أكد في إيجابه كذلك عند تكرار الشرط والصفة. وأفترق القائلون بأن مجرد الأمر بالفعل العاري من الصفة والشرط لا يوجب التكرار فيه. فقال كثير منهم - أيضاً- إنه إذا علق بصفة أو شرط يوجب التكرار بتكررهما، كما لا يوجب ذلك بمجرده. وهذا هو الصحيح الذي نقول به.

стр. 565

وقال الفريق الآخر: إنه يوجب التكرار بتكرر الصفة والشرط، وإنه في ذلك مخالف لتكرر الأمر المجرد منهما. وكذلك حكم اختلافهم في النهي المقرون بصفة أو شرط على هذا النحو. فزعم قوم إنه لا يتكرر وجوب ترك المنهي عنه لتكرر شرط النهي عنه، وعليه كل من قال إنه لا يجب تكرار وجوب ترك المنهي عنه بمجرد النهي. وقال فريق منهم: يجب تكرر ترك وجوبه بتكرر الشرط. فصل: وكل دليل ذكرناه في أن مجرد الأمر لا يوجب التكرار فهو بعينه دليل على أن تعليقه بالصفة أو الشرط لا يوجب التكرار. وأن النهي- أيضاً- في هذا الباب مطلقه ومشروطه جارٍ مجراه وذلك بين عند التأمل، فلا حاجة بنا إلى الإطالة برده. ومما يدل على ذلك أيضاً- إنه إذا ثبت بما ذكرناه أن الأمر المطلق العاري من الشرط لا يقتضي إلا فعل مرة واحدة وجب- أيضاً- إذا قيد بصفة أو شرط أن يقتضي ما يقتضيه مجرده. لأن إدخال الشرط في الكلام لا يؤثر في تكثير الفعل وتقليله. وإنما تأثيره في أنه لا يوجب ما يوجبه مطلق الأمر. دون أن يكون بذلك الشرط أو الوصف، لأن مطلق الأمر إنما يقتضي فعله كيف تصرفت الحال. فإذا قال: اضرب زيداً إن كان قائماً، أو إذا كان قائماً، أو إن قام لم يجز ضربه إلا بحصول الشرط، فوجب أن يكون هذا هو الفرق بين المطلق والمشروط.

стр. 566

ويبين هذا ويوضحه اتفاقهم على أنه لو قال القائل لوكيله طلقها، إذا دخلت/ ص ١٨٥ الدار أو إن دخلت الدار لم يكن موكلاً له بطلاقها كلما دخلت الدار ومتى دخلت، ولم يفهم منه إلا فعل مرة مع وجود أول الدخول. ولو قال له وكلتك بطلاقها كلما دخلت الدار، وأي وقت دخلت الدار، ومتى دخلت الدار لكان موكلاً له بتكرار الطلاق كلما دخلت. وكذلك لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وإذا دخلت الدار لم يتكرر الطلاق بتكرار الدخول، ولو قال: كلما دخلت وأي وقتٍ دخلت تكرر. ومن أنكر العموم من الفقهاء والمتكلمين لا يوجب تكرر ذلك بتكرر الشرط ولا بقوله كلما دخلت، وأي وقت دخلت، لأن هذا اللفظ يصلح للبعض ويصلح للكل. وإنما يوجبون ذلك عليه من جهة حكم الشرع. فإذا قرر الشرع ذلك عند أهل الوقف وأصحاب الخصوص لم يقرر مالا يصلح له اللفظ ويحتمله. وإنما قرر بعض محتملاته، فيجب الوقوف على ذلك. ومما يبين أن حكم المطلق والمشروط في هذا وفي الأمر والنهي سيان أن المخبر إذا قال: زيد يضرب عمراً صادق في# خبره إذا ضربه دفعة واحدة ولم يكرر ضربه. وكذلك لو قال: زيد يضرب عمراً إذا قام، وجب أن يكون صادقاً

стр. 567

ومستوفياً لموجب الخبر، إذا وقع الضرب دفعة واحدة، وكذلك حكم الأمر والنهي، فثبت أن مطلقه ومقيده في ذلك سواء. فصل: وقد تعلق القائلون بموجب تكرار الفعل بتكرار الأمر به، إذا كان مشروطاً بأنه لو لم يجز ذلك لوجب أن يكون المفعول ثانياً وثالثاً بعد تقضي الشرط وترك الفعل مع حصول مفعولاً على سبيل القضاء لا على وجه الأداء. ولما بطل ذلك وجب أن يكون على وجه التكرار. وهذا ليس على ما ادعوه، لأن كل ما تقضي وقته بشرطه وترك مع حصولهما فإنما يفعل بعد ذلك على سبيل القضاء بأمر ثانٍ كان سببه تفريطاً لزم في مثلٍ له كان وجب، على ما نبينه من بعد، فبطل ما قالوه. واستدلوا- أيضاً- على ذلك بأنه إذا وجب تكرر الحكم بتكرر عليه وجب- أيضاً- تكرره بتكرر شرطه، لأن الشرط كالعلة. وهذا- أيضاً- باطل، لأن الشرط في هذا مفارق للعلة، لأنها إن كانت علة عقلية فهي موجبة لنفسها ومحال وجودها ووجود مثلها وليست بعلة، لأن ذلك نقض لها وقلب لجنسها. وإن كانت شرعية فهي مع التعبد بالقياس علامة على وجوب الحكم أين وجدت ومتى وجدت إلا على قول القائلين بتخصيص العلة من أهل العراق/ ص ١٨٦ فإن قال

стр. 568

قائل بقولهم فقد جوز أن يكون مثل العلة الشرعية غير علة، فتجويز مثل هذا في الشرط أقرب، لأن الشرط ليس بعلة ولا دلالة على وجوب المشروط متى وجد الشرط، لأن في هذا وقع النزاع، وكذلك من قال إن العلة المنصوص عليها يصح تخصيصها دون المستنبطة قد جوز أن يكون مثل العلى غير علة. وكذلك النص على الشرط لا يوجب أن يكون مثله شرطاً لإيجاب المشروط. وإذا كان ذلك كذلك فقد سقط ما استدلوا به على أصول هؤلاء، وسقوطه- أيضاً- بين على أصولنا من قبل أن مثل الشرط بإتفاق لا يكون شرطاً، ولهذا لم يكن دخول الدار ثانياً وثالثاً شرطاً موجباً لوقوع الطلاق، وإن كان الدخول الأول شرطاً لوقوعه، فكذلك قد يجوز أن يكون مثل الشرط لوجوب الفعل غير شرط له. لأن القائل إذا قال: إذا دخلت الدار فاشتر لي عبداً، وإذا دخلت السوق فاشتر لي ثوباً لم يجب أن يعقل منه وجوب تكرار الشراء كلما دخل. والعلة الشرعية وضعت علامة على الحكم مع التعبد بالقياس. فلو لم توجبه في موضع من المواضع لبطل كونها علاقة فافترق الأمران. فصل: واستدلوا- أيضاً- على وجوب تكرر الفعل بتكرر الشرط، بأنهم وجدوا هذا الحكم في الكتاب نحو قوله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ قالوا فقد وجب تكرار الغسل والوضوء بتكرر القيام من النوم وتكرر الجنابة، فصح ما قلناه. يقال لهم: ليس وجوب تكرر ذلك لتكرر الشرط وموجب اللغة، وإنما وجب تكرر ذلك بالتوقيف والشرع. ولولا إيجاب الشرع لما اقتضاه تكرر الشرط من حيث كان شرطاً، فسقط ما قلتم على أن ما قالوه لا يجب بتكرر الشرط، لأنه لو قام من النوم ولم تجب عليه صلاة أو كان جنباً لم تجب عليه الصلاة لم يجب عليه الغسل ولا الوضوء، وإنما يجبان عليه متى كان جنباً أو قائماً من النوم

стр. 569

والصلاة واجبة عليه. وأما إن لم تجب عليه الصلاة لم يجب ذلك، فبطل ما قالوه. على أنه يقال لهم: فقد وجد في الشرع عبادة مشروطة بشرط لا يجب تكررها بتكرر شرطها وهي الحج، لأنه تعالى قال: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وذلك بمثابة قوله متى استطاع إليه سبيلاً. وإذا استطاع إليه، ثم لم يجب تكرر وجوب الحج عند تكرر الاستطاعة/ ووجود ص ١٨٧ السبيل، فبطل ما قلتم. فإن قالوا: إنما سقط وجوب ذلك بدليل اقترن باللفظ. قيل لهم: وإنما وجب تكرر غسل الجنب ووضوء القائم للصلاة من النوم إذا وجبت عليهما الصلاة بدليل، لا بنفس الشرط، ولا فرق في ذلك. واستدلوا- أيضاً- على ذلك بأن النهي المعلق بصفة أو شرط يجب تكرر ما اقتضاه بتكرر رطه وصفته. فكذلك حكم الأمر، وهذا باطل، لأنهما عندنا سيان لا يجب التكرار فيهما. على أن أكثر الناس يوجب في النهي ضد ما قالوه لأنهم يزعمون أن مفهوم مطلق النهي بغير شرطٍ يوجب تكرار ترك المنهي عنه واجتنابه أبداً بضد ما يوجبه مطلق الأمر، لأن مطلق الأمر يوجبه مرة واحدة، ومطلق النهي يوجب الترك والاجتناب على التأبيد. وإذا قيد النهي بشرط إلى مدة لم يعقل منه إلا وجوب الترك والاجتناب دفعة واحدة عند أول ما يوجد من الشرط، لأن القائل إذا قال لعبده لا تدخل الدار، ولا تكلم زيداً مطلقاً كان ذلك على التأبيد، وإذا شرطه فقال: لا تدخل الدار إذا قام زيد، وإذا قدم عمرو، لم يعقل من ذلك إلا وجوب الكف دفعة واحدة مع أول الدخول. فهذا بضد ما قالوه.

стр. 570

ويشهد لذلك الشرع- أيضاً- لأن حالفاً لو قال: والله لا كلمت زيداً للزمه الحنث والكفارة متى كلم ولو قال: والله لا كلمته إن أكل طعاماً أو دخل الدار لم يلزمه من ذلك تكرار الحنث والكفارة كلما دخل وأكل. فوجب أن يكون معقول الفعل المشروط أكد في أنه لا يجب تكراره، فسقط ما قالوه. فصل: في ذكر معنى الصفة والشرط المعلق بهما الأمر والنهي فإن قيل: فما الصفة والشرط المعلق بهما الأمر والنهي؟ قيل: هما كل أمر علق وجوب إيقاع الفعل المأمور به أو الكف عن المنهي عنه والاجتناب له به، ولم يصح إيقاعه واجتنابه إلا بحصوله وسواء كان شرطاً بالمكان أو الزمان الذين ليسا من مقدورات العباد والصفات التي ليست بأفعالٍ لهم أيضاً، نحو الصحة والقدرة وكمال العقل، ونحو ذلك. أو كان الشرط من اكتساب العبد، نحو أن يقال له: صل إن كنت متطهراً. وصم إن كنت ناوياً، وكفر إن كنت حانثاً وحالفاً، بأن لا يفعل ما فعله في أمثال هذا مما يكون الشرط لوجوبه وللأمر بفعله أو النهي عنه شيئاً من كسب المكلف. وقد جعل الوقوف بعرفة شرطاً لصحة الحج، والمسجد شرطاً لصحة الاعتكاف عند القائل بذلك/ ص ١٨٨، وزوال الشمس وطلوع الفجر شرطين لما يجب عندهما من العبادات، وكذلك القدرة والصحة، وكمال العقل، وكل ذلك ليس من كسب العبد، فيجب أن يكون الشرط هو ما وصفناه من هذه الأنواع والأقسام. فصل: ومن حق الشرط أن يكون مستقبلاً غير ماضٍ ولا واقع في حال

стр. 571

الخطاب. إذا كان بلفظ يقتضي الاستقبال، نحو أن يقول: إذا قام زيد فكلمه أو فاضربه، ونحو ذلك، و "إذا "و "إن "يوجبان استقبال الفعل الذي هو الشرط. ولا معنى لقول القائل: إذا قام زيد فاضربه مع كون زيد قائماً وقت الخطاب. وإذا قال: اضرب زيداً إن كان قائماً أو راكباً صح أن يكون ما شرط بع الفعل واقعاً متقدماً، لأن معنى هذا اضربه إن وجدته قائماً أو راكباً. ومن سبيل الشرط أن يكون مما يصح حصوله ويجوز كونه، وتصح القدرة عليه إن كان من كسب العبد، على قول من لم يجز تكليف المحال من أهل الحق. فأما من أجاز ذلك فلا يوجب كونه بهذه الصفة من جهة العقل، وإن كان الشرع لم يرد بذلك، ولم يجعل الشيء من العبادات شرطاً مستحيلاً. ولهذا لم يحسن عندهم أن يقال للمكلف صل إذا تحرك زيد في حال سكونه. وصل إذا كنت فاعلاً للشيء غير فاعل له وجامعاً بين الضدين، وإذا كنت في مكانبن، ونحو ذلك من المحال الممتنع من فعل الله سبحانه وكسب العبد، والأولى في هذا أن الأمر إذا ورد مشروطاً بالمحال لم يكن المكلف مأموراً بشيء لاستحالة وقوع الشرط، لأنه إذا قال له: صل إذا كان زيد متحركاًً ساكناً وعالماً جاهلاً. وزيد لا يجوز أن يكون كذلك أبداً لم يلزمه نحو هذا الأمر بشيء، وإنما تكليف المحال أن يقال له كن متحركاً ساكناً وعالماً جاهلاً ومخترعاً للأجسام، وجامعاً بين الضدين، وإذا كنت في مكانين. وهذا هو الذي لم يرد في العبادات. وأما أن يقال: إن الأمر المشروط بالمحال أمر بفعل ما، فبعيد لا يصح القول به. فصل: ومن سبيل الشرط- أيضاً- أن يكون معلوماً متميزاً للمكلف، وأن يكون له إلى العلم به سبيل على قول من منع تكليف المحال. فأما من أجاز ذلك، فإنه

стр. 572

لا يوجبه/ ص ١٨٩ لأنه لا يجوز على القول الأول أن يقول له: صل إذا اخترعت جسماً في السماء، وإذا تشاجرت الملائكة، وإذا كان حمل المرأة ذكراً أو أنثى. وإن كان زيد مستنبطاً للإيمان أو الكفر، وأمثال هذا من الغيوب، التي لا سبيل إلى علمها. هذا هو الذي تقرر عليه حكم الشرع. فصل: ويجب أن يقال: إن الصفة التي من جملة الشروط هي ما يصح حصوله قائماً بالمكلف أو بغيره من الأحياء والموات وما ليس هذه سبيله، فليس بصفة على الحقيقة، من اختراع الأجسام، وما جرى مجرى ذلك غير أن الصفة التي هي شرط قد تكون صفة للمكلف، وتكون من كسبه ومن غير كسب. وقد تكون صفة لغيره، هذا هو الفرق بين معنى الصفة التي هي شرط، وبين الشرط الذي ليس بصفة. فصل في ذلك وقد اتفق على أن ما هو شرط وصفه لحكم عقلي، فإنه لا يوجد هو ومثله إلا وهو مشرط، وذلك نحو وجود الجسم الذي هو شرط لوجود صفاته، والحياة التي هي شرط لوجود العلم والقدرة وجميع صفات الحي. وإن كان الشرط للعبادة الشرعية لا يجب كونه وكون مثله شرطاً أبداً، وأن الشرط الشرعي ليس ذلك من حقه، فلذلك لا يجب كون استطاعة الحج شرطاً لوجوبه أبداً. وكذلك سائر ما جعل شرطاً للعبادات من الأمكنة والأزمنة وأوصاف المكلفين وغيرها. فليس العقلي في هذا الباب كالشرعي، فيجب علم ذلك.

стр. 573

باب القول في الأمر إذا تكرر هل يوجب تكرار المأمور به أم لا ؟ اختلف الناس في هذا الباب فقال كثير منهم: إنه لا يجب ذلك فيه وحملوا تكرار الأمر بالفعل على وجه التأكيد للأمر. وقال آخرون: يجب تكرار المأمور به بتكرار الأمر به. قالوا: لأن كل واحد منهما لو انفرد لأوجب فعلاً فوجب أن يوجبا فعلين بالاجتماع. والذي يجب تحصيله في هذا الباب أن يقال: إن ثبت بطريق ما وعلم أن تكراره خارج على وجه التأكيد لم يلزم به إلا فعل مرة واحدة، وإن لم يقم على ذلك دليل وجب القضاء بتكرار المأمور به لتكرره، وهذا الاختلاف إنما هو في

стр. 574

تكرار الأمر/ ص ١٩٠ بالفعل الواحد أو الجنس من الفعل، نحو أن يقول اضرب زيداً ثم يقول ثانياً اضربه وصل، ثم يقول له ثانياً صل. ولم يختلفوا في أنه إذا تكرر بأفعال مختلفة فإنه يقتضي إيقاع تلك الأفعال كما لو أن يقال: أسلم وصل وصم ونحو ذلك. والأولى في هذا أن لا توصف بأنها أوامر متكررة. بل يقال متتابعة ومترادفة ومتعاقبة ونحو ذلك. والمخصوص باسم التكرار ما تعلق بجنس واحد. بل يجب أن يكون ما تعلق بالفعل الواحد من الجنس. فأما إذا تعلق بفعلين غيرين من الجنس لم يكن متكرراً. وإن كان جنس المأمور ب متكرراً. فصل: واعلموا- رحمكم الله- أنه ليس في العبادات المأمور بها ما أمر الله تعالى بعض المكلفين بتكراره بعينه، وفعله مرة بعد أخرى، لأجل أن ذلك لا يتميز للعبد، ولا يعلمه على ما بيناه في أصول الديانات. والقدرية متفقة على استحالة تكليف ذلك لقولهم باستحالة إعادة شيء من أفعال المكلفين الباقي منها عندهم وغير الباقي لشبهٍ لهم، ليس هذا موضع ذكرها. وقد تقصيناها في الكلام في أصول الديانات بما يغني الناظر فيه عن الإطالة، وإنما يريد الفقهاء بوجوب تكرر فعل المأمور به لتكرر الأمر أو سقوط ذلك فعل مثل المأمور به ثانياً وثالثاً. وكل ما تكرر الأمر به. وليس فعل مثل الشيء باتفاق تكراراً لفعله. وإنما هو ابتداء لفعل مثل وغير له هو منفصل عنه، فيجب ضبط هذا.

стр. 575

فصل: والذي يمنع من تكرر وجوب امتثال الفعل بتكرر الأمر به أمور: أحدها: أن يكون امتناع تكرر مثله وتعذر تأتيه معلوما استحالته من جهة العقل. وقد يمنع من ذلك مانع بحكم الشرع. ويمنع منه - أيضا- أن يكون الأمر الأول عاما مستوعبا بلفظه أو بدليله. وقد يمنع من ذلك عهد بين الآمر والمأمور في وجوب حمل المتكرر من الأوامر على أمر واحد. ويمنع من ذلك عرف عادة. فأما ما يتعذر تكرار مثله لامتناعه في العقل فنحو امتناع تكرر قتل المقتول وكسر المكسور وأمثال ذلك، لأنه محال وجود قتل المقتول بعد قتله لامتناع قتل المقتول. وكذلك أكل ما أكل، وما جرى مجرى ذلك، لأنه ممتنع /تأتي مثل القتل الأول في الثاني. والأمور على ما هي عليه. وإذا قال له: اقتل زيدا اقتله، واكسر الإناء اكسره. وعلم أن القتل والكسر لا يتأتى في قضية العقل ومستقر العادة إلا دفعة واحدة حمل تكرار الأمر على طريق التأكيد وجعل أمرا واحدا. وأما ما يتعذر مثله من جهة حكم الشرع. فهو أن يقول له اعتق عبدك، ثم يقول له: اعتقه واعتقه، وطلق هذه المرأة ثلاثا وطلقها. وأمثال هذا مما قد منع الشرع من تكرار أمثاله. وجعله متعذرا، لأنه إذا أعتق مرة وطلق ثلاثا حصل العبد حرا والمرأة بائنة. وقد حكم الشرع بتعذر عتق الحر وطلاق من ليس بزوجة. وقد يمنع من تكرار مثل الفعل بتكرر الأمر كون الأمر الأول عاما مستغرقا لجميع ما يتناوله الاسم إذا علم كونه عموما، لأنه إذا كان ذلك كذلك لم يبق منه

стр. 576

شيء يتناوله الأمر الثاني. فإذا تكرر تناول الأمر الثاني نفس ما تناوله الأول. وكذلك إذا ذكر في الثاني بعض ما اشتمل عليه العام الأول. نحو أن يقول اقتلوا المشركين، ويقول اقتلوا الوثنيين والمجوس وأمثال هذا. لأن الثاني منه متناول لبعض ما تناوله الأول. فيجب حمل أمثال هذا على التأكيد. وكذلك إذا عهد الآمر إلى المأمور، فقال إذا كررت أمرك بضرب زيد أو بالصلاة، فاعلم أنني أريد بالمتكرر منه فعلا واحدا، فلا تفعل أكثر منه وجب لذلك حمل المتكرر من الأوامر - مع العهد بهذا- على التأكيد وفعل مرة واحدة. وقد يعلم أن الأمر صادر على جهة التأكيد، لا على تكرار الفعل بعادة وشاهد حال. نحو قول المرء لعبده: اسقني ماء، واسقني واسقني، لأنه قد علم أنه إنما يريد منه شرب ما يزيل عطشه لا التكرار. ونحو هذا مما يعرف بمستقر العادة. وقد قال أهل اللغة: إن الشيء لا يعطف على نفسه، فيجب إذا أراد بالأوامر التأكيد أن لا ينسقها بالواو بل يقول: اسقني ماء اسقني اسقني. فصل: ويجب أن يكون لا فصل في وجوب تكرر الفعل بتكرر الأمر به إذا لم يكن على مذهب الإتباع والتأكيد بين أن يكون المتكرر من الأوامر واجبا أو ندبا، فإنه قد يندب إلى تكرار الأفعال كما /ص ١٩٢ يوجب تكرارها، ويكون المتكرر ندبا كله، كما يكون المتكرر من الواجب واجباً كله.

стр. 577

واعلموا أنه لا خلاف في أن تكرر الأمر بالفعل بعد فعل موجب الأمر الأول منه في حمله على التكرار، لأنه إذا قال: اضرب زيدا، فضربه. ثم قال اضربه. فلا شك أنه ليس بآمر له بالماضي من الفعل، وإنما يأمره بإيقاع مثله. وإنما الشبهة والاحتمال يقعان في ذلك قبل الامتثال من غير تغاير وقت الضرب، إذا قال: اضرب اضرب، لأنه يصح قبل إيقاع الفعل أن يكون المتكرر من الأمر به صادرا على وجه التأكيد والإتباع، وأن يكون خارجا عن وجه الأمر بالتكرار. وليس لأحد أن يقول: ولم لا يصح أن يأمر بالواقع من الفعل بعد وجوده، لأن جواز القول بذلك قول بإيجاب إعادة الفعل على المكلف بشريطه عدمه، أو بأن يفعله مع بقائه إن كان المطالب بذلك ممن يجوز بقاء بعض أفعال المكلف. وقد بينا في الكلام في أصول الدين استحالة تعلق قدرة كل قادر بالباقي الكائن بغير حدوث. وبينا أنه لا يصح أن يؤمر العبد بإعادة الفعل بعد عدمه، من حيث لم يتميز له ويعرفه بعينه، وإن جاز إعادة القدرة عليه. وأما من أحال إعادة شيء من أفعال العباد الباقي منها وغير الباقي، فلا يسوغ له هذه المطالبة. وجملة المعتمد في وجوب تكرر مثل الفعل لتكرار الأمر، إذا لم يكن على وجه التأكيد أن من حق كل أمر بالفعل إذا تجرد أن يكون معلقا بمأمور به فإذا لم يرد على التكرار وجب تكرار الفعل بحق كل واحد منهما. ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا * إنَّ

стр. 578

مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إنه قال: "لن يغلب عسر يسرين" لأنه عقل بتكرر ذلك العسر المعرف بالألف واللام عسرا واحدا، وبتكرر اليسر منكرا يسرين، فقال لن يغلب عسر يسرين. وقد قيل: إن اليسرين الذين يكونان مع العسر، يسر الدنيا بالفرج وإزالة العسر بعده، ويسر الآخرة بالثواب على الصبر على العسر، والضنك العارض للعبد في الدنيا. ويدل على ذلك ويوضحه ما عليه الفقهاء من وجوب حمل الإقرارين والوصيتين والطلاقين، وكل ما يتأتى /ص ١٩٣ تغاير موجبه على موجبات متغايرة دون التكرار، ولذلك أوجبوا بقول القائل: له علي دينار ودينار ثلاثة دنانير. وكذلك إذا قال في وصيته يعطي زيدا دينارا. وكذلك لو قال: هي طالق هي طالق وجب عليه تكرار الطلاق، ولا وجه لحمل من حمل ذلك في الوصية والإقرار على التأكيد دون التكرار مع احتمال تغاير موجبه وكون كل واحد منهما متعلقا بمتعلق يستند به لو انفرد عن صاحبه. فإن قال قائل: فهلا وقفتم في تكرار الأمر، وجوزتم أن يكون المراد به التأكيد دون تكرار أمثال الفعل لكونه محتملا لذلك، كما وقفتم في لفظ الأمر والعموم، وسائر ما أخبرتم باحتماله.

стр. 579

قيل: لأجل أن كل لفظة من تلك الألفاظ لفظة واحدة معرضة ومحتملة للأمرين والأمر الثاني بالفعل قول غير الأمر الأول، منفصل عنه. ولكل واحد منهما موجب غير موجب الآخر. ومتعلق إذا انفرد. والاجتماع لا يخرجه عن ذلك، فافترق الأمران. فصل: وليس يبعد أن يقال: إن مثل هذا اللفظ يحتمل التأكيد للأمر بفعل واحد، ويحتمل تكرار المأمور به إذا جعل أوامره متغايرة، وإن كان الظاهر أنها أقوال وأوامر متغايرة، لو انفرد كل شيء منها لاقتضى فعلا مأمورا به. فصل: وقد بينا من قبل إنه لا خلاف في أنه إذا كان أحد الأمرين المعطوف أحدهما على الآخر أمرا بخلاف متضمن الأول. فإنه موجب لفعلين. نحو قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وأمثال ذلك، لأنه أمر بجنسين مختلفين. وكذلك الأمران المعطوف أحدهما على الآخر إذا كانا أمرين بضدين، نحو أن يقول له اسكت وانطق، وقم واقعد، وأمثال ذلك غير أنه لا يرد هذا في الشرع، إلا على مذهب التخيير بينهما، إن كان وقتهما واحدا، ويقدر ذلك تقدير قوله: قم أو اقعد، وانطق أو اسكت. وإن تغاير وقتاهما حملا على فعلين ضدين في الجنس غير أنهما موجودان في وقتين. وذلك غير متضاد لتغاير الوقتين. وإنما يقع الالتباس،

стр. 580

والاحتمال في الأمرين المعطوف أحدهما على الآخر إذا كانا أمرين بنوع واحد من الفعل، وكانا واردين قبل وقوع الفعل. وقد بينا القول في ذلك بما فيه بلاغ وإقناع /.

стр. 581

باب البيان عن حكم الأمر الوارد بالتخيير بين أشياء وهل المأمور به واحد منها أو جميعها اعلموا - رحمكم الله- إنه لا خلاف نعرفه في جواز تكليف فعل أشياء على جهة التخيير، وإنما الخلاف الحادث هو أنها واجبة كلها أو الواجب منها واحد بغير عينه. وهل يكون وقتها واحدا أو يجوز تغاير أوقاتها. والواجب عندنا في هذا أن من حكم المخير فيه في حكم الشرع أن يكون حكمه في الشرع واحدا، وأن يكون وقته واحدا، وأن يكون معلوما متميزا للمخير فيه. وقد نبهنا على هذه الجملة بما يغني عن إعادته. وإنما وجب أن يكون حكم المخير فيه واحدا. لأنه إذا كان بعضه واجبا وبعضه ندبا وبعضه مباحا لم يكن مخيرا فيه، بل لكل شيء من ذلك حكمه. وكذلك إذا تغايرت أوقات الأفعال المأمور بها لم يكن المكلف مخيرا فيها في ظاهر التكليف إلا أن يدل على ذلك دليل وإلا فمن حق التخيير بين فعلين أن ينوب أحدهما مناب الآخر في وقته.

стр. 582

ولا بد على كل حال من أن يكون المخير فيه معلوما متميزا. فصل: والذي يدل على جواز تكليف الأفعال على وجه التخيير هو ما يدل على صحة الأمر بكل واحد منهما بعينه بغير تخيير من حيث (جاز إيقاعه) بعينه، وكذلك المخير بين المختلف والمتضاد من الأفعال يمكن إيقاع كل شيء منه بدلا من غيره. فوجب أن يكون التكليف لفعله على هذا الوجه صحيحا. فصل: واعلموا أنا قد بينا من قبل أنه ليس من حق الآمر وشرطه أن يكون مريدا للمأمور به. فإذا ثبت ذلك وجب أن نقول إن الله تعالى إذا خير المكلف بين أفعال هي أبدال كالكفارات وما جرى مجراها أن نقول إنه إن كان المعلوم من حال المكلف إنه لا يفعل شيئا منها ويجمع بين تروكها فهو غير مريد لشيء منها بل مريد لترك جميعها، وإن علم أنه يفعل واحدا منها وجب أن يكون مريدا لإيقاع ما علم أن المكلف فاعل له. وأن علم أن المكلف يجمع بين جميعها فهو مريد للجمع بينها. هذا هو الواجب في هذا الأصل على ما بيناه في التعديل والتجوير وفصول القول في التكليف في الكلام في أصول الدين.

стр. 583

وكشفنا - أيضا- الكلام في استحالة إرادة الله تعالى لما لا يقع، ووقوع ما لا يريده /ص ١٩٥ في سلطانه في الكلام في القدر بما يغني متأمله هناك. وهذا الخلاف لنا في هذا من أصول القدرية التي ليست من دين الفقهاء في شيء. وقد أجمع الكل من سلف الأمة وأئمة الفقهاء على أن الواجب من المخير فيه من الكفارات وغيرها واحد بغير عينه. وعلى أنه أي شيء منها فعل فهو الواجب وتبرأ بفعله الذمة إذا تلبس به المكلف وفعله على وجه البدل، لا على الجمع. وقد زعمت القدرية أنه إذا كان الأمر بالتخيير للمكلف بين أفعال هو المصلحة والتخفيف للمحنة وجب على الله تعالى تكليف ذلك على البدل لا على الجمع. وزعموا أنه متى علم أن مصلحة المكلف متعلقة بكل واحد من المخير فيه على حد سواء لم يجز في حكمه إلا تكليف ذلك على الجمع لا على البدل. وهذا الأصل عندنا باطل، لأن لله تعالى أن يكلف من ذلك ما شاء، وعدل منه تكليف التخيير إذا علم أنه مصلحة. وتخيير الجمع إذا علم ذلك، وتكليف ما يعلم أنه ليس من مصلحة المكلف على ما بيناه في التعديل والتجوير.

стр. 584

وقد ورد التكليف بالتخيير بين أشياء في كثير من العبادات، لأن الله تعالى قد خير بين الكفارات الثلاث ولو تؤمل أكثر العبادات لوجد تكليف التخيير فيها إلا القليل، لأن الله تعالى قد كلف الكفارات على التخيير. وفي موضع آخر على الترتيب وفي الموضع الذي يجب فيه الترتيب تخيير من وجه لآخر، لأنه إذا ألزمته الرقبة، فكان في ملكه رقاب كثيرة كان مخيرا بين عتق أيها شاء، لأنه بمثابة واحدة، ولا خيار له في الانصراف عن عتق رقبة وهذه حاله، لكنه مع ذلك مخير في الرقاب. وربما قل تخييره، وربما اتسع، وربما تعذر التخيير في تكليفه، لأنه إذا ملك الكثير من الرقاب كثر تخييره. وإن قل كان بقدر ملكه. وإن كان مالكا لاثنتين كان مخيرا بينهما فقط. وإن ملك واحدة تعين عليه عتقها وزال التخيير، إلا أن يقيم غيرها مقامها. وكذلك التخيير في الوضوء بأي ماء طاهر شاء في ملكه. والحج بأي مال شاء من أمواله. وأمثال هذا كثير، وذكر بعضه كاف عما عداه. فصل: واعلموا أن التخيير يصح بين فعل الضدين ، كما يصح بين المختلفين ويصح - أيضا- بين فعلين مثلين إذا كانا متميزين للمكلف. والأفعال كلها لا تخلو أن تكون مختلفة متضادة أو مختلفة /ص ١٩٦ غير

стр. 585

متضادة أو متماثلة غير مختلفة ولا متضادة. فأما الضدان الخلافان فإنهما نحو الكلام والسكوت والحركة والسكون، وأمثال ذلك. وأما المختلفان غير المتضادين فكالصيام والعتق والإطعام، وذلك مختلف غير متضاد ولا متماثل. وأما المشتبهان فعلى ضربين: إما أن يتميزا أو لا يتميزا. فإن تميزا صح التخيير بينهما، وإن لم يتميزا لم يصح ذلك، لأنه لا يصح وقوع أحدهما بدلا من الآخر لا لخروجهما عن إمكان المكلف لكن لتعذر التمييز لهما ومعرفة الفصل بينهما، وهذا هو الذي استقر عليه التكليف، لأن العبد لا يميز في وقتنا هذا بين مثلين من أفعاله وقتهما واحد والتعبد بهما على وجه واحد، لأنه لو قيل له اضرب زيدا وقد خيرناك في أن تفعل في الوقت الواحد ضربا له من ضربين، أو مثل ضرب كثير، لكان يجب أن يعرف أعيان المخير فيه وتفصيله، وذلك غير معلوم للعبد، ولكن لو قيل له اضربه بيمينك إن شئت أو بشمالك لتميز له لتمييزه بين الجارحتين. ولو قيل له: قد خيرناك بين ضرب أو ضربين يقع بيمينك لم يعرف تفصيل ما يقع بيمينه. وقد بينا من قبل أنه لا يصح التكليف والتخيير إلا بين ما يعرفه المتعبد ويميزه لكي يقصد إليه بعينه أو إلى تركه. وكذلك لو قيل له: صل لزوال الشمس أربع ركعات وأنت مخير بين أربع وبين مثلها في صفتها لم يتميز له علم ذلك. فصل آخر من فصوله وهو أن يعلم أن من المخير فيه ما يصح من المتعبد جل وعز أن يريد الجمع بينه، ومنه ما لا يصح ذلك فيه. فالمختلف الذي لا يضاد تصح الإرادة لاجتماعه، كالصيام والإطعام، ونحو ذلك. ومنه ما لا تصح الإرادة لجمعه، وهو المتضاد، لله تعالى ممن يعلم تضاد كل متضادين واستحالة اجتماعهما، ولا يصح منه مع العلم بذلك الإرادة للمحال. ولكن قد يصح من المخلوق أن يريد الجمع بين

стр. 586

الضدين إذا توهم كونهما غير ضدين لشبهة تدخل عليه. وذلك مستحيل في صفة الله تعالى. فصل آخر من فصول هذا الباب ومن المخير فيه ما لا يصح الجمع بينه بحال، وهو كل متضادين /ص ١٩٧ من الأجناس نحو القيام والقعود والكلام والسكوت، وأمثال ذلك، ومنه مختلف يصح الجمع بينه، كالكلام والقيام والعتق والإطعام والصيام، وكل ما يمكن اجتماعه من فعل المكلف. فصل: وكل ما صحت الإرادة لاجتماعه فإنه يصح إطلاق اجتماعه على وجه الإباحة له أو الندب إليه أو الإيجاب له. والمخير فيه الذي يصح اجتماعه على ضربين: فضرب من قد جوز السمع الجمع بينه وندب إليه. وإن كان الواجب منه واحدا وهو أعظمه ثوابا على ما نبينه فيما بعد. وضرب منه مخير فيه ومحرم الجمع بينه. وذلك نحو تخيير الأمة في عقد الإمامة لأي رجل شاءوا إذا استوت أحوالهم في كمال خصال الإمامة وحمل أعبائها. والقيام بواجباتها. ونحو تخيير ولي المرأة في عقد الزوجية لأي أكفائها شاء، وتحريم الجمع بين عقدين لإمامين ولزوجين. وتخيير المسافر بين الصيام والإفطار عند من رآه من باب التخيير دون الرخصة ونحو تخيير العالم بين التحليل والتحريم عند تقاوم الأشباه وتخيير الحاكم في الحكم بالشيء وضده إذا تقاوما وحظر الجمع بين ذلك، في أمثال هذا مما يطول تتبعه. وهذه جمل في كشف هذا الباب. وقد قلنا فيما سلف أن الذي عليه سلف الأمة وفقهاء

стр. 587

الأمصار القول بأن الواجب من الكفارات الثلاث، وكل مخير فيه على ذلك الوجه واحد بغير عينه دون جميعه. وقد زعم كثير من القدرية وقوم من نوابت الفقهاء، والمتبعين لهم على بدعتهم هذه أن الكفارات الثلاث، وكل مخير فيه واجب بأسره. ومحال بزعمهم قول من قال إن الواجب فيه واحد بغير عينه. واعلموا أنه ليس مراد الأمة والفقهاء بقولهم إن الواجب من الكفارات الثلاث واحد بغير عينه أن فيها واحدا بعينه عند الله تعالى هو الذي أوجبه دون غيره حتى لو فعل المكلف غير ذلك الواحد لم يجزئه. وكان بمثابة من فعل شيئا غير الكفارات الثلاث في أنه فعل غير الواجب ويكون معنى قولهم بغير عينه أنه معين معلوم عند الله تعالى تعلق الوجوب به دون غيره. وإن كان غير معلوم ولا متميز

стр. 588

لنا، هذا ليس بقول لأحد من الأمة لأن أقل ما فيه أن يكون معينا وإن جهلناه، وأن يكون غيره لا يجزئ إذا فعل لأنه غير واجب. وأن يكون قد كلفناه واجبا مخصوصا من غيره ولم /ص ١٩٨ يجعل لنا إلى تمييزه سبيلا، وذلك باطل باتفاق. وإنما يعنون بقولهم إن الواجب من ذلك واحد بغير عينه أن الواجب الذي اشتغلت به الذمة واحد من هذه الثلاثة قد خير في أيها شاء. فإذا لم يفعل ولم يختر إيقاع واحد منها كان الواجب باقيا في الذمة ومتعلقا بواحد وله فيه الخيار. وإن اختار واحدا منها ففعله صح أن يقال قد تعلق به الوجوب وبرئت به الذمة وإن اختار الجمع بين ذلك أجمع قيل إن الوجوب تعلق بأعظمها ثوابا وأشقها على النفس وأثقلها لكي يثاب على أشقها. وما عداه هو متطوع به. وإنما وجب ذلك لحصول الإجماع على أنه لا بد من أن يثاب على أعلاها وأعمها نفعا كما يثاب على أدناها. وإذا فعل الأعلى والأدنى، فقد اتفق على أنه مثاب على الجميع وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يكون أحقها بالوجوب أدناها، بل أعلاها وأكثرها ثوابا وجب بهذا الإجماع أن يكون الواجب منها أعلاها. وقال كثير من الناس: إن العتق هو الواجب منها إذا فعلت معا لأنه أعمها نفعا وأكثرها تأثيرا في المال. وهذا مما لا يجب القطع به، لأنه قد يكون ذلك كذلك إذا كانت الحال ما وصفوه في العتق وكانت أعم نفعا. وقد يكون الإطعام أحيانا أعم نفعا وأشد لفاقة الفقراء. وأعظم تأثيرا في إقامة النفوس والأرماق. ويكون قدر المكفر به عند القحط والجدب أكثر ثمنا وثلما للمال من قدر ثمن

стр. 589

رقبة، ويكون تكلف جمعه وإخراجه إلى أهله أشق وألم. فعلم أنه لا معتبر بما ادعوه. فصل: فإن قال قائل: فما تقولون إذا لم يفعل شيئا من الكفارات، بم يعاقب على تركها جميعها أم على ترك التكفير بواحد منها؟ قيل له: لا بل على ترك الواحد منها فقط. وهذا أحد الأدلة على أن الواجب منها واحد بغير عينه، لأنها لو كانت كلها واجبة لوجب أن تكون واجبة كلها إذا فعلت وجمع بينها. وهذا خلاف الإجماع، وأن يستحق العقاب بترك جميعها إذا جمع بين تروكها. وهذا - أيضا- خلاف إجماع الأمة. فثبت أن الواجب منها إذا جمع بينها واحد غير معين. فإن قيل: فعلى أيها يستحق العقاب إذا ترك جميعها؟ قلنا: يجب استحقاقه على أدناها وأخفها وأقلها ثوابا إذا فعل. والدليل على ذلك أنه /ص ١٩٩ لو فل لبرئت به الذمة، وأدى به الواجب، وسلم فاعلها من المعصية واستحقاق العقاب، فثبت بذلك ما قلناه. وأن الواجب منها واحد بغير عينه. وأن المستحق من العقاب إنما هو على ترك أدناها إذا جمع بين تروكها. فصل: واعلموا - رحمكم الله- أن من حق الواجب المخير فيه أن يكون كله مستويا في الحكم. إما أن يكون مباحا كله أو ندبا كله أو واجبا كله. ومحال التخيير بين المباح والندب والواجب والنفل، وهذا متفق على فساده. وكذلك يجب أن يكون وقتهما واحدا. لأن ما تغاير وقته فلا تخيير فيه. وأن يكون متميزا للمكلف على ما قلناه من قبل وهذا ذكر الحجة على أن الواجب من ذلك واحد بغير عينه. فأحد ما يدل على ذلك ما ذكرناه من الإجماع على أنه إذا جمع بينها لم يكن

стр. 590

كلها واجبة. وإذا جمع بين تروكها لم يستحق العقاب على جميعها، بل على ترك الواحد منها، فلو كانت كلها واجبة لوجب استحقاق العقاب على ترك جميعها. وهذا باطل باتفاق. ولوجب أن يكون سائرها واجبة إذا جمع بينها. وهذا - أيضا- خروج عن الإجماع فصح ما قلناه. فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون الواجب جميعها قبل الفعل. فإذا فعل المكلف واحدا منها خرج الباقي عن الوجوب؟ قيل له: هذا باطل لأن الأشياء إذا جمع بينها في الوجوب لم يكن فعل البعض منها مسقطا لفعل باقيها. وإنما يسقط ذلك بخروج وقته أو النسخ له وبفعل الواحد من الكفارات الثلاث لم ينسخ الباقي منها ولا خرج وقته. ولا يخرج المكلف عن صفة من يلزمه فعل باقي ما وجب عليه، فيجب بقاء الواجبات عليه وإن فعل الواحد من الكفارات. وهذا خلاف الإجماع فسقط ما قالوه. ويبين هذا ويوضحه أنه إذا اجتمع على المكلف وجوب الصلاة والزكاة والصيام ففعل الواحد من ذلك لم يسقط عنه فعل الباقي لوجوب جميعه عليه لا على البدل والتخيير، وهذا واضح في إبطال ما قالوه. ومما يدل على ذلك أيضا اتفاق الأمة قبل حدوث المخالف في ذلك على أن الواجب من الكفارات واحد بغير عينه، فثبت ما قلناه. فإن قالوا: نحن لا نخالف الإجماع في هذا /ص ٢٠٠ ونقول إنه إذا فعل جميعها فالواجب منها إما أعلاها أو غيره على الخلاف في ذلك. وكذلك لا نقول قبل أن يفعل أنها واجبة بأسرها على الجمع بينها. وإنما هي واجبة على التخيير، وعلى أن أدونها إذا فعل برئت الذمة به.

стр. 591

يقال لهم: هذا هو القول بأن الواجب منها واحد بغير عينه، لأن القائلين بذلك إنما يعنون بقولهم إن الواجب واحد بغير عينه نفس ما قلتم. فصار هذا خلافا في عبارة لا في معنى. ومن أقوى الأدلة على ذلك إجماع الأمة على أن الله قد خير بين أمور حرم الجمع بينها، وجعل تعلق الأمر بكل واحد منها. بأن يفعل منفردا عن غيره كتعلق الأمر بالآخر على وجه سواء. نحو أن يأمره بالعقد على وليته من كل كفؤ لها بدلا من غيره وتحريمه الجمع بين عقدين على اثنتين ممن خير بين العقد على جميعهم. وكأمر أهل الحل والعقد من الأمة بالعقد لإمام عند الحاجة إليه وعدم إمام وذي عهد من إمام وتحريمه الجمع بين العقد لاثنتين. وكذلك القول في تخيير المفتي والحاكم في الحكم والفتيا بأي الحكمين المتقاومين عنده وتحريمه الجمع بين ذلك. فلو كان التخيير يقتضي إيجاب الجمع بين المخير فيه، وهو عندهم لا يجب في حال وجوده وفعله. وإنما يجب قبل كونه لوجب أن يكون قد أوجب على المكلف جميع ما ذكرنا من الجمع بين هذه الأمور المحرم الجمع بينها، لأنه مخير فيها ولتساويها عنده تعالى في معلومة في صفة الوجوب بدعواهم وامتناع تعلقه ببعض ما له صفة الوجوب دون بعض. ولو كان ذلك كذلك لوجب لا محالة الجمع بين هذه الأمور. ولما أطبقت الأمة على إبطال ذلك، وإخراج القائل به عن الملة علم أن الوجوب إنما يتعلق بالواحد منها منفردا عن غيره. وهذا هو الذي قلناه بعينه. فصل: فإن قالوا: ما أجمعت الأمة في هذا على ما ادعيتم، بل يجب على المكلف تزويج المرأة من جميع أكفائها. ويلزم الأمة نصب كل ما يصلح لإمامتها سقطت مكالمتهم، وظهرت مفارقتهم للدين وقيل لهم مع ذلك فيجب /ص ٢٠١، إذا فعل

стр. 592

البعض من ذلك أن يبقى وجوب الباقي عليه بحاله، لأنه لم تنقلب صفته، ولا خرج وقته، ولا نسخ بعد جوبه. فإن مروا - أيضا- على هذا ازدادوا خروجا عن الإجماع، وإن أبوه بطل قولهم. ويقال لهم - أيضا- أليس إنما يكون الشيء واجبا في الحقيقة عندكم قبل وقوعه. فإذا فعل وصف بالوجوب مجازا واتساعا؟ فإن قالوا: أجل. قيل لهم: وهذا التحريم للجمع بين الأفعال قبل وجودها أو إذا وجدت أو بعضها. فإن قالوا: في حال وجودها أو وجود بعضها أقروا بتحريم الموجود الذي لا يصح تكليف فعله ولا تركه، ولا القدرة عليه، وذلك باطل على أصولهم. وإن قالوا: إنما يحرم الجمع بينها في حال عدمها وقبل فعلها وفعل بعضها. قيل لهم: أليس قد وجب عندكم فعل جميعها قبل التلبس بها وبواحدة منها؟ فإذا قالوا: نعم. قيل لهم: فقد أوجب على المكلف قبل وجودها إيقاع جميعها وحرم عليه مع ذلك الجمع بينها. وهذا بعينه هو تكليف ما لا يطاق، والتخليط الظاهر عند سائر الأمة في حكم ما استقر من العبادات، وما جاءت به الشرائع. وإذا تناقض هذا القول وفسد ثبت أن التخيير بين أمور متساوية الأحوال في المصلحة في العلوم إذا وجدت لا يقتضي إيجاب جميعها وإن تساوت عند الله

стр. 593

تعالى في صفة الوجوب، وهذا واضح في فساد ما دانوا به. ويدل على فساد قولهم - أيضا- إنه لو كان المخير فيه واجبا كله قبل وقوعه لوجب على المكلف أن ينوي فعل جميع الكفارات الثلاث على الجمع وعلى وجه ما وجبت عليه قبل الامتثال. وهي كلها عندهم واجبة عليه. فوجب أن ينويها على هذا الوجه، وذلك خلاف الإجماع فسقط ما قالوه. وقد شغب بعضهم فقال عند سؤالنا عن الجامع بين الكفارات الثلاث، أهي واجبة كلها أم /ص ٢٠٢ الواحد منها؟ فقال: هذا سؤال لا معنى له، لأنه بفعلها قد خرجت عن الوجوب، وإنما تكون واجبة قبل الفعل. فيقال له: هذا لا ينجي، لأنها إذا كانت واجبة كلها قبل وجودها كانت إذا فعلت فقد فعل ما كان واجبا كله، ووجب الثواب على جميعها والعقاب على تروكها، فيكون الوجوب متعلقا بها على وجه واحد، ولا جواب عن ذلك. وقال بعضهم: لا أعرف الواجب منها إذا جمع بينها. يقال له: كيف لا تعرف وجوب جميعها. وأنت قد زعمت أن جميعها كان واجبا على حد سواء قبل وقوعها. وإيقاعها على وجه الجمع لا يخرجها عن تعلق الوجوب بسائرها وكونها في المصلحة على وجه واحد. وهذا ظاهر السقوط في قولهم. وقال بعضهم: إذا جمع بين سائرها كان الواجب منها عند الله واحدا واثنان منها نفلا. وهذا خبط منه، لأن الوجوب كان متعلقا بجميعها على حد سواء،

стр. 594

فكيف يخرج اثنان منها عن الوجوب، وهو متعلق بهما كتعلقه بما قالوا إنه الواجب عند الله، كل هذا اختلاط ظاهر فصل: في ذكر شبههم في أن المخير فيه واجب كله. قالوا: يدل على هذا أمور منها: إنه لو كان الواجب منها واحدا بغير عينه لكان الواجب غير متميز من غيره مؤديا إلى الجهل بالواجب وذلك ممتنع في التكليف. وهذا باطل، لأن المخير فيه كالواجب من الرقبة إذا كان في ملكه رقاب كثيرة. وإنما يجب منها عتق واحدة غير معينة. وإذا وقع العتق عليها تعينت. ونحو وجوب قضاء الدين الذي في الذمة، وإخراج الزكاة من دراهم غير معينة. فهذا اتفاق، وليس فيه ما يؤدي إلى الجهل بالواجب. فبطل ما قالوه. واستدلوا على ذلك بأن قالوا: لو كان بعض المخير فيه هو الواجب بغير عينه، وكله متساو عند الله تعالى وفي تعلق مصلحة المكلف به لوجب أن يكون قد أوجب سبحانه بعض ما له صفة /ص ٢٠٣ الوجوب، وأسقط وجوب مثله، وذلك ممتنع في حكمته. فيقال لهم: هذا باطل من وجهين: أحدهما: إنه لا صفة عند الله لما أوجبه وفي معلومة يقتضي وجوبه دون حظره وإباحته. وكذلك القول في كل فعل محكوم فيه ببعض الأحكام، على ما

стр. 595

بيناه في صدر الكتاب. والوجه الأخر: هو أنه لا يمتنع في حكمته أن يوجب بعض ماله صفة الوجوب, (ويسقط مثله) , وبعض مافيه مصلحة المكلف, ويسقط مثله, بل لا يمتنع أن لا يكلفه شيئا من مصالحه, لأنه لا يجب عليه سبحانه للعبد بشيء على وجه, فسقط ماقالوه. قالوا: ويدل على ذلك- أيضا- أنه لو كان الواجب من المخير فيه واحدا بغير عينة. كان غير متعين للمكلف, وإنما يتعين عندكم بالفعل به ونية الوجوب ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون معينا عند الله تعالى لكونه سبحانه عالما بما يفعله المكفر من الثلاث وما ينوي وجوبه منها. وإذا كان ذلك معلوما له فقد علم أن ذلك الواحد هو الواجب الذي يفعل ويعتقد وجوبه. فوجب تعلق الوجوب به وحده. وأن يكون هو المراد لله تعالى دون غيره. وأن يعلم أن غيره ليس بواجب. وأن لا تخيير بين ما يعلم وجوبه. وبين ما يعلم أنه ليس بواجب. وأن لا يجزئ المكلف غير ذلك المعلوم وهذا خلاف الإجماع, فبطل ما (زعموا وثبت ما قلناه). يقال لهم: هذا فاسد من وجوه: أحدهما: إن الوجوب وإن تعين بالفعل واعتقاد الوجوب والنية له. فهو قبل الفعل غير متعين ولا منوي وجوبه, ولا يجب إذا علم الله أن المكلف يختار واحدا منه ويفعله أن يكون متغير الوجوب قبل وقوعه, لأنه قبل وقوعه غير

стр. 596

مفعول ولا منوي وجوبه, فلا يجب أن يكون متعينا لأجل علم الله تعالى بأنه هو الذي يفعل ويختار وإنما يتعين بالفعل, وقبل أن يفعل فليس بواقع. وإذا كان ذلك كذلك سقط ما تعلقوا به. يقال لهم: لو كان ما قلتموه واجبا لوجب تعين رقبة من جملة الرقاب التي في ملك المكفر إذا علم الله سبحانه أنه إنما يعتق ⦗٢٠٤⦘ رقبة منها بعينها, وأنه يتعين وجوبها بإيقاع العتق عليها, وهذا خلاف الإجماع, لأنه لا أحد يقول: إن الواجب من هذه الرقاب ما علم الله سبحانه أن العتق يقع عليها دون غيرها حتى لو اعتق المكفر غيرها لم تجزئه, ولم تكن واجبة، فبطل ما قلتموه. ثم يقال لهم: لو كان علم الله تعالى بإيقاعه يوجب تعيينه ووجوبه دون غيره لم يستنكر أن يكون غيره الذي ليس بواجب لو فعل حالا محله ونائبا منا به. كما زعم بعض الفقهاء أن الصلاة في أول الوقت نقل, وأنها تنوب مناب الفرض. وكما كان المنهي عنه حالا محل المأمور به. وإذا كان كذلك. وكانت الأمة قد أجمعت على أن التكفير بكل واحد من الكفارات مجزئ وواقع موقع الوجوب, وجب أن لا يضر تعيين الواحدة بالوجوب عند الله عو وجل, وفي معلومة. فإن قالوا: فقد أجمعت الأمة على أن المكفر بكل واحدة منها لو فعلها هي الفرض الواجب. ولا يصح أن يقال إنها نفل أو معصية نائبة مناب الفرض.

стр. 597

يقال لهم: فهذا الذي يدل على فساد قولكم بأن تقدم علم الله سبحانه باختيار المكلف لأحدهما يعين وجوبه عنده تعالى, وفي معلومة، فبطل ما قلتموه من كل وجه. والأولى الجواب بما قدمناه, لأنه إذا كانت الكفارة إنما يتعين وجوبها بعلم الله بالتلبس بها, فمحال أن يتلبس بغير ما في المعلوم أنه يتلبس به حتى يقال إنه لو وقع كذلك لناب مناب المعلوم المتلبس به, ولأنه إذا تعين بالتلبس به, فلا سيء منها يوقعه إلا وهو المعلوم التلبس به, ومعلوم أنه يتلبس به. فلا يتصور التلبس من ذلك بما ليس بمعلوم, فوجب الاعتماد على ما قلناه. فصل من فصول القول في ذلك واعلموا- رحمكم الله- أن المخير فيه المعتزلة على ثلاثة أقسام: فقسم منه مخير فيه. وقد أريد فعله منفردا من الآخر, وكره الجمع بينه وبين الآخر, كالتخيير في عقد الإمامة وعقد الزوجية, وما جرى مجرى ذلك من كل محرم الجمع بين اثنين منه. والقسم الثاني منه: مخير فيه. وقد أراد الله سبحانه ⦗٢٠٥⦘ الجمع بين فعله كالكفارات الثلاث, فإذا جمع بينها في الفعل كان الواجب منها واحدا. وهذا الضرب عندهم وإن أراد الله سبحانه الجمع بينه فيما كره ترك اثنين منه. وإذا وقع مع الثلاث, كان كله مرادا. فلذلك قالوا: إن الواجب منه إذا وقع واحدا, واثنان منه ندب. ويجب على هذا القول أن يكون الواجب من ذلك ما تقدر

стр. 598

إرادته والكراهة لتركه, وما أريد ضمه إليه ولم يكره تركه هو النفل. وهذا القول منهم نقض ظاهر لقولهم: إن الكفارات الثلاث واجبة كلها قبل الفعل لتساوي حالها في تعلق مصلحة المكلف بكل واحدة على وجه واحد, لأنه قول يوجب كون جميعها واجبا إذا وقعت ومرادة. ومكروها ترك جميعها إلى رابع سواها ومكروها ترك واحد منها بفعل الآخر, لأنه واجب كوجوب تركه سواء قبحت على هذا الأصل كونه تعالى مويدا لجميعها إذا فعلت على وجه واحد, وكارها للجمع بين تروكها برابع سواها, أو بأن لا يفعل جملة بغير ترك لها إن كان في فعل العبد مالا ترك له, أو ما يجوز أن يخلو منه ومن تركه. ويجب أيضا كونه. كارها لترك كل شيء منها بفعل آخر لاستوائها في الوجوب. وذلك يقتضي وجوب الجمع بينها. ويبطل معنى التخيير على ما بيناه من قبل. والقسم الثالث: مخير في الجمع بينه. وقد أراد الواحد منها. ولم يرد الآخر ولم يكرهه, وذلك عندهم نحو التخيير بين ستر العورة وترك سترها. فإن كثيرا منهم يقول: إنه وإن خير في ذلك, فإنه قد أراد ستر العورة, ولم يكره ترك ذلك, ولم يرده, وهذا قول يوجب أن يكون سترها نفلا مرادا فعله, وإن لم يكره تركه. وقد بينا نحن فيما سلف أنه تعالى يريد من المكلف فعل ما يعلم انه يقع منه من الجمع بين ما يحل جمعه, أو الجمع بين ما ما يحرم جمعه, أو أن لا يفعل من ذلك شيئا إذا كان المعلوم أنه لا يفعل شيئا منه. فأغنى عن هذا التفصيل.

стр. 599

باب القول فيما يعلم به التخيير بين الأفعال فإن قيل: فبأي شيء يعلم التخيير بين الفعلين؟ قيل له: إذا علم أنهما متباينان غير ممتنعين ولا أحدهما. وأن وقت تكليفهما واحد. وعلم مع ذلك تساوي حالهما في الحكم بأن يكونا تدبين أو واجبين على بيناه من قبل وعلم أنه لم يؤمر بالجمع بينهما. فإن قيل ⦗٢٠٦⦘ وما القول الذي به يعلم التخيير بين الأفعال؟ قيل له: قد يعلم ذلك بأن يقول ﵇: إن فعلت هذا أجزأك (وإن فعلت هذا أجزأك) وهذا ينوب مناب هذا, ويقوم مقامه. وهذا فرضك إن فعلته وهذا- أيضا- فرضك إن فعلته بدلا منه. وإن فعلت هذا فلا ضيق ولا حرج. وإن فعلت هذا فكذاك, وأمثال هذا من ألفاظ التخيير. وقد يقع من فعله ﵇ ما يجرى مجرى البيان بقوله نحو القراءة بحرف. والقراؤة تارة بغيره. والمسح تارة ببعض الرأس وبكله أخرى عند مجيز ذلك. والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم مرة وتركه أخرى. وجمع الناس للتراويح تارة وتركه أخرى. وليس القصد من هذا تصحيح مسألة بعينها في باب التخيير, ولكن بيان ما علم أنه يفعل تارة ويفعل غيره أخرى, ويتركه ويفعله على وجه الإتباع لحكم الشرع. فإن هذا ربما كان أوضح في الكشف عن التخيير من القول وربما حل محله. وقد يعلم التخيير بين الفعلين بأن يرد التعبد بفعلهما في وقت واحد مع العلم بتضادهما في العقل أو الحكم. فإذا قيل للمكلف قم واقعد, وانطق واسكت عقيب أمرك في وقت واحد وعلم تضاد ذلك علم أنه على التخيير لا على الجمع,

стр. 600

لأن من حكم ما أمر به على الجمع أن يكون ممكنا جائزا, والجمع بين الضدين محال ممتنع. وليس هذا من التعبد في حكم الشرع. وأما ما يجري مجرى التضاد في حكم الشرع, لا في قضية العقل من حيث يحرم الجمع بينهما, فيجب جمل الأمر بهما على التخيير إذا تساوت الحال في نفس المكلف للفعل أو المجتهد المفتي, وهذا نحو الواجب بقوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقد ثبت بالإجماع والتوقيف تحريم الاعتداد بالجمع بين الحيض والطهر. وأنت الواجب الاعتداد بأحدهما على حسب ما يؤدي إليه الاجتهاد. وكذلك حكم إلحاق الفرع بالأصل مع تقاوم الأشباه بأصلين متضادين في أن العالم المتقاوم ذلك في نفسه مخير في الرد إلى أيهما شاء. ومحرم عليه الرد إليهما. وكذلك حكم العامي في الفتاوى المتضادة في حادثة في أنه مخير في الأخذ بقول أي العلماء شاء ⦗٢٠٧⦘ إذا اعتدلوا عنده في العدالة ومنزلة الاجتهاد فيجب تأمل هذا الباب وإجراؤه على ترتيب ما وصفناه.
следующие страницы →